الكلمة التاسعة: التحذير من قذف المؤمنين والمؤمنات
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فإن القذف من كبائر الذنوب التي حرمها الله ورسوله، ورتب عليها الحد في الدنيا، والعذاب في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾ [النور: ٤]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم﴾ [النور: ٢٣].
«ومعنى الآية الكريمة: أن الذين يقذفون بالزنى المحصنات الحرائر العفيفات العاقلات، ثم لم يأت هؤلاء القذفة بأربعة شهداء على ما رموهن به، فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا فرق بين كون المقذوف ذكرًا، أو أنثى، وإنما خص النساء بالذكر، لخصوص الواقعة ولأن قذف النساء أشنع، وأغلب، وإنما استحق القاذف هذه العقوبة صيانة لأعراض المسلمين عن التدنيس، ولأجل كف الألسن عن هذه الألفاظ القذرة التي تلطخ أعراض الأبرياء، وصيانة للمجتمع الإسلامي من شيوع الفاحشة فيه» (١).
стр. 2102
والقذف من السبع الموبقات التي حذر النبي ﷺ منها. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ» (١).
والمقصود بالقذف هو الرمي بالزنا، أو اللواط، سواء كان المقذوف رجلًا أو امرأة، قال الشيخ محمد صديق بن حسن خان: «التحقيق أن المراد من رمي المحصنات المذكور في كتاب الله هو أن يأتي القاذف بلفظ يدل لغة، أو شرعًا، أو عرفًا، على الرمي بالزنا ويظهر من قرائن الأحوال أن المتكلم لم يرد إلا ذلك، ولم يأت بتأويل مقبول يصح حمل الكلام عليه، فهذا يوجب حد القذف بلا شك، أو شبهة، وكذلك لو جاء بلفظ لا يحتمل الزنا أو يحتمله احتمالًا مرجوحًا وأقر أنه أراد الرمي بالزنا فإنه يجب عليه الحد، وأما إذا عرض بلفظ محتمل ولم تدل قرينة حال، ولا مقال على أنه قصد الرمي بالزنا فلا شيء عليه لأن لا يسوغ إيلامه بمجرد الاحتمال» (٢) اهـ. والمراد بلا شيء عليه يعني الحد، أما التعزير فلا بد منه، ويرجع ذلك إلى تقدير القاضي.
ويثبت حد القذف بأمرين:
стр. 2103
١ - إقرار القاذف، ويثبت ذلك بإقراره مرة لكون إقرار المرء لازمًا له.
٢ - شهادة عدلين كسائر ما تمضي فيه الشهادة، كما أطلقه القرآن.
أما عقوبة القاذف الدنيوية والأخروية إذا لم يقم بينة على صحة ما قال:
١ - أن يجلد ثمانين جلدة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾ [النور: ٤]. روى أبو داود في سننه من حديث عائشة ﵂ قالت: لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي، قَامَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ ذَاكَ وَتَلَا تَعْنِي الْقُرْآنَ، فَلَمَّا نَزَلَ مِنَ الْمِنْبَرِ أَمَرَ بِالرَّجُلَيْنِ وَالْمَرْأَةِ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ (١).
٢ - أن ترد شهادته دائمًا إلا إذا تاب وأصلح لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون * إِلَاّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم﴾ [النور: ٤ - ٥].
٣ - أن يكون من الفاسقين، قال تعالى: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾.
٤ - يكون عند الله من الكاذبين، لقوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٧].
٥ - أنه ملعون في الدنيا والآخرة، لقوله تعالى: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور: ٢٣].
٦ - أن له عذابًا عظيمًا ادخره الله له يوم القيامة، لقوله تعالى:
стр. 2104
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم﴾ [النور].
٧ - تشهد عليه جوارحه زيادة في الخزي، والعار على رؤوس الأشهاد، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ [النور: ٢٤].
٨ - إن الله تعالى يوفيهم جزاء فعلهم، ويجزيهم حساب عملهم من القدر المستحق من أنواع العذاب في نار جهنم لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِين﴾ [النور: ٢٥].
أما شروط القاذف والمقذوف والتفاصيل في ذلك، فتراجع في مظانها في كتب الفقه.
وعلى المسلم أن يحفظ لسانه عن القذف، والسب، والغيبة، وسائر الذنوب، فإن الحد إذا لم يؤخذ في الدنيا من صاحبه أُخر إلى يوم القيامة. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَا، يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ» (١).
وعندما ذكر الله قصة قذف أم المؤمنين عائشة ﵂، كما في سورة النور، قال بعدها: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيم﴾ [النور: ١٥]. وإذا اجتمع القذف مع الذنوب الأخرى كان مهلكًا لصاحبه. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ
الكلمة العاشرة: خطر الفتوى
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فإن الفتوى في الإسلام لها أهمية عظيمة لأنها إخبار عن الله، أو عن رسوله ﷺ بأن الله أو رسوله أحلَّ كذا، أو حرَّم كذا، ولأن القول على الله بغير علم من الكذب على الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُون﴾ [الأعراف: ٢٣].
وقد عرف العلماء الفتوى بأنها بيان الحكم الشرعي من غير إلزام، فالمفتي يترك العمل بالفتوى، أو عدم العمل بها لما يكون من ورع المستفتي وتقواه فلا يُسْأَلُ عن ذلك، «والفتوى مكانها عند الله عظيم، تولاها الله بنفسه في قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]. وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٧].
وتولاها الرسول ﷺ فكان المسلمون يسألونه ﷺ ويفتيهم ثم بعد ذلك تولاها العلماء الذين هم ورثة الأنبياء بعد الرسول ﷺ وكان عمر بن الخطاب إذا عرضت مشكلة، جمع لها المهاجرون والأنصار
стр. 2107
يستشيرهم فيها، فبعد الرسول ﷺ يرجع إلى أهل العلم الصحيح وليس العلم المزيف أو العلم المدعى أو التسمي بالعلم، أو الثقافة كما يسمونها أو المفكر الإسلامي فلان، أو من كان حاصلًا على شهادة دراسية، ليس هذا من أهل الفتوى. فالذي يتولَّى الفتوى ويصدرها هو العالم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ المطلع على أقوال العلماء ليختار منها ما قام عليه الدليل، ولا يفتي إلا عند الحاجة قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُون﴾ [النحل: ٤٣]. وأهل الذكر هم العلماء، والذكر هو الوحي» (١).
أما الفتوى فإن خطرها عظيم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُون﴾ [النحل: ١١٦].
قال الشافعي: «ليس لأحد أن يقول في شيء حلال ولا حرام إلا من جهة العلم، وجهة العلم ما نص في الكتاب، أو في السنة، أو في الإجماع، أو القياس على هذه الأصول، وما في معناها، قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُون * وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُون﴾ [يونس: ٥٩ - ٦٠]» (٢).
قال ابن كثير: «وقد أنكر الله تعالى على من حرم ما أحل الله،
стр. 2108
أو أحل ما حرم، بمجرد الآراء والأهواء التي لا مستند لها، ولا دليل عليها، ثم توعدهم على ذلك يوم القيامة» (١). وفي هذا العصر تساهل الناس في تلقي الفتوى، فصار لكل قناة من القنوات الإذاعية مفت أو أكثر، والقنوات الفضائية صار لها مفت أو أكثر، وكذلك الجرائد والمجلات التي تنشر الفسق، والفجور لها مفت، والذين يفتون المثقفون، والأطباء، والصحفيون، والمهندسون .. وغيرهم من الجهال (٢). روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (٣).
ولذلك كان السلف يكرهون الجرأة على الفتيا والحرص عليها والمسارعة إليها، والإكثار منها، قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: «أدركت مئة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ يُسْأَلُ أحدهم عن المسألة، ما منهم من أحد إلا ودَّ أن أخاه كفاه. وفي رواية: فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى يرجع إلى الأول» (٤).
قال الإمام أحمد: «من عرض نفسه للفتيا، فقد عرضها لأمر
стр. 2109
عظيم إلا أنه قد تلجئ إليها الضرورة، قيل له: فأيما أفضل الكلام أو السكوت؟ قال: الإمساك أحبُّ إليَّ، قيل له: فإذا كانت ضرورة؟ فجعل يقول: الضرورة الضرورة، وقال: الإمساك أسلم له.
وليعلم المفتي أنه يوقِّع عن الله أمره، ونهيه، وأنه موقوف، ومسؤول عن ذلك، وكان الإمام مالك إذا سُئل عن مسألة كأنه واقف بين الجنة والنار، «وجاءه رجل مسافر فسأله عن أربعين مسألة، فأجابه عن خمس مسائل، وقال عن البقية: (لا أدري)، فقال الرجل: جئتك من كذا وكذا، وتقول: (لا أدري)، قال: نعم، اركب راحلتك، وقل للناس: سألت مالكًا؟ وقال: (لا أدري)» (١). وَقَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ لِبَعضِ المُفتِينَ: «إِذَا سُئِلتَ عَن مَسأَلَةٍ، فَلَا يَكُنْ هَمُّكَ تَخلِيصَ السَّائِلِ، وَلَكِنْ تَخلِيصَ نَفسِكَ أَوَّلًا» (٢).
ومن الأسباب التي أدت إلى التساهل في الفتوى:
أولًا: حب الظهور وبريق الشهرة، فصاحب الفتاوى المتساهلة تزداد شعبيته، وتكثر جماهيره، ويُثنى عليه بأنه معتدل، وأنه يمثل المنهج الوسطي ... وغير ذلك من العبارات البراقة، بينما صاحب الورع والفتوى المستندة إلى الأدلة الشرعية يوصف بأنه متشدد، وأنه لا يعرف إلا لغة التحريم، وأنه يشق على الناس ويثقل عليهم.
ثانيًا: الجهل وعدم دراسة الأحكام الشرعية دراسة منهجية مؤصلة:
стр. 2110
وإنما الاعتماد على الثقافة العامة، والدراسة السطحية للمسائل.
ثالثًا: عدم استشعار مسؤولية الفتوى وما يترتب عليها، فيسأل بعضهم عن مسألة معينة، ويشاهده الملايين من البشر، ومع ذلك يجيب مباشرة ولو عرضت مسألته على عمر ﵁ لجمع لها أهل بدر.
رابعًا: العجلة وعدم التأني والنظر والتأمل، فبعض المفتين في القنوات الفضائية يُسأَلُ عن أربع، أو خمس مسائل دفعة واحدة، ثم يجيب إجابة سريعة، «ويذكرون عن الشيخ محمد بن إبراهيم أنه كان لا يفتي وهو واقف إلا ما ندر، ولا يفتي وهو في السيارة، وإنما كان إذا أراد أن يفتي تربع واستحضر ذهنه واستجمع فتواه، وطلب من السائل أن يُلقي عليه المسألة، فعند ذلك يفتي، وكان المشايخ يروون عنه أنه ربما أَخَّرَ الفتوى شهرًا إذا كان لها صلة بأمر عظيم حتى ينظر فيها، ويستخير» (١).
خامسًا: إرضاء الكفار، والظلمة، وأهل الفسق والفجور، وذلك لأجل الحصول على شيء من متاع الدنيا وحطامها الفاني، إما منصب، أو مال، أو غير ذلك، وهذا حال علماء السوء، قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِين﴾ [التوبة: ٦٢].
ومن صور التساهل في الفتوى: أن بعضهم يرى إباحة الربا المنتشر لدى البنوك اليوم بكل صوره وأشكاله، وآخر يرى جواز إمامة المرأة للرجال في الصلاة، وثالث يرى أنه لا ينبغي إقامة
стр. 2111
حد الردة على المرتد في هذا الوقت لعدم مناسبته، ورابع يرى إباحة الغناء والمعازف، وخامس يرى جواز إرضاع الكبير بدون ضوابط، وسادس يرى جواز نكاح المرأة نفسها بدون ولي ولا شهود وذلك وسيلة إلى انتشار الزنا، بل وصل الأمر بأحدهم إلى أن قال: ما المانع أن يُبنَى كنيسة، ومعبد، ومسجد في مكان واحد، وكل يعبد ربه بطريقته الخاصة؟ ! وصدق النبي ﷺ إذ يقول: «إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ» (١).
الخلاصة: أن المؤمن يجب عليه أن يحتاط لدينه، فإذا أُشْكِلَ عليه شيء سأل العالم الذي يثق به في دينه، ولا يسأل من هب ودب ممن لا تبرأ الذمة بسؤالهم، فإن الأمر دين، وكما قال محمد بن سيرين: إن هذا الأمر دين فانظروا عمن تأخذون دينكم (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2112
الكلمة الحادية عشرة: الإتقان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فقد أخبر سبحانهأنه خلق هذا الكون بسمائه، وأرضه، وجباله، ونجومه وخلقه من الجن والإنس، وأتقن ذلك كله، قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُون﴾ [يس: ٤٠]. وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُون﴾ [النمل: ٨٨].
وقال تعالى عن الإنسان: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم﴾ [التين: ٤]. وقال تعالى عن الخلق: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧].
وقال عن كتابه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير﴾ [هود: ١].
والإتقان هو عمل الشيء على أحسن وجه، وقد وردت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة التي تَحُثُّ المسلم على الإتقان في عبادته، وعمله وسائر شؤونه الدينية، والدنيوية، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك: ٢]. روى أبو يعلى في مسنده من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال:
стр. 2113
«إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلا أَنْ يُتْقِنَهُ» (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ» (٢).
والمتأمِّل في عبادة النبي ﷺ يَجِدُ أَنَّ عِبَادَتَهُ مُتقَنَةٌ. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: مَا كَانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ (٣).
وحثَّ أُمَّته على إتقان العبادة، فقال: «وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ، تُسُعُهَا، ثُمُنُهَا، سُبُعُهَا، سُدُسُهَا، خَمُسُهَا، رُبُعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا» (٤).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ يُحْسِنُ وُضُوءَهُ، وَيُصَلِّي الصَّلَاةَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا» (٥).
وكان الصحابة ﵃ إذا حفظوا آيات من القرآن لم ينتقلوا إلى
стр. 2114
غيرها حتى يتقنونها شرحًا وعملًا.
روى ابن جرير الطبري في تفسيره من حديث ابن مسعود ﵁ قال: كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا إِذَا تَعَلَّمَ عَشرَ آيَاتٍ، لَم يُجَاوِزْهُنَّ حَتَّى يَعرِفَ مَعَانِيَهُنَّ، وَالعَمَلَ بِهِنَّ (١).
وفرَّق النبي ﷺ بين العمل المتقن وغير المتقن. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، لَهُ أَجْرَانِ» (٢).
وليعلم أن الأجير لا يستحق أجرته، إلا إذا أدى عملًا كاملًا متقنًا، فإن نقص الإتقان نقصت الأجرة.
وأداء العمل كاملًا متقنًا من الأمانة التي أُؤتمن عليها المؤمن ولا يلزم من إتقان العمل أن يأخذ وقتًا طويلًا، فقد يتقن العمل بوقت قصير، وقد حدث هذا لزيد بن ثابت. روى أبو داود في سننه وأحمد في مسنده من حديث خارجة بن زيد: أن أباه أخبره أنه لما قدم النبي ﷺ المدينة، قال زيد: ذُهب بي إلى النبي ﷺ فأُعجب بي، فقالوا: يا رسول الله، هذا غلام من بني النجار، معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة، فأَعجَب ذلك النبي ﷺ ، وقال: «يَا زَيْدُ، تَعَلَّمْ لِي كِتَابَ يَهُودَ، فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي»
стр. 2115
قَالَ زَيْدٌ: فَتَعَلَّمْتُ لَهُ كِتَابَهُمْ، مَا مَرَّتْ بِي خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حَتَّى حَذَقْتُهُ، وَكُنْتُ أَقْرَأُ لَهُ كُتُبَهُمْ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ، وَأُجِيبُ عَنْهُ إِذَا كَتَبَ (١).
وقد يحتاج الإتقان إلى وقت طويل بحسب طبيعة العمل، فقد مكث ابن حجر في تأليف كتابه (فتح الباري) خمسة وعشرين عامًا، وابن عبد البر مكث في تأليف كتابه (التمهيد) ثلاثين عامًا، وطاف ابن حنبل الدنيا مرتين من أجل جمع المسند وأحاديثه ثلاثون ألف حديث، وقد انتقاه من سبع مئة ألف حديث، والبخاري ﵀ أتقن ترتيب كتابه صحيح البخاري على الأبواب الفقهية أيما إتقان، وكان لا يضع حديثًا حتى يصلي ركعتين.
ومن فوائد الإتقان:
١ - براءة الذمة بالقيام بالعمل متقنًا من غير نقص، ولا خلل.
٢ - الحصول على محبة الله لأن الله يحب العمل المتقن.
٣ - أن كل إنسان مؤمن لو قام بالعمل الذي كُلِّف به متقنًا له، لما وصلت الأمة الإسلامية إلى التأخُّر الذي نعيشه هذه الأيام.
٤ - أن كل إنسان يعمل بجد يجد ثمرة عمله، والكفار لما أتقنوا أمورهم الدنيوية من صناعة الأجهزة، والأسلحة الحديثة، وغيرها وصلوا إلى ما يريدون، قال تعالى: ﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠].
стр. 2116
٥ - أن العمل القليل المتقن خير من العمل الكثير الذي لم يتقن، فالإتقان أهم من الكثرة، وهذا ينطبق على كل عمل من أعمال الدنيا والآخرة.
٦ - استحقاق الأجرة ظاهرًا وباطنًا.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2117
الكلمة الثانية عشرة: السرقة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فمن الذنوب العظيمة التي حرَّمها الله ورسوله، ورتب عليها الحد في الدنيا، والعقوبة في الآخرة (السرقة)، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيم﴾ [المائدة: ٣٨].
والسارق ملعون على لسان النبي ﷺ . روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة: عن النبي ﷺ قال: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» (١)(٢).
قال ابن حجر: «عَدُّ السرقة من الكبائر، وهو ما اتفق عليه العلماء وصرحت به الأحاديث» (٣).
والسارق من جاء مستترًا إلى حرز فأخذ مالًا لغيره (٤).
стр. 2118
ومما يدل على عظم جريمة السرقة: أن النبي ﷺ أخذ البيعة من أصحابه ألا يقعوا فيها. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبادة بن الصامت ﵁: أن النبي ﷺ قال لأصحابه: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا» (١).
وأخبر النبي ﷺ أن السرقة منافية للإيمان. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً، يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيهِ فِيهَا أَبصَارَهُم، وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (٢).
قال القرطبي: «والحديث يتضمن التحرز من ثلاثة أمور وهي من أعظم أصول المفاسد، وأضدادها من أصول المصالح وهي استباحة الفروج المحرمة، وما يؤدي إلى اختلال العقل، وخص الخمر بالذكر لكونها أغلب الوجوه في ذلك، والسرقة بالذكر لكونها أغلب الوجوه التي يؤخذ بها مال الغير بغير حق» (٣).
والسارق مُتَوَعَّدٌ بالنار. روى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ عندما كان في صلاة الكسوف قال: «مَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ، لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ، وَذَلِكُمْ
стр. 2119
حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا (١)، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ (٢) يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ» (٣).
كان يسرق الحاج بمحجنه، فإن فُطن له قال: إنما تعلق بمحجني، وإن غفل عنه ذهب به (٤).
والناس سواسية في إقامة حد السرقة وهو القطع. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهَا، فَأَتَى أَهْلُهَا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَكَلَّمُوهُ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَتَشفَعُ فِي حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ؟ ! »، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ: «أَيُهَا النَّاس! إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ، أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ! لَو أَنَّ فَاطِمَةَ بِنتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعتُ يَدَهَا» (٥).
وإذا رُفِعَتِ السَّرِقَةُ إلى الإمام، وجب الحد ولم ينفع التنازل. روى النسائي في سننه من حديث صفوان بن أمية ﵁: أَنَّ رَجُلا سَرَقَ بُرْدَةً لَهُ، فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
стр. 2120
قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْهُ، فَقَالَ أَبَا وَهْبٍ، أَفَلا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَاتِينَا بِهِ، فَقَطَعَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ (١).
وقد اعترض بعضهم على قطع يد السارق في ربع دينار، فقال:
يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينَ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ ... مَا بَالُهَا قُطِعَتْ فِي رُبْعِ دِينَارِ
تَنَاقُضٌ مَا لَنَا إِلَّا السُّكُوتُ لَهُ ... وَنَسْتَجِيرُ بِمَوْلَانَا مِنَ النَّارِ
فأجابه بعض أهل العلم (القاضي عبد الوهاب المالكي) لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت، وهناك بيت شعر منسوب إلى علم الدين السخاوي في الرد على أبي العلاء وهو يقول:
عِزُّ الأَمَانَةِ أَغْلَاهَا وَأَرْخَصُهَا ذُلُّ الخِيَانَةِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ البَارِي
ومن أعظم أنواع السرقة: (السرقة من بيت المال سواء كان ذلك مالًا أو عقارًا .. أو غير ذلك من الممتلكات)، وبيت مال المسلمين ملك للمسلمين جميعًا، وليس لفئة معينة من الناس، والقائمون عليه إنما هم أمناء في حفظه وتحصيله، وصرف لأهله، فلا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أن يَعتَدِيَ عليه، أو يأخُذَ منه ما لا يستحق، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١]. روى البخاري في صحيحه من حديث خولة الأنصارية ﵂: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢).
стр. 2121
قال ابن حجر: «يتخوضون أي يتصرفون في مال المسلمين بالباطل وهو أعم من أن يكون بالقسمة وبغيرها، وفيه ردع للولاة أن يأخذوا من المال شيئًا بغير حقه أو يمنعوه من أهله» (١).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: بيت مال المسلمين أعظم من مُلكِ واحدٍ معين، وذلك لأن سرقته خيانة لكل مسلم، بخلاف سرقة، أو خيانة رجل معين، فإنه بإمكانك أن تَتَحَلَّلَ مِنهُ وَتَسلَمَ (٢).
ومنها سرقة الكهرباء، والماء، وذلك بإيقاف العداد لأن بعض الناس يظن أن له الحق في التهرب من ذلك، بحجة أنه لم يعط حقه من بيت المال.
ومنها استعمال الأجهزة الكهربائية، والسيارات، وغيرها التي تخص بيت المال لأغراض شخصية، ولا يكفي التوبة، بل لا بد من رد الحقوق إلى بيت مال المسلمين.
سُئلت اللجنة الدائمة للإفتاء عن حكم استعمال السيارات الحكومية للأعمال الخاصة بالموظفين؟ مع الإحاطة أنه يُصرف لمستعملها جميع متطلباتها من محروقات، ويُعمل لها صيانة دورية، ويُصرف لمستعملها بدل نقل شهري مع الراتب؟ آمل من فضيلتكم توضيح المسألة شرعًا، وتوجيه نصيحة لمستعملها.
فكانت الإجابة: «لا يجوز استعمال السيارات الحكومية
стр. 2122
المخصصة للدوائر في أغراض الشخص الخاصة، وإنما تستعمل فيما خصصت له من العمل الحكومي لأن استعمالها في غير ما خُصصت له استعمال بغير حق» (١).
ومنها: سرقة المشاريع الحكومية إما بالتحايل على عدم تنفيذها، أو تنفيذها بشكل سيئ، أو تقدير تكاليفها بأضعاف القيمة الحقيقية.
ومنها: الاعتداء على الأراضي المخصصة للمرافق الحكومية، والاستيلاء عليها بطريقة، أو بأخرى.
ومنها: أخذ بعض الموظفين بدل خارج دوام، أو انتداب وهم لم يعملوا، أو يسافروا، سُئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ عن هذا، قال السائل: أنا موظف أعمل في إحدى الدوائر الحكومية وأحيانًا يصرف لنا بدل خارج وقت الدوام من إدارتنا بدون تكليفنا بالعمل خارج وقت الدوام، وبدون حضورنا للإدارة، ويعتبرونه مكافأة للموظفين بين الحين والآخر، مع العلم أن رئيس الإدارة يعلم عنه ويقره، فهل يجوز أخذ هذا المال؟ وإذا كان لا يجوز، فكيف أعمل فيما استعملته من أموال في السابق، مع العلم أني قد تصرفت فيها؟ جزاكم الله خيرًا.
الجواب: إذا الواقع ما ذكرت فذلك منكر لا يجوز، بل هو من الخيانة، والواجب رد ما قبضت من هذا السبيل إلى خزينة الدولة، فإن لم تستطع فعليك الصدقة به في فقراء المسلمين، وفي المشاريع الخيرية مع التوبة إلى الله سبحانه، والعزم الصادق ألا تعود في ذلك،
стр. 2123
لأنه لا يجوز للمسلم أن يأخذ شيئًا من بيت مال المسلمين إلا بالطرق الشرعية التي تعلمها الدولة وتقرها (١). اهـ
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2124
الكلمة الثالثة عشرة: فضل الأذان والمؤذنين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فمن شعائر الإسلام العظيمة التي جاء بها، الأذان، وهو الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة (١).
قال القرطبي وغيره: الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة، لأنه بدأ بالأكبرية وهي تتضمن وجود الله وكماله، ثم ثنى بالتوحيد ونفي الشرك، ثم بإثبات الرسالة لمحمد ﷺ ، ثم دعا إلى الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة، لأنها لا تعرف إلا من جهة الرسول، ثم دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدائم، وفيه الإشارة إلى المعاد، ثم أعاد ما أعاد توكيدًا، ويحصل من الأذان الإعلام بدخول الوقت، والدعاء إلى الجماعة، وإظهار شعائر الإسلام، والحكمة في اختيار القول له دون الفعل سهولة القول وتيسره لكل أحد في كل زمان ومكان (٢). اهـ
روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر أنه كان يقول: «كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَاةَ، لَيْسَ يُنَادَى لَهَا، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا
стр. 2125
مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بُوقًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَوَ لَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا بِلَالُ! قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ» (١).
وروى أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن زيد ﵁، وفيه: فأُري عبد الله بن زيد الأذان في المنام، فأخبر النبي ﷺ بما رأى، فقال النبي ﷺ : «إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ، فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ»، قَالَ: فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ، فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ، وَيُؤَذِّنُ بِهِ، قَالَ: فَسَمِعَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، يَقُولُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ يَا رَسُول اللَّهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَا رَأَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَلِلَّهِ الْحَمْدُ» (٢).
وقد دَلَّتِ النُّصُوصُ على فضل الأذان، ووجوبه. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ (٣).
قال الخطابي ﵀: وفيه أن الأذان شعار الإسلام وأنه لا يجوز تركه، ولو أن أهل بلد اجتمعوا على تركه كان للسلطان قتالهم عليه (٤).
стр. 2126
ومما ورد في فضل الأذان والمؤذنين: ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ، أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّاذِينَ، فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ (١) بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ» (٢).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ، وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ، لَاسْتَهَمُوا» (٣).
وفي صحيح مسلم من حديث معاوية ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٤).
وروى البخاري في صحيحه من حديث عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري عن أبيه: أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري ﵁ قال له: «إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ، فَأَذَّنْتَ لِلصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٥)، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَد دَعَا النَّبِيُّ ﷺ لِلمُؤَذِّنِينَ وَالأَئِمَّةِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الْأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» (٦).
стр. 2127
وروى ابن ماجه في سننه من حديث ابن عمر مرفوعًا: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَذَّنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَكُتِبَ لَهُ بِتَاذِينِهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ سِتُّونَ حَسَنَةً، وَبِإِقَامَتِهِ ثَلاثُونَ حَسَنَةً» (١).
قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: «وفي هذا الحديث فضل ظاهر للمؤذن على أذانه هذه المدة المذكورة فيه، ولا يخفى أن ذلك مشروط بمن أذَّن خالصًا لوجه الله تعالى، لا يبتغي من ورائه رزقًا، ولا رياءً، ولا سمعةً، للأدلة الكثيرة في الكتاب والسنة، التي تفيد أن الله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له، وإن مما يؤسف له حقًا أن هذه العبادة العظيمة، والشعيرة الإسلامية قد انصرف أكثر علماء المسلمين عنها في بلادنا، فلا تكاد ترى أحدًا منهم يؤذن في مسجد ما، إلا ما شاء الله، بل ربما خجلوا من القيام بها، بينما تراهم يتهافتون على الإمامة، بل ويتخاصمون، فإلى الله المشتكى من غربة هذا الزمان» (٢).
وروى أبو داود في سننه من حديث عقبة بن عامر: أن النبي ﷺ قال: «يَعْجَبُ رَبُّكُمْ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَاسِ شَظِيَّةٍ بِجَبَلٍ، يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ وَيُصَلِّي، فَيَقُولُ اللَّهُ : انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، يَخَافُ مِنِّي، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ» (٣).
ومن الآداب التي ينبغي أن يتصف بها المؤذن:
١ - أن يحتسب في أذانه ولا يأخذ على أذانه أجرًا. روى
стр. 2128
الترمذي في سننه من حديث عثمان بن أبي العاص قال: إِنَّ مِن آخِرِ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِ اتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجرًا (١). قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يأخذ المؤذن على الأذان أجرًا، واستحبوا للمؤذن أن يحتسب في أذانه (٢). اهـ. والأجر المنهي عن أخذه هو ما يؤخذ من شخص، أو أشخاص على سبيل المعاوضة، وأما الذي يعطى للأئمة والمؤذنين من بيت مال المسلمين فهو رزق حلال.
٢ - أن يكون على طهارة، وأن يؤذن قائمًا، وأن يستقبل القبلة، وأن يضع إصبعيه في أذنيه، وأن يلتفت يمينًا وشمالًا التفافًا يسيرًا يلوي به عنقه، ولا يحول صدره عن القبلة عند قوله (حي على الصلاة، حي على الفلاح)، وأن يؤذن في مكان مرتفع، وأن يرفع صوته بالأذان، وأن يتمهل في أذانه ويترسل.
٣ - أن يكون دقيقًا في تحري وقت الأذان، لأنه مؤتمن على صلاة الناس وصيامهم، وفطرهم، قال النبي ﷺ : «الإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ» (٣). وأن يواظب على أداء الأذان في أوقاته، وعدم توكيل الغير إلا عند الحاجة إلى ذلك،
стр. 2129
وإذا احتاج إلى التوكيل فلا يوكل إلا من كان أهلًا لذلك.
ومن المخالفات والأخطاء التي يقع فيها بعض المؤذنين:
١ - اللحن في الأذان، وهو أن ينطق كلمات الأذان نطقًا يتغير به المعنى، أو نطقًا غير صحيح، فمن الأول: أن يمد الباء في الله أكبر، وقد نهى العلماء عنه نهيًا شديدًا لأن أكبار هو الطبل، والواجب أن يجزم فيصل الراء بالباء من غير مد، ومن الثاني: أن يستبدل بالهاء الحاء، وبالدال الطاء في «أشهد»، فيقول: أشحط، وهذا يكثر في إخواننا الأعاجم الذين لم يتعلموا النطق العربي الصحيح، وكذلك يوجد في بعض الأعراب من يقول: زدزامت الصلاة، بدلًا من «قد قامت الصلاة». ومن اللحن أيضًا: ترك إدغام النون في اللام من قوله: «أشهد أن لا».
ومنها أيضًا: ترك التنوين في حرف الدال من «أشهد أن محمدًا»، ويستبدل به إسكان الدال.
ومنها عدم تحقيق الحاء في كلمة الفلاح وتسمع وكأنها هاء .. ونحو ذلك.
٢ - التغني والتمطيط الخارج عن لحون العرب إلى درجة التكلف، وكراهية ذلك عند السلف، قال عمر بن عبد العزيز: أذن أذانًا سمحًا وإلا فاعتزلنا (١). وقد ذُكِرَ أنه كان بالحرم المكي مُؤَذِّنٌ يُؤَذِّنُ أذانًا سمحًا من غير تكلُّفٍ، بخلاف سائر مؤذني الحرم الذين جعلوا لأذان الحرم قواعد للتطريب، وإخراج الحروف كما هو الحال الآن،
стр. 2130
فبعث الشيخ محمد ابن إبراهيم مفتي الديار السعودية في ذلك الوقت بكتاب إلى رئيس مؤذني المسجد الحرام بأن يُؤَذنوا على نحو ذلك المؤذن ويتركوا ما هم عليه، وهذا نص الفتوى: «من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم رئيس مؤذني المسجد الحرام بمكة المكرمة .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد، بعد أن تبلغوا جميع مؤذني المسجد الحرام أن يؤذنوا أذانًا سمحًا سهلًا، ويجتنبوا المد والتمديد، إن هذا التمديد والمط الذي يستعملونه الآن في الأذان مخل بشرعيته، فعليهم اجتناب ذلك والتمشي بما يوافق الشرع، وأن يكون أذانهم مثل المؤذن الذي يؤذن في زمزم حالًا، وعليكم إخبارهم بذلك، ومراقبتهم عن الإخلال به. والسلام عليكم» (١).
وقد سأل أحد الإخوة اللجنة الدائمة للإفتاء فقال: «أحب الطريقة التي يُؤدى بها أذان الحرم المعروف، والمسجل على مقدمة أشرطة القرآن بالمملكة، وأستطيع أن أقوم بأدائه بنفس الطريقة، وأخبرني بعض من سمعه مني بالمسجد بأنهم يحبون ذلك، وأنه يثير في نفوسهم الشوق والحنين إلى أرض الحرمين، وبعض الناس يدعون لي حين يسمعه مني، ويستحسن ذلك الأذان، غير أن بعض إخواننا ذكر لي أن هذه الطريقة فيها لحن، وتمطيط، ومد زائد عن المعروف في قواعد التجويد، فأصبحت متحرجًا عندما أقوم بالتأذين بطريقة مؤذن الحرم المشهورة، فهل علي إثم في ذلك؟ أم أن هذه الطريقة لا بأس بها، ولا حرج فيها؟ أفيدوني جزاكم الله خيرًا».
стр. 2131
فكانت الإجابة: «الأذان من شعائر المسلمين العظيمة، فهو محض عبودية من العبد لله تعالى، ولهذا فعلى المؤذن أداؤه كما شرع بصوت سمح، سهل، غير متكلف، ولا ملحون، ولا يخرجه مخرج الغناء، ولا يمده مدًا يخرجه عن المقصود منه، بل يؤديه المؤذن بصوته، مراعيًا شروطه وآدابه الشرعية، وتكلف أداء الأذان بتقليد صوت مؤذن آخر، غير معروف في هدي السلف الصالح» (١).
٣ - زيادة لفظة (سيدنا وحبيبنا) وأمثالهما في تشهدي الأذان والإقامة، فلا تجوز الزيادة على ألفاظ الأذان بأذكار أخرى لا قبله ولا بعده يرفع بها المؤذن صوته، فكل ما يفعل غير الأذان الثابت عن رسول الله ﷺ ، فهو بدعة محرمة، يحرم فعله، ويجب إنكاره على من فعله.
٤ - زيادة حي علي خير العمل، فهي وإن كان معناها صحيحًا، إلا أنها لم تثبت في حديث صحيح عن النبي ﷺ ، وحي على الصلاة، حي على الفلاح تغني عنها، والواجب على الخلق أن يستقيموا كما أراد الله، لا كما يريدون، قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، ولم يقل: كما أردت.
٥ - الأذان المسجل الذي يعلن عبر مكبرات الصوت في عدد من المساجد، وهو من البدع المنكرة التي أحدثت في العالم الإسلامي.
٦ - رفع المؤذن صوته بالتبليغ من غير حاجة إلى ذلك، فبعضهم
стр. 2132
بالرغم من صغر المسجد أو ارتفاع صوت الإمام، ومع ذلك يقوم بالتبليغ، وأما تبليغ أبي بكر عن رسول الله ﷺ ، فقد كان للحاجة إلى ذلك.
تنبيه .. ينبغي أن يكون المؤذن عدلًا، أهلًا لما وُكِّلَ إليه، لأنه مؤتمن على ذلك، وعليه سوى واجبات الأذان، حقوق الإمامة وواجباتها، لأنه تشمله لقيامه بالإمامة عند غياب الإمام.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2133
الكلمة الرابعة عشرة: شرح حديث «ما ذئبان جائعان»
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث كعب بن مالك الأنصاري ﵁: عن النبي ﷺ قال: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ، بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ» (١).
هذا الحديث الشريف شرحه الحافظ ابن رجب في رسالة لطيفة بعنوان (ذم المال والجاه)، وقد نقلت من كلامه ما تيسر لي في هذه الكلمة.
فهذا مثل عظيم جدًّا ضربه النبي ﷺ لفساد دين المؤمن بالحرص على المال والشرف في الدنيا، وأن فساد الدين بذلك ليس بدون فساد الغنم بذئبين ضاريين باتا في الغنم قد غاب عنها رعاتها ليلًا، فهما يأكلان الغنم ويفترسانها، ومعلوم أنه لا ينجو من الغنم من إفساد الذئبين المذكورين والحالة هذه قليل.
فهذا المثل العظيم يتضمن غاية التحذير من شر الحرص على المال والشرف في الدنيا.
والحرص على المال نوعان: أحدهما: شدة محبة المال مع شدة
стр. 2134
طلبه من وجوهه المباحة، والمبالغة في طلبه، والجد في تحصيله واكتسابه من وجوهه مع الجهد والمشقة، فالحريص يضيع زمانه الشريف، ويخاطر بنفسه في الأسفار وركوب الأخطار لجمع مال ينتفع به غيره، ويبقى حسابه عليه، فيجمع لمن لا يحمده، ويقدم على من لا يعذره، قال الشاعر:
وَمَنْ يُنْفِقِ الأَيَّامَ فِي جَمْعِ مَالِهِ ... مَخَافَةَ فَقْرٍ فَالَّذِي فَعَلَ الفَقْرُ
وَلَا تَحْسَبَنَّ الفَقْرَ فَقْرَ مِنَ الغِنَى ... وَلَكِنْ فَقْرُ الدِّينِ مِنْ أَعْظَمِ الفَقْرِ
النوع الثاني من الحرص على المال: أن يزيد على ما سبق ذكره في النوع الأول، حتى يطلب المال من الوجوه المحرمة، ويمنع الحقوق الواجبة، فهذا من الشح المذموم، قال تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ [الحشر: ٩].
وفي سنن أبي داود من حديث عبد الله بن عمرو ﵁: عن النبي ﷺ قال: «إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ، أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا» (١).
قال طائفة من العلماء: الشح هو الحرص الشديد الذي يحمل صاحبه على أن يأخذ الأشياء من غير حلها، ويمنعها حقوقها، وحقيقته أن تتشوف النفس إلى ما حرم الله، ومنع منه، وأن لا يقنع الإنسان بما أحل الله له من مال، أو فرج، أو غيرهما.
стр. 2135
وأما حرص المرء على الشرف، فهو أشد هلاكًا من الحرص على المال، فإن طلب شرف الدنيا والرفعة فيها، والرياسة على الناس، والعلو في الأرض، أضر على العبد من طلب المال وضرره أعظم، والزهد فيه أصعب، فإن المال يبذل في طلب الرياسة والشرف، وهو قسمان:
أحدهما: طلب الشرف بالولاية، والسلطان، والمال، وهذا خطر جدًّا، وهو في الغالب يمنع خير الآخرة وشرفها، وكرامتها، وعزها، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين﴾ [القصص: ٨٣]. وقل من حرص على رياسة الدنيا بطلب الولايات أن يوفق، بل يوكل إلى نفسه كما قال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: «لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ، فَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا» (١).
والحرص على الشرف بطلب الولايات يستلزم ضررًا عظيمًا قبل وقوعه في السعي في أسبابه، وبعد وقوعه بالخطر العظيم الذي يقع فيه صاحب الولاية من الظلم والتكبر .. وغير ذلك من المفاسد، ومن هذا الباب أيضًا أن يحب ذو الشرف والولاية أن يُحمد على أفعاله ويُثني عليها، ويطلب من الناس ذلك ويتسبب في أذى من لا يجيبه إليه، وربما أظهر أمرًا حسنًا في الظاهر وأحب المدح عليه، وقصد به في الباطن شرًّا.
النوع الثاني: من الحرص على الجاه: طلب الشرف والعلو على
стр. 2136
الناس بالأمور الدينية كالعلم، والعمل، والزهد، فهذا أفحش من الأول وأقبح وأشد فسادًا وخطرًا، فإن العلم والعمل والزهد إنما يُطلب بها ما عند الله من الدرجات العلى والنعيم المقيم، والقرب منه، والزلفى لديه. قال الثوري: إنما فضل العلم لأنه يُتقى به الله، وإلا كان كسائر الأشياء.
وطلب العلم للدنيا على نوعين: فإذا طلب بشيء من هذا عرض الدنيا الفاني، فهو أيضًا نوعان أحدهما:
الأول: أن يطلب به المال، فهذا من نوع الحرص على المال وطلبه بالأسباب المحرمة. روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - يَعْنِي رِيحَهَا -» (١).
الثاني: من يطلب بالعمل، والعلم، والزهد، الرئاسة على الخلق والتعاظم عليهم، وأن ينقاد الخلق ويخضعوا له ويصرفوا وجوههم إليه، وأن يظهر للناس زيادة علمه على العلماء، أو ليعلوا به عليهم ونحو ذلك، فهذا وعيده النار لأن قصده التكبر على الخلق في نفسه محرم، فإذا استعمل فيه آلة الآخرة، كان أقبح وأفحش من أن يستعمل فيه آلات الدنيا من المال والسلطان. روى الترمذي في سننه من حديث كعب بن مالك: أن النبي ﷺ قال:
стр. 2137
«مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ» (١).
ومن هذا الباب كراهة أن يشعر الإنسان بالعلم، والزهد، والدين، أو بإظهار الأعمال والأقوال حتى يراد وتلتمس بركته ودعاؤه وتقبَّل يده، وهو محب لذلك ويقيم عليه ويفرح به ويسعى في أسبابه، ومن هنا كان السلف الصالح يكرهون الشهرة غاية الكراهة، منهم: أيوب، والنخعي، وسفيان وأحمد، .. وغيرهم، كان أويس وغيره من الزهاد إذا عُرفوا في مكان ارتحلوا عنه، وكان خالد بن معدان إذا كثرت حلقته قام مخافة الشهرة، وقال الإمام أحمد بن حنبل: أريد أن أكون في شعب بمكة حتى لا أُعرف قد بليت بالشهرة، وكان كثير منهم يكره أن يُطلب منه الدعاء ويقول لمن يسأله الدعاء: أي شيء أنا؟ وكتب رجل إلى أحمد يسأله الدعاء، فقال أحمد: إذا دعونا نحن لهذا، فمن يدعو لنا».
وأما تسابق وتنافس بعض الناس على الظهور الإعلامي سواء كان في القنوات، أو شبكات التواصل، أو غيرها من الوسائل وحب التكاثر في أعداد المتابعين والحرص على ذلك، فإنه يخشى على صاحبه مما سبق ذكره عن السلف.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2138
الكلمة الخامسة عشرة: فضل العبد التقي الخفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فقد وردت النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ التي تبين فضل العبد التقي الغني الخفي. فقد روى مسلم في صحيحه من حديث عامر بن سعد قال: كَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي إِبِلِهِ، فَجَاءَهُ ابْنُهُ عُمَرُ، فَلَمَّا رَآهُ سَعْدٌ، قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا الرَّاكِبِ، فَنَزَلَ، فَقَالَ لَهُ: أَنَزَلْتَ فِي إِبِلِكَ وَغَنَمِكَ وَتَرَكْتَ النَّاسَ يَتَنَازَعُونَ الْمُلْكَ بَيْنَهُمْ؟ فَضَرَبَ سَعْدٌ فِي صَدْرِهِ، فَقَالَ: اسْكُتْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ» (١).
والمراد بالتقي: هو من اتقى الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والغني: هو الذي يستغني عن الناس ويقنع بما رزقه الله، والخفي: هو الذي يبتعد عن مواضع الظهور والشهرة.
روى البخاري في صحيحه من حديث سهل ﵁ قال: مر رجل على رسول الله ﷺ فقال: «مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟ » قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ، قَالَ:
стр. 2139
ثُمَّ سَكَتَ، فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: «مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟ » قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْتَمَعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا» (١).
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» (٢).
وقد وردت آثار عن السلف بالتحذير من طلب الشهرة، لأنه يخشى على صاحبها من الرياء، والعجب، والغرور، وأن المحمود خمول الذكر إلا من شهره الله لنشر دينه من غير حرص منه. قال القاضي عياض: من أحب أن يُذكر لم يذكر، ومن يكره أن يُذكر ذُكِر (٣). قال علي بن أبي طالب: تبذل ولا تشتهر، ولا ترفع شخصك لتذكر، وتعلم واكتم، واصمت تسلم، تسر الأبرار، وتغيظ الفجار (٤).
وقال أيوب السختياني: والله ما صدق الله عبد إلا سره أن لا يُشعر بمكانه (٥). وقال إبراهيم بن أدهم: ما صدق الله عبد أحب الشهرة. قال الذهبي معلقًا عليه: علامة المخلص الذي قد يحب شهرة، ولا يشعر بها، أنه إذا عوتب في ذلك لا يحرد (أي: لا يغضب)، ولا يُبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي، ولا يكن معجبًا بنفسه، لا يشعر بعيوبها، فإن هذا داء مزمن (٦). وقال المروذي: قال لي
стр. 2140
أحمد: قل لعبد الوهاب: أخمل ذكرك فإني قد بُليت بالشهرة (١). وقال محمد بن الحسن بن هارون: رأيت أبا عبد الله إذا مشى في الطريق يكره أن يتبعه أحد (٢).
وقال سليم بن حنظلة: بينا نحن حول أُبي بن كعب نمشي خلفه، إذ رآه عمر فعلاه بالدرة فقال: انظر يا أمير المؤمنين ما تصنع؟ فقال: إن هذه ذلة للتابع، وفتنة للمتبوع (٣).
وقال الثوري: كانوا يكرهون الشهرة من الثياب الجيدة، والثياب الرديئة إذ الأبصار تمتد إليهما جميعًا. وقال رجل لبشر بن الحارث: أوصني، فقال: أخمل ذكرك، وطيب مطعمك (٤).
قال الذهبي: إيثار الخمول، والتواضع، وكثرة الوجل، من علامات التقوى والفلاح (٥). روى مسلم في صحيحه من حديث أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ، سَأَلَهُمْ: أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَاتَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَاتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ، إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ