← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

الناس بالأمور الدينية كالعلم، والعمل، والزهد، فهذا أفحش من الأول وأقبح وأشد فسادًا وخطرًا، فإن العلم والعمل والزهد إنما يُطلب بها ما عند الله من الدرجات العلى والنعيم المقيم، والقرب منه، والزلفى لديه. قال الثوري: إنما فضل العلم لأنه يُتقى به الله، وإلا كان كسائر الأشياء. وطلب العلم للدنيا على نوعين: فإذا طلب بشيء من هذا عرض الدنيا الفاني، فهو أيضًا نوعان أحدهما: الأول: أن يطلب به المال، فهذا من نوع الحرص على المال وطلبه بالأسباب المحرمة. روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - يَعْنِي رِيحَهَا -» (١). الثاني: من يطلب بالعمل، والعلم، والزهد، الرئاسة على الخلق والتعاظم عليهم، وأن ينقاد الخلق ويخضعوا له ويصرفوا وجوههم إليه، وأن يظهر للناس زيادة علمه على العلماء، أو ليعلوا به عليهم ونحو ذلك، فهذا وعيده النار لأن قصده التكبر على الخلق في نفسه محرم، فإذا استعمل فيه آلة الآخرة، كان أقبح وأفحش من أن يستعمل فيه آلات الدنيا من المال والسلطان. روى الترمذي في سننه من حديث كعب بن مالك: أن النبي ﷺ قال:

стр. 2137

«مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ» (١). ومن هذا الباب كراهة أن يشعر الإنسان بالعلم، والزهد، والدين، أو بإظهار الأعمال والأقوال حتى يراد وتلتمس بركته ودعاؤه وتقبَّل يده، وهو محب لذلك ويقيم عليه ويفرح به ويسعى في أسبابه، ومن هنا كان السلف الصالح يكرهون الشهرة غاية الكراهة، منهم: أيوب، والنخعي، وسفيان وأحمد، .. وغيرهم، كان أويس وغيره من الزهاد إذا عُرفوا في مكان ارتحلوا عنه، وكان خالد بن معدان إذا كثرت حلقته قام مخافة الشهرة، وقال الإمام أحمد بن حنبل: أريد أن أكون في شعب بمكة حتى لا أُعرف قد بليت بالشهرة، وكان كثير منهم يكره أن يُطلب منه الدعاء ويقول لمن يسأله الدعاء: أي شيء أنا؟ وكتب رجل إلى أحمد يسأله الدعاء، فقال أحمد: إذا دعونا نحن لهذا، فمن يدعو لنا». وأما تسابق وتنافس بعض الناس على الظهور الإعلامي سواء كان في القنوات، أو شبكات التواصل، أو غيرها من الوسائل وحب التكاثر في أعداد المتابعين والحرص على ذلك، فإنه يخشى على صاحبه مما سبق ذكره عن السلف. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2138

الكلمة الخامسة عشرة: فضل العبد التقي الخفي الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فقد وردت النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ التي تبين فضل العبد التقي الغني الخفي. فقد روى مسلم في صحيحه من حديث عامر بن سعد قال: كَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي إِبِلِهِ، فَجَاءَهُ ابْنُهُ عُمَرُ، فَلَمَّا رَآهُ سَعْدٌ، قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا الرَّاكِبِ، فَنَزَلَ، فَقَالَ لَهُ: أَنَزَلْتَ فِي إِبِلِكَ وَغَنَمِكَ وَتَرَكْتَ النَّاسَ يَتَنَازَعُونَ الْمُلْكَ بَيْنَهُمْ؟ فَضَرَبَ سَعْدٌ فِي صَدْرِهِ، فَقَالَ: اسْكُتْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ» (١). والمراد بالتقي: هو من اتقى الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والغني: هو الذي يستغني عن الناس ويقنع بما رزقه الله، والخفي: هو الذي يبتعد عن مواضع الظهور والشهرة. روى البخاري في صحيحه من حديث سهل ﵁ قال: مر رجل على رسول الله ﷺ فقال: «مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟ » قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ، قَالَ:

стр. 2139

ثُمَّ سَكَتَ، فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: «مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟ » قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْتَمَعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا» (١). وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» (٢). وقد وردت آثار عن السلف بالتحذير من طلب الشهرة، لأنه يخشى على صاحبها من الرياء، والعجب، والغرور، وأن المحمود خمول الذكر إلا من شهره الله لنشر دينه من غير حرص منه. قال القاضي عياض: من أحب أن يُذكر لم يذكر، ومن يكره أن يُذكر ذُكِر (٣). قال علي بن أبي طالب: تبذل ولا تشتهر، ولا ترفع شخصك لتذكر، وتعلم واكتم، واصمت تسلم، تسر الأبرار، وتغيظ الفجار (٤). وقال أيوب السختياني: والله ما صدق الله عبد إلا سره أن لا يُشعر بمكانه (٥). وقال إبراهيم بن أدهم: ما صدق الله عبد أحب الشهرة. قال الذهبي معلقًا عليه: علامة المخلص الذي قد يحب شهرة، ولا يشعر بها، أنه إذا عوتب في ذلك لا يحرد (أي: لا يغضب)، ولا يُبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي، ولا يكن معجبًا بنفسه، لا يشعر بعيوبها، فإن هذا داء مزمن (٦). وقال المروذي: قال لي

стр. 2140

أحمد: قل لعبد الوهاب: أخمل ذكرك فإني قد بُليت بالشهرة (١). وقال محمد بن الحسن بن هارون: رأيت أبا عبد الله إذا مشى في الطريق يكره أن يتبعه أحد (٢). وقال سليم بن حنظلة: بينا نحن حول أُبي بن كعب نمشي خلفه، إذ رآه عمر فعلاه بالدرة فقال: انظر يا أمير المؤمنين ما تصنع؟ فقال: إن هذه ذلة للتابع، وفتنة للمتبوع (٣). وقال الثوري: كانوا يكرهون الشهرة من الثياب الجيدة، والثياب الرديئة إذ الأبصار تمتد إليهما جميعًا. وقال رجل لبشر بن الحارث: أوصني، فقال: أخمل ذكرك، وطيب مطعمك (٤). قال الذهبي: إيثار الخمول، والتواضع، وكثرة الوجل، من علامات التقوى والفلاح (٥). روى مسلم في صحيحه من حديث أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ، سَأَلَهُمْ: أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَاتَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَاتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ، إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ

стр. 2141

عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ». فَاسْتَغْفِرْ لِي، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْكُوفَةَ، قَالَ: أَلَا أَكْتُبُ لَكَ إِلَى عُمَّالِهَا؟ قَالَ: أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَوَافَقَ عُمَرَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أُوَيْسٍ، قَالَ: تَرَكْتُهُ رَثَّ الْبَيْتِ، قَلِيلَ الْمَتَاعِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَاتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ، إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ». فَأَتَى أُوَيْسًا، فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ، فَاسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ فَاسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: لَقِيتَ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ، فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ، قَالَ أُسَيْرٌ: وَكَسَوْتُهُ بُرْدَةً، فَكَانَ كُلَّمَا رَأَىهُ إِنْسَانٌ، قَالَ: مِنْ أَيْنَ لِأُوَيْسٍ هَذِهِ الْبُرْدَةُ؟ (١). والآثار في هذا كثيرة لمن تتبعها وهي تدل على إخلاصهم، وحرصهم على إخفاء أعمالهم، وخمول ذكرهم عند الناس، فإن ذلك أقرب إلى القبول. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2142

الكلمة السادسة عشرة: ولي الأمر .. حقوق، وواجبات الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن الله تعالى شرع لعباده على لسان أفضل رسله شريعة كاملة في نظامها وتنظيمها كاملة في العبادات، والحقوق، والمعاملات كاملة في السياسة، والتدبير والولايات، وجعل الله تعالى الولاية فيها فرض كفاية سواء كانت في الشريعة كالقضاء بين الناس بما يقتضيه الشرع، أم في التنفيذ كالإمارة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. فأولو الأمر صنفان من الناس: أحدهما العلماء والثاني الأمراء، فلا بد للأمة من علماء يقودونها إلى شريعة الله بيانًا، وإيضاحًا، تعليمًا، وتربية، ولا بد للأمة من أمراء يطاعون في غير معصية الله، وإذا لم يكن للأمة علماء، ولم يكن لهم أمراء، صارت في جهل عميق، وفوضى شديدة، وفسدت الأمة، قال الشاعر: لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ وَلَا سَرَاةَ إِذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا وقال النبي ﷺ : «إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ» (١).

стр. 2143

فأوجب النبي ﷺ التأمير في السفر مع أنه اجتماع عارض غير مستقر، فكيف في الاجتماع المستقر، إذًا لا بد للأمة من ولي أمر يبين لها الحق وذلك هم العلماء، ولا بد للأمة من ولي أمر يلزمها بتنفيذ شريعة الله، ويسوسها بما تقتضيه المصلحة وهم الأمراء (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فالمقصود الواجب بالولايات إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينًا، ولم ينفعهم ما نُعْموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم (٢). اهـ ومما ورد في فضل الوالي العادل، ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ : «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» .. وذكر منهم: «إِمَامٌ عَادِلٌ» (٣). وروى مسلم في صحيحه من حديث عياض بن حمار: أن النبي ﷺ قال: «أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ، مُتَصَدِّقٌ، مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ» (٤). وقد دلت النصوص الشرعية أن الولاية أمانة يجب القيام بها حق القيام، وإلا فإن صاحبها في خطر عظيم. فروى مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر: أن النبي ﷺ قال له: «إِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ

стр. 2144

خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا» (١). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ رَجُلٍ يَلِي أَمْرَ عَشَرَةٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، إِلَّا أَتَى اللَّهَ مَغْلُولًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ، فَكَّهُ بِرُّهُ أَوْ أَوْبَقَهُ إِثْمُهُ، أَوَّلُهَا مَلَامَةٌ، وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةٌ، وَآخِرُهَا خِزْيٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢). وروى البخاري ومسلم من حديث معقل بن يسار: أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (٣). أما حقوق ولي أمر المسلمين وواجباته، فقد لخَّصها أبو يعلى الفراء ﵀ فقال: ويلزم الإمام من أمور الأمة عشرة أشياء: أولًا: حفظ الدين على الأصول التي أجمع عليها سلف الأمة، فإن زاغ ذو شبهة عنه بين له الحجة، وأوضح له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروسًا من الخلل، والأمة ممنوعة من الزلل. ثانيًا: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، وقطع الخصام بينهم حتى تظهر النصفة؛ فلا يتعدى ظالم، ولا يضعف مظلوم. ثالثًا: حماية البيضة، والذب عن الحوزة، ليتصرف الناس في

стр. 2145

المعايش وينتشروا في الأسفار آمنين. رابعًا: إقامة الحدود لتصان محارم الله عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف، واستهلاك. خامسًا: تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة، حتى لا تظفر الأعداء بغرة ينتهكون فيها محرمًا، ويسفكون فيها دمًا لمسلم، أو معاهد. سادسًا: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم، أو يدخل في الذمة. سابعًا: جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصًّا، واجتهادًا من غير عسف. ثامنًا: تقدير العطاء وما يُستحق في بيت المال من غير سرف، ولا تقصير فيه، ودفعه في وقت لا تقديم فيه، ولا تأخير. تاسعًا: استكفاء الأمناء، وتقليد النصحاء فيما يفوضه إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال، لتكون الأعمال مضبوطة، والأموال محفوظة. عاشرًا: أن يباشر بنفسه مشارعة الأمور، وتصفح الأحوال بينهم بسياسة الأمة، وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلًا بلذة، أو عبادة، فقد يخون الأمين، ويغش الناصح، وقد قال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]. فلم يقتصر سبحانهعلى التفويض دون المباشرة،

стр. 2146

وقد قال النبي ﷺ : «كُلُّكُم رَاعٍ، وَكُلُّكُم مَسْؤُوْلٌ عَن رَعِيَّتِه» (١). وإذا قام بحقوق الأمة وجب له عليهم حقان: الطاعة، والنصرة ما لم يوجد من جهته ما يخرج به عن الإمامة، والذي يخرج به عن الإمامة شيئان: الجرح في عدالته، والنقص في بدنه (٢). اهـ (٣) ومن الأمثلة على الخلفاء الذين تولوا أمور المسلمين، فقاموا بها حق القيام: الخليفة الراشد أبو بكر الصديق ﵁، فقد روى ابن أبي شيبة من حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: انْظُرُوا مَا زَادَ فِي مَالِي مُنْذُ دَخَلْتُ فِي الْخِلَافَةِ، فَابْعَثُوا بِهِ إِلَى الْخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدِي، فَإِنِّي قَدْ كُنْتُ أَسْتَحِلُّهُ، وَقَدْ كُنْتُ أَصَبْتُ مِنَ الْوَدَكِ نَحْوًا مِمَّا كُنْتُ أَصَبْتُ مِنَ التِّجَارَةِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا مَاتَ نَظَرْنَا، فَإِذَا عَبْدٌ نُوبِيٌّ يَحْمِلُ صِبْيَانَهُ، وَنَاضِحٌ كَانَ يَسْقِي عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَبَعَثْنَا بِهِمَا إِلَى عُمَرَ، قَالَتْ: فَأَخْبَرَنِي جَدِّي، أَنَّ عُمَرَ بَكَى وَقَالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، لَقَدْ أَتْعَبَ مَنْ بَعْدَهُ تَعَبًا شَدِيدًا (٤). ومنها: الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، ففي إحدى السنوات أصيب الناس في عهده بمجاعة شديدة أجدبت الأرض، واسودت، وانقطع المطر، وسمي ذلك العام عام الرمادة، فكان يأكل الخبز والزيت، وينقر بطنه بأصبعيه، ويقول: إنه ليس عندنا غيره حتى

стр. 2147

يحيا الناس (١). وكان يقول: «لو مات جمل ضياعًا على شط الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه» (٢). قال محمد بن سيرين: قدم صهر لعمر عليه، فطلب أن يعطيه من بيت المال، فانتهره عمر، وقال: أردت أن ألقى الله ملكًا خائنًا؟ ثم أعطاه من صلب ماله عشرة آلاف درهم (٣). وفي صحيح البخاري من حديث عمرو بن ميمون الأنصاري أنه قال: شهدت عمر قبل موته بأيام وهو يقول: لئن سلمني الله لأدعن أرامل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدًا، فما أتت عليه رابعة إلا وقد أصيب (٤). ومنها الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁، فقد روى الإمام أحمد في كتابه الزهد من حديث ميمون بن مهران قال: أخبرني الهمداني أنه رأى عثمان بن عفان عليه بغلة، وخلفه غلامه نائل وهو خليفة (٥). وكذلك ما أخرجه من حديث الهمداني قال: رأيت عثمان بن عفان نائمًا في المسجد في ملحفه ليس حوله أحد وهو أمير المؤمنين (٦)، كما أخرج من حديث شرحبيل بن مسلم: أن عثمان بن عفان كان يطعم

стр. 2148

الناس طعام الإمارة، ويدخل إلى بيته فيأكل الخل والزيت (١). ومنها: الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁، فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يَوْمَ الْأَضْحَى، فَقَرَّبَ إِلَيْنَا خَزِيرَةً (٢)، فَقُلْتُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، لَوْ قَرَّبْتَ إِلَيْنَا مِنْ هَذَا الْبَطِّ - يَعْنِي: الْوَزَّ - فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْثَرَ الْخَيْرَ. فَقَالَ: يَا ابْنَ زُرَيْرٍ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ لِلخَلِيفَةِ مِنْ مَالِ اللَّهِ إِلَّا قَصعَتَانِ: قَصعَةٌ يَأكُلُهَا هُوَ وَأَهلُهُ، وَقَصعَةٌ يَضَعُهَا بَينَ يَدَيِ النَّاسِ» (٣). ومنها: الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، وقد كان في مرض موته، فقيل له: يا أمير المؤمنين! أقفرت أفواه بنيك من هذا المال وتركتهم فقراء لا شيء لهم، فقال: أدخلوهم علي، فأدخلوهم بضعة عشر ذكرًا ليس فيهم بالغ، فلما رآهم ذرفت عيناه، ثم قال: يا بني! والله ما منعتكم حقًا هو لكم، ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم، وإنما أنتم أحد رجلين إما صالح فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح فلا أخلف له ما يستعين به على معصية الله، قوموا عني، قال الراوي: فلقد رأيت بعض ولده حمل على مئة فرس في سبيل الله أغناه الله، وأعطى من ماله مئة فرس يجاهد عليها في سبيل الله.

стр. 2149

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: المؤدي للأمانة مع مخالفة هواه يثبته الله، ويحفظه الله في أهله، وفي ماله بعده، والمطيع لهواه بالعكس (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2150

الكلمة السابعة عشرة: التعليم: قواعد، وفوائد الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. قال شيخ الإسلام: «العلم الموروث عن النبي ﷺ هو الذي يستحق أن يسمى علمًا، وما سواه إما أن يكون علمًا فلا يكون نافعًا، وإما أن لا يكون علمًا وإن سُمي به، ولئن كان علمًا نافعًا فلا بد أن يكون في ميراث محمد ﷺ ما يغني عنه مما هو مثله، وخير منه» (١). والعلم النافع هو الذي أمر الله نبيه بالاستزادة منه، فعلَّمه أن يقول: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. روى أبو داود في سننه من حديث أبي الدرداء: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا، سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ، وَمَنْ فِي الأَرْضِ، وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا،

стр. 2151

وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» (١). وهذا النوع من العلم هو الذي أنزله الله لهداية البشر، فمن تمسك به اهتدى ومن تركه ضل، قال تعالى: ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيب﴾ [سبأ: ٥٠]. ومنه: ما تعلمه والعمل به فريضة، كالعلم بالتوحيد، ومعنى الشهادتين وأركان الإسلام، والإيمان، ونحو ذلك مما هو داخل في قوله ﷺ فيما رواه ابن ماجه في سننه من حديث أنس بن مالك: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» (٢). وما سوى ذلك من العلم ففرض على الكفاية، أو فضيلة من الفضائل. ويجب لهذا العلم الإخلاص لله في تعلمه، فروى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٣). يَعنِي: رِيحَهَا. وروى الترمذي في سننه من حديث ابن كعب بن مالك عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ،

стр. 2152

أَدْخَلَهُ اللَّه النَّارَ» (١). أما علوم الدنيا فمنها ما هو مرتبط ببعض علوم الدين كالعلم بالحساب لمعرفة قسمة المواريث، والوصايا، وحكم هذا النوع حكم أصله. ومنها: ما لا تقوم مصالح الناس إلا به كالطب، والزراعة، والصناعة ونحوها، وحكم هذا النوع يختلف باختلاف ضرورة الناس له وحاجتهم إليه، وهذه العلوم الدنيوية ينبغي فيها ملاحظة أمرين: الأول: استحضار النية الصالحة لتعلمها، وتعليمها، لما فيه خير الإسلام والمسلمين، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الأنعام: ١٦٢]. الثاني: أن يُراعى في تعلُّمها وتطبيقها أحكام الشريعة الإسلامية. ومن قواعد التعليم وأسسه التي يحصل بتطبيقها نيل ثمرة العلم: اختيار المعلم ولا سيما في مراحل التعليم الأولى، بأن يكون ديِّنًا فاضلًا ذا مروءة، وحسن خلق ليكون قدوة لطلابه، ويكون مربِّيًا خبيرًا، وأفضل معلِّمي البشر هم الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه، هيأ الله لهم اكتساب الخبرة، والتجربة في ذلك. روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ»، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ» (٢). يعني: القيراط الذي هو

стр. 2153

جزء من الدينار، أو الدرهم. قال العلماء: «والحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة: أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم، والشفقة، لأنهم إذا صبروا على رعيها، وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع، وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها، واحتياجها إلى المعاهدة، ألفوا من ذلك الصبر على الأمة، وعرفوا اختلاف طباعها، وتفاوت عقولها فجبروا كسرها، ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك، أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول وهلة، لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم» (١). ومنها: البدء بالأسهل من العلوم، قال ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]. الرباني: هو الذي يعلم الناس صغار العلم قبل كباره (٢). قال العلامة ابن خلدون: «ومن المذاهب الجميلة، والطرق الواجبة في التعليم: ألَّا يُخلط على المتعلم علمان معًا، فإنه حينئذ قل أن يظفر بواحد منهما لما فيه من تقسيم البال، وانصرافه عن كل واحد منهما إلى تفهم الآخر، فيستغلقان معًا، ويُستصعبان، ويعود منهما بالخيبة، وإذا تفرغ الفكر لتعليم ما هو بسبيله مقتصرًا عليه، فربما كان ذلك أجدر بتحصيله» (٣).

стр. 2154

وقد جرت عادة المسلمين في جميع الأقطار والأمصار، البدء في تعليم الولدان بالقرآن الكريم. قال العلامة ابن خلدون: «إن تعليم الولدان للقرآن شعار من شعائر الدين، أخذ به أهل الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن، وبعض متون الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعده من الملكات، وسبب ذلك: أن تعليم الصغر أشد رسوخًا وهو أصل لما بعد، لأن السابق الأول للقلوب كالأساس للملكات» (١). وعلى هذا فإنه لا يلزم السير على ترتيب سور القرآن، فإذا تعلم الطفل الفاتحة، وبعض السور القصيرة التي يقيم بها صلاته كالإخلاص، والمعوذتين، فإنه ينبغي أن يختار له من مقاطع الآيات ما يسهل فهمه وحفظه، وما هو مشتمل على الآداب التي يحتاج إليها، كوصية لقمان لابنه، وكالوصية بالوالدين ونحو ذلك. «ومنها: التدرج في التعليم للمتعلمين شيئًا فشيئًا، وقليلًا قليلًا، يُلقى عليه أولًا مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب، ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال، ويراعى في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يُورد عليه حتى ينتهي إلى آخر الفن، وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم، إلا أنها جزئية وضعيفة، وغايتها أنها هيأته لفهم الفن وتحصيل مسائله، ثم يرجع به إلى الفن ثانية، فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها، ويستوفي الشرح والبيان،

стр. 2155

ويخرج عن الإجمال، ويذكر له ما هنالك من الخلاف ووجهه، إلى أن ينتهي إلى آخر الفن فتجود ملكته، ثم يرجع به، وقد شدا فلا يترك عويصًا، ولا مبهمًا، ولا منغلقًا، إلا وضحه، وفتح له مقفله، فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته. هذا وجه التعليم المفيد، وهو كما رأيت إنما يحصل في ثلاثة تكرارات، وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك بحسب ما يخلق له ويتيسر عليه» (١). ومنها: أن يُعلم الطفل علم الحساب، لما في ذلك من رياضة الذهن، والتعود على الصدق. ومنها: الفهم والرسوخ فيما يتعلَّمه الطالب، فلا ينقل من علم إلى علم إلا بعد إتقان الأول، وإدراكه إدراكًا جديدًا. ومنها: قرن العلم بالعمل، وأقل ذلك أن يفهم ماذا يراد منه؟ قال عبد الله بن مسعود: كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا إِذَا تَعَلَّمَ عَشرَ آيَاتٍ، لَم يُجَاوِزْهُنَّ حَتَّى يَعرِفَ مَعَانِيَهُنَّ، وَالعَمَلَ بِهِنَّ (٢). «وكذلك ينبغي أن لا يطول على المتعلم في الفن الواحد، والكتاب الواحد، بتفريق المجالس وتقطيع ما بينها، لأنه ذريعة إلى النسيان، وانقطاع مسائل الفن بعضها من بعض، فيعسر حصول الملكة بتفريقها، وإذا كانت أوائل العلم وأواخره حاضرة عند الفكرة مجانبة

стр. 2156

للنسيان، كانت الملكة أيسر حصولًا وأحكم ارتباطًا، وأقرب صبغة، لأن الملكات إنما تحصل بتتابع الفعل وتكراره، وإذا تنوسي الفعل تنوسيت الملكة الناشئة عنه، قال تعالى: ﴿كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُون﴾ [البقرة: ٢٣٩]» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2157

الكلمة الثامنة عشرة: الأسواق: نصائح وأحكام رقم (١) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فما زالت الأسواق منذ القدم هي مجامع الناس يتبادلون فيها البضائع والسلع، وقد تطورت في العهد الجاهلي، خصوصًا الأسواق السنوية كسوق عكاظ، فأصبحت محلًا لتبادل الثقافات وإظهار المناقب، والافتخار بالفضائل، ومع ذلك فقد كانت مضبوطة بقوانين وآداب تكفل الحقوق لمرتاديها، حتى إن الرجل ليلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يهجيه، فلما جاء الله بالإسلام كان النبي ﷺ يمر بأهل السوق فيأمرهم وينهاهم ويقول: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» (١). ويأمر بترجيح الميزان، وقد كان الصحابة في عصره والسلف من بعدهم يحتسبون على أهل الأسواق حتى صار ذلك سنة متبعة في أسواق المسلمين، ثم كثرت الأسواق في أزمان متأخرة، وتغيرت الحال، وارتكبت المحرمات، وجرى الخلل في الآداب، وصار الاحتساب على أهل الأسواق من التدخل في الأمور الخاصة، وعظم الأمر إلى أحياء أسواق الجاهلية لكن دون ضوابطها الأخلاقية، فأصبحت مجمعًا للرقص

стр. 2158

والغناء واختلاط الرجال بالنساء، فالله المشتكى من غربة الدين، وقلة الناصرين، وتغلب المفسدين، وإقصاء المصلحين. وحيث إن الأصل في وجود الأسواق هو التجارة، وفيها ما يحل ويحرم، فإن ما حرم الله منها ممحوق البركة، وخيم العاقبة، قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث كعب بن عجرة: أن النبي ﷺ قال: «يَا كَعْبُ! لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنْ سُحْتٍ، النَّارُ أَوْلَى بِهِ» (١). ومن أنواع البيوع المحرمة: ما يختص بالنساء من الملابس الظاهرة التي تلبس خارج بيتها كالملابس الشفافة، أو العارية، أو المفتوحة، أو الضيقة كالبنطال، أو القصيرة التي تكشف بعض جسدها، أو الأحذية ذات الكعوب العالية. روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لُبْسَةَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لُبْسَةَ الرَّجُلِ (٢). وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «صِنْفَانِ مِن أَهْلِ النَّارِ لَم أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُم سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ البَقَرِ يَضْرِبُوْنَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيْلَاتٌ مَائِلَاتٌ،

стр. 2159

رُؤُوْسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المَائِلَةِ، لَا يَدْخُلنَ الجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوْجَدُ مِن مَسِيْرَةِ كَذَا وَكَذَا» (١). ورد في فتوى اللجنة الدائمة في معنى قوله ﷺ : (كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ): هي أن تكتسي المرأة ما لا يسترها فهي كاسية وهي في الحقيقة عارية، مثل من تلبس الثوب الرقيق الذي يشف بشرتها، أو الثوب الضيق الذي يبدي تقاطيع جسمها، أو الثوب القصير الذي لا يستر بعض أعضائها، فالواجب على المسلمة الحرص على التستر والاحتشام، والتزام الهدي الذي عليه أمهات المؤمنين، ونساء الصحابة والحذر من الوقوع فيما حرمه الله ورسوله من الألبسة التي فيها تشبه بالكافرات والعاهرات، كما يجب على كل مسلم أن يتقي الله فيمن تحت ولايته من النساء، فلا يتركهن يلبسن ما حرمه الله ورسوله من الألبسة الخالعة والفاتنة، وليعلم أنه راع ومسؤول عن رعيته يوم القيامة (٢). اهـ ومنها: ما يسمى بالكاب، أو العباءة المزركشة، أو المخصرة. «والعباءة الشرعية للمرأة وهي الجلباب، لا بد أن يتحقق فيها قصد الشارع من كمال الستر، والبعد عن الفتنة، وذلك أن تتوفر فيها المواصفات التالية: ١ - أن تكون سميكة لا تظهر ما تحتها، ولا يكون لها خاصية الالتصاق.

стр. 2160

٢ - أن تكون ساترة لجميع الجسم، واسعة لا تبدي تقاطيعه وتفاصيله. ٣ - أن تكون مفتوحة من الأمام فقط، وتكون فتحة الأكمام ضيقة. ٤ - ألا يكون فيها زينة تلفت إليها الأنظار، وعليه فلا بد من أن تخلو من الرسوم والزخارف، والكتابات، والعلامات. ٥ - ألا تكون مشابهة للباس الكافرات أو الرجال. ٦ - أن توضع العباءة على هامة الرأس ابتداء. وعلى ذلك، فلا يجوز استيراد هذه العباءة، ولا تصنيعها، ولا بيعها وترويجها بين المسلمين؛ لأن ذلك من التعاون على الاثم والعدوان، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]» (١). تنبيه: كل ما يستعمل على وجه محرم أو يغلب على الظن ذلك، فإنه يحرم تصنيعه، واستيراده، وبيعه، وترويجه بين المسلمين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «كل لباس يغلب على الظن أنه يستعان بلبسه على معصية فلا يجوز بيعه، وخياطته لمن يستعين به على المعصية والظلم، ولهذا كره بيع الخبز، واللحم لمن يعلم أنه يشرب عليه الخمر، وبيع الرياحين لمن يعلم أنه يستعين بها على الخمر، والفاحشة، وكذلك كل مباح في الأصل عُلم أنه يستعان به على المعصية» (٢).

стр. 2161

ومن البيوع المحرمة ما يحرم لذاته، كبيع الدخان، ويلحق به ما يسمى بالشيشة أو الجراك، وآلات الطرب والمخدرات، والمسكرات، وصور ذات الأرواح، فلا يجوز التصوير إلا لضرورة، كصورة البطاقة، أو جواز السفر، أو غيره مما تدعو الضرورة والحاجة إليه. روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس: أن رجلًا جاء إليه وقال: إني رجل أصور هذه الصور فأفتني فيها، فقال له: ادن مني، فدنا منه، ثم قال: ادن مني، فدنا حتى وضع يده على رأسه، قال: آتيك بما سمعت من رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ تُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ» (١). وقال: إن كنت لا بد فاعلًا فاصنع الشجر وما لا نفس له. قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «لَا ضَرَرَ، وَلَا إِضْرَارَ» (٢). وإن من كبائر الذنوب المتاجرة بالجرائد، والمجلات، والأجهزة التي تحتوي على الأغاني الماجنة، والصور العارية، والتمثيليات المنحطة التي يختلط فيها الرجال والنساء مما ذاع وانتشر، حتى أفسد على الناس أخلاقهم، وأديانهم، المسلمون منهم والكفار كلهم على حد سواء، فبلغت بهم تلك الرذائل في الانحطاط إلى أنه لم يبق لديهم من الإنسانية إلا صورتها فقط، فأصبحوا محل السخرية، والاستذلال،

стр. 2162

والإهانة من قبل إبليس وجنوده، الذي كان أول البنود في قانونه الذي وضعه لإغواء البشر، كشف العورات، ونزع الحياء منهم، قال تعالى عنه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧]. ومن البيوع المحرمة: ما يباع على الكفار من اليهود، والنصارى، والرافضة وأعداء الإسلام مما يُستعان به على حرب المسلمين وأذيتهم، وقد يمثل ذلك ببيع العقارات، والأراضي، وغيرها من الممتلكات على الرافضة، أو اليهود، أو النصارى .. أو غيرهم من أعداء المسلمين مما يشكل تمكينًا لهم، وبسطًا لنفوذهم، وتقوية لهم في داخل بلاد المسلمين، وبالتالي يكون عونًا لهم في المستقبل على احتلال بلاد المسلمين، والقضاء عليهم كما يخططون، وقد أفتى الشيخ عبد الله ابن جبرين ﵀ بعدم جواز بيع العقارات للرافضة إذا كانت في محيط أهل السنة، وفي القرى، والمدن التي أهلها من السنة، لأن ذلك يعينهم على إقامة شعائرهم الباطلة، وشركهم، وبدعهم، ويمكنهم من السيطرة على بلاد المسلمين (١)، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَاب﴾ [المائدة: ٢]. ومن البيوع المحرمة: ما كان فيه غش، أو كذب، أو تدليس على المشتري، أو يمين كاذبة. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» (٢).

стр. 2163

وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» (١). ومنها: ما كان فيه دعايات لجذب المشترين إلى المحلات، والأسواق، ويشتري الشخص السلعة لا لأجلها ولكن طمعًا في الحصول على الجائزة، وهو القمار الذي قال الله تعالى فيه: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ [المائدة: ٩٠]. وكذلك هو أكل لأموال الناس بالباطل، قال تعالى: ﴿وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. «سُئلت اللجنة الدائمة عن حكم الجوائز التي تعملها المحلات وبعض الأسواق لجذب الزبائن، فكانت الإجابة: إذا كان الواقع كما ذكر، فجعل ما يُعطى للمشترين باسم هدايا على هذا النظام حرام، لما فيه من المقامرة من أجل توزيع البضاعة وتنمية رأس المال بكثرة البيع، ولو كان ذلك بالأسعار التي تباع بها البضاعة عادة، ولما فيه من المضارة بالتجار الآخرين إلا إذا سلكوا نفس الطريقة فيكون في ذلك إغراء بالمقامرة من أجل رواج التجارة، وزيادة الكسب، ويتبع ذلك الشحناء، وإيقاد نار العداوة والبغضاء، وأكل المال بالباطل. فمثلًا يشتري بعض الناس بمئتي ريال، ويواتيه حظه في الكرت

стр. 2164

المسحوب (بمسجل/ أو مكيف/ أو ثلاجة) ويشتري آخر بنفس القيمة ويكون حظه في الكرت المسحوب (ولاعة/ أو زجاجة عطر قيمتها عشرة ريالات أو عشرون ريالًا)» (١). وبعد .. فقد جرت عادة الدول بإنشاء وزارة تُعنى بأمور التجارة وتسهيل مهمتها فيما يعود على الناس بالنفع، والخير، ومنع ما يضرهم، فعليهم القيام بما يجب عليهم من ذلك، فإن المسؤولية عظيمة أمام الله، قال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُون﴾ [الصافات: ٢٤]. وقال النبي ﷺ : «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (٢) (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2165

الكلمة التاسعة عشرة: الأسواق: نصائح وأحكام رقم (٢) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن الله قد أحل البيع وحرم الربا، والأسواق هي مكان تجمع الناس للبيع والشراء، وتبادل المنافع، وهي مكان الفتن، وانتشار الشياطين لكثرة المنكرات فيها، وانشغال الناس بالدنيا، وهي أبغض الأماكن إلى الله. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَحَبُّ البِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ البِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا» (١). قال النووي ﵀: وقوله: «أَبْغَضُ البِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا»، لأنها مخصوصة بطلب الدنيا، ومخادعة العباد، والإعراض عن ذكر الله، ومظان الإيمان الفاجر، فالمساجد مواضع نزول رحمة الله وفضله، والأسواق على الضد منها (٢). روى مسلم في صحيحه من حديث أبي عثمان عن سلمان قال: لَا تَكُونَنَّ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ، وَلَا آخِرَ مَنْ

стр. 2166

يَخْرُجُ مِنْهَا، فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ وَبِهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ (١). وكثرة الأسواق من علامات الساعة. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْكَذِبُ، وَتَتَقَارَبَ الأَسْوَاقُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ»، قِيلَ: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: «الْقَتْلُ» (٢). والأسواق تنتشر فيها منكرات، ينبغي للمؤمن معرفتها للحذر من الوقوع فيها، وإنكارها بحسب الاستطاعة، فمن تلك المنكرات: ١ - خروج النساء متبرجات متعطرات إلى الأسواق، وقد وضعن المساحيق وأدوات التجميل، وهذا الفعل باب عظيم من أبواب الفتن التي تؤدي إلى شيوع الفواحش وانتشارها، قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]. ٢ - الاختلاط بين الرجال والنساء، قال ابن القيم ﵀: «ومن ذلك أن ولي الأمر يجب عليه أن يمنع من اختلاط الرجال بالنساء في الأسواق والفرج ومجامع الرجال، فالإمام مسؤول عن ذلك، والفتنة به عظيمة. روى البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد: أن النبي ﷺ قال: «مَا تَرَكْتُ

стр. 2167

بَعْدِي فِتْنَةً، أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» (١). وفي حديث آخر: «عَلَيكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ» (٢). ويجب عليه أن يمنع النساء من الخروج متزينات متجملات، ومنعهن من الثياب التي يكن فيها كاسيات عاريات كالثياب الواسعة الرقاق، ومنعهن من حديث الرجال في الطرقات، ومنع الرجال من ذلك، وله أن يحبس المرأة إذا أكثرت الخروج من منزلها، ولا سيما إذا خرجت متجملة، بل إقرار النساء على ذلك إعانة لهن على الإثم والمعصية، والله سائل ولي الأمر عن ذلك، وقد منع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ النساء من المشي في طريق الرجال والاختلاط بهن في الطريق، فعلى ولي الأمر أن يقتدي به في ذلك» (٣). ٣ - تسكع الشباب في الأسواق، والقصات، والألبسة الغربية، والسلاسل التي يتزينون بها، والبناطيل الضيقة التي يلبسونها، وغير ذلك من الميوعة والتخنث مما فيه تشبه بالنساء. روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لُبْسَةَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لُبْسَةَ الرَّجُلِ» (٤).

стр. 2168

٤ - لبس بعض الفتيات الملابس القصيرة، أو البناطيل، وولي أمرها يتساهل في ذلك بحجة أنها صغيرة، فالنبي ﷺ تزوج عائشة وعمرها تسع سنين، فالواجب تعويد الفتيات وتنشئتهن منذ الصغر على الحياء والحشمة، ومن شب على شيء شاب عليه، قال الشاعر: وَيَنْشَأُ نَاشِئُ الفِتْيَانِ مِنَّا ... عَلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ أَبُوهُ ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، فقد كان يومًا يقسم تمر الصدقة، فأخذ الحسن بن علي ﵁ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال النبي ﷺ : «كِخٍ، كِخٍ» لِيَطْرَحَهَا، ثُمَّ قَالَ: «أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَاكُلُ الصَّدَقَةَ؟ ! » (١). ورأى على عبد الله بن عمرو ثوبين معصفرين فقال: «إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهَا» (٢). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «أرى أنه لا ينبغي للإنسان أن يلبس ابنته هذا اللباس وهي صغيرة؛ لأنها إذا اعتادته بقيت عليه، وهان عليها أمره، أما لو تعوَّدت الحشمة من صغرها، بقيت على تلك الحال في كبرها، والذي أنصح به أخواتنا المسلمات أن يتركن لباس أهل الخارج من أعداء الدين، وأن يعودن بناتهن على اللباس الساتر، وعلى الحياء، فالحياء من الإيمان» (٣). ٥ - الصور، والمجسمات المعلقة على زجاج المحلات، وهو ما

стр. 2169

يسمى بـ (المانيكان) كدعاية لتلك المحلات، مع ما فيها من التعري والفتنة مما ينافي الحشمة والحياء، وبعضها فاضحة لا يشك مؤمن بحرمتها، وأضرارها على الشباب، والفتيات .. فإلى الله المشتكى. ٦ - الميوعة واللين في الكلام من النساء عند البيع، والشراء مع أصحاب المحلات مما يؤدي إلى الفتنة بهن، قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. ٧ - بيع السحر، والشعوذة ومنها سحر الصرف، والعطف، والغالب أن البيع يكون للنساء. ٨ - المغازلات، وترتيب المواعيد بين الشباب، والفتيات وأكثر حالات الإركاب إنما تكون في الأسواق كما حدثني بذلك بعض رجال الهيئة. ٩ - بقاء أصحاب المحلات وقت الصلاة داخل المحلات، والأشد من ذلك المجاهرة بعدم إغلاق المحل وقت الصلاة. ١٠ - توظيف الفتيات بائعات في داخل المحلات يبعن على الرجال والنساء، ويشمل ذلك الملابس، والعبايات، وأدوات الزينة .. وغيرها، وقد صدرت فتاوى من علمائنا في هذه البلاد بتحريم بيع النساء على الرجال لما فيه من تعريض المرأة للفتنة (١).

стр. 2170

ومن الوصايا التي يُوصى بها في الأسواق: ١ - تكثيف رجال الهيئة في الأسواق، والمجمعات التجارية لتغيير تلك المنكرات. ٢ - توجيه النساء وإرشادهن للقرار في بيوتهن، وألا تكثر من الخروج لغير حاجة تدعو لذلك، وإذا خرجت فيقتصر الخروج على حاجتها والحذر من التجول لوقت طويل، فكثير من النساء تتجول في السوق لساعات طويلة تتنقل بين المحلات التجارية بحجة البحث عن الأرخص والأجود، وهذا الوقت تُسأَلُ عنه يوم القيامة، قال النبي ﷺ : «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ؟ » (١). وفي رواية: «وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ؟ » (٢). إضافة إلى اختلاطها بالرجال وفتنتها لهم، وعليها ألا تسرف في شراء الملابس وأدوات الزينة، وألا تتبع الموضة في ذلك، فبعضهن تشتري الملابس بشكل مستمر في كل مناسبة أو عرس، حتى لو كان هذا الثوب لم يستعمل إلا مرة واحدة، وتدفع في ذلك المبالغ المالية الطائلة، بل وصل الأمر إلى شراء حقائب اليد والنعال بآلاف الريالات. فإنا لله وإنا إليه راجعون. قال تعالى: ﴿وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين﴾

стр. 2171

[الأعراف: ٣١]. وروى النسائي في سننه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ قال: «كُلُوا وَتَصَدَّقُوا، وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ». ولتحرص ألا تكون وحدها في السوق، مع التستر والحشمة حتى لا يطمع الذي في قلبه مرض، ولتحذر من التطيب عند الذهاب إلى الأسواق، فقد روى الترمذي في سننه من حديث أبي موسى: عن النبي ﷺ قال: «كُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ، وَالمرَأَةُ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ، فَمَرَّتْ بِالمَجلِسِ فَهِيَ كَذَا وَكَذَا»، يَعْنِي: زَانِيَةٌ (١). سُئل الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ عن خروج المرأة في الأسواق من غير محرم جائز أم لا؟ ومتى يجوز؟ ومتى يحرم؟ فكان الجواب: «خروج المرأة إلى السوق في الأصل جائز، لا يشترط أن يكون معها محرم إلا أن تخشى الفتنة، فإنه يجب عليها ألا تخرج إلا بمحرم يحميها، ويصونها، ويحفظها، ويشترط لجواز خروجها إلى الأسواق أن تخرج غير متبرجة، ولا متطيبة، فإن خرجت متبرجة أو متطيبة فإنها لا يحل لها ذلك، لقول النبي ﷺ : «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ (٢)» (٣)» (٤). ٣ - على من دخل إلى السوق أن يحرص على كثرة الذكر،

стр. 2172

وغض البصر، وعلى إفشاء السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُون﴾ [النور: ٣٠]. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ : «مَن رَأَى مِنْكُم مُنْكَرًا فَليُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِن لَم يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِن لَم يَسْتَطِعْ فَبِقَلبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيْمَانِ» (١). ٤ - على المسؤولين إيقاع العقوبات الشديدة لمن يثبت عليه إيذاء النساء ومعاكستهن أو البيع وقت الصلاة؟ أو وضع الصور، أو المجسمات الخليعة، أو غير ذلك من المنكرات حماية للأعراض، وقطعًا لدابر الشر. ٥ - على الآباء أن يمنعوا بناتهم من الألبسة القصيرة، أو البنطال، وأن يعودوهن على الحجاب والستر منذ الصغر. تنبيه: انتشر في الآونة الأخيرة خروج النساء إلى الأسواق، وهن يلبسن النقاب، أو ما يسمى باللثام، وتكتفي بوضع جزء منه على وجهها، ويخرجن العينين والخدين، سُئل الشيخ صالح الفوزان عن النقاب الذي فيه التوسع السابق، فقال: «الواجب على المرأة المسلمة التزام الحجاب الساتر على وجهها وسائر بدنها درءًا للفتنة عنها وعن غيرها، والنقاب الذي تعمله كثير من النساء اليوم نوع من السفور، بل هو

стр. 2173

تدرج إلى ترك الحجاب، فالواجب على المسلمة أن تُبقي على حجابها الساتر، وترك هذا العبث الذي تفعله بعض السفيهات من النساء اللاتي تضايقن من الحجاب الشرعي، فأخذن يتحايلن على التخلص منه» (١). وبعد .. فكل ما جاء في التحذير منه في هذه الكلمة، وغيرها إنما هو من كيد أعداء الله متمثلًا ذلك بالغزو الصليبي اليهودي لإفساد المسلمين، ليسهل عليهم السيطرة علينا، واستعمارنا فكريًّا، واقتصاديًّا، واجتماعيًّا، وأعانهم على ذلك قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، وقلوبهم مع أعدائنا، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2174

الكلمة العشرون: المستشفيات: واقعها ووسائل إصلاحها الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن من حكمة الله تعالى أن يبتلي عبده المؤمن بالمرض تكفيرًا لسيئاته، أو رفعًا لدرجاته، وما كتب الله من مرض إلا وله شفاء. روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً، إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» (١). قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين﴾ [الشعراء: ٨٠]. والذي يتأمل في واقع المستشفيات في هذه الأيام يرى فيها الكثير من المنكرات التي تحتاج إلى علاج، وإلى جهود كبيرة في الإصلاح، قال تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَاّ الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب﴾ [هود: ٨٨]. ومن هذه المنكرات: أولًا: الاختلاط بين الرجال والنساء. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عقبة بن عامر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِيَّاكُم وَالدُّخُوْلَ عَلَى النِّسَاءِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا

стр. 2175

رَسُوْلَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟ قَالَ: «الحَمْوُ المَوْتُ» (١). وإذا كان الرجال ممنوعين من الدخول على النساء، وممنوعين من الخلوة بهن بطريق الأولى، كما ثبت بأحاديث أُخرصار سؤالهن متاعًا لا يكون إلا من وراء حجاب، ومن دخل عليهن فقد خرق الحجاب (٢). والاختلاط له مواضع عدة كالاختلاط بين الأطباء والطبيبات والممرضات أثناء العمل، أو في الاجتماعات، والمحاضرات والندوات، أو أن يكون للطبيب ممرضة ملازمة له في أقسام العمليات، أو غير ذلك. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄: أنه سمع رسول الله ﷺ قال: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» (٣). ثانيًا: لبس العاملات في المستشفيات، والمراكز الصحية، من الطبيبات والممرضات، والموظفات اللباس الخفيف، أو المفتوح، أو البنطال الضيق وهو لباس الرجل. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «صِنْفَانِ مِن أَهْلِ النَّارِ لَم أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُم سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ البَقَرِ يَضْرِبُوْنَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيْلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُؤُوْسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المَائِلَةِ، لَا يَدْخُلنَ الجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا
следующие страницы →