← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

[الأعراف: ٣١]. وروى النسائي في سننه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ قال: «كُلُوا وَتَصَدَّقُوا، وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ». ولتحرص ألا تكون وحدها في السوق، مع التستر والحشمة حتى لا يطمع الذي في قلبه مرض، ولتحذر من التطيب عند الذهاب إلى الأسواق، فقد روى الترمذي في سننه من حديث أبي موسى: عن النبي ﷺ قال: «كُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ، وَالمرَأَةُ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ، فَمَرَّتْ بِالمَجلِسِ فَهِيَ كَذَا وَكَذَا»، يَعْنِي: زَانِيَةٌ (١). سُئل الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ عن خروج المرأة في الأسواق من غير محرم جائز أم لا؟ ومتى يجوز؟ ومتى يحرم؟ فكان الجواب: «خروج المرأة إلى السوق في الأصل جائز، لا يشترط أن يكون معها محرم إلا أن تخشى الفتنة، فإنه يجب عليها ألا تخرج إلا بمحرم يحميها، ويصونها، ويحفظها، ويشترط لجواز خروجها إلى الأسواق أن تخرج غير متبرجة، ولا متطيبة، فإن خرجت متبرجة أو متطيبة فإنها لا يحل لها ذلك، لقول النبي ﷺ : «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ (٢)» (٣)» (٤). ٣ - على من دخل إلى السوق أن يحرص على كثرة الذكر،

стр. 2172

وغض البصر، وعلى إفشاء السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُون﴾ [النور: ٣٠]. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ : «مَن رَأَى مِنْكُم مُنْكَرًا فَليُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِن لَم يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِن لَم يَسْتَطِعْ فَبِقَلبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيْمَانِ» (١). ٤ - على المسؤولين إيقاع العقوبات الشديدة لمن يثبت عليه إيذاء النساء ومعاكستهن أو البيع وقت الصلاة؟ أو وضع الصور، أو المجسمات الخليعة، أو غير ذلك من المنكرات حماية للأعراض، وقطعًا لدابر الشر. ٥ - على الآباء أن يمنعوا بناتهم من الألبسة القصيرة، أو البنطال، وأن يعودوهن على الحجاب والستر منذ الصغر. تنبيه: انتشر في الآونة الأخيرة خروج النساء إلى الأسواق، وهن يلبسن النقاب، أو ما يسمى باللثام، وتكتفي بوضع جزء منه على وجهها، ويخرجن العينين والخدين، سُئل الشيخ صالح الفوزان عن النقاب الذي فيه التوسع السابق، فقال: «الواجب على المرأة المسلمة التزام الحجاب الساتر على وجهها وسائر بدنها درءًا للفتنة عنها وعن غيرها، والنقاب الذي تعمله كثير من النساء اليوم نوع من السفور، بل هو

стр. 2173

تدرج إلى ترك الحجاب، فالواجب على المسلمة أن تُبقي على حجابها الساتر، وترك هذا العبث الذي تفعله بعض السفيهات من النساء اللاتي تضايقن من الحجاب الشرعي، فأخذن يتحايلن على التخلص منه» (١). وبعد .. فكل ما جاء في التحذير منه في هذه الكلمة، وغيرها إنما هو من كيد أعداء الله متمثلًا ذلك بالغزو الصليبي اليهودي لإفساد المسلمين، ليسهل عليهم السيطرة علينا، واستعمارنا فكريًّا، واقتصاديًّا، واجتماعيًّا، وأعانهم على ذلك قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، وقلوبهم مع أعدائنا، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2174

الكلمة العشرون: المستشفيات: واقعها ووسائل إصلاحها الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن من حكمة الله تعالى أن يبتلي عبده المؤمن بالمرض تكفيرًا لسيئاته، أو رفعًا لدرجاته، وما كتب الله من مرض إلا وله شفاء. روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً، إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» (١). قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين﴾ [الشعراء: ٨٠]. والذي يتأمل في واقع المستشفيات في هذه الأيام يرى فيها الكثير من المنكرات التي تحتاج إلى علاج، وإلى جهود كبيرة في الإصلاح، قال تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَاّ الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب﴾ [هود: ٨٨]. ومن هذه المنكرات: أولًا: الاختلاط بين الرجال والنساء. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عقبة بن عامر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِيَّاكُم وَالدُّخُوْلَ عَلَى النِّسَاءِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا

стр. 2175

رَسُوْلَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟ قَالَ: «الحَمْوُ المَوْتُ» (١). وإذا كان الرجال ممنوعين من الدخول على النساء، وممنوعين من الخلوة بهن بطريق الأولى، كما ثبت بأحاديث أُخرصار سؤالهن متاعًا لا يكون إلا من وراء حجاب، ومن دخل عليهن فقد خرق الحجاب (٢). والاختلاط له مواضع عدة كالاختلاط بين الأطباء والطبيبات والممرضات أثناء العمل، أو في الاجتماعات، والمحاضرات والندوات، أو أن يكون للطبيب ممرضة ملازمة له في أقسام العمليات، أو غير ذلك. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄: أنه سمع رسول الله ﷺ قال: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» (٣). ثانيًا: لبس العاملات في المستشفيات، والمراكز الصحية، من الطبيبات والممرضات، والموظفات اللباس الخفيف، أو المفتوح، أو البنطال الضيق وهو لباس الرجل. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «صِنْفَانِ مِن أَهْلِ النَّارِ لَم أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُم سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ البَقَرِ يَضْرِبُوْنَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيْلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُؤُوْسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المَائِلَةِ، لَا يَدْخُلنَ الجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا

стр. 2176

لَيُوْجَدُ مِن مَسِيْرَةِ كَذَا وَكَذَا» (١). روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ» (٢). ثالثًا: تبرج العاملات في المستشفيات من الطبيبات، والموظفات، وذلك بكشف شعر الرأس، والوجه، ووضع أدوات الزينة والتجميل. رابعًا: كشف الطبيب على المرأة المريضة، مع عدم وجود الحاجة إلى ذلك. خامسًا: إلزام الطبيبة بالكشف على الرجال. سادسًا: نظر الطبيب إلى عورة المريض بلا ضرورة، أو حاجة ملحة، وتعظم الحرمة مع اختلاف الجنسين. سابعًا: إلباس المريض، أو المريضة، في غرفة العمليات اللباس العاري أو المفتوح، أو كشف عورته أمام الكوادر الطبية من غير حاجة ملحة إلى ذلك. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا يَنْظُرِ الرَّجُلُ إِلَى عَورَةِ الرَّجُلِ، وَلَا المَرأَةُ إِلَى عَورَةِ المَرأَةِ» (٣). ثامنًا: توظيف النساء في الاستقبال، وفي بعض الأحيان يكن

стр. 2177

متبرجات، وقد وضعن أدوات التجميل على وجههن يفتن بذلك الرجال، ورد في قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن ضوابط كشف العورة أثناء علاج المريض ما نصه: الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه أجمعين: «فإن مجلس المجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الرابعة عشرة، المنعقدة بمكة المكرمة والتي بدأت يوم السبت العشرون من شعبان عام ألف وأربع مئة وخمس عشرة للهجرة، وقد نظر في هذا الموضوع وأصدر القرار الآتي: الأصل الشرعي أنه لا يجوز كشف عورة المرأة للرجل، ولا العكس ولا كشف عورة المرأة للمرأة، ولا عورة الرجل للرجل، يؤكد المجمع على ما صدر من مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بقراره رقم (١٥/ ١٢ / د/ ٨) وتاريخ ١/ ٧ / ١٤١٤ هـ، وهذا نصه: «الأصل أنه إذا توافرت طبيبة مسلمة متخصصة يجب أن تقوم بالكشف على المريضة، وإذا لم يتوافر ذلك فتقوم طبيبة غير مسلمة، فإن لم يتوافر ذلك يقوم به طبيب مسلم وإن لم يتوافر طبيب مسلم يمكن أن يقوم مقامه طبيب غير مسلم على أن يطلع من جسم المرأة على قدر الحاجة في تشخيص المرض ومداواته، وألا يزيد عن ذلك وأن يغض الطرف قدر استطاعته، وأن تتم معالجة الطبيب للمرأة هذه بحضور محرم، أو زوج، أو امرأة ثقة خشية الخلوة. في جميع الأحوال المذكورة، لا يجوز أن يشترك مع الطبيب إلا من دعت الحاجة الطبية الملحة لمشاركته، ويجب عليه كتمان الأسرار إن وجدت.

стр. 2178

ويجب على المسؤولين في الصحة، والمستشفيات حفظ عورات المسلمين والمسلمات من خلال وضع لوائح وأنظمة خاصة تحقق هذا الهدف، وتعاقب كل من لا يحترم أخلاق المسلمين، وترتيب ما يلزم لستر العورة وعدم كشفها أثناء العمليات إلا بقدر الحاجة من خلال اللباس المناسب شرعًا (١). ويوصي المجمع بما يلي: (أ) أن يقوم المسؤولون عن الصحة بتعديل السياسة الصحية فكرًا، ومنهجًا وتطبيقًا، بما يتفق مع ديننا الإسلامي الحنيف، وقواعده الأخلاقية السامية، وأن يولوا عنايتهم الكاملة لرفع الحرج عن المسلمين، وحفظ كرامتهم، وصيانة أعراضهم. (ب) العمل على وجود موجه شرعي في كل مستشفى للإرشاد والتوجيه للمرضى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اهـ وقد وقع القرار جمع من العلماء، وعلى رأسهم رئيس المجلس سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀. ومن الوصايا التي يُوصى بها إضافة إلى وصايا المجمع الفقهي الإسلامي: ١ - «يجب على الأطباء ومساعديهم من الممرضين وغيرهم

стр. 2179

القيام بالواجبات الشرعية في كل حال من أحوالهم، وعدم التساهل فيها، ومن ذلك أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين وهي الصلاة، فلا يجوز التفريط فيها، ولا تأخيرها عن وقتها، خاصة عند وجود ما قد يشغل ويصد، فإن داعي الشر قد يوسوس للإنسان بالأعذار الواهية، والحجج الفاسدة ما يبرر له تقصيره، والصلاة لا تسقط عن المسلم ما دام عقله معه، ولا يجوز تأخيرها عن وقتها» (١). ٢ - إيجاد مستشفى خاص بالنساء، وآخر بالرجال، ويبدأ ذلك من دراسة الطب، كلية خاصة للنساء، وأخرى للرجال، ومستشفى تعليمي للنساء وآخر للرجال، وقد برزت في هذه الأيام بعض المستشفيات والمستوصفات الخاصة بالنساء، وأثبتت نجاحها، وما المانع من أن يعم ذلك جميع مستشفيات المسلمين، قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ مفتي الديار السعودية سابقًا: وذلك أن الرجال والنساء الذين يرتادون المستشفيات للعلاج ينبغي أن يكون لكل منهم قسم خاص من المستشفى، فقسم الرجال لا يقربه النساء بحال، ومثله قسم النساء حتى تؤمن المفسدة، وتسير مستشفيات البلاد على وضع سليم من كل شبهة موافقًا لبيئة البلاد ودينها، وطبائع أهلها، وهذا لا يكلف شيئًا، ولا يوجب التزامات مالية أكثر مما كان، فإن الإدارة واحدة والتكاليف واحدة،

стр. 2180

مع أن ذلك متعين شرعًا مهما كلف (١). اهـ ٣ - إلزام العاملات في المستشفيات، والمراكز الصحية من طبيبات، وممرضات وموظفات باللباس الشرعي الساتر البعيد عن الفتنة، مع تغطية الوجه والكفين والرأس كاملًا. ٤ - الحرص على توفير كوادر نسائية للكشف عن النساء، وخدمتهن دون الحاجة لمخاطبة الرجال ومخالطتهم، والعكس كذلك توفير كوادر رجالية من موظف الاستقبال، والطبيب، وغيره. ٥ - الحرص التام على عدم الاختلاط بين المراجعين، والمراجعات، والموظفين والموظفات. ٦ - الحرص على تنبيه الجميع لأوقات الصلاة، وتوفير مصلى مناسب للرجال والنساء. ٧ - عدم السماح لجميع العاملات بأخذ الزينة وقت العمل سواء في اللباس أو الشعر أو الوجه، بل يُكتَفَى باللباس الشرعي الساتر لجميع البدن. ٨ - «يجب على جميع العاملين في المستشفيات عدم إفشاء أسرار المرضى، ولزوم الكتمان في هذه الأمور، فإن إفشاءها مع أنه خيانة للأمانة، وهتك للأسرار، فإنه يجر من الشر ما لا يخفى.

стр. 2181

٩ - يجب على جميع العاملين عدم التشبه بالكفار، وقد ورد النهي صريحًا في تحريم ذلك، وعلى المسلم أن يعتز بدينه وانتمائه إليه، فلا يضعف ولا ينهزم. ١٠ - عدم خضوع العاملات في المستشفيات بالقول عند حاجتهن للتحدث مع الرجال غير محارمهن، على أنه لا يجوز لهن التحدث معهم إلا من وراء حجاب، ودون اختلاط» (١). ١١ - الحرص على الكوادر المسلمة من العاملين، والعاملات، وعدم استقدام الأطباء، والممرضات، والعاملين، والعاملات من النصارى، والوثنيين وغيرهم من ملل الكفر، لقول النبي ﷺ : «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» (٢)؛ إلا من دعت الحاجة إليه، وتقدر الضرورة بقدرها. ١٢ - أن يُدرس في كليات الطب، العلوم الشرعية التي تبين الحقوق الشرعية للمرضى، والأحكام والقواعد الشرعية لأحكام التداوي، وضوابطه. ١٣ - الحرص على افتتاح مكتب للشؤون الدينية في كل مستشفى حكومي أو أهلي، وتكون مهمته إزالة المنكرات ومعالجتها بالطرق المناسبة، والمراقبة الدقيقة لتطبيق الأنظمة واللوائح التي تمنع الألبسة المنافية للحياء والاختلاط، وأخذ الزينة للعاملات وقت العمل ... وغير ذلك، وكذلك توزيع الكتب،

стр. 2182

والأشرطة لدعوة غير المسلمين إلى الإسلام، من العاملين والعاملات، وترتيب المحاضرات، والإجابة على أسئلة المرضى ... وما إلى ذلك. ١٤ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وهذا التعاون مطلوب من الجميع، الطبيب، والموظف، والمراجع، والمرأة على بنات جنسها. من رأى منكرًا مما سبق ذكره، عليه إنكار ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2183

الكلمة لحادية والعشرون: خطبة الجمعة: فوائد، وتنبيهات رقم (١) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: «فإن لخطبة الجمعة في الإسلام أهمية عظيمة، فقد كان النبي ﷺ يُعَلِّمُ أصحابه في خطبته قواعد الإسلام وشرائعه، ويأمرهم وينهاهم في خطبته إذا عرض أمر أو نهي، كما أمر الداخل وهو يخطب أن يصلي ركعتين ويذكر معالم الشرائع في الخطبة، والجنة، والنار، والمعاد، فيأمر بتقوى الله، ويُحَذِّرُ من غضبه، ويُرَغِّبُ في موجبات رضاه، ويذكرهم بأيام الله» (١). وخطبة الجمعة من أعظم الوسائل المعينة على إصلاح المجتمع وحل قضاياه. وقد أمر الله المؤمنين بحضور ذلك الاجتماع واستماع الخطبة، وإقامة الصلاة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون﴾ [الجمعة: ٩].

стр. 2184

قال الشيخ علي الطنطاوي: «إني أحاول أن ألقي اليوم خطبة فلا تقولوا: قد شبعنا من الخطب، إنكم قد شبعتم من الكلام الفارغ الذي يلقيه أمثالي من مساكين الأدباء، أما الخطب فلم تسمعوها إلا قليلًا، الخطب العبقريات الخالدات التي لا تنسج من حروف، ولا تؤلف من كلمات، ولكنها تنسج من خيوط النور الذي يضيء طريق الحق لكل قلب، وتحاك من أسلاك النار التي تبعث لهب الحماسة في كل نفس ولا تقولوا: ماذا تصنع الخطب؟ فخطبة طارق هي التي فَتَحَتِ الأندلس، وأُقِيمَتْ بها دولة الإسلام قرونًا عديدة» (١). ومعركة الإسلام الفاصلة «بدر الكبرى» قامت على كلمات معدودة، ألقاها سيد الأوس سعد بن معاذ ﵁. فعندما استشار النبي ﷺ الناس في الذهاب إلى ملاقاة المشركين في بدر قام سعد بن معاذ خطيبًا فقال: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: «أجل» قال: فقد آمنَّا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا، ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فامض بنا يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لَصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فَسِرْ بنا على بركة الله، فَسُرَّ رسول الله ﷺ بقول سعد، ونشطه ذلك، ثم قال: «سِيرُوا وَأَبْشِرُوا،

стр. 2185

فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَاللَّهِ لَكَأَنِّي الآنَ أَنْظُرُ إِلَى مَصَارِعِ الْقَوْمِ» (١). ولما ارتدت العرب عند وفاة النبي ﷺ ، قام سهيل بن عمرو خطيبًا في مكة، وكان من عقلائهم وخطبائهم، فخطب خطبة عصماء، ومما قال فيها: «يا معشر قريش، لا تكونوا آخر من أسلم، وأول من ارتدَّ، والله إن هذا الدين ليمتدن امتداد الشمس والقمر من طلوعهما إلى غروبهما» (٢)، فكانت تلك الخطبة من أعظم أسباب ثباتهم على الدين، والأمثلة على ذلك كثيرة. قال ابن كثير: «إنما سميت الجمعة جمعة لأنها مشتقة من الجمع، فإن أهل الإسلام يجتمعون فيه كل أسبوع مرة بالمساجد الكبار، وفيه كَمُل جميع الخلائق فإنه اليوم السادس من الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض، وفيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه، كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحاح» (٣). وقد وردت النصوص الكثيرة بوجوب الإنصات لخطبة الجمعة والفضل العظيم في ذلك. قال البخاري: باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب، وإذا قال لصاحبه: (أنصت) فقد لغا، وقال سلمان عن النبي ﷺ : ينصت إذا تكلم الإمام، ثم روى عن

стр. 2186

أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: أَنْصِتْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ» (١). أي: قلت اللغو، واللغو الإم، فإذا كان الذي يقول للمتكلم: (أنصت) - وهو في الأصل يأمر بمعروف - قد لغا، فغير ذلك من الكلام من باب أولى. قال ابن حجر: «واستدل به على منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة، وبه قال الجمهور في حق من سمعها» (٢). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاسْتَاكَ وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ، وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى يَاتِيَ الْمَسْجِدَ فَلَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ حَتَّى رَكَعَ مَا شَاءَ أَنْ يَرْكَعَ، ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ، كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا» (٣). وروى أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن عمرو: عن النبي ﷺ قال: «يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ: رَجُلٌ حَضَرَهَا يَلْغُو وَهُوَ حَظُّهُ مِنْهَا، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا يَدْعُو فَهُوَ رَجُلٌ دَعَا اللَّه إِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِإِنْصَاتٍ وَسُكُوتٍ وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا فَهِيَ كَفَّارَةٌ إِلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا وَزِيَادَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ

стр. 2187

أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَاّ مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُون﴾ [الأنعام: ١٦٠]» (١). بل إن صلاة الركعتين في المسجد والإمام يخطب تكون خفيفة، حتى يتمكن من إدراك الخطبة والاستفادة منها. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ يخطب، فجلس، فقال له: «يَا سُلَيكُ! قُم فَاركَعْ رَكعَتَينِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا»، ثم قال: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» (٢). وقد جاء الذَّمُّ الشديد لمن خرج وترك الإمام يخطب. روى مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخطُبُ قَائِمًا يَومَ الجُمُعَةِ، فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ الشَّامِ، فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيهَا، حَتَّى لَم يَبقَ إِلَّا اثنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي فِي الجُمُعَةِ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] (٣). ورتب الشارع الفضل العظيم لمن دنا من الإمام وأنصت ليتمكن من استيعاب ما يلقيه الخطيب. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أوس بن أبي أوس: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعةِ، فَغَسَلَ أحَدُكُمْ رَأسَهُ وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ غَدَا أَوِ ابتَكَرَ، ثُمَّ دَنَا فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ خَطَاهَا كَصِيَامِ سَنَةٍ وَقِيَامِ سَنَةٍ» (٤).

стр. 2188

وهذه الأمور السابقة كلها من أجل تهيئة السامع، فعلى الخطيب أن يستشعر أن هذا كله من أجله فليهتم لذلك، وليبذل غاية جهده على ضوء ما يأتي التنبيه عليه والإشارة إليه. فمن ذلك: الإخلاص لله تعالى، لا ليقال: فلان خطيب مصقع، أو خطب فلان خطبة عصماء .. ونحو ذلك، واسمع إلى موسى نبي الله فيما حكاه الله عنه حين دعا ربه فقال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧ - ٢٨]، فغاية مراده أن يفهموا عنه ما يريد وحسب. ومنها: أن يكون الخطيب قدوة حسنة ظاهرًا وباطنًا، وأن يصدق قوله فعله لتكون خطبته أبلغ تأثيرًا في قلوب السامعين، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُون * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُون﴾ [الصف: ٢ - ٣]. وقال تعالى: ﴿أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ (١) مِنْ نَارٍ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: خُطَبَاءُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، كَانُوا يَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ، وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ، أَفَلَا يَعْقِلُونَ؟ ! » (٢). وذكر بعض أهل العلم أن من شروط صحتهما: حمد الله

стр. 2189

والشهادتين، والصلاة على رسول الله ﷺ ، والوصية بتقوى الله، والموعظة وقراءة شيء من القرآن ولو آية (١). «وللأسف أن البعض من الخطباء يختصر في الخطبة الثانية اختصارًا مُخِلًّا، وتصبح الخطبة الثانية ألفاظًا تُردد وتعاد ويقتصر فيها على الدعاء، مع أن الخطبة الثانية لا تختلف في أصل السنة عن الأولى، وينبغي أن يتنبه لهذا الأمر وينوع الخطيب، فتارة يجعل الخطبة الثانية مكملة للخطبة الأولى، وتارة مساوية لها، وتارة أنقص منها، وتارة في موضوع آخر، كل هذا لا بأس به وإن ما يخشى هو التزام طريقة واحدة يفهم عامة الناس من خلالها أنها هي السنة وما عداها مخالف لها» (٢). والدعاء في آخر الخطبة ليس شرطًا من شروطها ولا كان السلف يواظبون عليه، قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن الدعاء في آخر الخطبة: «وكون الدعاء للمسلمين فيه مصلحة عظيمة موجودة في عهد النبي ﷺ ، وما وجد سببه في عهد النبي ﷺ ولم يفعله فتركه هو السنَّة، إذ لو كان شرعًا لفعله النبي ﷺ ، فلا بد من دليل خاص يدل على أن النبي ﷺ كان يدعو للمسلمين، فإن لم يوجد دليل خاص فإننا لا نأخذ به، ولا نقول: إنه من سنن الخطبة، وغاية ما نقول: إنه من الجائز، وحينئذ لا يتخذ سنة راتبة يواظب عليه، لأنه إذا اتخذ سنة راتبة يواظب عليه فهم الناس أنه سنة، وكل شيء يوجب أن يفهم الناس منه خلاف

стр. 2190

حقيقة الواقع، فإنه ينبغي تجنبه» (١). اهـ وأما التزام كثير من الخطباء بعض الألفاظ في الخطبة على سبيل الديمومة فلا ينبغي، لأن ذلك يجعل بعض السامعين يظن أن هذه الألفاظ من صلب الخطبة، أو أن الخطبة ناقصة من دون إيرادها، وربما حصل النكير من بعضهم إذا تُرِكَتْ لكثرة مداومة الخطباء عليها، فمن تلك الألفاظ على سبيل المثال وليس الحصر. اختتام آخر الخطبة الأولى بآية، وقبل أن يختم بهذه الآية يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، في حين أنه لا يستعيذ بالله في إيراد غيرها من الآيات. ومنها: المواظبة على ختم الخطبة الأولى بقول: أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. ومنها: الأمر بالصلاة على النبي ﷺ في آخر الخطبة على سبيل الديمومة. ومنها: قول بعضهم في آخر الخطبة الثانية على سبيل الديمومة: عباد الله، اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم .. إلخ. ومنها: المواظبة على قراءة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] في آخر الخطبة الثانية.

стр. 2191

فالذي ينبغي للخطيب أن ينوع في مثل هذا، لئلا يظن الناس أن هذا من الواجب، بل لو ترك السنة أحيانًا إذا ظن بعض الناس من خلال المواظبة عليها أنها واجبة، فإن هذا الترك يكون مستحبًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فإنه إذا ظن العامة أن المواظبة على قراءة السجدة، والإنسان في فجر الجمعة من الواجب، فإنه يستحب تركها أحيانًا لإزالة اللبس» (١) (٢). ومنها: مغايرة بعض الخطباء صوته عند تلاوة الآيات من القرآن، لنسق صوته في وعظه وخطبه. قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد ﵀: «وهذا لم يعرف عن السالفين ولا الأئمة المتبوعين، ولا تجده لدى أجلاء العلماء في عصرنا، بل يتنكبونه، وكثير من السامعين لا يرتضونه، والأمزجة مختلفة، ولا عبرة بالفاسد منها، كما أنه لا عبرة بالمخالف لطريقة صدر هذه الأمة وسلفها» (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2192

الكلمة الثانية والعشرون: خطبة الجمعة: فوائد وتنبيهات رقم (٢) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فاستكمالًا للحديث السابق عن مكانة خطبة الجمعة وتأثيرها في الناس وما ينبغي للخطيب أن يتجنبه، ومن ذلك أن يحرص على موافقة السنة في خطبته وذلك بالآتي: ١ - تقصير الخطبة: روى مسلم في صحيحه من حديث أَبِي وَائِلٍ قَالَ: خَطَبَنَا عَمَّارٌ، فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ، فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ، لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ، فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ؟ ! فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ، مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا» (١). وروى أبو داود في سننه من حديث جابر بن سمرة السوائي قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُطِيلُ الْمَوْعِظَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِنَّمَا هُنَّ كَلِمَاتٌ يَسِيرَاتٌ (٢). ٢ - رفع الصوت في الخطبة على نحو ما كان عليه النبي ﷺ ،

стр. 2193

دون التشنج والصراخ المفزع الذي يذهب بجمال الخطبة ووقعها في نفس المستمع. روى مسلم في صحيحه من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ» (١). قال الشاعر: وَإِذَا خَطَبْتَ فَلِلْمَنَابِرِ هَزَّةٌ ... تَعْرُو النَّدِيَّ وَلِلْقُلُوبِ بُكَاءُ كما أنه لا يراد به أن يكون احمرار العين وشدة الغضب في كل شيء (٢). قال القاضي عياض: «هذا حكم المحذر والمنذر، وأن تكون حركات الواعظ والمذكر وحالاته في وعظه، بحسب الفصل الذي يتكلم فيه ومطابق له حتى لا يأتي بالشيء وضده، وأما اشتداد غضبه فيحتمل أنه عند نهيه عن أمر خولف فيه شرعه، أو يريد أن صفته صفة الغضبان عند إنذاره» (٣). ٣ - وعلى الخطيب أن يضمن خطبته الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية والحكم المأثورة عن السلف الصالح، والابتعاد عن الكلام الإنشائي المنمق والسجع المتكلف إلا ما لا بد منه، فتأثير النصوص الشرعية أبلغ في القلوب وأبقى أثرًا، وأدوم ذكرًا، وما سواها فإنه وإن أثر نوعًا ما فلا بقاء له، وقد كان النبي ﷺ يخطب بالقرآن. روى مسلم في صحيحه من حديث أُمِّ

стр. 2194

هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ: مَا أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيد﴾ [ق: ١]، إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ، إِذَا خَطَبَ النَّاسَ (١). «ومن تأمل خُطَبَ النبي ﷺ وخُطَبَ أصحابه، وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد، وذكر صفات الرب ﷻ ، وأصول الإيمان الكلية، والدعوة إلى الله، وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقه وأيامه التي تخوفهم من بأسه، والأمر بذكره وشكره الذي يحببهم إليه، فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه، ما يحببه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحببهم إليه، فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم، ثم طال العهد، وخفي نور النبوة، وصارت الشرائع والأوامر رسومًا تقام من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها، فأعطوها صورها، وزينوها بما زينوها به، فجعلوا الرسوم والأوضاع سننًا لا ينبغي الإخلال بها، وأخلوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها، فرصعوا الخطب بالتسجيع والفقر، وعلم البديع، فنقص بل عدم حظ القلوب منها، وفات المقصود بها» (٢). قال الشيخ صالح الفوزان: «هذا ما قاله الإمام ابن القيم ﵀ في طابع الخطب في عصره، وقد زاد الأمر على ما وصف، حتى صار الغالب على الخطب اليوم أنها حشو من الكلام قليلة الفائدة، فبعض الخطباء يجعل الخطبة كأنها موضوع إنشاء مدرسي يرتجل فيه ما

стр. 2195

حضره من الكلام بمناسبة وبدون مناسبة، حتى إن بعضهم يهمل شروط الخطبة، أو بعضها، ولا يتقيد بضوابطها الشرعية، فهبطوا بالخطب إلى هذا المستوى الذي لم تعد معه مؤدية للغرض المطلوب من التأثير، والتأثر والفائدة، وبعض الخطباء يقحم في الخطبة مواضيع لا تتناسب مع موضوعها، وليس من الحكمة ذكرها في هذا المقام، وقد لا يفهمها غالب الحضور. فيا أيها الخطباء، عودوا بالخطبة إلى الهدي النبوي، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. ركِّزوا موضوعاتها على نصوص من القرآن والسنة التي تتناسب مع المقام، ضمِّنوها الوصية بتقوى الله والموعظة الحسنة، عالجوا بها أمراض مجتمعاتكم بأسلوب واضح مختصر، أكثروا فيها من قراءة القرآن العظيم الذي به حياة القلوب، ونور البصائر» (١). ٤ - وعلى الخطيب إعداد الخطبة مسبقًا، وإعادة النظر فيها حينًا بعد حين، ووعظ الخطيب نفسه بخطبته، فبعض الخطباء هداهم الله ينقل الخطبة من غيره دون تفهم وإدراك، وأعظم من ذلك من يقطع الورقة قبل الخطبة بوقت يسير من أي كتاب تيسر له، أو أي موقع من المواقع الإلكترونية. ٥ - وعليه أن يختار العبارات الفصيحة الواضحة، التي يفهمها السامع، والجمل القصيرة التي يدرك فهمها.

стр. 2196

٦ - أن يلقيها إلقاء مفصلًا، فيقف على معاني جمل الآيات، ويفصل بين الآية والحديث، وبين جملة وأخرى، فقد كان هدي النبي ﷺ كما في الصحيحين من حديث عائشة: أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ الحَدِيثَ، لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لَأَحْصَاهُ، وَقَالتْ: لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ (١). ٧ - أن يبين ما يشكل من الكلمات، أو معاني النصوص التي يضطر إلى ذكرها. ٨ - أن يضرب الأمثال المقربة للمعاني دون غلو، فإنه ينبغي أن ترتكز جميع الخطب على تعظيم الله وإجلاله، وذكر ممادحه، وحمده، وتمجيده، والثناء عليه، وبهذا أمر الله نبيه ﷺ في أول ما أنزل إليه، فقال تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّر﴾ [المدثر: ٣]. ٩ - أما الموضوعات التي ينبغي للخطيب أن يحرص عليها، قال ابن القيم ﵀: «وكذلك كانت خطبته ﷺ إنما هي تقرير لأصول الإيمان، من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، ولقائه، وذكر الجنة والنار، وما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته، وما أعد لأعدائه وأهل معصيته، فيملأ القلوب من خطبته إيمانًا وتوحيدًا، ومعرفة بالله وأيامه، لا كخطب غيره التي إنما تفيد أمورًا مشتركة بين الخلائق، وهي النوح على الحياة، والتخويف بالموت؛ فإن هذا أمر لا يُحصِّلُ في القلب إيمانًا بالله ولا توحيدًا له، ولا معرفة خاصة به ولا تذكيرًا بأيامه، ولا بعثًا للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه، فيخرج السامعون ولم

стр. 2197

يستفيدوا فائدة، غير أنهم يموتون، وتقسم أموالهم، ويُبلي التراب أجسامهم، فيا ليت شعري أي إيمان حصل بهذا؟ وأي توحيد، ومعرفة، وعلم نافع حصل به؟ » (١). وكلام ابن القيم محمولًا على ذكر الموت مجردًا، أما ربطه بما أمر الله بفعله، أو تركه فهو أمر محمود، قال ﷺ : «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» يَعنِي: المَوتَ (٢). «ولذلك ينبغي للخطيب أن يعمل لإصلاح الأفراد، وإصلاح الأسر والبيوت، ثم يبحث في الإصلاح العام ويبدأ في كل ذلك بما بدأ الله به من تحقيق التوحيد وتثبيت الإيمان في القلوب، ثم يعظ الناس بترغيبهم في فعل الفرائض، وترك المناهي، والمحرمات، وبيان ذلك لا بيان الفقيه الذي يعدد الشروط، والأركان، والسنن، والمكروهات، بل بيان المرشد الذي يذكر صالح الأعمال، وما فيها من الفضائل، وما أُعِدَّ لها من الأجور، والأعمال السيئة وما يترتب عليها من العقوبات الدنيوية، والأخروية» (٣). وعلى الخطيب أن يتجنب توجيه الخطاب للسامعين حال ذكر ما يذم من الأمور، وعليه ألا يخاطبهم مخاطبة المدرِّس لطلابه، والأفضل أن يقول لهم: إن كثيرًا منكم يعرف هذا الأمر، وإنما أردت

стр. 2198

التذكير، وعليه أن يجتنب الأحاديث الموضوعة، والضعيفة، والقصص الخرافية، أو التي لم توثق، أو فيها غرابة، أو كذب، أو بترك ما لا يدركه عامة السامعين. قال علي ﵁: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟ (١). وقال ابن مسعود: «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً» (٢). ومن أوجب ما يجب اجتنابه: ما يفعله بعض الخطباء من إلقاء الطُّرَف المضحكة في الخطبة، ويخشى أن يكون هذا مفسدًا لها. وعليه أن يجتنب الموضوعات التي تدل على المنكر، والمواقف التي فيها إشاعة الفواحش، وإن ظن أن ذلك مؤثر في السامعين. «وعليه أن يجتنب الحديث عن موضوعات كثيرة في خطبته، فبعض الخطباء يخوض في الخطبة الواحدة في كل شيء ينتقل من موضوع إلى موضوع، فلا يوفي موضوعًا منها حقه من البحث، فإذا جاءت الجمعة الثانية عاد إلى مثل ما كان منه في الجمعة الأولى، فتكون الخطب كلها متشابهة متماثلة، وكلها لا ثمرة لها، ولا يخرج السامع له بنتيجة عملية، ولو أن الخطيب اقتصر على موضوع واحد - جل أو دق، كبر أو صغر - فتكلم فيه ولم يجاوزه إلى غيره، لكان

стр. 2199

لخطبته معنى، ولأخذ السامع منها عبرة، وحصل منها فائدة. ومن ذلك: أن بعضهم يريد أن يصلح الدنيا كلها بخطبة واحدة، فلا يخاطب الناس على قدر عقولهم، ولا يكلمهم على مقتضى أحوالهم، ولا يسير بهم في طريق الصلاح خطوة خطوة، بل يريد أن يبلغوا الكمال بقفزة واحدة» (١). وعلى الخطيب أن يجتنب التكلف في الإلقاء، والتشدق في الألفاظ، وخير الإلقاء ما كان طبيعيًا لا تكلف فيه، والرسول ﷺ كره المتشدقين وذمهم، وكذلك يبتعد عن التمطيط، وتلحين الخطبة والترنم فيها. قال النووي: يستحب كون الخطبة فصيحة، بليغة، مرتبة، مبينة من غير تمطيط، ولا تقعير (٢). وقال البغوي: «ولا يمد الكلمات مدًا يجاوز الحد، ويحترز عن التغني وتقطيع الكلام» (٣). «وعلى الخطيب أن يَتَذَكَّرَ أنه يقوم مقام الرسول ﷺ ، ويتكلم بلسان الشرع، وأن عليه أن يبين حكم الله فقط لا آراءه هو وخطرات ذهنه، ويحرص على رضا الله وحده لا على رضا الناس، ولا يتزلف إلى أحد، ولا يجعل الخطبة وسيلة إلى الدنيا وسببًا للقبول عند أهلها» (٤). وعليه أن يبتعد عن الخلافات الفقهية، ويقتصر على المسائل

стр. 2200

الواضحة بأدلتها الشرعية، ولا يخرج بالخطبة عن أصل موضوعها وهو الوعظ والتذكير، فإذا احتاج إلى ذكر حكم من أحكام الفقه بيَّن الحكمة في ذلك التشريع. تنبيهات: ١ - «إن كان الخطيب لديه القدرة على الارتجال والتحدث بطلاقة دون التلعثم، واللحن في اللغة، وتكرار الكلام، والخروج عن الموضوع إلى موضوعات كثيرة، فلا شك أن الارتجال أفضل وأقوى تأثيرًا في السامعين، وهو فعل النبي ﷺ وخلفائه ومن جاء من بعدهم؛ أما إن كان الأمر غير ذلك، فإن الإلقاء بالورق هو الأنفع حتى لا يزل الخطيب، أو يلحن، أو يخرج عن الموضوع» (١). ٢ - الأصل في خطبة الجمعة عدم التفات الخطيب يمينًا وشمالًا. روى الترمذي في سننه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا استَوَى عَلَى المِنبَرِ استَقبَلنَاهُ بِوُجُوهِنَا (٢). قال الشافعي: ولا أحب أن يلتفت يمينًا ولا شمالًا لِيُسْمِعَ الناس خطبته، لأنه إن كان لا يسمع أحد الشقين إذا قصد بوجهه تلقاءه، فهو لا يلتفت ناحية يسمع أهلها، إلا خفي كلامه على الناحية التي تخالفها، مع سوء الأدب من التلفت (٣).

стр. 2201

وقد ذكر ابن قدامة وغيره أن من سنن الخطبة أن يقصد الخطيب تلقاء وجهه، لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، ولأنه أبلغ في سماع الناس، وأعدل بينهم؛ فإنه لو التفت إلى أحد جانبيه، لأعرض عن الجانب الآخر (١). ٣ - الأصل في خطبة الجمعة عدم تحريك اليدين، فإن ذلك لم يثبت عن النبي ﷺ . قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «ليس في السنة أن يحرك يديه، وإن كان بعض الخطباء بلغني أنهم يفعلون ذلك .. إلى أن قال: أما خطبة الجمعة فإن المغلب فيها التعبد، ولهذا أنكر الصحابة على بشر بن مروان حيث رفع يديه في الدعاء، مع أن الأصل في الدعاء رفع اليدين، فلا يشرع فيها إلا ما جاء عن النبي ﷺ » (٢). «وبذلك يتضح أن الأصل في اليدين عدم الحركة بالنسبة لخطبة الجمعة، وأنه لا يشغلها أو يشغل إحداهما إلا في الأمور التالية: أ - أن يشير بالسبابة حال الدعاء، فقد ثبت أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك. فقد روى مسلم في صحيحه من حديث عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ قَالَ: رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَافِعًا يَدَيْهِ، فَقَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ (٣). ب - أن يمسك العصا بإحدى اليدين على القول بسنيتها،

стр. 2202

ويمسك بالأخرى الورقة إن كان غير مرتجل، أو يمسك بحرف المنبر. ج - إذا أراد الخطيب أن يمثل بيديه عن شيء ما، كما كان النبي ﷺ يفعل حينما قرن بين السبابة والوسطى في خطبته، كما في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه وفيه يقول: «بُعثِتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَينِ» وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى (١) (٢). ٤ - «على المصلين أن يعلموا أن سماع الخطبة ليس للبركة فقط، بل للاتعاظ بها والعمل بما يتعلمه منها، والحكمة ضالة المؤمن يأخذها من حيث وجدها» (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2203

الكلمة الثالثة والعشرون: أحكام العقيقة وفضائلها الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فمن الأمور التي حث عليها الشرع ورغب فيها: العقيقة، وهي من حق الولد على والده، وفيها شكر لله على تجدد نعمته على الوالدين بولادة المولود، وتقرب إلى الله تعالى، وتصدق على الفقراء، وفداء للمولود. والمراد بالعقيقة: ما يذبح أو ينحر من بهيمة الأنعام يوم السابع بنية العقيقة شكرًا لله تعالى على نعمة الولد، وسميت عقيقة لأنها تقطع عروقها عند الذبح. قال النووي: «العقيقة: الشاة المذبوحة عن المولود يوم سابعه» (١). وعند العامة تسمى العقيقة تميمة يقولون لأنها تتمم أخلاق المولود. «فَقَدْ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَدْ عَقَّ عَنِ الحَسَنِ وَالحُسَينِ بِكَبْشَينِ كَبْشَينِ (٢)، وفعل ذلك صحابته الكرام فكانوا يذبحون

стр. 2204

عن أولادهم، وفعله التابعون» (١). وذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها، لما رواه أبو داود من حديث سمرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُحْلَقُ وَيُسَمَّى» (٢). قال الإمام أحمد معناه: «أنه محبوس عن الشفاعة لوالديه» (٣). والرهن في اللغة: الحبس، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة﴾ [المدثر: ٣٨]. فظاهر الحديث أنه رهينة في نفسه، ممنوع محبوس عن خير يُراد به. وقيل: المعنى أن العقيقة لازمة لا بد منها، فشبه لزومها للمولود بلزوم الرهن للمرهون في يد المرتهن» (٤)، وهذا يؤيد القول بالوجوب. وقال الإمام أحمد بن حنبل: «إذا لم يكن عنده ما يعق فاستقرض، أرجو أن يخلف الله عليه، فقد أحيا سنة، قال ابن المنذر: صدق أحمد، إحياء السنن واتباعها أفضل» (٥). قال الشيخ عبد الله البسام: «والمهم أن مثل هذه التشبيهات تدل على تأكيد هذه الشعيرة، وأنه لا ينبغي إهمالها، فمن أحياها فقد أحيا سنة أمر بها ﷺ وعمل بها» (٦). وقال آخرون: إنها سنة مؤكدة، قَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ: «الْأَمْرُ

стр. 2205

عِنْدَنَا فِي الْعَقِيقَةِ: أَنَّ مَنْ عَقَّ فَإِنَّمَا يَعُقُّ عَنْ وَلَدِهِ بِشَاةٍ شَاةٍ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، وَلَيْسَتِ الْعَقِيقَةُ بِوَاجِبَةٍ، وَلَكِنَّهَا يُسْتَحَبُّ الْعَمَلُ بِهَا، وَهِيَ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ النَّاسُ عِنْدَنَا» (١). قال ابن القيم الجوزية: «فأما أهل الحديث قاطبةً وفقهاؤهم، وجمهور أهل السنة فقالوا: هي من سنة رسول الله ﷺ ، واحتجوا على ذلك بما روى البخاري في صحيحه من حديث عمار الضبي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ، فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا، وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى» (٢) (٣). وروى أبو داود في سننه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه أُراه عن جده: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ فَلْيَنْسُكْ، عَنِ الْغُلامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» (٤)، فقالوا: «فهنا علق العقيقة بمحبة فاعلها، فقال من أحب أن ينسك، وهذا يقتضي عدم الوجوب لتفويضه إلى الاختيار فيكون قرينة صارفة للأوامر عن الوجوب إلى الندب» (٥). وقالوا أيضًا: «لو كانت واجبة لكان وجوبها معلومًا من الدين؛ لأن ذلك مما تدعو الحاجة إليه، وتعم به البلوى، فكان رسول الله ﷺ يبين وجوبها للأمة بيانًا

стр. 2206

عامًا كافيًا تقوم به الحجة، وينقطع معه العذر» (١)، وينبغي للمؤمن أن يحرص عليها ويبادر إلى ذلك خروجًا من خلاف العلماء. «والحكمة من العقيقة أنها مشروعة بسبب تجدد نعمة الله على الوالدين، وفيها سر بديع موروث عن فداء إسماعيل بالكبش الذي ذُبح عنه، وفداه الله به، فصار سنة في أولاده بعده أن يفدي أحدهم عند ولادته بذبح عنه، ولا يستنكر أن يكون هذا حرزًا له من الشيطان بعد ولادته، كما كان ذكر اسم الله عند وضعه الرحم حرزًا له من ضرر الشيطان» (٢). اهـ ومقدار ما يذبح عن الذكر شاتان متقاربتان سنًا، وشبهًا، وعن الأنثى شاة واحدة، لحديث أُمِّ كُرزٍ الكَعبِيَّةِ ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عَنِ الْغُلامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» (٣). قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: مكافئتان، أي: مستويتان أو مقاربتان. «والحكمة في الفرق بين الذكر والأنثى في مقدار العقيقة أنها على النصف من أحكام الذكر، والنعمة على الوالد بالذكر أتم، والسرور والفرحة به أكمل، فكان الشكر عليه أكثر» (٤). «ووقت ذبح العقيقة: ينبغي أن يكون في اليوم السابع للحديث

стр. 2207

السابق تذبح عنه يوم سابعة، فإذا ولد يوم السبت فتذبح يوم الجمعة، يعني قبل يوم الولادة بيوم هذه هي القاعدة، وإذا ولد يوم الخميس فهي يوم الأربعاء .. وهلم جرًّا» (١). «وقيل: الحكمة في ذلك أن الطفل حين يولد يكون أمره مترددًا بين السلامة والعطب ولا يُدرى هل هو من أصل الحياة أو لا؟ إلى أن تأتي عليه مدة يُستدل بها بشاهد من أحواله فيها على سلامة بنيته، وصحة خلقته، وأنه قابل للحياة، وجعل مقدار تلك المدة أيام الأسبوع، فإنه دور يومي كما أن السنة دور شهري» (٢). لكن إن خرج الطفل ميتًا قبل نفخ الروح فيه فلا عقيقة له، وإن خرج ميتًا بعد نفخ الروح فيه، فالراجح أنه يُعق عنه، لكن من لم يُعق عنه أبواه هل يعق عن نفسه إذا بلغ؟ قال الإمام البغوي: قال الحسن: إذا علمت أنه لم يُعق عنك فعق عن نفسك. وقال ابن سيرين: عققت عن نفسي ببختية (٣) (٤) بعد أن كنت رجلًا. وقال الإمام أحمد: ذلك على الأب واستدل من قال: بأن الكبير يعق عن نفسه إذا لم يُعق عنه، بأن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد البعثة (٥). قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: «فالأفضل أن يعق عن نفسه، إذا لم

стр. 2208

يعق عنه والده، ولو كان كبيرًا، هذا هو السنة» (١). «ويجزي في العقيقة ما يجزئ في الأضحية من حيث السن، والصفة، فيختار السليمة من العيب، والأمراض، والكاملة في خلقتها، المناسبة في سنها وسمنها» (٢). قال ابن عبد البر: «ويتقي في العقيقة من العيوب ما يتقي في الضحايا ويسلك بها مسلك الضحايا يؤكل منها، ويتصدق، ويُهدى إلى الجيران» (٣). وأما هل يجوز العقيقة بغير الغنم من الإبل والبقر؟ «اختلف العلماء في ذلك، فقال جمهور أهل العلم: يجوز بغير الغنم من الإبل والبقر لقوله في الحديث: «أَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا» (٤) ولم ينص على الغنم، وقال آخرون: بل يقتصر على الغنم لقوله ﷺ : «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» (٥). وأجيب عن ذلك بأن ما ورد محمول على قصد التخفيف، وقالوا: لا يخفى أن مجرد ذكر الشاة في الأحاديث لا ينفي إجزاء غيرها، والذي يترجح القول الأول، والله أعلم» (٦). واختلف أهل العلم: هل يصح تشريك العقيقة في البدنة والبقرة أم لا؟ على قولين:

стр. 2209

القول الأول: تجزئ البدنة والبقرة عن سبعة، قياسًا على جوازها في الهدي والأضاحي، وهو اختيار الشافعية. قال النووي: «ولو ذبح بقرة، أو بدنة عن سبعة أولاد، أو اشترك فيها جماعة، جاز، سواء كلهم أرادوا العقيقة، أو أراد بعضهم العقيقة، وبعضهم اللحم كما في الأضحية» (١). القول الثاني: لا تجزئ البدنة والبقرة إلا عن واحد، بخلاف الهدي والأضاحي، هو مذهب فقهاء المالكية والحنابلة. قال الشوكاني: ونص أحمد على أنه يشترط بدنة، أو بقرة كاملة، قال ابن القيم: «وهذا مما تخالف فيه العقيقة الهدي، والأضاحي، ثم قال: ولما كانت هذه الذبيحة جارية مجرى فداء المولود، كان المشروع فيه دمًا كاملًا لتكون نفس فداء عن نفس، وأيضًا لو صح الاشتراك لما حصل المقصود من إراقة الدم عن الولد، فإنه إراقة الدم عن واحد ويحصل لباقي الولد إخراج اللحم فقط، والمقصود نفس إراقة الدم عن الولد، وهذا المعنى بعينه هو الذي لحظه من منع الاشتراك في الهدي، والأضحية، ولكن سُنَّة الرسول ﷺ أحقُّ وأولى أن تُتَّبَعَ، وهو الذي شرع الاشتراك في الهدايا، وشرع في العقيقة عن الغلام دمين مستقلين لا يقوم مقامهما جزور، ولا بقرة» (٢). ورجح هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀ (٣). ويستحب أن يأكل منها، ويُهدي، ويتصدق، أثلاثًا كالأضحية،

стр. 2210

وأما حلق رأس الغلام الذكر، فإنه يكون في اليوم السابع، لقوله في الحديث: «تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُحْلَقُ» (١). قال الخطابي: «ومن السنة حلق رأس المولود في اليوم السابع» (٢). وقال بعض أهل العلم: يوزن شعر المولود، ويتصدق بوزنه فضة، واستدلوا على ذلك بما رواه أحمد في مسنده من حديث أبي رافع: أن النبي ﷺ قال لفاطمة لما ولدت الحسن: «احْلِقِي رَاسَهُ، وَتَصَدَّقِي بِوَزْنِ شَعْرِهِ فِضَّةً عَلَى الْمَسَاكِينِ» (٣). ويُسَمَّى يوم سابعه للحديث السابق، وإن سمَّاه في يوم ولادته فلا بأس، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أنس: أن النبي ﷺ دخل ذات يوم على أهله فقال: «وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ وَلَدٌ، سَمَّيْتُهُ إِبْرَاهِيمَ» فسمَّاه من حين ولادته (٤). وعليه أن يختار لابنه الاسم الحسن، فقد كَانَ ﷺ يُحِبُّ الِاسمَ الحَسَنَ (٥) وَيُغَيِّرُ القَبِيحَ (٦)، وهذا من حق الولد على والده. وأحب الأسماء إلى الله (عبد الله وعبد الرحمن)، وأصدقها همام
следующие страницы →