← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الكلمة الخمسون: سوء الخاتمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وأَشهد أَن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له وأَشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ - فِيْمَا يَرَى النَّاسُ - عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلْ فِيْمَا يَرَى الْنَّاسُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِخَوَاتِيْمِهَا» (١). قال ابن بطال: وفي تغييب خاتمة العمل عن العبد حكمة بالغة، وتدبير لطيف؛ لأنه لو علم وكان ناجيًا أعجب وكسل، وإن كان هالكًا ازداد عتوًّا؛ فحجب عنه ذلك ليكون بين الخوف والرجاء (٢). لأَجْلِ ذَلِكَ كَانَ خَوْفُ الصَّالِحِيْنَ مِنْ سُوَءِ الْخَاتِمَةِ شَدِيْدًا، يَقُوْلُ أَحَدُهُمْ: خَوْفُ الصَّالِحِيْنَ مِنْ سُوَءٍ الْخَاتِمَةِ عِنْدَ كُلِّ خَطرَةٍ وَحَرَكَةٍ، وَيَقُوْلُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مَا أَحَدٌ أَمِنَ عَلَى إِيْمَانِهِ أَلَاّ يُسْلَبَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ إِلَاّ سُلِبَهُ (٣)، وَلَمَّا حَضَرَتِ الْوَفَاةُ سُفْيَانَ الْثَّوْرِيَّ ﵀ جَعَلَ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ أَمِنْ كَثْرَةِ الذُّنُوبِ؟ فَقَالَ: لَا وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ أُسْلَبَ

стр. 247

الإِيْمَانَ قَبْلَ الْمَوْتِ (١). فمن هذا خاف السلف من الذنوب أن تكون حجابًا بينهم وبين الخاتمة الحسنة. قال ابن القيم ﵀: وهذا من أعظم الفقه أن يخاف الرجل أن تخدعه ذنوبه عند الموت، فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنى (٢). قال الحافظ عبد الحق الإشبيلي: ولسوء الخاتمة أعاذنا الله منها أسبابٌ ولها طرقٌ وأَبوابٌ، وأَعظمها الانكباب على الدنيا وطلبها والحرص عليها، والإِعراض عن الآخرة والإِقدام والجرأة على معاصي الله، وربما غلب على الإِنسان ضرب من الخطيئة ونوع من المعصية، وجانب من الإِعراض، ونصيب من الجرأة والإِقدام، فملك قلبه وسبى عقله، فربما جاءه الموت على ذلك، وسوء الخاتمة لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، ما سمع بهذا ولا علم ولله الحمد وإنما تكون لمن له فساد في العقيدة، أو إصرار على الكبيرة، وإقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى نزل به الموت قبل التوبة (٣). اهـ. وقد يظهر من المحتضر ما يدل على سوء الخاتمة، مثل النكول عن النطق بالشهادتين، ورفض ذلك، والتحدُّث بالسيئات والمحرمات، وإِظهار التعلُّق بها ونحو ذلك من أقوال وأفعال تدل على الإِعراض عن دين الله والتبرم لنزول قضائه (٤).

стр. 248

قال ابن القيم: وإذا نظرت إلى حال كثير من المحتضرين وجدتهم يحال بينهم وبين حسن الخاتمة، عقوبة لهم على أعمالهم السيئة (١). قال ابن رجب: وإن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس، إما من جهة عمل سيئ ونحو ذلك، فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت، وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار وفي باطنه خصلة خفية من خصال الخير، فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره، فتوجب له حسن الخاتمة (٢). اهـ. وقد ذكر بعض أهل العلم أسبابًا ينشأ عنها سوء الخاتمة: أولاً: التسويف بالتوبة، والاستمرار في المعاصي، والتهاون في فعل الواجبات، ويضمر بعضهم أنه سيتوب ولكن متى؟ يقول الأعزب: حين أتزوج، والطالب: حين أتخرج، والفقير: حين أتوظف، ويقول الصغير: حين أكبر. وهكذا يحدد كل واحد موعدًا لتوبته فيقال لهؤلاء جميعًا: من يضمن لكم بلوغ هذه الآمال، أما تخشون أن تخترمكم المنايا قبل وصولها، ثم لو وصلتم إليها هل تضمنون أن توفقوا للتوبة وقد قضيتم الأعمار في الغواية والضلال، والشهوات المحرمة التي غالبًا ما تكون سببًا لانقلاب القلوب وانتكاسها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤]. وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠]، ثم بين

стр. 249

سبب هذا الانقلاب فقال: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي بسبب رد الحق أول ما جاءهم، ثم قال: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. وقد ذم الله قومًا طالت آمالهم حتى ألهتهم عن العمل للدار الآخرة، ففاجأهم الأجل وهم غافلون. قال تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٢ - ٣]. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِيْ طَالِبٍ ﵁: إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمُ اثْنَتَيْنِ: طُولَ الأَمَلِ وَاتِّبَاعَ الْهَوَى، فَأَمَّا طُولُ الأَمَلِ فَإِنَّهُ يُنْسِي الآخِرَةَ، وَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَإِنَّهُ يَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ (١). ثانيًا: حب المعصية، فإن الإنسان إذا داوم على المعاصي ولم يسارع إلى التوبة منها ألفها قلبه فاستولت على تفكيره في اللحظات الأخيرة من عمره، فيموت عليها، ويبعث عليها. روى مسلم في صحيحه من حديث جَابِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ» (٢). قال ابن كثير: والذنوب والمعاصي والشهوات تخذل صاحبها عند الموت مع خذلان الشيطان له، فيجتمع عليه الخذلان مع ضعف الأيمان، فيقع في سوء الخاتمة (٣). قال عبد العزيز بن أبي رواد: حضرت رجلاً عند الموت يلقن لا إله إلا الله، فقال في آخر ما قال: هو كافر بما تقول، ومات على ذلك، قال: فسألت عنه فإذا هو مدمن خمر، فكان عبد العزيز يقول: اتقوا الذنوب

стр. 250

فإنها هي التي أوقعته، وآخر حضرته الوفاة، فقيل له: قل لا إله إلا الله فجعل يهذي بالغناء حتى قبضت روحه. وقيل لآخر عند موته: قل لا إله إلا الله، فقال: آه آه لا أستطيع أن أقولها، والقصص في هذا كثيرة (١). قال ابن قدامة ﵀: وإذا عرفت معنى سوء الخاتمة فاحذر أسبابها، وأعد ما يصلح لها، وإياك والتسويف بالاستعداد فإن العمر قصير، وكل نفس من أنفاسك بمنزلة خاتمتك؛ لأنه يمكن أن تخطف فيه روحك، والإِنسان يموت على ما عاش عليه، ويحشر على ما مات عليه (٢). فعلى العبد أن يلزم نفسه بالطاعة والتقوى، وأن ينأى بنفسه عما حرم الله، وأن يبادر بالتوبة من المعاصي، وأن يلح في دعاء الله أن يختم له بالخاتمة الحسنى، وأن يحسن الظن بربه ، روى مسلم في صحيحه من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُوْلُ: «إِنَّ قُلُوْبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ شَاءَ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوُبِ صَرِّفْ قُلُوْبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ» (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 251

الكلمة الحادية والخمسون: الوقت وخطر السفر إلى الخارج الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد: قال تعالى: ﴿وَالعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَاّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]. قال ابن عباس ﵄: العصر هو الزمن، وقال ابن القيم: إن تسمية الدهر عصرًا أمر معروف في لغة العرب (١). وأقسم الله بالزمن لأنه مستودع أعمال العباد خيرها وشرها، ولشرفه وعظمته، ففي هذا القسم ينبه الله الخلق إلى قيمة الوقت وما ينبغي عليهم من الاعتناء به والحرص عليه، وقد أقسم الله بأجزاء الوقت في مواضع أخرى فقال: ﴿وَالفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٢]. وقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: ١ - ٢]، وقال: ... ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ١ - ٢] وهذا الزمن أغلى من الذهب والفضة فإنهما يعوضان، وأما الزمن فإنه إذا فات لا يعوض، وعمر الإِنسان الذي لا يتجاوز عشرات معدودة من السنين سيسأل المرء عن كل جزئية من جزئياته، بل إن هذا من أصول الأَسئلة التي توجه له يوم القيامة. عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا تَزُوْلُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ

стр. 252

الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيْمَ أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيْمَ أَبْلَاهُ؟ وَعَنْ مَالِهِ فِيْمَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيْمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيْهِ؟ » (١). فيُسأَلُ عن عمره على وجه العموم، وعن شبابه على وجه الخصوص؛ لأن الشباب هو محور القوة والنشاط، وعليه الاعتماد في العمل أكثر من غيره في مراحل العمر الأخرى. والزمن من أفضل نعم الله على عباده، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُوْنٌ فِيْهِمَا كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» (٢) والغبن أن يشتري الإِنسان السلعة بأضعاف ثمنها، فمن صلح بدنه وتفرغ من الأشغال العالقة به، ولم يسع لإِصلاح آخرته، يقال عنه: إنه رجل مغبون، وفي الحديث إشارة إلى أن الزمن نعمة كبرى لا يستفيد منها إلا الموفقون الأفذاذ، وأن المستفيد قليل والكثير مفرط ومغبون. روى الحاكم في المستدرك من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ، وَذَكَرَ مِنْهَا: وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَشَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ» (٣). ومن تأمل أحوال السلف، ومن سار على نهجهم، وجدهم أحرص الناس على كسب الوقت وملئه بالخير، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُوْدٍ ﵁: مَا نَدِمْتُ عَلَى شَيْءٍ نَدَمِي عَلَى يَوْمٍ غَرَبَتْ شَمْسُهُ، نَقُصَ فِيْهِ أَجَلِيْ، وَلَمْ يَزِدْ فِيْهِ عَمَلِي.

стр. 253

وقال ابن القيم: إضاعة الوقت أشد من الموت، لأن إضاعة الوقت تقطع عليك أمر دنياك وآخرتك (١). وقال أيضًا: أعظم الإضاعات إضاعتان هما أصل كل إضاعة: إضاعة القلب وإضاعة الوقت، فإضاعة القلب من إيثار الدنيا على الآخرة، وإضاعة الوقت من طول الأمل، فاجتمع الفساد كله في اتباع الهوى وطول الأمل، والصلاح كله في اتباع الهدى والاستعداد للقاء (٢). قال الشاعر: وَالوَقْتُ أنْفَسُ مَا عُنِيتَ بِحِفْظِهِ ... وَأَرَاهُ أَسْهَلَ مَا عَلَيْكَ يَضِيعُ وقال آخر: إنّا لَنفْرحُ بِالأَيامِ نَقْطَعُهَا ... وكُلُّ يَوْمٍ مَضَى يُدْنِي مِنَ الأَجَل فَاعْمَلْ بِنفَسِكَ قَبْلَ المَوْتِ مُجْتَهِدًا ... فَإِنَّمَا الرِّبْحُ والخُسْرَانُ فِي العَمَل ومما تقدم يتبين خسارة من أضاعوا أوقاتهم في السفر إلى بلاد الكفار، ولهذا وجب التنبيه على ما لهذه الأسفار من المخاطر والمفاسد. فمن ذلك: (أولاً): أن في السفر إلى بلاد الكفار مخالفة صريحة لأمر النبي ﷺ . روى الترمذي في سننه من حديث جَرِيْرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَنَا بَرِيْءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيْمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِيْنَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلِمَ؟ قَالَ: «لَا تَرَايَا نَارَاهُمَا» (٣).

стр. 254

وقد استثنى العلماء من ذلك المجاهد في سبيل الله، أو السفر للدعوة إلى الله، أو لعلاج مرض، لا يتوفر إلا ببلادهم، أو السفر لدراسة لا يمكن الحصول عليها في بلاد المسلمين؛ أو للتجارة وكل ذلك مشروط بأن يكون مظهرًا لدينه، عالمًا بما أوجب الله عليه، قوي الإِيمان بالله، قادرًا على إقامة شعائره، مع أمن الفتنة، وللضرورة أحكامها. (ثانيًا): كثرة المغريات والفتن الداعية إلى ارتكاب الفواحش والمحرمات، وخاصة فتنة النساء. روى مسلم في صحيحه من حديث أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِي النَّاسِ فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» (١). وقال أيضًا: «فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ» (٢). قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: «السفر إلى البلاد التي فيها الكفر والضلال والحرية وانتشار الفساد من الزنا وشرب الخمر، وأنواع الكفر والضلال، فيه خطر كبير وعظيم على الرجل والمرأة، وكم من صالح سافر ورجع فاسدًا، وكم من مسلم رجع كافرًا، وخطر السفر عظيم؛ والواجب الحذر من السفر لبلادهم لا في شهر العسل ولا في غيره» (٣).اهـ. (ثالثًا): إضاعة الوقت فيما لا يرضي الله ، وهذا الوقت كما تقدم سيسأل عنه العبد يوم القيامة. (رابعًا): إضاعة المال الكثير في غير فائدة، وإنما في الشهوات والملذات، قال تعالى: ﴿إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٧].

стр. 255

(خامسًا): أنه قد لا يسلم من انحراف عقدي أو خلقي أو عملي في العبادة وغيرها، وإن سلم هو فربما تبقى مناظر هذه البلاد التي فيها الكنائس وأماكن الفساد والتبرج والخلاعة وتباع فيها الخمور علنًا في الطرقات في ذاكرة أبنائه وبناته، وكفى بهذه مفسدة. (سادسًا): تأثر المسلم بالكثير من تقاليد الكفار وعاداتهم السيئة. (سابعًا): التعود على عدم الاكتراث بالدين وعدم الالتفات لآدابه وأوامره. (ثامنًا): أن كثرة رؤية المنكرات للمسافر هناك من إضاعة الصلوات، وتبرج النساء، وبيع المحرمات، وغير ذلك كل هذا يضعف جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قلب المسلم؛ وهو مأمور بإنكار ما يخالف الشرع. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» (١) إلى غير ذلك من المفاسد. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 256

الكلمة الثانية والخمسون: التوكل الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد: فمن أعظم العبادات القلبية التوكل على الله تعالى في جميع الأُمور، قال بعض أهل العلم: التوكل صدق اعتماد القلب على الله في جلب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة، وأن يكل العبد أموره كلها إلى الله، وأن يحقق إيمانه بأنه لايعطي ولا يمنع، ولا يضر ولا ينفع إلا هو (١). قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧]. وقد أمر الله عباده المؤمنين بالتوكل في مواضع عديدة من كتابه، وجاء ذكره في أكثر من خمسين آية. قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَاّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١]. وقال سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى العَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٧ - ٢١٩].

стр. 257

روى الترمذي في سننه والإمام أحمد في مسنده من حديث عُمَرَ ابْنِ الْخَطَّابِ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُوْنَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرُزِقْتُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوْحُ بِطَانًا» (١). قال الحافظ ابن رجب: هذا الحديث أصل في التوكل وأنه من أعظم الأسباب التي يستجلب بها الرزق، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. وقد دل حديث عمر ﵁ أن الناس إنما يؤتون من قلة تحقيق التوكل، ووقوفهم مع الأسباب الظاهرة بقلوبهم ومساكنتهم لها، فلذلك يتعبون أنفسهم في الأسباب، ويجتهدون فيها غاية الاجتهاد، ولا يأتيهم إلا ما قدر لهم، فلو حققوا التوكل على الله بقلوبهم لساق الله إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب، كما يسوق إلى الطير أرزاقها بمجرد الغدو والرواح، وهو نوع من الطلب والسعي، لكنه سعي يسير (٢). اهـ. وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: تَوَكِّلْ عَلَى اللهِ تُسَقْ إِلَيْكَ الأَرْزَاقُ بِلَا تَعَبٍ وَلَا تَكَلُّفٍ (٣). قَالَ سَعِيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ: التَّوَكُّلُ جِمَاعُ الإِيْمَانِ (٤). قال ابن القيم ﵀: التوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، وقال: «التوكل نصف

стр. 258

الدين، والنصف الثاني الإنابة، فإن الدين استعانة وعبادة، فالتوكل استعانة والإِنابة هي العبادة» (١). روى أبو داود في سننه من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَاّ بِاللهِ» قَالَ: «يُقَالُ حِيْنَئِذٍ: هُدِيْتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيْتَ، فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِيْنُ: فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟ ! » (٢). وروى البخاري في صحيحه من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيْلُ قَالَهَا إِبْرَاهِيْمُ ﵇ حِيْنَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ حِيْنَ قَالُوا: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيْمَانًا وَقَالُوا: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيْلُ (٣). فإبراهيم ﵇ عندما قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، كانت عاقبته ما قاله جل وعلا: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]. ومحمد ﵊ حين قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، كانت عاقبته ما قاله سبحانه: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤]. ومؤمن آل فرعون عندما كاده قومه قال: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٤]، قال تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا

стр. 259

وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذَابِ﴾ [غافر ٤٥]. وها هنا مسألة مهمة ينبغي للمسلم فهمها فهمًا صحيحًا، وهي التوفيق بين التوكل وفعل السبب، فأقول: أولاً: التوكل هو عمل القلب واعتماده على الله تعالى في جلب الخير ودفع الشر، وفي جميع أمور العبد كلها الدنيوية والأخروية، أما الأسباب فإنها عمل الجوارح فعلًا وتركًا. ثانيًا: من الناس من يترك فعل الأسباب كلها ويدَّعي أنه من المتوكلين، ومنهم من يتعلق قلبه بالأسباب ويعتقد أنه لا يتم له أمر إلا بفعل سبب، وكلا الطائفتين قد جانبت الصواب. والحق أن المتوكل حقيقة هو من فوض أمره إلى الله ثم نظر، فإن كان هذا الأمر له أسباب مشروعة فعلها انقيادًا للشرع لا اعتمادًا عليها، ولا انقيادًا لها، وإنما امتثالاً لأمر الشارع، فإن لم يكن هناك أسباب مشروعة اكتفى بالتوكل على الله. يشهد لما تقدم ما رواه الترمذي في سننه من حديث أَنَسٍ ﵁: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ، أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ قَالَ: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» (١). أما الطائفة الأخرى التي تعلقت قلوبها بالأسباب، فقد ضعف عندها الإِيمان بكفاية الله تعالى لمن توكل عليه، فتراها تجتهد في فعل الأسباب وإن لم تكن مطلوبة شرعًا أو عقلاً، وقد أخطأ هؤلاء حين ظنوا أنه لا يتم أمر إلا بسبب.

стр. 260

فالله يعطي ويمنع بسبب وبغير سبب، وقد أخبر سبحانه في آيات كثيرة أن في التوكل على الله كفاية للعبد. قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ﴾ [الزمر: ٣٦] وقال : ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. أي كافيه، وقال تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ [الأحزاب: ٣]. قال ابن رجب ﵀: والمتوكل حقيقة من يعلم أن اللَّه قد ضمن لعبده رزقه وكفايته، فَيصدق اللَّه فيما ضمنه، ويثق بقلبه، ويحقق الاعتماد عليه فيما ضمنه من الرزق من غير أن يخرج التوكل مخرج الأسباب في استجلاب الرزق به، والرزق مقسوم لكل أحدٍ من برٍ وفاجر ومؤمن وكافر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَاّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: (٦)]. هذا مع ضعف كثير من الدواب وعجزها عن السعي في طلب الرزق، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٠]. فما دام العبد حيًا فرزقه على اللَّه وقد ييسره اللَّه بكسب وبغير كسب، فمن توكل على اللَّه لطلب الرزق فقد جعل التوكل سببًا وكسبًا ومن توكل عليه لثقته بضمانه، فقد توكل عليه ثقة به وتصديقًا، وما أحسن قول المثنّى الأنباري وهو من أعيان أصحاب الإمام أحمد: لا تكونوا بالمضمون مهتمين، فتكونوا للضامن متهمين وبرزقه غير راضين (١). واعلم يا عبد الله أن التوكل مرتبة عظيمة لا ينال كمالها إلا القليل من العباد، والمتوكلون أحباء الله وأولياؤه.

стр. 261

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. ولو توكل العبد على الله حق التوكل لم يحتج إلى غيره، لكن لما علم الله تعالى ضعف البشر شرع لهم من الأسباب ما يتمم لهم به معنى التوكل، وذلك من رحمته تعالى بعباده ولطفه بهم. قال المروذي ﵀: قيل لأبي عبد اللَّه: أي شيء صدق التوكل على اللَّه؟ قال: أن يتوكل على اللَّه، ولا يكون في قلبه أحد من الآدميين يطمع أن يجيئه بشيء، فإذا كان كذا كان اللَّه يرزقه وكان متوكلاً (١). فعلى المسلم أن يفهم هذه الحقائق، وأخص بالذكر إخوانًا لنا يطلبون أرزاقهم بطرق محرمة أو مشبوهة، كالذين يعملون في البنوك الربوية، أو يتاجرون بما حرم الله، كآلات اللهو أو المخدرات، أو الخمور، أو الدخان، أو يتعاملون بالكذب والغش والخيانة والخداع، لأخذ أموال الناس بغير حق، ويكفي أن نسوق إلى هؤلاء جميعًا هذا الحديث العظيم الذي أوحاه جبريل الأمين إلى الرسول الكريم نبينا محمد ﷺ ، فاسمعوه وتأملوه؛ فإنه جدير بالتفهم والتدبُّر لما اشتمل عليه من الحكم العظيمة. رواى أبو نعيم في حلية الأولياء من حديث أَبِيْ أُمَامَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ»: إِنَّ رُوْحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوْعِي: أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوْتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا، وَتَسْتَوْعِبَ أَجَلَهَا، فَاتَّقُوا اللهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّ أَحَدَكُمْ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ يَطْلُبَهُ بِمَعْصِيَةِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَاّ بِطَاعَتِهِ» (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 262

الكلمة الثالثة والخمسون: مبطلات الأعمال الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١]. روى الترمذي في سننه من حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ: هُمُ الَّذِيْنَ يَشْرَبُوْنَ الْخَمْرَ، وَيَسْرِقُوْنَ؟ قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الْصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِيْنَ يَصُوْمُوْنَ، وَيُصَلُّونَ، وَيَتَصَدَّقُوْنَ، وَهُمْ يَخَافُوْنَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، أُوْلَئِكَ الَّذِيْنَ يُسَارِعُوْنَ فِي الْخَيْرَاتِ» (١). ولقد كان أصحاب رسول الله ﷺ مع اجتهادهم في الأعمال الصالحة، يخشون أن تحبط أعمالهم وألا تقبل منهم، لرسوخ علمهم وعميق إيمانهم، قَالَ أَبُوْ الْدَّرْدَاءِ: لأَنْ أَعْلَمَ أَنَّ اللهَ تَقَبَّلَ مِنِّيْ رَكْعَتَيْنِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا، لأَنَّ اللهَ يَقُوْلُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].

стр. 263

قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلاثِيْنَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ يَقُوْلُ: إِنَّهُ عَلَى إِيْمَانِ جِبْرِيْلَ وَمِيْكَائِيْلَ ﵉. ومبطلات الأعمال كثيرة، منها ما يبطل جميع الأعمال مثل الشرك والردة والنفاق الأكبر، ومنها ما يبطل العمل نفسه كالمن بالصدقة وغير ذلك، وسوف أقتصر على ذكر خمسة أمور وعسى أن يكون فيها تنبيه على ما سواها: الأول: الشرك: فإنّه محبط لجميع الأعمال، قال تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. روى الترمذي في سننه من حديث أَبِيْ سَعْدِ بْنِ أَبِيْ فَضَالَةَ الأَنْصَارِيِّ وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقُوْلُ: «إِذَا جَمَعَ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيْهِ، نَادَى مُنَادٍ: مَنْ كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلهِ أَحَدٌ فَليَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ «(١). الثاني: الرياء وهو على قسمين: الأول: أن يقصد بعمله غير وجه الله، فهذا شرك أكبر محبط لجميع الأعمال، ويسميه بعض أهل العلم: شرك النية والإِرادة والقصد، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآَخِرَةِ إِلَاّ

стр. 264

النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ أَهْلَ الرِّيَاءِ يُعْطَوْنَ بِحَسَنَاتِهِمْ فِيْ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يُظْلَمُوْنَ نَقِيرًا، يَقُوْلُ: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا التِمَاسَ الدُّنْيَا صَوْمًا، أَوْ صَلَاةً، أَوْ تَهَجُّدًا بِاللَّيْلِ، لَا يَعْمَلُهُ إِلَاّ التِمَاسَ الدُّنْيَا، يَقُوْلُ اللهُ تَعَالَى: أُوَفِّيهِ الَّذِيْ التَمَسَ فِيْ الدُّنْيَا مِنَ المَثَابَةِ وَحَبِطَ عَمَلُهُ الَّذِيْ كَانَ يَعْمَلُهُ لالتِمَاسِ الدُّنْيَا وَهُوَ فِيْ الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِيْنَ (١). القسم الثاني: أن يعمل العمل يقصد به وجه الله ثم يطرأ عليه الرياء بعد الدخول فيه، فهذا شرك أصغر. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث مَحْمُوْدِ بْنِ لَبِيْدٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ» قَالُوْا: وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ، يَقُوْلُ اللهُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوْا إِلَى الَّذِيْنَ كُنْتُمْ تُرَاؤُوْنَ فِيْ الدُّنْيَا، فَانْظُرُوْا هَل تَجِدُوْنَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟ ! » (٢). وروى ابن خزيمة في صحيحه من حديث محمود بن لبيد قال: خرج النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: » أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَشِرْكَ السَّرَائِرِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا شِرْكُ السَّرَائِرِ؟ قَالَ: يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ جَاهِدًا لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَذَلِكَ شِرْكُ السَّرَائِرِ» (٣). وقد يتهاون بعض الناس بهذا النوع بتسميته شركًا أصغر، وهو إنما سمي أصغر بالنسبة للشرك الأكبر، وإلا فهو أكبر من جميع الكبائر،

стр. 265

ولذلك قال العلماء. ١ - إن الشرك الأصغر إذا دخل عملاً فسد ذلك العمل وحبط. ٢ - إن الشرك الأصغر لا يغفر لصاحبه، وليس فاعله تحت المشيئة، كصاحب الكبيرة، بل يُعذب بقدره، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]. فالواجب على المؤمن أن يحذر من الشرك بجميع أنواعه، وأن يخشى على نفسه منه، فقد خاف إبراهيم ﵇ من الشرك وهو إمام الموحدين، فقال لربه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، قال إبراهيم التيمي: ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم ﵇ (١). ثالثًا: المن والأذى، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٢]. قال الشاعر: أَفْسَدتَ بالمَنِّ ما أَسْدَيت من حَسَنٍ ... ليسَ الكَرِيمُ إذ أسَدَى بمنان روى مسلم في صحيحه من حديث أَبِيْ ذَرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «ثَلاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيْمٌ» قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ثَلَاثٍ مَرَّاتٍ. قَالَ أَبُوْ ذَرٍّ: خَابُوْا وَخَسِرُوَا، مَنْ هُمْ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟ قَالَ: «المُسْبِلُ، وَالمَنَّانُ، وَالمُنْفِقُ سِلعَتَهُ بِالحَلِفِ الكَاذِبِ «(٢).

стр. 266

رابعًا: ترك صلاة العصر، قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]. روى البخاري في صحيحه من حديث بُرَيْدَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ العَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ «(١). خامسًا: التألي على الله، روى أبو داود في سننه والإمام أحمد في مسنده والبغوي في شرح السنة من حديث ضمضم بن جوس اليمامي قال: دخلت مسجد المدينة فناداني شيخ، فقال: يا يمامي تعال، وما أعرفه، فقال: لا تقولن لرجل: والله لا يغفر الله لك أبدًا، ولا يدخلك الله الجنة أبدًا، فقلت: ومن أنت - يرحمك الله -؟ قال: أبو هريرة، قال: فقلت: إن هذه الكلمة يقولها أحدنا لبعض أهله إذا غضب أو لزوجته، قال: فإنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا فِيْ بَنِي إِسْرَائِيْلَ مُتَحَابَّيْنِ، أَحَدُهُمَا مُجْتَهِدٌ فِي العِبَادَةِ، وَالآخَرُ كَأَنَّهُ يَقُوْلُ: مُذْنِبٌ، فَجَعَلَ يَقُوْلُ: أَقْصِرْ أَقْصِرْ عَمَّا أَنْتَ فِيْهِ، قَالَ: فَيَقُوْلُ: خَلِّنِي وَرَبِّي، قَالَ: حَتَّى وَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ اسْتَعْظَمَهُ، فَقَالَ: أَقْصِرْ، فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي، أَبُعِثْتَ عَلَيْنَا رَقِيْبًا، فَقَالَ: وَاللهِ لَا يَغْفِرُ اللهُ لَكَ أَبَدًا، وَلَا يُدْخِلُكَ اللهُ الجَنَّةَ أَبَدًا، قَالَ: فَبَعَثَ اللهُ إِلَيْهِمَا مَلَكًا فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا فَاجْتَمَعَا عِنْدَهُ فَقَالَ لِلمُذْنِبِ: ادْخُلِ الجَنَّةَ بِرَحْمَتِيْ، وَقَالَ لِلآخَرِ: أَتَسْتَطِيْعُ أَنْ تَحْظُرَ عَلَى عَبْدِيَ رَحْمَتِي؟ ! فَقَالَ: لَا يَا رَبِّ، قَالَ: اذْهَبُوْا بِهِ إِلَى النَّارِ» قَالَ أَبُوْ هُرَيْرَةَ ﵁: وَالَّذِي نَفْسِيْ بِيَدِهِ، لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 267

الكلمة الرابعة والخمسون: الأجل والرزق الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: » إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلقُهُ فِيْ بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِيْنَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُوْنُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُوْنُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيْهِ الرُّوْحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيْدٌ «(١). في هذا الحديث أربع قضايا من أمور الغيب يجب الإِيمان بها، واليقين الجازم بصدقها، وسيقتصر حديثي على اثنين منها، وهما: الأجل والرزق. لقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الله كتب الآجال والأرزاق، فلا يزيد فيهما حرص حريص، ولا يردهما كراهية كاره. روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن النبي ﷺ قال: » كَتَبَ اللهُ مَقَادِيْرَ الخَلائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِيْنَ أَلفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ» (٢).

стр. 268

وقد أكد هذه الحقيقة في آيات كثيرة من كتابه، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتَابًا مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥]. وقال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]. وقد ظن بعض المنافقين أن تأخرهم عن الجهاد في سبيل الله وجبنهم عن ملاقاة الأعداء سيكون مانعًا لهم من الموت، فقطع الله تلك الآمال الكاذبة بقوله: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، ولهذا فإن الوقائع تشهد بأن الذين يقتلون مدبرين أكثر بأضعاف كثيرة من الذين يقتلون مقبلين، قال الشاعر: تَأَخّرَتُ أَسْتَبْقِي الْحَيَاةَ فَلَمْ أَجِدْ ... لِنَفْسِي حَيَاةً مِثْلَ أَنْ أَتَقَدَّمَا وقال الشافعي ﵀: ومن نَزَلَتْ بِسَاحَتِهِ الْمَنَايَا ... فَلَا أَرْضٌ تَقِيهِ وَلَا سَمَاءُ ومثل الأجل الرزق، فإن ما كُتب للعبد منه سيناله لا محالة، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَاّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]. وقال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢ - ٢٣]. روى أبو نعيم في حلية الأولياء من حديث أبي أمامة ﵁: أن

стр. 269

النبي ﷺ قال: «إِنَّ رُوْحَ القُدُسِ نَفَثَ فِيْ رُوْعِي: أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوْتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا، وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللهَ، وَأَجْمِلُوْا فِيْ الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّ أَحَدَكُمْ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ يَطْلُبَهُ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَاّ بِطَاعَتِهِ» (١). فما كُتب للعبد من رزق وأجل لا بد أن يستكمله قبل أن يموت. روى أبو نعيم في حلية الأولياء من حديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ فَرَّ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَفِرُّ مِنَ المَوْتِ، لأَدْرَكَهُ رِزْقُهُ كَمَا يُدْرِكُهُ المَوْتُ» (٢). وتأمل هذا الحديث في أدب الدعاء وهو يؤكد هذه الحقيقة. روى مسلم في صحيحه من حديث أم حبيبة ﵂ أنها قالت: اللهم متعني بزوجي رسول الله ﷺ ، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال لها رسول الله ﷺ : «إِنَّك سَأَلتِ اللهَ لآجَالٍ مَضْرُوْبَةٍ، وَآثَارٍ مَوْطُوءَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُوْمَةٍ، لَا يُعَجِّلُ شَيْئًا مِنْهَا قَبْلَ حِلِّهِ، وَلَا يُؤَخِّرُ مِنْهَا شَيْئًا بَعْدَ حِلِّهِ، وَلَوْ سَأَلتِ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ مِنْ عَذَابٍ فِيْ النَّارِ، وَعَذَابٍ فِيْ القَبْرِ، لَكَانَ خَيْرًا لَكِ» (٣). ومما تقدم يتبين ما يأتي: أولاً: الإِيمان بأن الآجال والأرزاق مقسومة، معلومة، لا يجلبهما حرص حريص ولا يردهما كراهية كاره.

стр. 270

ثانيًا: أن هذا لا يمنع فعل الأسباب التي شرع الله لعباده الأخذ بها، قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]. ثالثًا: في حديث أبي أمامة المتقدِّم إشارة إلى أمرين اثنين. الأول: أن يسعى العبد في طلب الرزق الحلال، وأن يجتنب الحرام والأسباب المؤدِّية إليه. الثاني: أن لا يطلب الرزق بجشع وحرص، وليستحضر قوله ﷺ : «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِيْ قَلبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ؛ وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ، جَعَلَ اللهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَاتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَاّ مَا قُدِّرَ لَهُ» (١). قال عمر ﵁: بين العبد وبين رزقه حجاب فإن قنع ورضيت نفسه، أتاه رزقه، وإن اقتحم وهتك الحجاب لم يُزد فوق رزقه (٢). رابعًا: الأسباب التي تستجلب بها الأرزاق وتستدفع بها المكاره كثيرة وهذه إشارة إلى بعضها. ١ - التوكل على الله. روى الترمذي في سننه والإمام أحمد في مسنده من حديث عمر بن الخطاب ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُوْنَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُوَ خِمَاصًا وَتَرُوْحُ بِطَانًا» (٣).

стр. 271

٢ - الاستقامة على شرع الله ، قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. ٣ - المداومة على الاستغفار والتوبة: قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]. ٤ - صلة الأرحام: روى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِيْ رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِيْ أَثَرِهِ، فَليَصِلْ رَحِمَهُ» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 272

الكلمة الخامسة والخمسون: الخشوع في الصلاة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد: قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] فلما ذكر بقية صفاتهم ذكر جزاءهم فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١]. قال الحسن البصري ﵀ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: كَانَ خُشُوْعُهُمْ فِيْ قُلُوْبِهِمْ فَغَضُّوا بِذَلِكَ أَبْصَارَهُمْ وَخَفَضُوا لِذَلِكَ الجَنَاحَ (١). قال ابن القيم: علق الله فلاح المصلين بالخشوع في صلاتهم، فدل على أن من لم يخشع فليس من أهل الفلاح، ولو اعتد له بها ثوابًا لكان من المفلحين (٢). والخشوع يأتي بمعنى لين القلب ورقته وسكونه، فإِذا خشع القلب تبعه خشوع الجوارح لأنها تابعة له، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث النعمان بن بشير ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَلَا وَإِنَّ فِيْ الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلبُ» (٣).

стр. 273

ولذلك كان النبي ﷺ في صلاته يقول: «خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي» (١). روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوْسٌ عِنْدَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَنَظَرَ فِي السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: «هَذَا أَوَانُ العِلمِ أَنْ يُرْفَعَ»، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: زِيَادٌ ابْنِ لَبِيْدٍ: أَيُرْفَعُ العِلمِ يَا رَسُوْلَ اللهِ، وَفِيْنَا كِتَابُ اللهِ وَقَدْ عَلَّمْنَاهُ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا؟ ! فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «إِنْ كُنْتُ لأَظُنُّكَ مِنْ أَفْقَهِ أَهْلِ المَدِيْنَةِ»، ثُمَّ ذَكَرَ ضَلالَةَ أَهْلِ الكِتَابَيْنِ وَعِنْدَهُمَا مَا عِنْدَهُمَا مِنْ كِتَابِ اللهِ ، فَلَقِيَ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ شَدَّادَ بْنَ أَوْسٍ بِالمُصَلَّى، فَحَدَّثَهُ هَذَا الحَدِيْثَ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: صَدَقَ عَوْفٌ، ثُمَّ قَالَ: فَهَل تَدْرِيْ مَا رَفعُ العِلمِ؟ قَالَ: قُلتُ: لَا أَدْرِيْ، قَالَ: ذَهَابُ أَوْعِيَتِهِ. قَالَ: وَهَل تَدْرِيْ أَيُّ العِلمِ أَوَّلُ أَنْ يُرْفَعَ؟ قَالَ: فَقُلتُ: لَا أَدْرِيْ، قَالَ: «الخُشُوعُ حَتَّى لَا تَكَادَ تَرَى خَاشِعًا» (٢). فإذا دخل المصلي المسجد بدأت الوساوس والأفكار والانشغال بأمور الدنيا في ذهنه، فما يشعر إلا وقد انتهى الإِمام من صلاته، وحينئذ يتحسر على صلاته التي لم يخشع فيها ولم يذق حلاوتها، وإنما كانت مجرد حركات وتمتمات كالجسد بلا روح. قال ابن القيم ﵀: (صلاة بلا خشوع ولا حضور كبدن ميت لا روح فيه، أفلا يستحيي العبد أن يهدي إلى مخلوق مثله عبدًا ميتًا، أو جارية ميتة؟ فما ظن هذا العبد أن تقع تلك الهدية ممن قصده بها من ملك أو أمير أو غيره؛ فهكذا سواء الصلاة الخالية عن الخشوع والحضور، وجمع الهمة على الله تعالى فيها بمنزلة هذا العبد أو الأمة الميت الذي

стр. 274

يريد إهداءه إلى بعض الملوك ولهذا لا يقبلها الله تعالى منه وإن أسقطت الفرض في أحكام الدنيا ولا يثيبه عليها فإنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها). اهـ (١). قال بعضهم: إن الرجلين ليكونان في الصلاة وإن ما بينهما كما بين السماء والأرض (٢). روى أبو داود في سننه من حديث عمار بن ياسر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَاّ عُشْرُ صَلَاتِهِ، تُسُعُهَا، ثُمُنُهَا، سُبُعُهَا، سُدُسُهَا، خَمُسُهَا، رُبُعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا» (٣). والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون له قرة عين، روى النسائي في سننه من حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا: النِّسَاءُ وَالطِّيْبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِيْ فِي الصَّلَاةِ» (٤)، بل إنه ﵊ كان إذا حزبه أمر صلى، وكان يقول: «قُمْ يَا بِلَالُ فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ» (٥). من الأمور التي تعين على الخشوع في الصلاة: أولاً: أن يستحضر المسلم عظمة الباري ، وأنه واقف بين يدي

стр. 275

جبار السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]. ثانيًا: أن ينظر المسلم إلى موضع السجود ولا يلتفت في صلاته. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي ذر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا يَزَالُ اللهُ مُقْبِلاً عَلَى العَبْدِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلتَفِتْ، فَإِذَا صَرَفَ وَجْهَهُ انْصَرَفَ عَنْهُ» (١). ثالثًا: تدبر القرآن الكريم والأذكار التي يقولها في صلاته، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. فإذا تدبَّر المسلم أذكار الركوع والسجود وغيرها من الأذكار كان ذلك أوعى للقلب وأقرب للخشوع. رابعًا: ذكر الموت في الصلاة. روى الطبراني في المعجم الكبير من حديث سعد بن عمارة أخي بني سعد بن بكر وكانت له صحبة أن رجلاً قال له: عظني في نفسي يرحمك الله، قال: «إِذَا أَنتَ صَلَّيتَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ» (٢). خامسًا: أن يهيئ المصلي نفسه فلا يصلي وهو حاقن ولا بحضرة طعام، قال ﷺ : «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ» (٣)

стр. 276

وأن يزيل كل ما يشغله في صلاته من الزخارف والصور ونحوها، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: قام رسول الله ﷺ يصلي في خميصة ذات أعلام. فنظر إلى علمها. فلما قضى صلاته قال: «اذْهَبُوْا بِهَذِهِ الخَمِيْصَةِ إِلَى أَبِيْ جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ، وَائْتُوْنِيْ بِأَنْبِجَانِيِّهِ، فَإِنَّهَا أَلهَتْنِي آنِفًا فِيْ صَلَاتِي» (١). سادسًا: مجاهدة النفس في الخشوع، فالخشوع، ليس بالأمر السهل فلا بد من الصبر والمجاهدة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] ومع الاستمرار والمجاهدة يسهل الخشوع في الصلاة. سابعًا: استحضار الثواب المترتب على الخشوع، روى مسلم في صحيحه من حديث عثمان ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوْبَةٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوْءَهَا وَخُشُوْعَهَا وَرُكُوْعَهَا، إِلَاّ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَها مِنَ الذُّنُوبِ، مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيْرَةً، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ» (٢). وكان النبي ﷺ من أكثر الناس خشوعًا في الصلاة، روى أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن الشخير قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي وَفِيْ صَدْرِهِ أَزِيْزٌ كَأَزِيْزِ الرَّحَى مِنَ البُكَاء (٣). وَأَبُوْ بَكْرٍ كَانَ رَجُلاً بَكَّاءً لَا يُسْمِعُ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ إِذَا صَلَّى بهم (٤)،

стр. 277

وَعُمَرُ ﵁ صَلَّى بِالنَّاسِ وَقَرَأَ سُوْرَةَ يُوَسُفَ فَسُمِعَ نَشِيْجُهُ مِنْ آخِرِ الصُّفُوفِ وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ [يوسف: ١٨] (١). قال ابن القيم ﵀ والناس في الصلاة على مراتب: أحدها: مرتبة الظالم لنفسه المفرط، وهو الذي انتقص من وضوئها، ومواقيتها، وحدودها، وأركانها. الثاني: من يحافظ على مواقيتها وحدودها وأركانها الظاهرة ووضوئها، لكن قد ضيع مجاهدة نفسه في الوسوسة فذهب مع الوساوس والأفكار. الثالث: من حافظ على حدودها وأركانها، وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار، فهو مشغول بمجاهدة عدوه لئلا يسرق صلاته فهو في صلاة وجهاد. الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها وأركانها وحدودها، واستغرق قلبه مراعاة حدودها، لئلا يضيع شيئًا منها، بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي، وإكمالها وإتمامها، قد استغرق قلبه شأن الصلاة وعبودية ربه ﵎ فيها. الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك، ولكن مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه ، ناظرًا بقلبه إليه مراقبًا له، ممتلئًا من محبته وعظمته كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلت تلك الوساوس والخطرات، وارتفعت حجبها بينه وبين ربه، فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضل وأعظم مما بين السماء والأرض وهذا في صلاته مشغول بربه . فالقسم الأول معاقب، والثاني محاسب، والثالث مكفر عنه،

стр. 278

والرابع مثاب، والخامس مقرب من ربه لأن له نصيبًا ممن جعلت قرة عينه في الصلاة، فمن قرت عينه بصلاته في الدنيا، قرت عينه بقربه من ربه في الآخرة، وقرت عينه أيضًا به في الدنيا، ومن قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تعالى تقطعت نفسه على الدنيا حسرات (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 279

الكلمة السادسة والخمسون: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد: فإن من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ... المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ المُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]. قَالَ عُمَرُ ﵁: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُوْنَ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، فَليُؤَدِّ شَرْطَ اللهِ فِيْهَا (١). قال القرطبي ﵀: إنما صارت أمة محمد ﷺ خير أمة لأن المسلمين منهم أكثر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أفشى (٢). وقال أيضًا: في هذه الآية مدح لهذه الأمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا التغيير وتواطؤوا على المنكر زال عنهم المدح، ولحقهم اسم الذم، وكان ذلك سببًا في هلاكهم (٣). وأخبر سبحانه أن الناجين من الأمم هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.

стр. 280

قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]. وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ البَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَاتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَاتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٣ - ١٦٦]. وقصة اعتدائهم في السبت أنهم نهوا عن الصيد في يوم السبت، فاحتالوا على ارتكاب المحرم بأن جعلوا الشباك يوم السبت، وجمعوا السمك يوم الأحد، وظنوا أنهم يسلمون من الإِثم. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: كَانُوْا أَثْلَاثًا: ثُلُثٌ نَهَوْا، وَثُلُثٌ قَالُوْا: لَمْ تَعِظُوْنَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ، وَثُلُثٌ أَصْحَابُ الخَطِيْئَةِ، فَمَا نَجَا إِلَاّ الَّذِيْنَ نَهَوْا، وَهَلَكَ سَائِرُهُمْ (١). وبشَّر النبي ﷺ الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بعظيم الأجر والثواب فروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الرحمن الحضرمي قال: أخبرني من سمع النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ من أُمَّتِي قَومًا يُعطَوْنَ مِثل أُجُورِ أَوَّلِهِم يُنكِرُونَ المُنكَرَ» (٢). وبين سبحانه أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجب لسخطه ولعنته. قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي

стр. 281

إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩]. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» (١) وهذا الحديث أصل في تغيير المنكر، ولذلك عدّه أهل العلم من الأحاديث التي عليها مدار الدِّين، حتى قيل إنه شطر الشريعة، وقيل: إنه الإِسلام كله، لأن الإِسلام إما معروف يجب الأمر به أو منكر يجب النهي عنه، وفيه بيان مراتب تغيير المنكر وهي الإِنكار باليد واللسان، وهذا يجب بحسب القدرة والطاقة، وأن لا يترتب عليه منكر أكبر منه. المرتبة الثالثة: الإِنكار بالقلب يستلزم من العبد مفارقة المكان الذي فيه المنكر. قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ وَالكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠]. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: من لم يكن في قلبه بغض ما يبغض الله ورسوله من المنكر الذي حرمه من الكفر والفسوق والعصيان، لم يكن في قلبه الإِيمان الذي أوجبه الله عليه. اهـ. وقال أيضًا: وإذا كان جماع الدِّين وجميع الولايات هو أمر ونهي، فالأمر الذي بعث الله به رسوله هو الأمر بالمعروف، والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر، وهذا نعت النبي والمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ

стр. 282

أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١]، وهذا واجب كل مسلم قادر، وهو فرض الكفاية، ويصير فرضَ عين على القادر الذي لم يقم به غيره (١). والمنكرات إذا انتشرت ولم تُغيَّر كان ذلك نذير شر وهلاك للأمة. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُوْلُ: «لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَيْلٌ لِلعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَاجُوْجَ وَمَاجُوْجَ مِثْلُ هَذِهِ»، وَحَلِّقْ بِإِصْبَعَيْهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيْهَا، فَقَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ: فَقُلتُ يَا رَسُوْلَ اللهِ، أَنُهلَكُ وَفِيْنَا الصَّالِحُوْنَ؟ ! قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ» (٢). وروى أبو داود في سننه من حديث أبي بكر الصدِّيق ﵁ قال: يا أيها الناس إنكم لتقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير موضعها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَاخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ» (٣). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا يَمنَعَنَّ رَجلاً مِنْكُمْ مَخَافَةُ النَّاسِ أن يَتَكَلَّمَ بِالحَقِّ إِذَا رَأَىه أَو عَلِمَهُ» (٤).

стр. 283

قال ابن القيم ﵀: إنكار المنكر له أربع درجات: الأولى أن يزول ويخلفه ضده أي المعروف، الثانية أن يقل: أي المنكر وإن لم يزل من جملته. الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله، الرابعة أن يخلفه ما هو شر منه، فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة (١). ومن النماذج المشرقة للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ما نقله الذهبي في السير عن شجاع بن الوليد قال: كنت أحج مع سفيان الثوري فما يكاد لسانه يفتر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاهبًا وراجعًا (٢). وينقل عنه أنه كان يقول: إني لأرى الشيء يجب عليَّ أن أتكلَّم فيه فلا أفعل، فأبول أكدم دمًا (٣)، ونقل الذهبي عن الحافظ عبد الله المقدسي أنه كان لا يرى منكرًا إلا غيَّره بيده أو بلسانه، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم، قد رأيته مرة يهريق خمرًا فجبذ صاحبه السيف فلم يخف منه، وأخذه من يده، وكان قويًّا في بدنه، كثيرًا ما كان بدمشق ينكر ويكسر الطنابير والشبابات (٤). قال الإِمام النووي: واعلم أن هذا الباب، أعني باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة، ولم يبق منه في هذا الزمان إلا رسوم قليلة جدًّا، وهو باب عظيم به قوام الأمر وملاكه، وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح، وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمهم الله تعالى بعقابه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ

стр. 284

عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]؛ فينبغي لطالب الآخرة والساعي في تحصيل رضا الله أن يعتني بهذا الباب، فإن نفعه عظيم، ولا سيما وقد ذهب معظمه، ويخلص نيته ولا يهابن من ينكر عليه لارتفاع مرتبته، فإن الله تعالى قال: ... ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]. وليعلم أن الأجر على قدر النصب، ولا يتاركه أيضًا لصداقته ومودته وطلب الوجاهة عنده ودوام المنزلة لديه فإن صداقته ومودته توجب له حرمة وحقًا، ومن حقه أن ينصحه ويهديه إلى مصالح آخرته، وينقذه من مضارها، وصديق الإِنسان ومحبه هو من سعى في عمارة آخرته، وإن أدى ذلك إلى نقص دنياه. إلى آخر ما قال ﵀ (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 285

الكلمة السابعة والخمسون: الصلاة ومكانتها في الإِسلام الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد: فقد عظَّمَ الإِسلام شأن الصلاة، ورفع ذكرها وأَعلى مكانتها فهي أعظم أَركان الإِسلام بعد الشهادتين، عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «بُنِيَ الإِسْلَامْ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنَ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيْتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (١). والصلاة هي أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، روى الطبراني في الأوسط من حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ الصَّلَاةُ، فَإِن صَلَحَتْ صَلَحَ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ» (٢). والصلاة هي الفارق بين المسلم والكافر، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ١١]. روى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال:
следующие страницы →