← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

عامًا كافيًا تقوم به الحجة، وينقطع معه العذر» (١)، وينبغي للمؤمن أن يحرص عليها ويبادر إلى ذلك خروجًا من خلاف العلماء. «والحكمة من العقيقة أنها مشروعة بسبب تجدد نعمة الله على الوالدين، وفيها سر بديع موروث عن فداء إسماعيل بالكبش الذي ذُبح عنه، وفداه الله به، فصار سنة في أولاده بعده أن يفدي أحدهم عند ولادته بذبح عنه، ولا يستنكر أن يكون هذا حرزًا له من الشيطان بعد ولادته، كما كان ذكر اسم الله عند وضعه الرحم حرزًا له من ضرر الشيطان» (٢). اهـ ومقدار ما يذبح عن الذكر شاتان متقاربتان سنًا، وشبهًا، وعن الأنثى شاة واحدة، لحديث أُمِّ كُرزٍ الكَعبِيَّةِ ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عَنِ الْغُلامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» (٣). قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: مكافئتان، أي: مستويتان أو مقاربتان. «والحكمة في الفرق بين الذكر والأنثى في مقدار العقيقة أنها على النصف من أحكام الذكر، والنعمة على الوالد بالذكر أتم، والسرور والفرحة به أكمل، فكان الشكر عليه أكثر» (٤). «ووقت ذبح العقيقة: ينبغي أن يكون في اليوم السابع للحديث

стр. 2207

السابق تذبح عنه يوم سابعة، فإذا ولد يوم السبت فتذبح يوم الجمعة، يعني قبل يوم الولادة بيوم هذه هي القاعدة، وإذا ولد يوم الخميس فهي يوم الأربعاء .. وهلم جرًّا» (١). «وقيل: الحكمة في ذلك أن الطفل حين يولد يكون أمره مترددًا بين السلامة والعطب ولا يُدرى هل هو من أصل الحياة أو لا؟ إلى أن تأتي عليه مدة يُستدل بها بشاهد من أحواله فيها على سلامة بنيته، وصحة خلقته، وأنه قابل للحياة، وجعل مقدار تلك المدة أيام الأسبوع، فإنه دور يومي كما أن السنة دور شهري» (٢). لكن إن خرج الطفل ميتًا قبل نفخ الروح فيه فلا عقيقة له، وإن خرج ميتًا بعد نفخ الروح فيه، فالراجح أنه يُعق عنه، لكن من لم يُعق عنه أبواه هل يعق عن نفسه إذا بلغ؟ قال الإمام البغوي: قال الحسن: إذا علمت أنه لم يُعق عنك فعق عن نفسك. وقال ابن سيرين: عققت عن نفسي ببختية (٣) (٤) بعد أن كنت رجلًا. وقال الإمام أحمد: ذلك على الأب واستدل من قال: بأن الكبير يعق عن نفسه إذا لم يُعق عنه، بأن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد البعثة (٥). قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: «فالأفضل أن يعق عن نفسه، إذا لم

стр. 2208

يعق عنه والده، ولو كان كبيرًا، هذا هو السنة» (١). «ويجزي في العقيقة ما يجزئ في الأضحية من حيث السن، والصفة، فيختار السليمة من العيب، والأمراض، والكاملة في خلقتها، المناسبة في سنها وسمنها» (٢). قال ابن عبد البر: «ويتقي في العقيقة من العيوب ما يتقي في الضحايا ويسلك بها مسلك الضحايا يؤكل منها، ويتصدق، ويُهدى إلى الجيران» (٣). وأما هل يجوز العقيقة بغير الغنم من الإبل والبقر؟ «اختلف العلماء في ذلك، فقال جمهور أهل العلم: يجوز بغير الغنم من الإبل والبقر لقوله في الحديث: «أَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا» (٤) ولم ينص على الغنم، وقال آخرون: بل يقتصر على الغنم لقوله ﷺ : «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» (٥). وأجيب عن ذلك بأن ما ورد محمول على قصد التخفيف، وقالوا: لا يخفى أن مجرد ذكر الشاة في الأحاديث لا ينفي إجزاء غيرها، والذي يترجح القول الأول، والله أعلم» (٦). واختلف أهل العلم: هل يصح تشريك العقيقة في البدنة والبقرة أم لا؟ على قولين:

стр. 2209

القول الأول: تجزئ البدنة والبقرة عن سبعة، قياسًا على جوازها في الهدي والأضاحي، وهو اختيار الشافعية. قال النووي: «ولو ذبح بقرة، أو بدنة عن سبعة أولاد، أو اشترك فيها جماعة، جاز، سواء كلهم أرادوا العقيقة، أو أراد بعضهم العقيقة، وبعضهم اللحم كما في الأضحية» (١). القول الثاني: لا تجزئ البدنة والبقرة إلا عن واحد، بخلاف الهدي والأضاحي، هو مذهب فقهاء المالكية والحنابلة. قال الشوكاني: ونص أحمد على أنه يشترط بدنة، أو بقرة كاملة، قال ابن القيم: «وهذا مما تخالف فيه العقيقة الهدي، والأضاحي، ثم قال: ولما كانت هذه الذبيحة جارية مجرى فداء المولود، كان المشروع فيه دمًا كاملًا لتكون نفس فداء عن نفس، وأيضًا لو صح الاشتراك لما حصل المقصود من إراقة الدم عن الولد، فإنه إراقة الدم عن واحد ويحصل لباقي الولد إخراج اللحم فقط، والمقصود نفس إراقة الدم عن الولد، وهذا المعنى بعينه هو الذي لحظه من منع الاشتراك في الهدي، والأضحية، ولكن سُنَّة الرسول ﷺ أحقُّ وأولى أن تُتَّبَعَ، وهو الذي شرع الاشتراك في الهدايا، وشرع في العقيقة عن الغلام دمين مستقلين لا يقوم مقامهما جزور، ولا بقرة» (٢). ورجح هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀ (٣). ويستحب أن يأكل منها، ويُهدي، ويتصدق، أثلاثًا كالأضحية،

стр. 2210

وأما حلق رأس الغلام الذكر، فإنه يكون في اليوم السابع، لقوله في الحديث: «تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُحْلَقُ» (١). قال الخطابي: «ومن السنة حلق رأس المولود في اليوم السابع» (٢). وقال بعض أهل العلم: يوزن شعر المولود، ويتصدق بوزنه فضة، واستدلوا على ذلك بما رواه أحمد في مسنده من حديث أبي رافع: أن النبي ﷺ قال لفاطمة لما ولدت الحسن: «احْلِقِي رَاسَهُ، وَتَصَدَّقِي بِوَزْنِ شَعْرِهِ فِضَّةً عَلَى الْمَسَاكِينِ» (٣). ويُسَمَّى يوم سابعه للحديث السابق، وإن سمَّاه في يوم ولادته فلا بأس، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أنس: أن النبي ﷺ دخل ذات يوم على أهله فقال: «وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ وَلَدٌ، سَمَّيْتُهُ إِبْرَاهِيمَ» فسمَّاه من حين ولادته (٤). وعليه أن يختار لابنه الاسم الحسن، فقد كَانَ ﷺ يُحِبُّ الِاسمَ الحَسَنَ (٥) وَيُغَيِّرُ القَبِيحَ (٦)، وهذا من حق الولد على والده. وأحب الأسماء إلى الله (عبد الله وعبد الرحمن)، وأصدقها همام

стр. 2211

والحارث. روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللَّهِ: عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ» (١). وروى أبو داود في سننه من حديث أبي وهب الجشمي وكانت له صحبة قال: قال رسول الله ﷺ : «تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ: عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا: حَارِثٌ، وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا: حَرْبٌ، وَمُرَّةُ» (٢). ويحرم أن يسمه بالأسماء المعبدة لغير الله: كأن يسمي عبد الكعبة، وعبد النبي، وعبد المسيح، وعبد علي، وعبد الحسين (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2212

الكلمة الرابعة والعشرون: أحكام الأضحية وفضائلها الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن من شعائر الإسلام العظيمة التي أمر الله بها، وحثَّ عليها النبي ﷺ الأضحية، وهي ما يذبح في يوم النحر، وأيام التشريق من الإبل، والبقر، والغنم تقربًا إلى الله تعالى، وسميت بذلك لأنها تذبح ضحى بعد صلاة العيد. وشرعت الأضحية إحياء لسنة خليل الله إبراهيم ﵊، إذ أوحى الله إليه أن يذبح ولده إسماعيل ثم فداه بكبش فذبحه بدلًا عنه، قال تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم﴾ [الصافات: ١٠٧]. وشكرًا لله على ما سخر لنا من بهيمة الأنعام، قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون * لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٦ - ٣٧]. وأجمع المسلمون على مشروعيتها لقول الله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤]. فهي مشروعة في جميع الملل. واختلف أهل العلم هل هي سنة أم واجبة؟ فذهب أهل القول الأول: إلى أنها سنة، واستدلوا على ذلك

стр. 2213

بما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا» (١). وذلك لأنه قال: وأراد أحدكم أن يضحي، فجعله مفوضًا إلى إرادته، ولو كانت التضحية واجبة لم يذكر ذلك. ومما استدلوا به أيضًا: أن أبا بكر وعمر ﵄ كانا لا يضحيان السنة والسنتين، مخافة أن يُرى ذلك واجبًا (٢). والقول الثاني: أن الأضحية واجبة وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد رحمهما الله، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، حيث قال: إن الظاهر وجوبها، وإن من قدر عليها فلم يفعل فهو آثم، لأن الله ذكرها مقرونة بالصلاة في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر﴾ [الكوثر: ٢]، وفي قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الأنعام: ١٦٢]. واستدلوا بأن النبي ﷺ داوم عليها وضحى عشر سنوات، وكان يظهرها على أنها شعيرة من شعائر الإسلام، حتى إنه يخرج بأضحيته ويذبحها بالمصلَّى. قال الشيخ ابن عثيمين: «والقول بالوجوب أظهر من القول بعدم الوجوب لكن بشرط القدرة، وأما العاجز الذي ليس عنده إلا مؤنة أهله، أو المدين فإنه لا تلزمه الأضحية، بل إن كان عليه دين ينبغي له

стр. 2214

أن يبدأ بالدين قبل الأضحية» (١). وينبغي للمؤمن أن يحرص عليها، ويبادر إلى ذلك خروجًا من خلاف العلماء. والأضحية لها شروط، فمن ذلك: ١ - أن تكون من بهيمة الأنعام وهي الإبل، والبقر، والغنم، لقول الله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]. وأفضلها الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، ويشمل الضأن والمعز، فإن أخرج بعيرًا كاملًا فهو أفضل من الشاة، وأما لو أخرج بعيرًا عن سبع شياه فالسبع الشياه أفضل من البعير. ٢ - بلوغ السن المعتبرة شرعًا، لقول النبي ﷺ فيما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً (٢)، إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ، فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّانِ» (٣). فالإبل خمس سنين، والبقر سنتان، والمعز سنة، والضأن ستة أشهر (٤). قال ابن القيم ﵀: «وأمرهم أن يذبحوا الجذع من الضأن، والثني مما سواه وهي المسنة» (٥). ٣ - السلامة من العيوب المانعة من الإجزاء، فلا يجزي في

стр. 2215

الأضحية سوى السليمة من كل نقص في خلقتها، فلا تجزي العوراء، ولا العرجاء، ولا العضباء، وهي مكسورة القرن من أصلها، أو مقطوعة الأذن من أصلها، ولا المريضة ولا العجفاء (وهي الهزيلة التي لا مخ فيها)، لقوله ﷺ : «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الأَضَاحِيِّ: الْعَوْرَاءُ بَيِّنٌ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ بَيِّنٌ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ بَيِّنٌ ظَلْعُهَا، وَالْكَسِيرُ الَّتِي لَا تَنْقَى» (١). أي: لا مخ في عظامها، وهي الهزيلة العجفاء. ٤ - أن تكون في وقت الذبح، وهو من صباح العيد بعد الصلاة إلى آخر أيام التشريق، فلا تجزئ قبل صلاة العيد، لقوله ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك: «مَنْ ضَحَّى قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّمَا ذَبَحَ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ» (٢). وروى مسلم في صحيحه من حديث البراء بن عازب قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر، فقال: «لَا يَذْبَحَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يُصَلِّيَ» (٣) (٤). الأحكام التي تتعلق بالأضحية: أولًا: من دخلت عليه عشر ذي الحجة وأراد أن يضحي،

стр. 2216

فلا يأخذ من شعره وأظفاره حتى يضحي في وقت الأضحية، لما روى مسلم في صحيحه عن أم سلمة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ» (١). وقيل: الحكمة في النهي أن يبقى كامل الأجزاء ليعتق من النار، وقيل: التشبه بالمحرم. ثانيًا: أفضلها ما كانت كبشًا أملح أقرن، وهو الوصف الذي استحبه الرسول ﷺ وضحى به، كما أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ (٢). وفسر الأملح بأنه الأبيض الذي يخالطه سواد، كما جاء عند مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ (٣). قال القاضي عياض: «معناه أن قوائمه، وبطنه، وما حول عينيه أسود .. والله أعلم» (٤). ثالثًا: تجزي الشاة عن واحد، أي: يضحي الإنسان بالشاة عن نفسه، وتجزي من حيث الثواب عنه، وعن أهل

стр. 2217

بيته، لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ يُضَحِّي بِالشَّاةِ الوَاحِدَةِ عَن جَمِيعِ أَهلِهِ (١). ولحديث أبي أيوب الأنصاري: كَانَ الرَّجُلُ فِي عَهدِ النَّبِيِّ ﷺ يُضَحِّي وَعَن أَهلِ بَيتِهِ، فَيَأكُلُونَ، وَيُطعِمُونَ (٢). والبدنة، والبقرة عن سبعة، والدليل حديث جابر بن عبد الله قال: نَحَرنَا فِي عَامِ الحُدَيبِيَةِ البَدَنَةَ عَن سَبعَةٍ، وَالبَقَرَةَ عَن سَبعَةٍ (٣). رابعًا: ما يستحب عند ذبحها: أن توجه إلى القبلة مع التسمية، لما رواه أحمد في مسنده من حديث جابر بن عبد الله: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَبَحَ يَومَ العِيدِ كَبشَينِ، ثُمَّ قَالَ حِينَ وَجَّهَهُمَا: «إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ أَوَّل الْمُسْلِمِينَ، بِاسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ» (٤). وفي صحيح مسلم أنه قال: «بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ» (٥).

стр. 2218

فقوله حين وجهها، يعني: إلى القبلة، وهذا يدل على أن التوجيه سنة، وورد في فتوى اللجنة الدائمة: «ويستحب أن يتوجه الذابح إلى القبلة، ويوجه الذبيحة كذلك إلى القبلة لأنها أشرف الجهات، ولأن الاستقبال مستحب في القربات، إلا ما دَلَّ الدليل على خلافه، ويتأكد الاستحباب إذا كانت الذبيحة هديًا، أو أضحية» (١). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «وأما ما يفعله بعض العامة عندنا يسميها في ليلة العيد، ويمسح ظهرها من ناحيتها إلى ذنبها، وربما يكرر ذلك، هذا عني، هذا عن أهل بيتي، هذا عن أمي .. وما أشبه ذلك، فهذا من البدع، لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ ، وإنما كان يسمي من هي له عند الذبح» (٢). خامسًا: صفة الذبح. روى البخاري ومسلم من حديث أنس: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ، أَمْلَحَيْنِ، أَقْرَنَيْنِ، فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا، قَالَ: وَسَمَّىَ وَكَبَّرَ (٣). قال ابن حجر: «وفيه استحباب التكبير مع التسمية، واستحباب وضع الرجل على صفحة عنق الأضحية الأيمن، واتفقوا على أن إضجاعها يكون على الجانب الأيسر فيضع رجله على الجانب الأيمن ليكون أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين، وإمساك رأسها بيده اليسار» (٤).

стр. 2219

أما الإبل فتنحر قائمة معقولة يدها اليسرى، هذه هي السنة لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]. وجبت يعني سقطت على الأرض، وتكون اليسرى هي المعقولة لأن الذابح سوف يأتيها من الجهة اليمنى وسيمسك الحربة بيده اليمنى، وإذا نحرها فسوف تسقط على الجانب الأيسر الذي به اليد المعقولة (١). أما البقر فقد جاء في القرآن ذكر ذبحها، وفي السنة نحرها (٢). قال القرطبي: «والذبح أولى في الغنم، والنحر أولى في الإبل، والتنحير في البقر، وقيل: الذبح أولى، لأنه الذي ذكره الله تعالى» (٣). والذبح يكون بقطع الأوداج (٤)، والأوداج جمع ودج بفتح الدال المهملة والجيم وهو العِرق الذي في الأخدع وهما عرقان متقابلان (٥) (٦). وفي الحديث المخرج في الصحيحين من حديث رافع ابن خديج: أن النبي ﷺ قال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّه فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ» (٧) الحديث.

стр. 2220

قال النووي ﵀: «قال العلماء: ففي هذا الحديث تصريح بأنه يشترط في الذكاة ما يقطع ويجري الدم، وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنه إذا قطع الحلقوم والمريء، والودجين، وأسال الدم حصلت الذكاة، وقوله: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ) قال بعض العلماء: دليل على جواز ذبح المنحور، ونحر المذبوح، وقد جوزه العلماء كافة إلا داود» (١). ويجوز الذبح بغير السكين إن لم تتيسر، إما بحجر ونحوه. روى البخاري في صحيحه من حديث مُعَاذِ بْنِ سَعْدٍ أَوْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، أَخْبَرَهُ: أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا بِسَلْعٍ، فَأُصِيبَتْ شَاةٌ مِنْهَا، فَأَدْرَكَتْهَا فَذَبَحَتْهَا بِحَجَرٍ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ فَقَالَ: «كُلُوهَا» (٢). وفي حديث: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ فَكُلْ» «دليل على جواز الذبح بكل محدد يقطع إلا الظفر، والسن، وسائر العظام فيدخل في ذلك السيف، والسكين، والسنان والحجر، والخشب، والزجاج، والقصب، والخزف، والنحاس، وسائر الأشياء المحددة فكلها تحصل بها الذكاة إلا السن، والظفر، والعظام كلها» (٣). سادسًا: الإحسان حتى في الذبح: قال ابن القيم ﵀: «وأمر الناس إذا ذبحوا أن يحسنوا الذبح» (٤). روى مسلم في

стр. 2221

صحيحه من حديث شداد بن أوس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» (١). سابعًا: وقد دلت الدلائل الشرعية من الكتاب والسنة على أنه ينبغي أن يأكل من أضحيته، ويتصدق، قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير﴾ [الحج: ٢٨]. فإن أهدى منها لجيرانه، وأقاربه، فهو أفضل، قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]. روى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «كُلُوا، وَادَّخِرُوا، وَتَصَدَّقُوا» (٢). وفي رواية: «كُلُوا، وَأَطْعِمُوا، وَاحْبِسُوا، أَوِ ادَّخِرُوا» (٣). ثامنًا: لا يُعطى الجزار أجرة عمله من الأضحية، فقد روى البخاري ومسلم من حديث علي ﵁ قال: أَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى الْبُدْنِ، وَلَا أُعْطِيَ عَلَيْهَا شَيْئًا فِي جِزَارَتِهَا (٤). وفي رواية مسلم: «نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عَنْدِنَا» (٥).

стр. 2222

قال العلماء: «إعطاء الجزار على سبيل الأجرة ممنوع لكونه معاوضة، قال البغوي ﵀: وأما إذا أُعطي أجرته كاملة، ثم تصدق عليه إذا كان فقيرًا كما يتصدق على الفقراء، فلا بأس بذلك» (١). تاسعًا: يستحب أن يذبح أضحيته بنفسه. قال ابن قدامة: «وإن ذبحها بيده كان أفضل لأن النبي ﷺ ضحى بكبشين أقرنين أملحين ذبحهما بيده وسمَّى وكبَّر، ولأن في فعله قربة وفعل القربة أولى من استنابته فيها، فإن استناب فيها جاز، لأن النبي ﷺ استناب من نحر ما بقي من بدنه بعد ثلاث وستين» (٢). تنبيه: هل الأضحية مشروعة عن الأموات أم عن الأحياء؟ «لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة أنهم ضحَّوا عن الأموات استقلالًا، فإن رسول الله ﷺ مات له أولاد من بنين وبنات في حياته، ومات له زوجات وأقارب يحبهم، ولم يضحِّ عن واحد منهم، فلم يضحِّ عن عمه حمزة ولا عن زوجته خديجة ولا عن غيرهم من الأبناء والبنات، ولو كان هذا من الأمور المشروعة لبيَّنه الرسول ﷺ في سنته قولًا أو فعلًا، وإنما يضحي الإنسان عنه وعن أهل بيته، وأما إدخال الميت تبعًا، فهذا قد يستدل له بأن النبي ﷺ ضحَّى عنه وعن أهل بيته، وأهل بيته يشمل زوجاته اللاتي متن واللاتي على قيد الحياة، وكذلك ضحَّى عن أمته وفيهم من هو ميت، وفيهم من لم يوجد (٣)، لكن الأضحية عنهم

стр. 2223

استقلالًا ليس عليها دليل» (١). فإن أوصى بشيء من ماله يُضحى عنه به فلا حرج. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2224

الكلمة الخامسة والعشرون: فضائل أمهات المؤمنين ﵅ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة، فأزواج النبي ﷺ أمهات لنا في الإكرام، والاحترام، والتوقير، والإعظام، وهذه فضيلة عظيمة لهن. قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد أجمع المسلمون على تحريم نكاحهن بعد موته ﷺ وعلى وجوب احترامهن، فهن أمهات المؤمنين في الحرمة، والتحريم، ولسن أمهات المؤمنين في المحرمية» (١). «فنحن نتولاهن بالنصرة والدفاع عنهن، واعتقاد أنهن أفضل أزواج أهل الأرض لأنهن زوجات الرسول ﷺ في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي

стр. 2225

وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ [غافر: ٧ - ٨]. فأثبت الزوجية لهن بعد دخول الجنة، وهذا يدل على أن زوجة الإنسان في الدنيا تكون زوجته في الآخرة إذا كانت من أهل الجنة» (١). روى الطبراني في الأوسط من حديث أبي الدرداء: أن النبي ﷺ قال: «الْمَرْأَةُ لِآخِرِ أَزْوَاجِهَا» (٢). وفي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، جَاءَنِي بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِكِ، فَإِذَا أَنْتِ هِيَ، فَأَقُولُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ» (٣). وفي رواية الترمذي: «إِنَّ هَذِهِ زَوْجَتُكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» (٤). قال ابن كثير ﵀: «فإنهن - أي أزواج النبي ﷺ في الجنة، في منازل رسول الله ﷺ في أعلى عليين، فوق منازل جميع الخلائق، في الوسيلة التي هي أقرب منازل الجنة إلى العرش» (٥). وقال أيضًا: «ومن فضائلهن أن الله تعالى أمر رسوله أن يخير نساءه بين أن يفارقهن فيذهبن إلى غيره ممن يُحصْل لهن من عنده الحياة

стр. 2226

الدنيا وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله في ذلك الثواب الجزيل فاخترن ﵅ وأرضاهن - الله ورسوله والدار الآخرة، فجمع الله لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة» (١). قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]. ومنها: ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١]. فهن قنتن لله ورسوله وعملن صالحًا، فاستحققن الأجر مرتين. قال الزمخشري: «وليس لأحد من النساء مثل فضل نساء النبي ﷺ ، ولا على أحد منهن مثل ما لله عليهن من النعمة، والجزاء يتبع الفعل، وإنما ضوعف أجرهن لطلبهن رضا رسول الله ﷺ بحسن الخلق، وطيب المعاشرة، والقناعة، وتوفرهن على عبادة الله، والتقوى» (٢). ومنها: ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿يَانِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]. قال ابن كثير: «هذه آداب أمر الله بها نساء النبي ﷺ ونساء الأمة تبع لهن في ذلك فقال مخاطبًا لنساء النبي ﷺ بأنهن إذا اتقين الله كما أمرهن فإنهن لا يشبههن أحد من

стр. 2227

النساء ولا يلحقهن في الفضيلة والمنزلة» (١). ومنها: أن الله اختارهن لرسول الله ﷺ وحرَّم نكاحهن بعده، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب]. ومنها: أن الوحي ينزل في بيوتهن دون سائر الناس، قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]. قال ابن كثير: «ثم الذي لا يَشُك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي ﷺ داخلات في قوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، فإن سياق الكلام معهن ولهذا قال بعد هذا كله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]. أي: اعملن بما نزل الله على رسوله في بيوتكن من الكتاب والسنة، واذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من بين الناس، أن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس، وعائشة بنت الصديق أولاهن بهذه النعمة، وأحظاهن بهذه الغنيمة، وأخصهن من هذه الرحمة العميمة، فإنه لم ينزل على رسول الله ﷺ الوحي في فراش امرأة سواها كما نص على ذلك ﷺ » (٢). وأفضل أزواجه ﷺ خديجة وعائشة ﵅ جميعًا - أما خديجة

стр. 2228

فهي أول من آمن بالنبي ﷺ ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأول من آمن به باتفاق أهل الأرض أربعة، أول من آمن به من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي، ومن الموالي زيد، وكان أنفع الجماعة في الدعوة باتفاق الناس أبو بكر ثم خديجة» (١). ومن فضائلها: ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: أتى جبريل النبي ﷺ فقال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ خَدِيجَةُ قَد أَتَت، مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَو طَعَامٌ أَو شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتكَ فَاقرَأ ﵍ مِن رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرهَا بِبَيتٍ فِي الجَنَّةِ مِن قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ» (٢). وأما عائشة فكانت أحب أزواجه إليه، وأعلمهن، وأعظمهن حرمة عند المسلمين. روى البخاري ومسلم من حديث أبي موسى ﵁: أن النبي ﷺ قال: «فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ، كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» (٣). وبيَّن دلالته على فضلها بقوله: «كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»، والثريد هو أفضل الأطعمة وهو خبز ولحم، قال الشاعر: إِذَا مَا الخُبْزُ تَادُمُهُ بِلَحْمٍ ... فَذَاكَ أَمَانَةُ اللَّهِ الثَّرِيدُ فإذا كان اللحم سيد الإدام، والبر سيد الأقوات، ومجموعهما

стр. 2229

الثريد كان الثريد أفضل الطعام. ومن زوجاته أم المؤمنين سودة بنت زمعة ﵂. ومن فضائلها: أنها وهبت يومها لعائشة لعلمها لمحبة النبي ﷺ الشديدة لها. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ فِي مِسْلَاخِهَا مِنْ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ مِنَ امْرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ، قَالَت: فَلَمَّا كَبِرَتْ جَعَلَتْ يَوْمَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ لِعَائِشَةَ، قَالَت: يَا رَسُولَ اللَّه! قَدْ جَعَلْتُ يَوْمِي مِنْكَ لِعَائِشَةَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَيْنِ، يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ (١). ومنهن: أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب القرشي العدوي ﵂ وعن أبيها، ومن فضائلها: تعلُّمها القرآن، والكتابة. فقد روى أبو داود في سننه من حديث الشفاء بنت عبد الله قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا عِنْدَ حَفْصَةَ، فَقَالَ لِي: «أَلَا تُعَلِّمِينَ هَذِهِ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ (٢)، كَمَا عَلَّمْتِيهَا الْكِتَابَةَ» (٣). وقد روت الكثير من الأحاديث عن النبي ﷺ ، وكان المصحف الذي اجتمع عليه المسلمون في عهد عثمان في بيتها، وقد اشتهرت

стр. 2230

بكثرة الصيام، فقد روى ابن سعد في الطبقات من حديث نافع قال: ما ماتت حفصة حتى ما تفطر (١). ومنهن أم المؤمنين زينب بنت خزيمة بن الحارث الهلالية، لم تلبث عند النبي ﷺ إلا أشهر يسيرة، ولذلك لم يصل إلينا من أخبارها إلا القليل، ومن فضائلها: أنها كانت تلقب بأم المساكين، قال ابن كثير: وذلك لكثرة صدقاتها عليهم وبرها لهم، وإحسانها إليهم (٢). ومنهن أم سلمة هند بنت أبي أمية سهيل بن المغيرة القرشية. ومن فضائلها: أنها هاجرت إلى الحبشة مع زوجها، وكذلك هجرتها الثانية إلى المدينة، وقد روت عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة، وكانت فقيهة حافظة لأحاديث الرسول ﷺ ، وقد نالت شرف صحبة النبي ﷺ في بعض مغازيه كغزوة المريسيع، وخيبر، وفتح مكة. ولها موقف في غزوة الحديبية لا يُنسى، فبعد الصلح الذي حصل بين النبي ﷺ وقريش، قال النبي ﷺ لأصحابه: «قُومُوا، فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا»، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ، حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ، ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ: نَحَرَ

стр. 2231

بُدْنَهُ وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا (١). ومنهن أم المؤمنين زينب بنت جحش بن رئاب، وهي ابنة عمة رسول الله ﷺ ، وكانت تفتخر على نساء النبي ﷺ وتقول: «زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ» (٢). ومن فضائلها: أن الله سبحانه كان هو وليها الذي زوجها لرسوله من فوق سماواته، وكانت أولًا عند زيد بن حارثة وكان رسول الله ﷺ تبناه، فلما طلقها زيد زوجه الله تعالى إياها لتتأسى به أمته في نكاح أزواج من تبنوه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]. فالذي أخفاه النبي ﷺ في نفسه خوفه من لغط الناس عندما يجدون نظام التبني كما ألفوه قد انهار، عند ذلك نزل الوحي على الرسول ﷺ يحضه على إمضاء رغبة زيد في فراق امرأته ويكلفه بتزوجها (٣)، ثم قال سبحانه في آخر الآية: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ [الأحزاب: ٣٧]. ومنهن أم المؤمنين جويرية بنت الحارث بن المصطلق، تزوجها النبي ﷺ وجعل عتقها صداقها. ومن فضائلها: أنها كانت امرأة مباركة، ففي سنن أبي داود من

стр. 2232

حديث عائشة قالت: فما رأينا امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها «أُعْتِقَ فِي سَبَبِهَا مِئَةُ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ» (١). وكانت كثيرة الصيام والذكر، ففي صحيح البخاري من حديث جويرية بنت الحارث: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ، فَقَالَ: «أَصُمْتِ أَمْسِ؟ » قَالَتْ: لَا، قَالَ: «تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا؟ » قَالَتْ: لَا، قَالَ: «فَأَفْطِرِي» (٢). ومنهن أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب ﵂. ومن فضائلها: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّكِ لَابْنَةُ نَبِيٍّ، وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيٌّ، وَإِنَّكِ تَحْتَ نَبِيٍّ» (٣). وقد اشتهرت بالإنفاق والبذل، قال ابن كثير: «كانت من سيدات النساء عبادة، وورعًا، وزهادة، وبرًا، وصدقة» (٤). ومنهن أم المؤمنين أم حبيبة رَمْلَةُ بِنتُ أبي سفيان بن صخر بن حرب الأموية القرشية، وليس في أزواجه من هي أقرب نسبًا إليه منها. ومن فضائلها: هجرتها إلى الحبشة مع زوجها، وقد قال النبي ﷺ لأهل الهجرة إلى الحبشة: «لَكُمْ أَنْتُمْ يَا أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ» (٥). وقد روت الكثير من الأحاديث عن النبي ﷺ . قال

стр. 2233

ابن كثير: «كانت أم حبيبة من سيدات أمهات المؤمنين، ومن العابدات الورعات» (١). ومنهن أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية وهي أخت زينب بنت خزيمة لأمها أم المؤمنين وأم المساكين. ومن فضائلها: أنها روت الكثير من الأحاديث عن النبي ﷺ . قالت عائشة عنها: أما إنها كانت من أتقانا، وأوصلنا للرحم (٢). وكانت ميمونة آخر امرأة تزوجها رسول الله ﷺ ممن دخل بهن. قال ابن القيم ﵀: «ولا خلاف أنه ﷺ توفي عن تسع، وكان يقسم منهن لثمان عائشة، وحفصة، وزينب بنت جحش، وأم سلمة، وصفية، وحبيبة، وميمونة، وسودة، وجويرية، وأول نسائه لحوقًا به بعد وفاته زينب بنت جحش سنة عشرين، وآخرهن موتًا أم سلمة سنة اثنين وستين في خلافة يزيد» (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2234

الكلمة السادسة والعشرون: سورة العلق الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن الله أنزل القرآن العظيم لتدبره والعمل به، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. ومن سور القرآن العظيم التي تتكرر على أسماعنا ونحن بحاجة إلى تدبرها ومعرفة ما فيها من الحكم العظيمة والفوائد الجليلة: (سورة العلق)، وهي أول ما نزل من القرآن، فإنها نزلت عليه في مبادئ النبوة إذ كان لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان، فجاءه جبريل ﵊ بالرسالة وأمره أن يقرأ فامتنع وقال: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» فَلَم يَزَلْ بِهِ حَتَّى قَرَأَ، فَأَنزَلَ عَلَيهِ: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق﴾ (١) [العلق: ١]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة قالت: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى

стр. 2235

خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ، فَقَالَ: اقْرَا، قَالَ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، قَالَ: «فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَا»، قَالَ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَق * اقْرَا وَرَبُّكَ الأَكْرَم﴾ [العلق: ١ - ٣]» (١). قال ابن كثير ﵀: «فأول شيء نزل من القرآن الآيات الكريمات المباركات، وهن أول رحمة رحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم، وفيها تنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كرمه تعالى أن علَّم الإنسان ما لم يعلم، فشرَّفه وكرَّمه بالعلم، وهو القدر الذي امتاز به أبو البرية آدم على الملائكة، والعلم تارة يكون في الأذهان، وتارة يكون في اللسان، وتارة يكون في الكتابة بالبنان، ذهني، ولفظي، ورسمي، والرسمي يستلزمها من غير عكس، فلهذا قال: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَق * اقْرَا وَرَبُّكَ الأَكْرَم * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم﴾ [العلق: ١ - ٥]. وفي الحديث: «قَيِّدُوا الْعِلْمَ»، قُلْتُ: وَمَا تَقْيِيدُهُ؟ قَالَ: «كِتَابَتُهُ» (٢) (٣). قوله: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَق﴾ أي: من دم، والعلقة الدم الجامد، وإذا جرى فهو المسفوح، وخص الإنسان بالذكر تشريفًا له، وقيل: أراد أن يبيِّن قدر نعمته عليه بأن خلقه من علقة مهينة حتى صار بشرًا سويًّا،

стр. 2236

وعاقلًا مميزًا (١). قوله تعالى: ﴿اقْرَا وَرَبُّكَ الأَكْرَم﴾، أي: كثير الصفات واسعها، كثير الكرم والإحسان، واسع الجود الذي من كرمه أن علَّم بالقلم (٢). قوله تعالى: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم﴾، «يعني: علَّم الإنسان الخط بالقلم، قال قتادة: القلم نعمة من الله تعالى عظيمة، لولا ذلك لم يقم دين ولم يصلح عيش. فدل على كمال كرمه سبحانه بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبَّه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو؛ وما دُوِّنَتِ العُلُومُ، وَلَا قُيِّدَتِ الحِكَمُ، وَلَا ضُبِطَتْ أَخبَارُ الأَوَّلِينَ وَمَقَالَاتُهُم، وَلَا كُتُبُ اللَّهِ المُنزَلَةُ إِلَّا بِالكِتَابَةِ، وَلَولَا هِيَ مَا استَقَامَتْ أُمُورُ الدِّينِ وَالدُّنيَا» (٣). روى أبو داود في سننه من حديث عبادة بن الصامت ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» (٤). قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم﴾، فإنه تعالى أخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئًا، وجعل له السمع، والبصر، والفؤاد ويسر له أسباب العلم، قال تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ

стр. 2237

الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ [النحل: ٧٨]. قوله: ﴿كُلاًّ﴾، أي: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان أن ينعم عليه ربه بتسويته خلقه، وتعليمه ما لم يكن يعلم، وإنعامه بما لا كفء له، ثم يكفر بربه الذي فعل به ذلك ويطغى. قوله تعالى: ﴿أَن رَأَىهُ اسْتَغْنَى﴾، «فالإنسان - لجهله وظلمه - إذا رأى نفسه غنيًا طغى وبغى وتجبر عن الهدى، ونسي أن إلى ربه الرجعى، ولم يخف الجزاء، بل ربما وصلت به الحال أنه يترك الهدى بنفسه ويدعو غيره إلى تركه، فينهى عن الصلاة التي هي أفضل أعمال الإيمان» (١)، ثم قال سبحانه: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ أي المصير والمرجع وسيحاسبك على ما فعلت. قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾، نزلت في أبي جهل لعنه الله، توعد النبي ﷺ على الصلاة عند البيت. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ قَالَ: فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى، لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ، أَوْ لَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، قَالَ: فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي زَعَمَ لِيَطَأَ رَقَبَتَهُ، قَالَ: فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً، فأنزل الله : ﴿كَلَاّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾، إلى قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ

стр. 2238

وَتَوَلَّى﴾، يعني: أبا جهل ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾، إلى قوله: ﴿كَلَاّ لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾ (١). وفي رواية عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ، لآتِيَنَّهُ حَتَّى أَطَأَ عَلَى عُنُقِهِ، قَالَ: فَقَالَ: «لَوْ فَعَلَ لَأَخَذَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عِيَانًا» (٢). قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾، أي: فما ظنك إن كان هذا الذي تنهاه على الطريق المستقيمة في فعله ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ بقوله وأنت تزجره وتتوعده على صلاته، ولهذا قال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾، أي: أما علم هذا الناهي لهذا المهتدي أن الله يراه، ويسمع كلامه، وسيجازيه على فعله أتم الجزاء؟ ! «ثم قال تعالى متوعدًا ومتهددًا: ﴿كَلَاّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَة﴾، أي: لئن لم يرجع عما هو فيه من الشقاق والعناد، ﴿لَنَسْفَعًا﴾ أي: لنأخذن، بالناصية: وهي شعر مقدم الرأس، وقد يعبر بها عن جملة الإنسان، كما يقال هذه ناصية مباركة إشارة إلى جميع الإنسان، وخصَّ الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله وإهانته أخذوا بناصيته، وهل المراد الأخذ بالناصية في الدنيا أو في الآخرة يجر بناصيته إلى النار؟ يحتمل هذا وهذا، وقد أُخذ بناصيته في يوم بدر حين قُتْل مع من قُتْل من المشركين ويحتمل أن يكون يؤخذ بناصيته يوم القيامة فيقذف في النار، كما قال الله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ

стр. 2239

فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَام﴾ [الرحمن: ٤١]. وإذا كانت الآية تحتمل معنيين لا ينافي أحدهما الآخر، فالواجب الأخذ بالمعنيين جميعًا» (١). قوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَة﴾، يعني: ناصية أبي جهل كاذبة في مقالها، خاطئة في أفعالها. قوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه﴾، أي: أهل مجلسه وأصحابه ومن حوله ليعينوه على ما نزل به، وكان أبو جهل معظمًا في قريش، وله نادٍ يجتمع الناس إليه فيه ويتكلمون في شؤونهم، فهنا يقول الله : إن كان صادقًا فليدع ناديه، وهذا تحدٍّ له. روى الترمذي في سننه وابن جرير في تفسيره من حديث ابن عباس قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عِنْدَ الْمَقَامِ، فَمَرَّ بِهِ أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا؟ وَتَوَعَّدَهُ، فَأَغْلَظَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَانْتَهَرَهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، بِأَيِّ شَيْءٍ تُهَدِّدُنِي؟ أَمَا وَاللَّهِ، إِنِّي لَأَكْثَرُ أَهْلِ الْوَادِي نَادِيًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَة﴾، قال ابن عباس: لَو دَعَا نَادِيَهُ، أَخَذَتهُ زَبَانِيَةُ العَذَابِ مِن سَاعَتِهِ (٢). قوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَة﴾، يعني: عندنا من هم أعظم من نادي هذا الرجل وهم الزبانية ملائكة النار، وقد وصفهم الله بأنهم غلاظ شداد،

стр. 2240

فقال تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾ [التحريم: ٦]. وقيل: إنهم أعظم الملائكة خلقًا، وأشدهم بطشًا، والعرب تطلق هذا الاسم على من اشتد بطشه، قال الشاعر: مَطَاعِيْمُ فِي القَصْوَى مَطَاعِينُ فِي الوَغَى ... زَبَانِيَةٌ غُلْبٌ (١) عِظَامٌ حُلُومُهَا فسندع الزبانية حتى يعلم من يغلب: أحزبنا أم حزبه؟ وهذه حالة الناهي وما تُوعد به من العقوبة، وأما حالة المنهي فأمره الله أن لا يصغي إلى هذا الناهي ولا ينقاد لنهيه، فقال: ﴿كَلَاّ لَا تُطِعْهُ﴾، يعني: يا محمد لا تطعه فيما ينهاك عنه من المداومة على العبادة وكثرتها، وصلِّ حيث شئت ولا تباله، فإن الله حافظك وناصرك، وهو يعصمك من الناس. «قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾ منه في السجود وغيره من أنواع الطاعات، والقربات، فإنها كلها تدني من رضاه وتقرب منه، وهذا عام لكل ناه عن الخير ومنهي عنه، وإن كانت نازلة في شأن أبي جهل حين نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة وعبث به وآذاه» (٢). روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» (٣). وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أنه قال: سَجَدَ

стр. 2241

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي: ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّت﴾ وَ ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (١). هذه السورة (العلق) سورة عظيمة، ابتدأها الله تعالى بما مَنَّ به على رسوله ﷺ من الوحي، ثم اختتمها بالسجود والاقتراب من الله . وقد اشتملت هذه السورة على فوائد كثيرة، لعل الله ييسر بيانها في كلمة مستقلة، ومن أعظمها: اشتمالها على الأمور الثلاثة التي بمعرفتها يستقيم حال العبد في دنياه وأُخراه، وهي: ١ - مما خُلق. ٢ - لما خُلق. ٣ - إلى أين مصيره. نسأل الله تعالى أن يرزقنا القيام بطاعته، والقرب منه، وأن يجعلنا من أوليائه المتقين، وحزبه المفلحين، وعباده الصالحين، إنه على كل شيء قدير (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2242

الكلمة السابعة والعشرون: شرح حديث: «اعدد ستًا بين يدي الساعة» الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فقد روى البخاري في صحيحه من حديث عوف بن مالك ﵁ قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَقَالَ: «اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ مُوتَانٌ يَاخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِئَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا، ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ فَيَغْدِرُونَ، فَيَاتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا» (١) (٢). في هذا الحديث إخبار من النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق - عن حوادث تقع بعده، وقد وقع بعضها، وسيقع الباقي قطعًا وهي في هذا الحديث ستة أمور: أولها: موت النبي ﷺ ، وقد كان ذلك من أعظم المصائب التي ابتُلِيَ بها المسلمون، ولن يُبتَلَوا بمصيبة أعظم من وفاته. روى الترمذي في سننه من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ

стр. 2243

اليَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، فَلَمَّا كَانَ اليَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ؛ وَمَا نَفَضْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْأَيْدِي، وَإِنَّا لَفِي دَفْنِهِ، حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: قَالَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ، نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، فَقَالَا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ ! فَقَالَتْ: مَا أَبْكِي أَنْ لَا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ ، وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا (٢). وروى الدارمي في سننه من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ، فَلْيَذْكُرْ مُصَابَهُ بِي، فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ» (٣). ثانيها: فتح بيت المقدس، ففي عهد عمر بن الخطاب ﵁ تم فتح بيت المقدس سنة (١٦ هـ)، كما ذكر ذلك أئمة السير، فقد ذهب عمر بنفسه وصالح أهلها، وفتحها وطهرها من اليهود والنصارى، وبنى بها مسجدًا في قبلة بيت المقدس.

стр. 2244

ثالثها: موت يصيب الأمة كقُعاص (١) الغنم، قال ابن حجر: «يُقال إن هذه الآية ظهرت في طاعون عمواس (٢) في خلافة عمر، وكان ذلك بعد فتح بيت المقدس (٣)، ففي سنة (١٨ هـ) وقع طاعون عمواس في بلاد الشام فمات فيه خلق كثير من الصحابة ﵃، ومن غيرهم، قيل عدد من مات فيه خمسة وعشرون ألفًا من المسلمين» (٤). رابعها: استفاضة المال حتى يُعطى الرجل مئة دينار فيظل ساخطًا: وقد تحقق كثير مما أخبرنا به الصادق ﷺ فكثر المال في عهد الصحابة بسبب ما وقع من الفتوح، واقتسموا أموال الفرس» والروم، ثم فاض المال في عهد عمر بن عبد العزيز ﵀ فكان الرجل يعرض المال للصدقة فلا يجد من يقبله. ويكثر المال في آخر الزمان كما جاء في الحديث الآخر المخرج في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى يَعْرِضَهُ، فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ لَا أَرَبَ لِي بِهِ» (٥). قال ابن حجر ﵀: «وهذا إشارة إلى ما سيقع في زمن عيسى ابن

стр. 2245

مريم، فيكون في هذا الحديث إشارة إلى ثلاثة أحوال: الأولى: إلى كثرة المال فقط، وقد كان ذلك في زمن الصحابة. الحالة الثانية: الإشارة إلى فيضه من الكثرة بحيث أن يحصل استغناء كل أحد عن أخذ مال غيره، وكان ذلك في آخر عصر الصحابة وأول عصر من بعدهم، ومن ثم قيل: (يهم رب المال)، وذلك ينطبق على ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز. الحالة الثالثة: فيه الإشارة إلى فيضه وحصول الاستغناء لكل أحد، حتى يهتم صاحب المال بكونه لا يجد من يقبل صدقته، ويزداد بأنه يعرضه على غيره ولو كان ممن لا يستحق الصدقة، فيأبى أخذه فيقول: لا حاجة لي فيه، وهذا في زمن عيسى ﵇. ويحتمل أن يكون هذا الأخير عند خروج النار، واشتغال الناس بأمر الحشر، فلا يلتفت أحد حينئذ إلى المال، بل يقصد أن يتخفف ما استطاع» (١). خامسها: فتنة لا تدع بيتًا من العرب إلا دخلته، أما تخصيص العرب هنا فلأن الخطاب خطاب إخبار يخص المخاطبين، وليس خطاب أحكام يعم الأمة كلها، وعلى هذا أكثر أحاديث الفتن، إلا ما جاء النص بوقوعه خارج جزيرة العرب، وهذه الفتنة تقع قبل الملحمة الكبرى. سادسها: قوله ﷺ : «ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الأَصْفَرِ»، أما بنو الأصفر فهم الروم، والخطاب يخص المخاطبين وهم العرب، ولعل هذه الهدنة المذكورة هنا أنها الصلح المذكور في حديث ذي مخبر الآتي، وقد جاء تفصيلها وبيان القدر الذي يقع
следующие страницы →