رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي: ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّت﴾ وَ ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (١).
هذه السورة (العلق) سورة عظيمة، ابتدأها الله تعالى بما مَنَّ به على رسوله ﷺ من الوحي، ثم اختتمها بالسجود والاقتراب من الله .
وقد اشتملت هذه السورة على فوائد كثيرة، لعل الله ييسر بيانها في كلمة مستقلة، ومن أعظمها: اشتمالها على الأمور الثلاثة التي بمعرفتها يستقيم حال العبد في دنياه وأُخراه، وهي:
١ - مما خُلق.
٢ - لما خُلق.
٣ - إلى أين مصيره.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا القيام بطاعته، والقرب منه، وأن يجعلنا من أوليائه المتقين، وحزبه المفلحين، وعباده الصالحين، إنه على كل شيء قدير (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2242
الكلمة السابعة والعشرون: شرح حديث: «اعدد ستًا بين يدي الساعة»
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فقد روى البخاري في صحيحه من حديث عوف بن مالك ﵁ قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَقَالَ: «اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ مُوتَانٌ يَاخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِئَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا، ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ فَيَغْدِرُونَ، فَيَاتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا» (١)(٢).
في هذا الحديث إخبار من النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق - عن حوادث تقع بعده، وقد وقع بعضها، وسيقع الباقي قطعًا وهي في هذا الحديث ستة أمور:
أولها: موت النبي ﷺ ، وقد كان ذلك من أعظم المصائب التي ابتُلِيَ بها المسلمون، ولن يُبتَلَوا بمصيبة أعظم من وفاته. روى الترمذي في سننه من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ
стр. 2243
اليَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، فَلَمَّا كَانَ اليَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ؛ وَمَا نَفَضْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْأَيْدِي، وَإِنَّا لَفِي دَفْنِهِ، حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: قَالَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ، نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، فَقَالَا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ ! فَقَالَتْ: مَا أَبْكِي أَنْ لَا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ ، وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا (٢).
وروى الدارمي في سننه من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ، فَلْيَذْكُرْ مُصَابَهُ بِي، فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ» (٣).
ثانيها: فتح بيت المقدس، ففي عهد عمر بن الخطاب ﵁ تم فتح بيت المقدس سنة (١٦ هـ)، كما ذكر ذلك أئمة السير، فقد ذهب عمر بنفسه وصالح أهلها، وفتحها وطهرها من اليهود والنصارى، وبنى بها مسجدًا في قبلة بيت المقدس.
стр. 2244
ثالثها: موت يصيب الأمة كقُعاص (١) الغنم، قال ابن حجر: «يُقال إن هذه الآية ظهرت في طاعون عمواس (٢) في خلافة عمر، وكان ذلك بعد فتح بيت المقدس (٣)، ففي سنة (١٨ هـ) وقع طاعون عمواس في بلاد الشام فمات فيه خلق كثير من الصحابة ﵃، ومن غيرهم، قيل عدد من مات فيه خمسة وعشرون ألفًا من المسلمين» (٤).
رابعها: استفاضة المال حتى يُعطى الرجل مئة دينار فيظل ساخطًا: وقد تحقق كثير مما أخبرنا به الصادق ﷺ فكثر المال في عهد الصحابة بسبب ما وقع من الفتوح، واقتسموا أموال الفرس» والروم، ثم فاض المال في عهد عمر بن عبد العزيز ﵀ فكان الرجل يعرض المال للصدقة فلا يجد من يقبله.
ويكثر المال في آخر الزمان كما جاء في الحديث الآخر المخرج في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى يَعْرِضَهُ، فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ لَا أَرَبَ لِي بِهِ» (٥).
قال ابن حجر ﵀: «وهذا إشارة إلى ما سيقع في زمن عيسى ابن
стр. 2245
مريم، فيكون في هذا الحديث إشارة إلى ثلاثة أحوال: الأولى: إلى كثرة المال فقط، وقد كان ذلك في زمن الصحابة. الحالة الثانية: الإشارة إلى فيضه من الكثرة بحيث أن يحصل استغناء كل أحد عن أخذ مال غيره، وكان ذلك في آخر عصر الصحابة وأول عصر من بعدهم، ومن ثم قيل: (يهم رب المال)، وذلك ينطبق على ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز. الحالة الثالثة: فيه الإشارة إلى فيضه وحصول الاستغناء لكل أحد، حتى يهتم صاحب المال بكونه لا يجد من يقبل صدقته، ويزداد بأنه يعرضه على غيره ولو كان ممن لا يستحق الصدقة، فيأبى أخذه فيقول: لا حاجة لي فيه، وهذا في زمن عيسى ﵇. ويحتمل أن يكون هذا الأخير عند خروج النار، واشتغال الناس بأمر الحشر، فلا يلتفت أحد حينئذ إلى المال، بل يقصد أن يتخفف ما استطاع» (١).
خامسها: فتنة لا تدع بيتًا من العرب إلا دخلته، أما تخصيص العرب هنا فلأن الخطاب خطاب إخبار يخص المخاطبين، وليس خطاب أحكام يعم الأمة كلها، وعلى هذا أكثر أحاديث الفتن، إلا ما جاء النص بوقوعه خارج جزيرة العرب، وهذه الفتنة تقع قبل الملحمة الكبرى.
سادسها: قوله ﷺ : «ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الأَصْفَرِ»، أما بنو الأصفر فهم الروم، والخطاب يخص المخاطبين وهم العرب، ولعل هذه الهدنة المذكورة هنا أنها الصلح المذكور في حديث ذي مخبر الآتي، وقد جاء تفصيلها وبيان القدر الذي يقع
стр. 2246
بعدها، وما يتبع ذلك من قيام الملحمة الكبرى في جملة أحاديث أجملها هنا على وجه التقريب، فأقول وبالله أستعين، والعلم كله لديه: يصالح العرب المسلمون الروم، ثم ينشأ عدوًا مشتركًا بينهما فيجتمع الطرفان على قتاله فينتصرون عليه، وفي نشوة النصر يقوم قائم من الروم ويرفع راية الصليب زاعمًا أن انتصارهم به، فينتبه بعض المسلمين الذين كانوا يقاتلون، ويغضب من هذه الدعوى الشركية فيكسر الصليب، ويعلن أن النصر من الله وحده، فيقوم النصارى إلى كاسر الصليب فيقتلونه، فتقع بعد ذلك مناوشة بين النصارى والفرق المسلمة القريبة منهم، فيقتلهم النصارى، وحينئذ يقع الخلاف بين العرب المسلمين والنصارى، فيذهب النصارى فيجتمعون في الأعماق، وهو سهل فسيح يقع بالقرب من حلب، وفي أثناء استعداد الروم لجمع ذلك الجيش يقوم خليفة صالح للمسلمين ولعله المهدي لإعداد جيش قوامه سبعون ألف هم خير جيش على وجه الأرض، ويخرج ذلك الجيش من المدينة النبوية فيصطدم بجيش الروم، وبعد قتال عظيم وعمليات فدائية ينتصر عليهم، فيسير ذلك الخليفة بجيشه المنتصر حتى يفتح القسطنطينية، وروما التي تسمى اليوم الفاتيكان، بعد ذلك يُشاع فيهم أن الدجال خلفكم، فيعودون إلى دمشق معقل الإسلام، فبينما هم محصورون إذ جاءهم الفرج بنزول عيسى ابن مريم ﵇ عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، فيأتي المسلمين المجاهدين فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، ويصلي معهم خلف
стр. 2247
إمامهم، وبعدها ينطلق ﵇ لقتل الدجال فيدركه وقد هرب منه إلى باب لد (١)،
فيقتله هناك ويقتل المسلمون أتباعه اليهود ويعينهم الحجر، والشجر حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، وإليك الأحاديث فتأمل:
١ - روى أبو داود في سننه من حديث جبير بن نفير عن الهدنة قال: قَالَ جُبَيْرٌ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى ذِي مِخْبَرٍ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَتَيْنَاهُ فَسَأَلَهُ جُبَيْرٌ عَنِ الْهُدْنَةِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «سَتُصَالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا، فَتَغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوًّا مِنْ وَرَاءِكُمْ، فَتُنْصَرُونَ وَتَغْنَمُونَ وَتَسْلَمُونَ ثُمَّ تَرْجِعُونَ، حَتَّى تَنْزِلُوا بِمَرْجٍ ذِي تُلُولٍ (٢)؛ فَيَرْفَعُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ الصَّلِيبَ، فَيَقُولُ: غَلَبَ الصَّلِيبُ فَيَغْضَبُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَدُقُّهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَغْدِرُ الرُّومُ وَتَجْمَعُ لِلْمَلْحَمَةِ» (٣).
٢ - روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عمرو بن
стр. 2248
العاص ﵁: أن النبي ﷺ قال: «تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ» (١).
٣ - روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ أَوْ بِدَابِقٍ (٢)، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنْ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، فَإِذَا تَصَافُّوا، قَالَتْ الرُّومُ: خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ، فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لَا وَاللَّهِ لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا، فَيُقَاتِلُوهُمْ، فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ، وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا، فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ؛ فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ، قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ، إِذْ صَاحَ فِيهِمُ الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ، فَيَخْرُجُونَ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِذَا جَاؤُوا الشَّامَ خَرَجَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ، يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ، إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ فَأَمَّهُمْ، فَإِذَا رَأَىهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، فَلَوْ تَرَكَهُ لَانْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ، وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبَتِهِ» (٣).
٤ - روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁
أَوْ أَيُّ مِيرَاثٍ يُقَاسَمُ؟ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ سَمِعُوا بِبَاسٍ هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَجَاءَهُمُ الصَّرِيخُ: إِنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَلَفَهُمْ فِي ذَرَارِيِّهِمْ، فَيَرْفُضُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَيُقْبِلُونَ، فَيَبْعَثُونَ عَشَرَةَ فَوَارِسَ طَلِيعَةً، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنِّي لَأَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ، وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ، وَأَلْوَانَ خُيُولِهِمْ، هُمْ خَيْرُ فَوَارِسَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، أَوْ مِنْ خَيْرِ فَوَارِسَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ» (١).
قال ابن المنير: «أما قصة الروم فلم تجتمع إلى الآن، ولا بلغنا أنهم غزوا في البر في هذا العدد، فهي من الأمور التي لم تقع بعد، وفيه بشارة ونذارة، وذلك أنه دلَّ على أن العاقبة للمؤمنين مع كثرة ذلك الجيش، وفيه إشارة إلى أن عدد جيوش المسلمين سيكون أضعاف ما هو عليه» (٢). قال المهلب: «وفيه أن الغدر من أشراط الساعة» (٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2251
الكلمة الثامنة والعشرون: الإمامة: حقوق وواجبات
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]. قال ابن عباس والحسن وغيرهم: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ أئمة يُقتدى بنا في الخير (١).
وقال تعالى عن خليل الله إبراهيم ﵇: فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾ [البقرة: ١٢٤]، أي: جعلناك للناس إمامًا يأتمون بك في هذه الخصال، ويقتدي بك الصالحون (٢).
والإمامة وظيفة الأنبياء والرسل، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُون﴾ [السجدة: ٢٤]. والحديث في هذه الكلمة سيكون عن الإمامة الصغرى، وهي إمامة الناس في الصلاة، فلا شك أن الإمامة لها واجبات، وحقوق، وصفات، فإمامة الناس في الصلاة مرتبة عالية، وشرف عظيم.
وقد وردت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة بفضلها
стр. 2252
ومكانتها، فمن ذلك: ما رواه أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «الإمَامُ ضَامِنٌ، وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، الْلهُمَّ أرْشِدِ الأَئِمَةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» (١).
وقد ذكر الفقهاء ﵏ أن للإمام صفات لا بد من توفرها، فمن ذلك: أن يكون رجلًا عدلًا، فقيهًا، سليم اللفظ من نقص أو لتغ، فإن كان صبيًا، أو عبدًا، أو فاسقًا، صحت إمامته، وقد أمر رسول الله ﷺ عمرو بن سلمة أن يصلي بقومه، وكان صغيرًا، لأنه كان أقرأهم (٢).
ولا يجوز أن يكون الإمام امرأة، ولا خنثى، ولا أخرس، ولا ألتغ، وأقل ما على الإمام من القراءة، والفقه، أن يكون حافظًا لأم القرآن - الفاتحة - وما تيسر من القرآن، عالمًا بأحكام الصلاة لأنه القدر المستحق فيها، وأولى الجماعة بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله تعالى، ثم أفقههم في دين الله، ثم الأكثر تقوى، ثم الأكبر سنًا لقوله ﷺ : «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ (٣) لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا» (٤). وفي رواية: مكان «سِلْمًا»، «سِنًّا» (٥).
ما لم يكن الرجل سلطانًا أو صاحب منزل، فيكون أولى
стр. 2253
من غيره بالإمامة لقوله ﷺ : «لَا تَؤُمَّنَّ الرَّجُلَ فِي أَهْلِهِ، وَلَا فِي سُلْطَانِهِ» (١).
«ومن الصفات التي يستحب توفرها في الإمام، ولا سيَّما إن كان هو الخطيب: أن يكون عالمًا بالعقائد الصحيحة وأمور الإيمان حتى لا يزيغ ويضلل الناس، وعلى علم ومعرفة بالأحكام الفقهية كي يصحح العبادات، ويجيب عن أسئلة المأمومين، عارفًا باللغة العربية كي يؤلف الكلام البليغ والموعظة الحسنة، وأن يكون نبيهًا فطنًا، وجيهًا، تهابه القلوب، وتجله العيون، صالحًا، تقيًا، مهذبًا، ورعًا، قنوعًا، زاهدًا، غير مجاهر بمعصية، يفعل ما يقول، فذلك أدعى إلى قبول الموعظة منه والإرشاد» (٢)؛ وألَّا يأخذَ أجرًا على إمامته، ولا يقصد به الرزق الذي يؤخذ من بيت المال، ويحسن إلى جماعة مسجده قدر المستطاع، ويتفقد أحوالهم، ويجتهد في التأليف بينهم.
ومن واجبات الإمام ومسؤولياته: أن يتحرى إتمام الصلاة وعدم إنقاص شيء منها. روى ابن ماجه في سننه من حديث عقبة بن عامر: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَمَّ النَّاسَ فَأَصَابَ، فَالصَّلَاةُ لَهُ وَلَهُمْ، وَمَنِ انْتَقَصَ مِنْ ذاَلِكَ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهِمْ» (٣).
وليحرص أن تكون صلاته مثل صلاة النبي ﷺ ، فقد كان أخف الناس صلاة في تمام. روى البخاري ومسلم من حديث أنس ﵁
стр. 2254
قال: «مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ، أَخَفَّ صَلَاةً، وَلَا أَتَمَّ صَلَاةً، مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (١).
فلا يطيل الصلاة فيتجاوز بذلك صلاة النبي ﷺ ، ولا يجعلها كنقر الديك، بل يطمئن في صلاته ويعتدل فيها، ويرتل القرآن ترتيلًا حسنًا، ويقف على رؤوس الآي فلا يصلها بما بعدها، ويحسن صوته بالقرآن، ولا يتقعر، ولا يجعله غناء، أو يتكلف في قراءته؛ ويحرص على التنويع في قراءته فلا يقتصر على سور معينة، بل كلما حرص على أسماعهم أكبر عدد من السور فهو أفضل، مستدلًّا بقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيد﴾ [ق: ٤٥].
ومنها: أن يحرص على إقامة الصفوف وتسويتها، كما كان نبينا محمد ﷺ يفعل ذلك. ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك: أن النبي ﷺ قال: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِ مِنْ تَمامِ الصَّلَاةِ» (٢).
وروى أبو داود في سننه من حديث النعمان بن بشير ﵁ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا إِذَا قُمْنَا لِلصَّلَاةِ، فَإِذَا اسْتَوَيْنَا كَبَّرَ» (٣).
ومنها: تعليم الناس العلم الشرعي وخصوصًا التوحيد والإسلام والإيمان، وأمور الدين العظام كالولاء والبراء، ونواقض الإسلام،
стр. 2255
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك أمور العبادة كأحكام الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وما يحتاجونه في معاملاتهم، ونكاحهم، كما عليه الحرص على حِلق تحفيظ القرآن الكريم والرقي بها إلى أفضل حال .. وغيرها، فإن حاجة الناس إلى العلم الشرعي أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب. روى البخاري في صحيحه من حديث عثمان ﵁: أن النبي ﷺ قال: «خَيرُكُم مَن تَعَلَّمَ القُرآنَ وَعَلَّمَهُ» (١).
ومنها: تفقد الفقراء، والمرضى، والمتهاونين بالصلاة، وخاصة صلاة الفجر، ومساعدة من يحتاج منهم إلى زيارة، أو نصح، فإن لذلك الأثر الكبير في قلوبهم. وفي الحديث: «لَأَن يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» (٢).
ومنها: الحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتطهير الحي من المنكرات الظاهرة، والتعاون مع جماعة المسجد على ذلك.
ومنها: الحرص على استضافة العلماء والدعاة لإلقاء الدروس والمحاضرات، والكلمات، ففي ذلك إحياء للمساجد، وتذكير وتعليم للمصلين، وهو من أعظم أنواع عمارته، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَاّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِين﴾ [التوبة: ١٨].
ومنها: المواظبة على الإمامة في الصلوات كلها، وعدم توكيل
стр. 2256
الغير إلا عند الحاجة إلى ذلك، وإذا احتاج إلى التوكيل فلا يوكل إلا من كان أهلًا لذلك، وعليه مراعاة أحوال الناس؛ فإن بكر إلى الصلاة واجتمعوا، بادر بالصلاة، وإلا انتظر.
سُئلت اللجنة الدائمة، يقول السائل: إننا أئمة ومؤذنو مساجد تهامة قحطان، نبتعد عن المساجد التي نقوم بها لصعوبة أرضنا، ولبعد إسكاننا عن المساجد، وإذا تركنا القيام بها فلا يوجد من يقوم بها غيرنا، فنسأل عن المكافأة التي نحصل عليها ونحن لا نواظب عليها كل فرض، هل علينا فيها إثم أم لا؟ آمل من الله ثم منكم إفتاءنا.
الجواب: «لا يجوز للإنسان أن يتولى الأذان، أو الإمامة، أو غيرهما من شؤون المساجد، أو أي عمل آخر وهو لا يقوم بالعمل، ولا يحل له الراتب الذي يدفع في مقابل ذلك، وعليه أن يترك العمل لمن يقوم به على الوجه المطلوب. وبالله التوفيق» (١).
ومنها: العناية بالمسجد، وما يحتاجه من صيانة ونظافة، وما أشبه ذلك، وأن يتعاون الإمام والمؤذن في خدمة بيت الله.
وأما حقوق الإمام فإن مكانته كبيرة، وحقوقه كثيرة، إذا كان مؤديًا لواجباته، ولذلك ينبغي احترامه وتقديره، وإعانته على تحمل أمانة المسجد ومسؤولياته، وكذلك استشارته بما يحصل في الحي من أحداث وطرق علاجها، ونصحه عند تقصيره في واجبات الإمامة لقول النبي ﷺ : «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قُلْنَا: لِمَنْ؟
стр. 2257
قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ» (١). ويكون ذلك بالرفق وسرًّا. روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الرِّفقَ لَا يَكُونُ فِي شَيءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِن شَيءٍ إِلَّا شَانَهُ» (٢). قال الشافعي ﵀:
تَعَمَّدْنِي بِنُصْحِكَ فِي انْفِرَادِي وَجَنِّبْنِي النَّصِيحَةَ فِي الجَمَاعَهْ
فَإِنَّ النُّصْحَ بَينَ النَّاسِ نَوْعٌ مِنَ التَّوْبِيخَ لَا أَرْضَى اسْتِمَاعَهْ
وَإِنْ خَالَفْتَنِي وَعَصَيتَ قَولِي فَلَا تَجْزَعْ إِذَا لَم تُعْطَ طَاعَهْ
وينبغي إحسان الظن به، وعدم تتبع زلاته وعثراته، أو غيبته في المجالس، بل إن ذكر فيذكر بخير ويُدعى له، قال الشاعر:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلًا أن تعد معايبه
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2258
الكلمة التاسعة والعشرون: العزلة والاختلاط
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فقد وردت النصوص من الكتاب والسنة تحث على مخالطة الناس لتعليمهم الخير ودعوتهم إليه، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، والصبر عليهم، كما وردت النصوص تحث على اعتزالهم، وترك مخالطتهم.
ولذا اختلف العلماء أيهما أفضل: العزلة أم الاختلاط؟
استدل أصحاب القول الأول بما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عِندَمَا سُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ خَيرٌ؟ قَالَ: «رَجُلٌ جَاهَدَ بِنَفسِهِ وَمَالِهِ، وَرَجُلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ، يَعْبُدُ رَبَّهُ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ» (١).
وبما رواه الترمذي في سننه من حديث عقبة بن عامر قال: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَليَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيْئَتِكَ» (٢).
стр. 2259
وبالحديث الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث حذيفة بن اليمان: أن النبي ﷺ قال له في آخر الحديث: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ، حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ، وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ» (١).
وبما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ المُسْلِم غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ» (٢).
وقال عمر: خذوا بحظكم من العزلة. وقال سعد بن أبي وقاص: لوددت أن بيني وبين الناس بابًا من حديد، لا يكلمني أحد ولا أكلمه، حتى ألقى الله سبحانه (٣) .. وغيرها من الأدلة.
واستدل أصحاب القول الثاني بقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧]. فقد كان ﵊ يخالط الناس في أسواقهم، ويأمرهم، وينهاهم، ويأكل معهم، كما قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَاّ إِنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠].
روى الترمذي وابن ماجه في سننهما من حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعظَمُ أَجرًا مِنَ المُؤمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُمْ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى
стр. 2260
أَذَاهُمْ» (١). كما استدلوا بما أوجبه الله على المسلمين من حضور الجمع والجماعات، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، وإجابة دعوتهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، ولا يتحقق ذلك إلا بمخالطتهم والصواب هو التفصيل في ذلك: فمن آتاه الله العلم والقوة، واستطاع القيام بحق المخالطة من تعليم العلم، والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع السلامة من الفتن، فالاختلاط في حق هذا أفضل؛ ومن لم يكن قادرًا على ذلك ويخشى الفتنة في دينه، فالعزلة في حقه أولى، والأول أفضل من الثاني كما جاء النص بذلك في الحديث المتقدم أنه ﷺ قال: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعظَمُ أَجرًا مِنَ المُؤمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُمْ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ». ولي هنا تنبيهان:
الأول: أن بعضًا ممن ينتسب إلى الدعوة ويزعم أنه من أهلها، يخالطون الناس ويسايرونهم على ما هم عليه، بل يداهنونهم ويسمونها مجاملة، أو سياسة الدعوة، ويستدلون على ذلك بهذا الحديث؛ والحديث نص في الرد عليهم، فإن فيه تعرضهم للأذى، ولا يكون ذلك إلا بسبب الأمر والنهي والصدع بالحق، وتحقيق الولاء والبراء، ولذا أُمروا بالصبر على ذلك؛ أما هؤلاء المخالطون فإن حقيقة أمرهم سياسة معايشهم والحفاظ على وجاهتهم، والابتعاد عن مواطن الأذى في ذات الله، ولو كان ذلك على حساب دينهم، ودعوة إبراهيم ﵇
стр. 2261
الذي هو قدوة نبينا محمد ﷺ وقدوتنا، غير ما يذهب إليه هؤلاء، فإن دعوته مبنية على أمرين: الأول: تحقيق التوحيد والشهادة لله بالوحدانية المطلقة، مع التعظيم والإجلال والمحبة له جلا وعلا، والكفر بكل ما يعبد من دونه. الأمر الثاني: تحقيق الموالاة والمعاداة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُون * إِلَاّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِين * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨].
وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].
ولم تكن دعوة النبي ﷺ غايتها جمع الناس على حق أو باطل، بل كان ﷺ فرق بين الناس، وهذا ما فهمه أصحاب النبي ﷺ وعملوا به، فعندما جاء الأنصار لمبايعته في العقبة، قال لهم أسعد بن زرارة: يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم (١) جبينة، فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله، فقالوا له: أمط عنا يدك يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة أبدًا، ولا نسليها (٢) أبدًا (٣).
стр. 2262
وقد جاء في حديث الشفاعة: أن المؤمنين يقولون لربهم يوم القيامة: «يَا رَبَّنَا! فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا، أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ» (١).
التنبيه الثاني: قد يضطر المسلم الحريص على سلامة دينه إلى حال وسط بين الاختلاط المطلق والعزلة التامة، فيقتصر من الشرائع على فرائضها كحضور الجمع والجماعات، ومن الأحوال على الضروري منها، كتحصيل القوت لنفسه ومن يلزمه؛ ثم اعلموا أيها الدعاة إلى الله! أن الاختلاف بينكم ليس في نشر الخير بين عامة الناس، وتحذيرهم من الشر، وإنما الخلاف في بيان الموقف الحق من أصحاب الشوكة والنفوذ، الذين يقفون في طريق الدعوة ويحاربون الحق وأهله، ويسلكون في ذلك طرق التلبيس والنفاق، تارة بالإغراء والترغيب، وتارات بالقوة والتهديد.
ثم اعلموا أن الغاية من دعوة النبي ﷺ أمران: أحدهما: إقامة دولة الإسلام، وثانيهما: بيان الحق للناس كافة، وقد تحقق ذلك له ﷺ ولأصحابه على أكمل الوجوه وأتمها، ويزيد آخر الزمان أمر ثالث، وهو طلب النجاة من الفتن، وتفصيل كل ما تقدم له مكان آخر، وإلى بيان بعض فوائد العزلة والاختلاط:
«الفائدة الأولى: الفراغ للعبادة، والاستئناس بمناجاة الله سبحانه، فإن ذلك يستدعي فراغًا ولا فراغ مع المخالطة، فالعزلة وسيلة إلى ذلك.
стр. 2263
الفائدة الثانية: التخلص بالعزلة عن المعاصي التي يتعرض لها الإنسان غالبًا بالمخالطة وهي أربعة:
١ - الغيبة: فإن عادة الناس الخوض بالأعراض والتفكه بها، فإن خالطتهم ووافقتهم أثمت وتعرضت لسخط الله تعالى، وإن سكتَّ كنت شريكًا في الإثم.
٢ - ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن من خالط الناس لم يَخلُ عن مشاهدة المنكرات، فإن سكت عصى الله، وإن أنكر تعرض لأنواع من الضرر، وفي العزلة سلامة من هذا.
٣ - الرياء: وهو الداء العضال الذي يعسر الأضرار منه، وأول ما في مخالطة الناس إظهار التشوق إليهم، ولا يخلو ذلك عن الكذب، إما في الأصل، وإما في الزيادة. وقد كان السلف يحترزون في جواب قول السائل: كيف أصبحت؟ وكيف أمسيت؟ كما قال بعضهم، وقد قيل له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحنا ضعفاء مذنبين، نأكل أرزاقنا، وننتظر آجالنا.
واعلم أنه إذا كان سؤال السائل لأخيه: كيف أصبحت؟ لا يبعثه عليه شفقة ولا محبة، كان تكلفًا ورياء، وربما سأله وفي القلب ضغن وحقد يورث أن يعلم فساد حاله، وفي العزلة الخلاص عن هذا؛ لأنه من لقي الخلق ولم يخالقهم بأخلاقهم، مقتوه واستثقلوه واغتابوه، ويذهب دينهم فيه، ويذهب دينه ودنياه في الانتقام منهم.
٤ - مسارقة الطبع من أخلاقهم الرديئة، وهو داء دفين قلما ينتبه له العقلاء فضلًا عن الغافلين، وذلك أنه قَلَّ أن يجالس الإنسان
стр. 2264
فاسقًا مرة، مع كونه منكرًا عليه في باطنه، إلا ولو قاس نفسه إلى ما قبل مجالسته، لوجد فرقًا في النفور عن الفساد، لأن الفساد يصير بكثرة المباشرة هينًا على الطبع، ويسقط وقعه واستعظامه.
الفائدة الثالثة: الخلاص من الفتن والخصومات، وصيانة الدين عن الخوض فيها، فإنه قلما تخلو البلاد من العصبية، والخصومات، والمعتزل عنهم سليم. روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عمرو ﵁: أن النبي ﷺ ذكر الفتن ووصفها وقال: «إذَا رَأَيْتُمُ النَّاسَ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ (١)، وَخَفَّتْ أمانَاتُهُمْ، وَكَانُوا هَكَذَا»، وَشَبَّكَ بَينَ أَصَابِعِهِ، فَقُلتُ: مَا تَأمُرُنِي؟ فَقَالَ: «الْزَمْ بَيْتَكَ، وَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ بِمَا تَعْرِفُ، وَدَعْ مَا تُنكِرُ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ» (٢).
الفائدة الرابعة: الخلاص من شر الناس، فإنهم يؤذونك مرة بالغيبة، ومرة بالنميمة، ومرة بسوء الظن، ومرة بالأطماع الكاذبة، ومن خالط الناس لم ينفك من حاسد، وعدو، وغير ذلك من أنواع الشر التي يلقاها الإنسان من معارفه، وفي العزلة خلاص من ذلك، كما قال بعضهم:
عَدُوُّكَ مِن صَدِيقِكَ مُسْتَفَادُ ... فَلَا تسْتَكْثِرَنَّ مِنَ الصِّحَابِ
فَإِنَّ الدَّاءَ أَكثَرُ مَا تَرَاهُ ... يَكُونُ مِنَ الطَّعَامِ أَوِ الشَّرَابِ
وقال عمر ﵁: في العزلة راحة من خلطاء السوء. وقال رجل
стр. 2265
لأخيه: أصحبك إلى الحج، فقال: دعنا نعيش في ستر الله، فإنا نخاف أن يرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه. وهذه فائدة أخرى في العزلة، وهي بقاء الستر على الدين والمروءة، وسائر العورات.
الفائدة الخامسة: أن ينقطع طمع الناس عنك، وطمعك عنهم، أما طمعهم، فإن رضاهم غاية لا تدرك، فالمنقطع عنهم قاطع لطمعهم في حضور ولائمهم وإملاكاتهم. وأما انقطاع الطمع، فإن من نظر إلى زهرة الدنيا تحرك حرصه، وانبعث بقوة الحرص طمعه، ولا يرى إلا الخيبة في أكثر المطامع فيتأذى. قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]. وفي الحديث: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ» (١).
الفائدة السادسة: الخلاص من مشاهدة الثقلاء الحمقى، ومقاساة أخلاقهم، وإذا تأذى الإنسان بالثقلاء، لم يلبث أن يغتابهم، فإن آذوه بالقدح فيه كافأهم، فانجر الأمر إلى فساد الدين، وفي العزلة سلامة من ذلك.
أما فوائد المخالطة:
الفائدة الأولى: التعلم والتعليم، وهو من أعظم الأعمال والقربات، فإن حاجة الناس إلى العلم الشرعي، أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب. وفي الحديث: «إِنَّ اللَّه وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرَضِين، حَتَّى النَّمْلَةُ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتُ،
стр. 2266
لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ» (١).
الفائدة الثانية: النفع والانتفاع، أما الانتفاع بالناس فبالكسب والمعاملة، والمحتاج إلى ذلك مضطر إلى ترك العزلة، وأما النفع فهو أن ينفع الناس إما بماله، أو ببدنه لقضاء حوائجهم، ومن قدر على ذلك فهو أفضل من العزلة.
الفائدة الثالثة: التأديب والتأدب، والمراد الارتياض بمقاساة الناس، والمجاهدة في تحمل أذاهم وكسر النفس، وقهر الشهوة؛ وذلك أفضل من العزلة في حق من لم تتهذب أخلاقه، وأما التأديب فهو أن يؤدب غيره.
الفائدة الرابعة: الاستئناس والإيناس، وقد يكون مستحبًّا كالاستئناس بأهل التقوى، وقد يقصد به ترويح القلوب من كرب الوحدة، وليحرص أن يكون حديثه عند اللقاء في أمور الدين.
الفائدة الخامسة: في نيل الثواب وإنالته، أما الأول: فبحضور الجنائز، وعيادة المرضى، وحضور الزواجات والدعوات، ففيها ثواب من جهة إدخال السرور على المؤمن. أما الثاني: فهو أن يفتح بابه للناس ليعزوه، أو يهنئوه، أو يعودوه، فإنهم بذلك ينالون ثوابًا.
الفائدة السادسة: التواضع، ولا يقدر على ذلك في الوحدة، فقد يكون الكبر سببًا في اختياره العزلة، ويمنعه في المحافل
стр. 2267
التقصير في إكرامه وتقديمه، وربما ترفع عن مخالطتهم لارتفاع محله عند نفسه، أو نحو ذلك» (١).
فائدة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فهذه المسألة وإن كان الناس يتنازعون فيها؟ إما نزاعًا كليًا، وإما حاليًا، فحقيقة الأمر أن الخلطة تارة تكون واجبة، أو مستحبة، والشخص الواحد قد يكون مأمورًا بالمخالطة تارة، وبالانفراد تارة وجماع ذلك: أن المخالطة إن كان فيها تعاون على البر والتقوى فهي مأمور بها، وإن كان فيها تعاون على الإثم والعدوان فهي منهي عنها، فالاختلاط بالمسلمين في جنس العبادات كالصلوات الخمس، والجمعة، والعيدين، وصلاة الكسوف، والاستقساء، ونحو ذلك هو مما أمر الله به ورسوله.
وكذلك الاختلاط بهم في الحج، وفي غزو الكفار، والخوارج المارقين، وإن كان أئمة ذلك فجارًا، وإن كان في تلك الجماعات فجار، وكذلك الاجتماع الذي يزداد العبد به إيمانًا إما لانتفاعه به، وإما لنفعه له ونحو ذلك.
ولا بد للعبد من أوقات ينفرد بها بنفسه في دعائه، وذكره، وصلاته، وتفكره ومحاسبة نفسه، وإصلاح قلبه، وما يختص به من الأمور التي لا يشركه فيها غيره، فهذا يحتاج فيها إلى انفراد بنفسه، إما في بيته، كما قال طاووس: نعم صومعة الرجل بيته، يكف فيها بصره، ولسانه، وإما في غير بيته.
стр. 2268
فاختيار المخالطة مطلقًا خطأ، واختيار الانفراد مطلقًا خطأ، وأما مقدار ما يحتاج إليه كل إنسان من هذا، وهذا وما هو الأصلح له في كل حال، فهذا يحتاج إلى نظر خاص» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2269
الكلمة الثلاثون: صلاة الاستسقاء
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فإنه لا حياة للعالم على وجه الأرض إلا بالماء، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وبدونه هلاك العالم، وانعدام الحياة، وطلبه من الله تعالى القادر على منحه ومنعه هو الاستسقاء، وكما أن في منعه ونقصه هلاكهم، فكذلك في زيادته، والله هو الذي يقدره لمصالح عباده، قال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧]. وقد شرع الاستسقاء لهذا ولهذا، وهو سنة الماضين واللاحقين، فالقلوب السليمة، والفطرة المستقيمة، تعلم أنه لا غنى لها عن الله، تستغيث به، فيغيثها، ويكشف ضرها، قال تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٠].
«وشرع النبي ﷺ لأمته الاستسقاء عند حصول الجدب، وتأخر نزول المطر عن وقته، واستسقى النبي ﷺ على وجوه متعددة.
الوجه الأول: يوم الجمعة على المنبر في أثناء خطبته، وقال: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَسْقِنَا، اللَّهُمَّ أَسْقِنَا» (١).
الوجه الثالث: أنه ﷺ استسقى على منبر المدينة استسقاء مجردًا في غير يوم جمعة، ولم يحفظ عنه ﷺ في هذا الاستسقاء صلاة (١).
الوجه الرابع: أنه ﷺ استسقى وهو جالس في المسجد فرفع يديه ودعا الله ، وحفظ من دعائه حينئذ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيئًا مَرِيعًا (٢)، نَافِعًا غَيرَ ضَارٍّ، عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ»، قَالَ: فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ (٣).
الوجه الخامس: أنه ﷺ استسقى عند أحجار الزيت قريبًا من الزوراء (٤)، وهي خارج باب المسجد الذي يدعى اليوم باب السلام نحو قذفة حجر ينعطف عن يمين الخارج من المسجد (٥).
الوجه السادس: أنه ﷺ استسقى في بعض غزواته لما سبقه المشركون إلى الماء، فأصاب المسلمين العطش فشكوا إلى رسول الله ﷺ ، وقال بعض المنافقين: لو كان نبيًا لاستسقى لقومه كما استسقى موسى لقومه، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «أَوْ قَدْ
стр. 2272
قَالُوهَا؟ عَسَىَ رَبَّكُمْ أَنْ يُسْقِيكُمْ» ثم بسط يديه ودعا فما رد يديه من دعائه حتى أظلهم السحاب، وأُمطروا، فأفعم السيل الوادي فشرب الناس فارتووا، وحفظ من دعائه في الاستسقاء: «اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهَائِمَكَ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وَأَحْيِ بَلَدَكَ الْمَيِّتَ» (١).
ولما كثر المطر سألوه الاستصحاء؟ فاستصحى لهم، وقال: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ (٢) وَالجِبَالِ وَالظِّرَابِ (٣)، وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ (٤)» (٥).
وصفة صلاة الاستسقاء الوارد ذكرها في الوجه الثاني، كصلاة العيد في عدد الركعات، والجهر بالقراءة، وفي التكبيرات الزوائد في الركعة الأولى، والثانية قبل القراءة، ومن غير أذان ولا إقامة البتة. روى الترمذي في سننه من حديث ابن عباس ﵄ قال: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مُبْتَذِلًا مُتَوَاضِعًا، مُتَضَرِّعًا، حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى، فَلَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيرِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدَيْنِ» (٦).
قال ابن قدامة: «وإذا أراد الإمام الخروج لصلاة الاستسقاء فإنه
стр. 2273
ينبغي أن يتقدم ذلك تذكير الناس بما يلين قلوبهم من ذكر ثواب الله وعقابه، ويأمرهم بالتوبة من المعاصي، والخروج من المظالم، والصيام، والصدقة، وترك التشاحن، لأن المعاصي سبب لمنع القطر من السماء، وانقطاع البركات، والتوبة، والاستغفار، والطاعة سبب لإجابة الدعاء، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون﴾ [الأعراف: ٩٦]. ويأمرهم بالصدقة على الفقراء، والمساكين، لأن ذلك سبب للرحمة ثم يعين لهم يومًا يخرجون فيه ليتهيؤوا ويستعدوا لهذه المناسبة، ثم يخرجون إلى المصلى.
وينبغي ألَّا يتأخر أحد من المسلمين يستطيع الخروج، حتى الصبيان والنساء اللاتي لا تُخشى الفتنة بخروجهن، ولا يستحب إخراج البهائم، لأن النبي ﷺ لم يفعله، وليس لصلاة الاستسقاء وقت معين، إلا أنها لا تفعل في وقت النهي بغير خلاف، لأن وقتها متسع، فلا حاجة إلى فعلها وقت النهي، والأولى فعلها وقت العيد، لما روت عائشة ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمسِ، ولأنها تشبهها في الموضع، والصفة، فكذلك في الوقت إلا أن وقتها لا يفوت بزوال الشمس لأنها ليس لها يوم معين فلا يكون لها وقت معين» (١).
«ويكثر في خطبة الاستسقاء من الاستغفار، وقراءة الآيات التي فيها الأمر به لأن ذلك سبب لنزول الغيث» (٢)، ويكثر من
стр. 2274
الدعاء بطلب الغيث من الله تعالى، قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].
والسنة أن تكون الخطبة قبل الصلاة لما روى البخاري في صحيحه من حديث عباد بن تميم عن عمه قال: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ» (١).
وفي رواية ابن خزيمة عن عباد بن تميم قال: قال عبد الله بن زيد: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الاِسْتِسْقَاءِ، فَخَطَبَ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَدَعَا، وَاسْتَسْقَى، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ وَصَلَّى بِهِمْ» (٢)، ولما رواه أبو داود في سننه من حديث عائشة ﵂ وفيه قالت: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللَّهَ ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ» ... وَنَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ (٣).
وكان النبي ﷺ يرفع يديه في دعاء الاستسقاء ويبالغ في ذلك حتى يُرى بياض إبطيه، وكان من شدة هذا الرفع ترى ظهور كفيه إلى السماء، وهذا والله أعلم هو معنى الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أنس: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَسْقَى، فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ (٤).
стр. 2275
وليس معنى ذلك أنه يقلب يديه في دعاء الاستسقاء، وكان ﷺ إذا دعا ورفع يديه، رفع الناس أيديهم معه يدعون، ومعنى يدعون، أي: يؤمنون على دعائه إذا جهر بالدعاء، وإن أسرَّ دعا كل لنفسه، وينبغي للداعي إذا دعا أن يدعو بما كان يدعو به النبي ﷺ ، فذلك أفضل الدعاء، وأجمعه لكل خير في الدنيا والآخرة.
ويسنُّ أن يستقبل القبلة في آخر الدعاء، ويحوِّل رداءه، قال ابن حجر: «محل هذا التحويل بعد فراغ الموعظة وإرادة الدعاء» (١).
وصفة قلب الرداء أن يجعل ما على اليمين على اليسار، وما على اليسار على اليمين، أو أن يقلبه ظهرًا لبطن، لما رواه أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة وفيه: ثُمَّ قَلَبَ رِدَاءَهُ، فَجَعَلَ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ (٢)، ولما جاء في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن زيد: تَحَوَّلَ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، فَقَلَبَهُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وَتَحَوَّلَ النَّاسُ مَعَهُ (٣).
وفي زماننا هذا قل لبس الأردية، بل كاد أن يكون معدومًا، وحل مكانه (البشت، أو المشلح، أو الفروة)، أما الغترة أو الشماغ فقد سئل الشيخ ابن عثيمين عن الشماغ هل يكون بديلًا للرداء؟ فأجاب بقوله: «لا ليس بديلًا له وربما الفروة، أو المشلح نعم لأن الشماغ أقرب ما
стр. 2276
يكون للعمامة فلا يدخل في الحديث» (١).
أما قلب الرداء للمأمومين، فقد قال ابن حجر: «واستحب الجمهور أن يحول الناس بتحويل الإمام، ويشهد له ما رواه أحمد في مسنده من حديث عباد بلفظ: وَحَوَّلَ النَّاس مَعَهُ (٢)، واستثنى ابن الماجشون النساء فقال: لا يستحب في حقهن» (٣).
وقيل: الحكمة في ذلك التفاؤل بتحويل الحال عما هي: من الشدة إلى الرخاء، ونزول الغيث .. والله أعلم.
وإذا طلب الإمام أو عامة الناس ممن ظهر صلاحه وتقواه أن يدعو لهم في الاستسقاء جاز. روى البخاري في صحيحه من حديث عمر قال: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ (٤).
وفي رواية: فَقَالَ عُمَرُ لِلعَبَّاسِ: قُم فَاستَسقِ وَادعُ رَبَّكَ (٥).
وروي أن معاوية خرج يستسقى، فلما جلس على المنبر قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فقام يزيد، فدعاه معاوية، فأجلسه عند رجليه ثم قال: اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا يزيد بن الأسود، يا يزيد ارفع يديك، فرفع يديه ودعا الله تعالى، فثارت في الغرب سحابة مثل
стр. 2277
الترس، وهب لها ريح فسقوا حتى كادوا لا يلقون منازلهم (١).
ثم إن سقى الله المسلمين، وإلا أعادوا الاستسقاء حتى يفرج الله لهم بالغيث.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2278
الكلمة الواحدة والثلاثون: المسح على الخفين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فإن من رحمة الله بعباده ولطفه بهم أن يسَّر عليهم أمور دينهم، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. ومن ذلك: ما شرع لهم من المسح على الخفين (١) والجوربين (٢) تسهيلًا وتحقيقًا عليهم من مشقة البرد، والسفر .. وغير ذلك.
وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة متواترة عن جمع من الصحابة في مسحه ﷺ في الحضر، والسفر وأمره بذلك، وترخيصه فيه، قال الحسن: «حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أنه مسح على الخفين» (٣).
قال الإمام أحمد: «ليس في نفسي من المسح شيء، فيه أربعون حديثًا عن النبي ﷺ » (٤)، ونقل ابن المنذر وغيره إجماع العلماء على جوازه (٥)، واتفق عليه أهل السنة والجماعة، بخلاف المبتدعة الذين لا يرون جوازه.
стр. 2279
«والمسح عليهما هو السنة التي جاءت عن رسول الله ﷺ ، فمن كان لابسًا لهما فالمسح عليهما أفضل من خلعهما لغسل الرجل، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. فإن قوله تعالى: ﴿أَرْجُلَكُمْ﴾ فيها قراءتان سبعيتان صحيحتان عن رسول الله ﷺ .
إحداهما: ﴿أَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب عطفًا على قوله: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾، فتكون الرجلان مغسولتين، والثانية: ﴿أَرْجُلَكُمْ﴾ بالجر عطفًا على رُؤُوسِكُمْ﴾، فتكون الرجلان ممسوحتين. والذي بيَّن أن الرِّجْلَ تكون ممسوحة أو مغسولة هي السنة، فكان الرسول ﷺ إذا كانت رجلاه مكشوفتين يغسلهما، وإذا كانتا مستورتين بالخفاف يمسح عليهما» (١).
ومن الأحاديث الواردة في ذلك: ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عروة بن المغيرة عن أبيه قال: كُنتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَهوَيتُ لِأَنزِعَ خُفَّيهِ، فَقَالَ: «دَعْهُمَا، فَإِنَّي أَدخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَينِ»، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا (٢).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث همام بن الحارث قال: رَأَيْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى فَسُئِلَ، فَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ صَنَعَ
стр. 2280
مِثْلَ هَذَا، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ لِأَنَّ جَرِيرًا كَانَ مِنْ آخِرِ مَنْ أَسْلَمَ (١)(٢).
قال الناظم:
مِمَّا تَوَاتَرَ حَدِيثُ مَنْ كَذَبْ وَمَنْ بَنَى لِلَّهِ بَيْتًا وَاحْتَسَبْ
وَرُؤْيَةٌ شَفَاعَةٌ وَالحَوْضُ وَمَسْحُ خُفَّيْنِ وَهَذِي بَعْضُ
وأما المسح على الجوربين، فقد روى أبو داود في سننه من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَسَحَ عَلَى الجَورَبَينِ (٣) وَالنَّعلَينِ، قَالَ يَحيَى البَكَّاءُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ (٤).
وروى عبد الرزاق في مصنفه عن قتادة عَن أَنَسٍ: أَنَّهُ كَانَ يَمسَحُ عَلَى الجَورَبَينِ مِثلَ الخُفَّينِ (٥).
وذكر ابن حزم عددًا كبيرًا من السلف قالوا بالمسح على الجوربين منهم: ابن عمر، وعطاء، وإبراهيم النخعي .. وغيرهم، وأورد عددًا من