← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

يكون للعمامة فلا يدخل في الحديث» (١). أما قلب الرداء للمأمومين، فقد قال ابن حجر: «واستحب الجمهور أن يحول الناس بتحويل الإمام، ويشهد له ما رواه أحمد في مسنده من حديث عباد بلفظ: وَحَوَّلَ النَّاس مَعَهُ (٢)، واستثنى ابن الماجشون النساء فقال: لا يستحب في حقهن» (٣). وقيل: الحكمة في ذلك التفاؤل بتحويل الحال عما هي: من الشدة إلى الرخاء، ونزول الغيث .. والله أعلم. وإذا طلب الإمام أو عامة الناس ممن ظهر صلاحه وتقواه أن يدعو لهم في الاستسقاء جاز. روى البخاري في صحيحه من حديث عمر قال: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ (٤). وفي رواية: فَقَالَ عُمَرُ لِلعَبَّاسِ: قُم فَاستَسقِ وَادعُ رَبَّكَ (٥). وروي أن معاوية خرج يستسقى، فلما جلس على المنبر قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فقام يزيد، فدعاه معاوية، فأجلسه عند رجليه ثم قال: اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا يزيد بن الأسود، يا يزيد ارفع يديك، فرفع يديه ودعا الله تعالى، فثارت في الغرب سحابة مثل

стр. 2277

الترس، وهب لها ريح فسقوا حتى كادوا لا يلقون منازلهم (١). ثم إن سقى الله المسلمين، وإلا أعادوا الاستسقاء حتى يفرج الله لهم بالغيث. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2278

الكلمة الواحدة والثلاثون: المسح على الخفين الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن من رحمة الله بعباده ولطفه بهم أن يسَّر عليهم أمور دينهم، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. ومن ذلك: ما شرع لهم من المسح على الخفين (١) والجوربين (٢) تسهيلًا وتحقيقًا عليهم من مشقة البرد، والسفر .. وغير ذلك. وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة متواترة عن جمع من الصحابة في مسحه ﷺ في الحضر، والسفر وأمره بذلك، وترخيصه فيه، قال الحسن: «حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أنه مسح على الخفين» (٣). قال الإمام أحمد: «ليس في نفسي من المسح شيء، فيه أربعون حديثًا عن النبي ﷺ » (٤)، ونقل ابن المنذر وغيره إجماع العلماء على جوازه (٥)، واتفق عليه أهل السنة والجماعة، بخلاف المبتدعة الذين لا يرون جوازه.

стр. 2279

«والمسح عليهما هو السنة التي جاءت عن رسول الله ﷺ ، فمن كان لابسًا لهما فالمسح عليهما أفضل من خلعهما لغسل الرجل، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. فإن قوله تعالى: ﴿أَرْجُلَكُمْ﴾ فيها قراءتان سبعيتان صحيحتان عن رسول الله ﷺ . إحداهما: ﴿أَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب عطفًا على قوله: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾، فتكون الرجلان مغسولتين، والثانية: ﴿أَرْجُلَكُمْ﴾ بالجر عطفًا على رُؤُوسِكُمْ﴾، فتكون الرجلان ممسوحتين. والذي بيَّن أن الرِّجْلَ تكون ممسوحة أو مغسولة هي السنة، فكان الرسول ﷺ إذا كانت رجلاه مكشوفتين يغسلهما، وإذا كانتا مستورتين بالخفاف يمسح عليهما» (١). ومن الأحاديث الواردة في ذلك: ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عروة بن المغيرة عن أبيه قال: كُنتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَهوَيتُ لِأَنزِعَ خُفَّيهِ، فَقَالَ: «دَعْهُمَا، فَإِنَّي أَدخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَينِ»، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا (٢). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث همام بن الحارث قال: رَأَيْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى فَسُئِلَ، فَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ صَنَعَ

стр. 2280

مِثْلَ هَذَا، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ لِأَنَّ جَرِيرًا كَانَ مِنْ آخِرِ مَنْ أَسْلَمَ (١) (٢). قال الناظم: مِمَّا تَوَاتَرَ حَدِيثُ مَنْ كَذَبْ وَمَنْ بَنَى لِلَّهِ بَيْتًا وَاحْتَسَبْ وَرُؤْيَةٌ شَفَاعَةٌ وَالحَوْضُ وَمَسْحُ خُفَّيْنِ وَهَذِي بَعْضُ وأما المسح على الجوربين، فقد روى أبو داود في سننه من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَسَحَ عَلَى الجَورَبَينِ (٣) وَالنَّعلَينِ، قَالَ يَحيَى البَكَّاءُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ (٤). وروى عبد الرزاق في مصنفه عن قتادة عَن أَنَسٍ: أَنَّهُ كَانَ يَمسَحُ عَلَى الجَورَبَينِ مِثلَ الخُفَّينِ (٥). وذكر ابن حزم عددًا كبيرًا من السلف قالوا بالمسح على الجوربين منهم: ابن عمر، وعطاء، وإبراهيم النخعي .. وغيرهم، وأورد عددًا من

стр. 2281

الآثار المتعلقة بذلك (١). أحكام المسح على الخفين: (١) مدة المسح على الخفين: الراجح من أقوال أهل العلم: أن مدة مسح المقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، لما روى مسلم في صحيحه من حديث علي ﵁ قال: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ» (٢). واختلف أهل العلم في ابتداء مدة المسح: هل هي من أول مسح بعد الحدث؟ أم تبدأ من أول حدث بعد اللبس؟ فذهب جمهور أهل العلم على أن ابتداء المدة من أول حدث بعد اللبس، وقال آخرون: من أول مسح بعد الحدث. قال النووي: «وقال الأوزاعي، وأبو ثور: ابتداء المدة من حين يمسح بعد الحدث، وهو رواية عن أحمد وداود وهو المختار الراجح دليلًا، واختاره ابن المنذر وحكى نحوه عن عمر بن الخطاب ﵁» (٣) اهـ. روى عبد الرزاق في المصنف من حديث أبي عثمان النهدي قال: حضرت سعدًا وابن عمر يختصمان إلى عمر في المسح على الخفين، فقال عمر: يمسح عليهما إلى مثل ساعته من يومه وليلته (٤).

стр. 2282

قال الألباني: «وهو صريح في أن المسح يبتدئ من ساعة إجرائه على الخف إلى مثلها من اليوم والليلة، وهو ظاهر كل الآثار المروية عن الصحابة في مدة المسح فيما علمنا» (١). «فلو فرضنا أن شخصًا تطهر لصلاة الفجر يوم الثلاثاء، وبقي على طهارته حتى صلى العشاء من ليلة الأربعاء، ونام ثم قام لصلاة الفجر يوم الأربعاء، ومسح في الساعة الخامسة صباحًا؛ فإن ابتداء المدة يكون من الساعة الخامسة من صباح يوم الأربعاء، إلى الساعة الخامسة من صباح يوم الخميس، فلو قدر أنه مسح يوم الخميس قبل تمام الساعة الخامسة، فإن له أن يصلي الفجر أي فجر يوم الخميس بهذا المسح، ويصلي ما شاء أيضًا ما دام على طهارته، لأن الوضوء لا ينتقض إذا تمت المدة، على القول الراجح من أقوال أهل العلم» (٢). وقد اختلف أهل العلم: هل انتهاء مدة المسح ينقض الوضوء؟ على أقوال أشهرها قولان في مذهب الشافعية: الأول: يجب استئناف الوضوء، الثاني: يكفيه غسل القدمين، الثالث: لا شيء عليه، بل طهارته صحيحة يصلي بها ما لم يحدث (٣). قال ابن حزم ﵀: «وهذا القول الذي لا يجوز غيره، لأنه ليس في شيء من الأخبار أن الطهارة تنتقض عن أعضاء الوضوء ولا عن بعضها بانقضاء وقت المسح، وإنما نهى ﵊ عن أن يمسح

стр. 2283

أحد أكثر من ثلاث للمسافر، أو يوم وليلة للمقيم، فمن قال غير هذا فقد أقحم في الخبر ما ليس فيه، وقول رسول الله ﷺ ما لم يقل، والطهارة لا ينقضها إلا الحدث، وهذا قد صحت طهارته، ولم يحدث فهو طاهر، والطاهر يصلي ما لم يحدث، أو ما لم يأت نص جلي في أن طهارته انتقضت وإن لم يحدث، وهذا الذي انقضى وقت مسحه لم يحدث، ولا جاء نص في أن طهارته انتقضت لا عن بعض أعضائه، ولا عن جميعها، فهو طاهر يصلي حتى يحدث فيخلع خفيه حينئذ، وما على قدميه ويتوضأ ثم يستأنف المسح توقيتًا آخر، وهكذا أبدًا» (١). (٢) شروط المسح على الخفين فهي كالتالي: أ - أن يلبسهما على طهارة، والدليل على ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث المغيرة بن شعبة: أن النبي ﷺ قال: «دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» (٢). ولقول صفوان بن عسال ﵁: فَأَمَرَنَا - يَعنِي: رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَن نَمسَحَ عَلَى الخُفَّينِ، إِذَا نَحنُ أَدخَلنَاهُمَا عَلَى طُهرٍ (٣). ب - أن تكون الخفاف أو الجوارب طاهرة، فإن كانت نجسة فإنه لا يجوز المسح عليها، ودليل ذلك: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى ذَاتَ يَومٍ بِأَصحَابِهِ وَعَلَيهِ نَعلَانِ، فَخَلَعَهُمَا فِي أَثنَاءِ

стр. 2284

صَلَاتِهِ، وَذَكَرَ أَنَّ جِبرِيلَ أَخبَرَهُ بِأَنَّ فِيهِمَا أَذًى أَو قَذَرًا (١). وهذا يدل على أنه لا يجوز الصلاة فيما فيه نجاسة. ج - أن يكون مسحهما في الحدث الأصغر، لا في الجنابة أو ما يوجب الغسل، ودليل ذلك: حديث صفوان بن عسال ﵁ قال: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كُنَّا سَفَرًا، أَلَّا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، إِلَّا مِن جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَومٍ (٢). د - أن يكون المسح في الوقت المحدد شرعًا وهو يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، لما روى مسلم في صحيحه من حديث علي قال: جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، يَعْنِي: فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ (٣). هـ - أن يكون الخف ونحوه مباحًا، فإن كان مغصوبًا أو حريرًا بالنسبة للرجل، لم يجز المسح عليه، لأن المحرم لا تستباح به الرخصة. «وهذا هو قول المالكية والحنابلة، وذهب الشافعية في الأصح عندهم إلى جواز المسح على الخف ولو لم يكن مباحًا، والصحيح

стр. 2285

أنه لا يشترط كون الخف مباحًا، لكن مع ثبوت الإثم على الغاصب، والسارق، وغيرهم ممن لبس خفًّا غير مباح» (١). (٣) صفة المسح على الخفين: «أن يضع أصابع يديه مبلولتين بالماء على أصابع رجليه، ثم يمدهما إلى ساقه فقط، يمسح الرجل اليمنى باليد اليمنى، والرجل اليسرى باليد اليسرى، والذي يُمسح هو أعلى الخف لقول المغيرة بن شعبة: فَمَسَحَ عَلَيهِمَا، ولم يقل: بدأ باليمنى، بل قال: مَسَحَ عَلَيهِمَا، فظاهر السنة هو هذا» (٢). مسائل تتعلق بالمسح على الخفين: ١ - هل يجوز المسح على الخف، أو الجورب المخرق؟ «الصحيح أنه يجوز، فإن اسم الخف أو الجورب ما دام باقيًا فإنه يجوز المسح عليه، لأن السنة جاءت بالمسح على الخف على وجه مطلق، وما أطلقه الشارع فإنه ليس لأحد أن يقيده، إلا إذا كان لديه نص من الشارع أو قاعدة شرعية يتبين بها التقييد» (٣). وقال الثوري: «وهل كانت خفاف المهاجرين والأنصار إلا مخرقة مشققة، مرقعة؟ ! » (٤). وهذا القول قال به جمع من أهل العلم منهم: إسحاق والثوري، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بجوازه، ما دام

стр. 2286

اسم الخف باقيًا والمشي به ممكنًا (١). ٢ - هل خلع الممسوح من الجورب أو الخف ينقض الوضوء؟ «فيه خلاف بين أهل العلم على عدة أقوال: (أ) أن وضوءه صحيح ولا شيء عليه. (ب) أن عليه غسل رجليه فقط. (ج) أن عليه إعادة الوضوء. وبكل هذه الأقوال قال طائفة من السلف، ورجح بعض أهل العلم القول الأول لأنه المناسب، لكون المسح رخصة وتيسيرًا من الله، والقول بغيره ينافي ذلك إضافة إلى مرجحين آخرين: الأول: أنه موافق لعمل الخليفة الراشد علي بن أبي طالب، فقد ثبت عنه: أَنَّهُ أَحدَثَ ثُمَّ تَوَضَّأ، وَمَسَحَ عَلَى نَعلَيهِ، ثُمَّ خَلَعَهُمَا وَصَلَّى (٢). الثاني: موافقته للنظر الصحيح، فإنه لو مسح على رأسه ثم حلق لم يجب عليه أن يعيد المسح، بل له الوضوء، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣). فقد قال: «ولا ينتقض وضوء الماسح على الخف، والعمامة بنزعها، ولا يجب عليه مسح رأسه، ولا غسل قدميه، وهو مذهب الحسن البصري، كإزالة الشعر الممسوح على الصحيح من مذهب

стр. 2287

أحمد، وقول الجمهور» (١) (٢). ٣ - إذا تغيرت حال اللابس من إقامة إلى سفر، أو بالعكس، فأيهما يعتبر؟ وهذا له ثلاث حالات: «الحالة الأولى: أن يكون التغير قبل الحدث، مثل أن يلبس الخفين مقيمًا، ثم يسافر قبل أن يُحدِثَ، أو يلبسهما مسافرًا ثم يقدم بلده قبل أن يحدث، ففي المسألة الأولى: يمسح مسح مسافر، قال النووي: بالإجماع (٣)، وفي المسألة الثانية: يمسح مسح مقيم، ولا إشكال في ذلك. الحالة الثانية: أن يكون التغير بعد الحدث وقبل المسح، مثل أن يلبس الخفين مقيمًا، ثم يُحدِث ثم يسافر قبل أن يمسح أو يلبسهما مسافرًا، ثم يحدث ثم يقدم بلده قبل أن يمسح، ففي المسألة الأولى: يمسح مسح مسافر، قال ابن قدامة: لا نعلم خلافًا أنه يتم مسح مسافر، وفي المسألة الثانية: يمسح مسح مقيم، ولم أر في ذلك خلافًا (٤). الحالة الثالثة: أن يكون التغير بعد الحدث والمسح، مثل أن يلبس الخفين ويمسح عليهما مقيمًا، ثم يسافر أو يلبس الخفين ويمسح عليهما مسافرًا، ثم يقدم بلده بعد ذلك، وفي ذلك خلاف بين أهل العلم. أما المسألة الأولى: فلا يخلو إما أن تكون مدة مسح المقيم قد انتهت أو

стр. 2288

لا، فإن كانت قد انتهت فلا مسح، وإن كانت مدة مسح المقيم باقية ففي ذلك خلاف، والصحيح أنه يتم مسح مسافر. أما المسألة الثانية: فلا يخلو إما أن تكون مدة مسح المسافر قد انتهت أو لا، فإن كانت قد انتهت فلا مسح، وإن كانت باقية أتم مسح مقيم إن بقي من مدته شيء، وهذا على الصحيح من أقوال أهل العلم» (١). ١ - إذا لبس جوربًا أو خفًا، ثم لبس عليه آخر قبل أن يحدث، فله مسح أيهما شاء. ٢ - إذا لبس جوربًا أو خفًّا، ثم أحدث، ثم لبس عليه آخر قبل أن يتوضأ، فالحكم للأول. ٣ - إذا لبس جوربًا أو خفًّا، ثم أحدث ومسحه، ثم لبس عليه آخر، فله مسح الثاني على القول الصحيح. ٤ - إذا لبس خفًا على خف أو جورب، ومسح الأعلى ثم خلعه، فهل يمسح بقية المدة على الأسفل؟ فيجوز أن يمسح على الأسفل، حتى تنتهي المدة من مسحه على الأعلى (٢). ٥ - رجل مسح بعد انتهاء مدة المسح ثم صلى، فما حكم صلاته؟ إذا مسح بعد انتهاء مدة المسح سواء كان مقيمًا، أو مسافرًا، فإن ما صلاه بهذه الطهارة يكون باطلًا، لأن وضوءه باطل، حيث إن مدة المسح انتهت، فيجب عليه أن يتوضأ من جديد

стр. 2289

وضوءًا كاملًا بغسل رجليه، وأن يعيد الصلوات التي صلاها بهذا الوضوء الذي مسح به بعد انتهاء المدة» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2290

الكلمة الثانية والثلاثون: سجود السهو الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. لما كان الإنسان عرضة للنسيان والذهول، وكان الشيطان يحرص على أن يشوش عليه صلاته ببعث الأفكار وانشغال باله بها عن صلاته، وربما ترتب على ذلك نقص في الصلاة، أو زيادة فيها بدافع النسيان والذهول، شرع الله للمصلي أن يسجد في آخر صلاته تفاديًا لذلك، وإرغامًا للشيطان، وجبرًا للنقصان، وإرضاء للرحمن، وهذا السجود هو ما يسميه العلماء سجود السهو (١). والسهو هو النسيان، وقد سها النبي ﷺ في الصلاة وكان سهوه من تمام نعمة الله على أمته، وإكمال دينهم، ليقتدوا به فيما يشرعه لهم عند السهو. قال الإمام أحمد بن حنبل: يحفظ عن النبي ﷺ خمسة أشياء سلم من اثنتين فسجد (٢)، وسلم من ثلاث فسجد (٣)،

стр. 2291

وفي الزيادة والنقص (١)، وقام من اثنتين ولم يشهد (٢). وقال الخطابي: المعتمد عند أهل العلم، هذه الأحاديث الخمسة، يعني: حديثي ابن مسعود، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وابن بحينة، وقال ﷺ : «فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» (٣) (٤). حكمه: سجود السهو واجب لأمر النبي ﷺ به، من ذلك قوله ﷺ : «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» (٥). وهو قول جمهور العلماء. ويشرع سجود السهو لأسباب ثلاثة: أولًا: إذا زاد في الصلاة سهوًا. ثانيًا: إذا نقص منها سهوًا. ثالثًا: إذا حصل عنده شك في زيادة أو نقص. فإن زاد أو نقص من الأركان أو الواجبات عمدًا، بطلت صلاته بإجماع أهل العلم، أما إن ترك مسنونًا سهوًا، فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه سجد للسهو استحبابًا. «مثال ذلك: لو أن إنسانًا ترك الفاتحة، يجب عليه سجود السهو، ولكن يجب عليه شيء آخر غير سجود السهو، وهو الإتيان بالركن،

стр. 2292

وسيأتي ماذا يصنع عند نسيانه للركن؟ وكيف يأتي به؟ مثال ثانٍ: لو أن إنسانًا ترك التشهد الأول نسيانًا، يجب عليه السجود فقط، ولا يجب عليه الإتيان به، لأنه واجب يسقط بالسهو. مثال ثالث: لو أن إنسانًا ترك دعاء الاستفتاح، لا يجب عليه سجود السهو، لأنه لو تعمد تركه لم تبطل صلاته ولكن هل يسن، الصحيح أنه إذا تركه نسيانًا يسن السجود لأنه قول مشروع، فيجبره بسجود السهو، ولا يكون سجود السهو واجبًا، لأن الأصل الذي وجب له السجود ليس بواجب، فلا يكون الفرع واجبًا، فإذا ترك الإنسان سهوًا سنة من عادته أن يأتي بها، فسجود السهو لها سنة، أما لو ترك السنة عمدًا، فهنا لا يشرع له السجود لعدم وجود السبب وهو السهو. «ويشرع سجود السهو إذا وُجد سببه، سواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة، لعموم الأدلة بشرط أن تكون الصلاة ذات ركوع، وسجود احترازًا من صلاة الجنازة، فإن صلاة الجنازة لا يشرع فيها سجود السهود، لأنها ليست ذات ركوع وسجود. فإن قال قائل: كيف توجبون سجود السهو في صلاة النافلة، وصلاة النفل أصلًا غير واجبة؟ ! فنقول: إنه لما تلبس بها وجب عليه أن يأتي بها على وفق الشريعة، وإلا كان مستهزئًا، وإذا كان لا يريد الصلاة فمن الأصل لا يصلي، أما أن يتلاعب فيأتي بالنافلة ناقصة ثم يقول: لا أُجبرها، فهذا لا يُوافق عليه» (١).

стр. 2293

وبوب البخاري باب السهو في الفرض، والتطوع، وروى عن ابن عباس: أَنَّهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ وِتْرِهِ (١). السبب الأول الذي يشرع فيه سجود السهو: الزيادة في الصلاة، وهي إما زيادة أفعال، أو زيادة أقوال. أما زيادة الأفعال إذا كانت زيادة من جنس الصلاة: كالقيام في محل القعود، والقعود في محل القيام، أو زاد ركوعًا، أو سجودًا، فإذا فعل ذلك سهوًا فإنه يسجد للسهو، لقوله ﷺ في حديث ابن مسعود: «إِذَا زَادَ الرَّجُلُ أَوْ نَقَصَ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَين» (٢). ولأن الزيادة في الصلاة نقص من هيئتها في المعنى، فشرع السجود لها لينجبر النقص. وكذا لو زاد ركعة سهوًا ولم يعلم إلا بعد فراغه منها، فإنه يسجد للسهو، أما إن علم في أثناء الركعة الزائدة، فإنه يجلس في الحال ويتشهد إن لم يكن تشهد، ثم يسجد للسهو ويسلم. ويجب على من علم بزيادة الإمام أو نقصه تنبيهه، لحديث عبد الله بن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَونَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» (٣). وتنبيه الرجال بالتسبيح والنساء بالتصفيق، لحديث سهل بن سعد سعد الساعدي: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا نَابَكُم (٤) أَمْرٌ، فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، وَلْتُصَفِّقِ النِّسَاءُ» (٥). ويلزم

стр. 2294

الإمام حينئذ الرجوع إلى تنبيههم، إذا لم يجزم بصواب نفسه، لأنه رجوع إلى الصواب، وكذا يلزمهم تنبيهه على النقص. وأما زيادة الأقوال، فهي على ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يأتي بقول مشروع في الصلاة في غير محله، كالقراءة في الركوع والسجود والجلوس، وكالتشهد في القيام، فإذا فعل ذلك سهوًا استحب له السجود للسهو، لعموم حديث عبد الله بن مسعود: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا زَادَ الرَّجُلُ أَوْ نَقَصَ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَين» (١). إلا إذا جاء بهذا الذكر مكان الذكر الواجب، ولم يقل الواجب كالتسبيح في الركوع والسجود، فإنه يجب عليه أن يسجد لتركه الواجب، إلا إذا جمع بينهما فلا يجب، بل يستحب لعموم الأدلة (٢). الحالة الثانية: أن يسلم قبل إتمام الصلاة، فإن كان عمدًا بطلت صلاته لأنه تكلم فيها، وإن كان سهوًا وطال الفصل أو نقض الوضوء بطلت صلاته وأعادها، أما إن ذكر قبل أن يطول الفصل أتم صلاته ثم سجد للسهو، لحديث أبي هريرة ﵁ في قصة ذي اليدين قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ (٣) رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهَا، وَفِي القَومِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَهَابَاهُ أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، فَقَالُوا: أَقَصُرَتِ

стр. 2295

الصَّلَاةُ؟ وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبِيُّ ﷺ ذَا الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ: «لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تَقْصُرْ»، قَالَ: بَلىَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ رَأسَهُ فَكَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ فَكَبَّرَ ثُمَّ سَلَّمَ (١). الحالة الثالثة: الكلام من غير جنس الصلاة، فإن كان عمدًا بطلت الصلاة إجماعًا، لحديث زيد بن أرقم قال: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ، وَهُوَ إِلَى جَنبِهِ فِي الصَّلَاةِ، حَتَّى نَزَلَت: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فَأُمِرنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنِ الكَلَامِ (٢). وإن تكلم ناسيًا أو جاهلًا بتحريمه، ففيه روايتان إحداهما: يبطلها لأنه كلام من غير جنس الصلاة، فأشبه العمل الكثير، والثانية: لا يفسدها لما روى معاوية بن الحكم ﵁ قال: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ! مَا شَانُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي! مَا رَأَيتُ مُعَلِمًا قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ، أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَواللَّهِ! مَا كَهَرَنِي، وَلَا ضَرَبَنِي، وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ

стр. 2296

لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» (١)، فلم يأمره النبي ﷺ بالإعادة لجهله، والناس في معناه (٢). وهذا ما رجحته اللجنة الدائمة للإفتاء (٣). السبب الثاني: النقص. النوع الأول: ترك ركن، كركوع أو سجود، فإن كان عمدًا بطلت صلاته، وإن كان سهوًا، وكان الترك لتكبيرة الإحرام، لم تنعقد صلاته، ولا يغني عنه سجود السهو شيئًا، أما إن كان ركنًا غير تكبيرة الإحرام، فله ثلاثة أحوال: الحال الأول: أن يذكره قبل أن يصل إلى محله، وفي هذه الحالة عليه أن يرجع ويأتي بالناقص ويتم عليه. الحال الثاني: أن يذكره بعد أن يصل إلى محله، وفي هذه الحالة يلغي الركعة الناقصة، وتقوم التي هو فيها محلها (٤). الحال الثالث: أن يذكره بعد أن يسلم، وفي هذه الحالة عليه أن يأتي بالركن المتروك وما بعده (٥).

стр. 2297

النوع الثاني: ترك واجب من واجبات الصلاة، كالتكبير لغير الإحرام، أو تسبيح الركوع والسجود .. وغير ذلك من الواجبات، فإن كان عمدًا بطلت الصلاة، وإن تركه سهوًا فعلى أحوال: الحال الأول: إن ذكره قبل الوصول إلى الركن الذي يليه: وجب عليه الرجوع ويأتي به. الحال الثاني: إن ذكره بعد أن وصل إلى الركن الذي يليه: فلا يرجع وعليه سجود السهو، أما ترك التشهد الأول فله أربع صور: ١ - أن يذكره قبل أن تفارق فخذاه ساقيه، وبعضهم قال: قبل أن تفارق ركبتاه الأرض، والمعنى متقارب، ففي هذه الحال يستقر وليس عليه سجود، لأنه لم يزد شيئًا في صلاته. ٢ - إذا نهض ولكن في أثناء النهوض ذكر قبل أن يستتم قائمًا، فإنه يرجع ويأتي بالتشهد وعليه سجود السهو. ٣ - إذا نهض واستتم قائمًا فقد وصل إلى الركن الذي يليه، فيكره له الرجوع، فإن رجع لم تبطل صلاته، وعليه سجود السهود، لحديث المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فَلَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ، وَإِذَا اسْتَتَمَّ قَائِمًا فَلَا يَجْلِسْ، وَيَسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ» (١). ٤ - إذا ذكر بعد الشروع في القراءة فلا يرجع، فإن رجع عمدًا

стр. 2298

عالمًا حرم عليه ذلك وبطلت صلاته، لأنه تعمد المفسد وهو زيادته فعلًا من جنسها. النوع الثالث: ترك مسنون، فإذا ترك مسنونًا لم تبطل الصلاة بتركه عمدًا ولا سهوًا، ولا سجود عليه. السبب الثالث: الشك فإذا كان بعد السلام فلا يلتفت إليه، إلا إذا تيقن النقص أو الزيادة، وإذا كان الشك وهمًا بحيث طرأ على الذهن ولم يستقر فلا يلتفت إليه، وإذا كثرت الشكوك لا يلتفت إليها، وإن لم يكن الشك كذلك فالشك إما أن يكون في زيادة ركن، أو واجب في غير المحل الذي هو فيه فلا يلتفت له، وأما الشك في الزيادة وقت فعلها فيسجد له، وأما الشك في نقص الأركان فَكَتَرْكِهَا، فيأتي بالركن على التفصيل الذي سبق في إكمال الأركان، إلا إذا غلب على ظنه أنه فعل فلا يرجع ولكن عليه سجود السهو، والشك في ترك الواجب بعد أن فارق محله لا يوجب سجود السهو (١). وإذا حصل له شك بنى على اليقين وهو الأقل، إلا إذا كان عنده غلبة ظن فإنه يتحرى ويبني على غالب ظنه فيأخذ به. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى،

стр. 2299

ثَلَاثًا، أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا، شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ، كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ» (١). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن مسعود: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ». وفي رواية: «فَلْيَنْظُرْ أَحْرَى ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ». وَفِيِ أُخْرَى: «فَلْيَنْظُرِ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ الصَّوَابُ». وَفِيِ أُخْرَى: «فَلْيَتَحَرَّ أَقْرَبَ ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيُسَلِّمْ، ثُمَ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» (٢) (٣). «ولا سجود على مأموم دخل مع الإمام من أول الصلاة إلا تبعًا لإمامه، فإن قام المأموم المسبوق لقضاء ما فاته بعد سلام إمامه، فسجد إمامه للسهو بعد السلام، فحكمه حكم القائم عن التشهد الأول إن سجد إمامه قبل انتصابه قائمًا لزمه الرجوع، وإن انتصب قائمًا ولم يشرع في القراءة لم يرجع، وإن رجع جاز، وإن شرع في القراءة لم يكن له الرجوع، ويسجد للسهو بعد قضاء ما عليه (٤) بعد السلام» (٥).

стр. 2300

مسائل تتعلق بسجود السهو: ١ - هل السجود قبل السلام أم بعده؟ ثبت أن النبي ﷺ سجد للسهو قبل السلام في مواضع، وبعده في مواضع (١)، فما سجد فيه النبي ﷺ قبل السلام أو أمر به يسجد فيه قبله، كسجود السهو لمن ترك التشهد الأول، وسجود السهو لمن شك وبنى على اليقين، وما سجد فيه النبي ﷺ بعد السلام أو أمر به يسجد فيه بعده، كسجود السهو لمن سلم قبل تمام الصلاة، أو ذكر بالزيادة في صلاته بعد السلام، أو شك وبنى على غالب ظنه، كما دلت على ذلك الأحاديث، فصارت الحالات عندنا على أربع صور: الأولى: الزيادة في الصلاة ويسجد لها بعد السلام. الثانية: النقص في الصلاة، ويسجد لها قبل السلام. الثالثة: الشك في الزيادة أو النقصان مع الترجيح، يسجد بعد السلام. الرابعة: الشك مع عدم الترجيح، يبني على الأقل، ويسجد قبل السلام. حكم السجود قبل السلام أو بعده على الأفضلية. قال القاضي عياض: «ولا خلاف بين هؤلاء المختلفين وغيرهم من العلماء - بعد أن ذكر أقوالهم - أنه لو سجد قبل

стр. 2301

السلام، أو بعده للزيادة أو النقص، أنه يجزئه ولا تفسد صلاته، وإنما اختلافهم في الأفضل» (١). وذهب بعض أهل العلم إلى أن ما جاءت به السنة في كونه قبل السلام فإنه يجب قبله، وما جاءت به بعد السلام فإنه يجب بعده، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2302

الكلمة الثالثة والثلاثون: صلاة أهل الأعذار الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن من رحمة الله بعباده وتيسيره عليهم أن رفع عنهم الحرج في دينهم، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وقال ﷺ : «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمرٍ، فَاتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (١). ومن هؤلاء الذين خفف الله عنهم في طهارتهم وصلاتهم: أصحاب الأعذار كالمريض، والمسافر، والخائف، ليتمكنوا من عبادة ربهم من غير حرج ولا مشقة. أولًا: المريض ١ - يجب عليه أن يتوضأ من الحدث الأصغر (نواقض الوضوء)، وأن يغتسل من الحدث الأكبر (موجبات الغسل). ٢ - يجب عليه أن يزيل ما على السبيلين من النجاسة بالماء - كالبول والغائط - قبل الوضوء، لأن النبي ﷺ كان يستنجي

стр. 2303

بالماء (١)، والاستجمار بالحجارة أو ما يقوم مقامها يقوم مقام الاستنجاء بالماء، ويقوم مقام الحجارة ما في معناها من كل جامد طاهر ليس له حرمة كالخشب، والخرق، والمناديل وكل ما أنقى به فهو كالحجارة على الصحيح (٢)، لقوله ﷺ : «إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الغَائِطِ، فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارِ يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ، فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ» (٣). ولا بد من الاستجمار من ثلاثة أحجار أو ما يقوم مقامها فأكثر، لحديث سلمان ﵁ أنه قال: نَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بِبَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ (٤) أَوْ بِعَظْمٍ (٥). والأفضل أن تكون وترًا، لقول النبي ﷺ : «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» (٦). فإن لم تكف ثلاثة أحجار زاد رابعًا، وخامسًا، حتى يُنقي المحل، والأفضل أن يستجمر الإنسان بالحجارة ثم يتبعها الماء، لأن الحجارة تزيل عين النجاسة والماء يطهر المحل فيكون أبلغ في الطهارة، وهو مخير فيها أو الجمع بينها وهو الأفضل، والاستنجاء يكون من الخارج من السبيلين؛ أما النوم، والريح، وأكل لحم الإبل، ومس الفرج، فلا يستنجي منها.

стр. 2304

٣ - إذا كان المريض لا يستطيع الحركة، فإنه يوضئه شخص آخر، وإذا كان عليه حدث أكبر ساعده في الاغتسال. ٤ - إذا كان المريض لا يستطيع أن يتطهر بالماء لخوفه تلف النفس، أو تلف عضو، أو حدوث مرض، أو بعجزه، أو خوف زيادة المرض، أو تأخر برئه، فإنه يتيمم لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء]. وصفة التيمم: أن يضرب التراب ضربة واحدة ثم يمسح وجهه بباطن أصابعه، ويمسح كفيه براحتيه، ويعمم الوجه والكفين بالمسح، وقد وردت هذه الصفة في الصحيحين من حديث عمار بن ياسر (١)، قال تعالى: وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]. ٥ - فإن لم يستطع أن يتيمم بنفسه، فإنه ييممه من عنده من المرافقين. ٦ - من به جروح، أو كسر، أو مرض يضره استعمال الماء، فإنه يتيمم سواء كان محدثًا حدثًا أصغر، أو أكبر، لكن لو أمكنه أن يغسل الصحيح من جسده أو أعضائه وجب عليه ذلك، وتيمم للباقي لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].

стр. 2305

٧ - إذا كان في بعض أعضاء الطهارة جرح يستطيع أن يغسله بالماء غسله، فإن كان الغسل بالماء يؤثر عليه مسحه بالماء مسحًا، فإن كان المسح يؤثر عليه أيضًا فإنه يشد عليه جبيرة أو لزقة ويمسح عليها، فإن عجز فحينئذ تيمم عنه بعد الطهارة، أما إذا كان الجرح مستورًا بجبس، أو لزقة، أو جبيرة، أو ما أشبه ذلك، ففي هذه الحال يمسح على الساتر ويغنيه عن الغسل. ولا يشترط لبس الجبيرة على طهارة على القول الراجح، وليس للمسح على الجبيرة توقيت، لأن مسحها لضرورة فيقدر بقدرها، ويمسح عليها في الحدث الأكبر والأصغر، والصواب أنه إذا مسح على العضو يكفيه عن التيمم، فلا يجمع بين المسح والتيمم، إلا إذا كان هناك عضو آخر لم يستطع المسح عليه (١). ٨ - إذا تيمم لصلاته وبقي على طهارته إلى وقت الصلاة الأخرى، فإنه يصليها بالتيمم الأول، ولا يعيد التيمم للصلاة الثانية، لأنه لم يزل على طهارته، ولم يحصل ما يبطلها من نواقض الطهارة، ولم يجد الماء، لأن التيمم لا يبطل إلا بكل ما يبطل الوضوء، وهذا على الصحيح من قولي العلماء (٢). ٩ - يجب على المريض أن يطهر بدنه، وثيابه وموضع

стр. 2306

صلاته من النجاسات، فإن عجز عن شيء من ذلك، ولم يجد من يقوم بتطهير النجاسة صلى على حسب حاله، وصلاته صحيحة، ولا إعادة عليه لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ١٠ - لا يجوز للمريض أن يؤخر الصلاة عن وقتها من أجل العجز عن الطهارة، بل يتطهر بقدر ما يستطيع، ويطهر بدنه، وثوبه، والبقعة التي يصلي عليها، فإن عجز عن استعمال الماء تيمم، فإن عجز عن التيمم سقطت عنه الطهارة، وصلى على حسب حاله (١). ١١ - المريض المصاب بسلس البول، أو استمرار خروج الدم، أو الريح ولم يبرأ بمعالجته، عليه أن يتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها ويغسل ما يصيب بدنه، وثوبه، أو يجعل للصلاة ثوبًا طاهرًا إن تيسر له ذلك، ويحتاط لنفسه احتياطًا يمنع انتشار البول، أو الدم في ثوبه، أو جسمه، أو مكان صلاته، وله أن يفعل في الوقت ما تيسر من صلاة، وقراءة في المصحف حتى يخرج الوقت، فإذا خرج الوقت وجب عليه أن يعيد الوضوء، أو التيمم إن كان لا يستطيع الوضوء، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ المُستَحَاضَةَ أَن تَتَوَضَّأَ لِوَقتِ كُلِّ صَلَاةٍ، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.

стр. 2307

كيفية صلاة المريض: ١ - يجب على المريض الذي لا يخاف زيادة مرضه أن يصلي الفريضة قائمًا، لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين﴾ [البقرة: ٢٣٨]. ٢ - إن قدر المريض على القيام بأن يتكئ على عصا، أو يستند إلى حائط، أو يعتمد على أحد جانبيه، لزمه القيام، لحديث وابصة ﵁، عن أم قيس ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَسَنَّ وَحَمَلَ اللَّحْمَ، اتَّخَذَ عَمُودًا فِي مُصَلَّاهُ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ (١). ولأنه قادر على القيام من غير ضرر، لحديث عمران بن حصين ﵁: أن النبي ﷺ قال له: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (٢). ٣ - إن قدر المريض على القيام إلا أنه يكون منحيًا على هيئة الراكع كالأحدب، أو الكبير الذي انحنى ظهره وهو يستطيع القيام، لزمه القيام لحديث عمران بن حصين. ٤ - المريض الذي يقدر على القيام لكنه يعجز عن الركوع أو السجود لا يسقط عنه القيام، وعليه أن يصلي قائمًا ويومئ بالركوع قائمًا إن عجز عنه، وإن لم يمكنه أن يحني ظهره حنى رقبته، وإن تقوس ظهره فصار كأنه راكع زاد في

стр. 2308

انحنائه قليلًا، ثم يجلس فيومئ بالسجود جالسًا إن عجز عنه، ويقرب وجهه إلى الأرض في السجود أكثر ما يمكنه، لقول الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين﴾ [البقرة]. ولقول النبي ﷺ لعمران بن حصين: «صَلِّ قَائِمًا» (١). ولأن القيام ركن قدر عليه، فلزمه الإتيان به. ٥ - المريض الذي يزيد القيام في مرضه، أو يشق عليه مشقة شديدة، أو يضره يصلي قاعدًا، لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. ولحديث عمران بن حصين ﵁ «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا» (٢). ولحديث أنس ﵁ قال: سَقَطَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ فَرَسٍ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا (٣). وقد أجمع العلماء على أن من لا يطيق القيام، له أن يصلي جالسًا (٤). ٦ - الأفضل للمريض إذا صلى جالسًا أن يكون متربعًا في موضع القيام، وإذا ركع يركع وهو متربع على الصحيح، لأن الراكع قائم لحديث عائشة ﵂ قالت: رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا (٥). والسنة له أن يجعل يديه على ركبتيه في

стр. 2309

حال الركوع، أما في حال السجود فالواجب أن يسجد على الأرض، فإن لم يستطع وجب عليه أن يجعل يديه على الأرض وأومأ بالسجود، لما ثبت عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ، وَالْيَدَيْنِ، والرُكْبَتَينِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ» (١). فإن لم يستطع جعل يديه على ركبتيه، وأومأ بالسجود، وجعله أخفض من الركوع، ومن عجز عن ذلك فصلى على الكرسي، فلا حرج في ذلك، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢). ٧ - إن عجز المريض عن الصلاة قاعدًا، صلى على جنبه مستقبل القبلة بوجهه، والأفضل أن يصلي على جنبه الأيمن، لحديث عمران بن حصين وفيه: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (٣). ولحديث عائشة ﵂ قالت: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأنِهِ كُلِّهِ (٤). ٨ - فإن عجز المريض عن الصلاة على جنبه، صلى مستلقيًا رجلاه إلى القبلة، لحديث عمران بن حصين: «صَلِّ

стр. 2310

قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ، فإن لم تَستَطِعْ صلى مستلقيًا» (١). وإن قال ثقات من علماء الطب: إن صليت مستقليًا أمكن مداواتك، وإلا فلا، فله أن يصلي مستلقيًا (٢). ٩ - فإن عجز المريض عن الصلاة إلى القبلة، ولم يوجد من يوجهه إليها، صلى على حسب حاله، لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ١٠ - فإن عجز عن الصلاة مستلقيًا، صلى على حسب حاله على أي حال كان، لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ١١ - فإن عجز المريض عن جميع الأحوال السابقة، صلى بقلبه فيكبر ويقرأ، وينوي الركوع، والسجود، والقيام، والقعود بقلبه، فإن الصلاة لا تسقط عنه ما دام عقله ثابتًا، بأي حال من الأحوال، للأدلة السابقة (٣). ١٢ - إذا قدر المريض في أثناء صلاته على ما كان عاجزًا عنه من قيام أو قعود، أو ركوع، أو سجود، أو إيماء، انتقل إليه وبنى على ما مضى من صلاته، وهكذا لو كان قادرًا فعجز أثناء الصلاة أتم صلاته على حسب حاله، لأن ما مضى من

стр. 2311

الصلاة كان صحيحًا فبنى عليه كما لو لم يتغير حاله (١). ١٣ - إن عجز المريض عن السجود على الأرض، فإنه يومئ بالسجود في الهواء، ولا يتخذ شيئًا يسجد عليه، لحديث جابر ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَادَ مَرِيضًا، فَرَأَىهُ يُصَلِّي عَلَى وِسَادَةٍ، فَأَخَذَهَا فَرَمَى بِهَا، فَأَخَذَ عُودًا لِيُصَلِّيَ عَلَيهِ، فَأَخَذَهُ فَرَمَى بِهِ، وَقَالَ: «صَلِّ عَلَى الأَرضِ إِنِ استَطَعتَ، وَإِلَّا فَأَومِئْ إِيمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَكَ أَخفَضَ مِن رُكُوعِكَ» (٢). ١٤ - يجب على المريض أن يصلي كل صلاة في وقتها، ويفعل كل ما يقدر عليه مما يجب فيها، فإن شق عليه فعل كل صلاة في وقتها، فله الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، إما جمع تقديم بحيث يقدم العصر مع الظهر، والعشاء مع المغرب، وإما جمع تأخير بحيث يؤخر الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء حسبما يكون أيسر له؛ أما صلاة الفجر فلا تجمع مع ما قبلها ولا بعدها، فقد ثبت أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ حَمْنَةَ بِنتَ جَحشٍ ﵂ لَمَّا كَانَت مُستَحَاضَةً - بِتَأخِيرِ الظُّهرِ وَتَعجِيلِ العَصرِ،

стр. 2312

وَتَأخِيرِ المَغرِبِ وَتَعجِيلِ العِشَاءِ (١). ١٥ - ولا يجوز ترك الصلاة بأي حال من الأحوال، بل يجب على المكلف أن يحرص على الصلاة أيام مرضه أكثر من حرصه عليها أيام صحته، فلا يجوز له ترك المفروضة حتى يفوت وقتها ولو كان مريضًا ما دام عقله ثابتًا، بل عليه أن يؤديها في وقتها حسب استطاعته؛ فإذا تركها عامدًا وهو عاقل عالم بالحكم الشرعي، مكلف يقوى على أدائها ولو إيماء فهو آثم، وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى كفره بذلك، لقول النبي ﷺ : «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» (٢). ١٦ - إذا نام المريض عن صلاته، أو نسيها وجب عليه أن يصليها حال استيقاظه، أو ذكره لها، ولا يجوز له تركها إلى دخول وقت مثلها ليصليها فيه، لما جاء في الصحيحين من حديث أنس: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (٣). ويقضي الصلاة المغمى عليه ثلاثة أيام فأقل، لأنه يلحق بالنائم، أما إذا كانت المدة أكثر من ذلك، فلا قضاء عليه، لأنه يلحق بالمجنون لجامع زوال العقل (٤).

стр. 2313

كيفية صلاة المسافر: ١ - يصلي المسافر الصلاة الرباعية قصرًا فيصلي الظهر، والعصر، والعشاء ركعتين ما دام مسافرًا، أما صلاة المغرب فيصليها ثلاثًا سفرًا، وحضرًا، وهكذا صلاة الفجر يصليها ركعتين سفرًا، وحضرًا، وكذلك سنة الفجر قبلها ركعتين، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يَكُنْ يَدَعُهُمَا أَبَدًا (١). ويصلي الوتر كذلك، لحديث ابن عمر قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، يُومِئُ إِيمَاءً، صَلَاةَ اللَّيلِ إِلَّا الفَرَائِضَ، وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ (٢). أما السنن الرواتب، فالسنة أن لا يصليها في السفر، لحديث ابن عمر قال: صَحِبتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ، فَلَم يَزِدْ عَلَى رَكعَتَينِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ (٣). أما التطوع المطلق فمشروع في الحضر، والسفر مطلقًا: مثل صلاة الضحى، وصلاة الليل. قال النووي: اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر (٤). الصلاة في السفينة والطائرة والقطار: ١ - تصح صلاة الفرض في السفينة والقطار قائمًا عند القدرة. روى البيهقي في سننه من حديث عبد الله بن أبي عتبة قال: صَحِبتُ جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ وَأَبَا سَعِيدٍ الخُدرِيَّ وَأَبَا

стр. 2314

هُرَيرَةَ فِي سَفِينَةٍ، فَصَلَّوا قِيَامًا فِي جَمَاعَةٍ أَمَّهُم بَعضُهُم، وَهُم يَقدِرُونَ عَلَى الجُدِّ (١) (٢). قال الشوكاني: «المراد أنهم يقدرون على الصلاة في البر وقد صحت صلاتهم في السفينة مع اضطرابها، وفيه جواز الصلاة في السفينة وإن كان الخروج إلى البر ممكنًا (٣) اهـ. ولا تصح صلاة الفرض في السفينة قاعدًا لقادر على القيام، فإن عجز عن القيام صلى جالسًا، لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، فيصلي على حسب حاله، ويأتي بما يقدر عليه من القيام وغيره على ما تقدم، ويصلون فيها جماعة على حسب استطاعتهم، ويستقبلون القبلة في الفرض، وكلما انحرفت السفنية عن القبلة اتجهوا إليها» (٤). ٢ - صلاة الفريضة في الطائرة صحيحة فحكمها كحكم السفينة، ويجب على المسلم أن يفعل ما يجب عليه في الصلاة من القيام بالأركان، والواجبات والشروط مثل الطهارة، واستقبال القبلة، ونحو ذلك؛ وإذا كان لا يستطيع القيام بذلك، فلا يصلي بالطائرة، بل ينتظر، إلا إذا علم أن الهبوط سيكون بعد خروج الوقت، وكانت الصلاة التي أدركته في الجو لا يمكن جمعها مع ما بعدها مثل العصر، والفجر، ففي هذه الحال يصليها ولا يؤخرها عن وقتها، فيصليها كما تقدم في صفة صلاة المريض،

стр. 2315

أما إذا أمكن الجمع سواء جمع تقديم أو تأخير، فإنه يفعله. ٣ - الصلاة في السيارة إذا كانت كبيرة وفيها مكان للصلاة يستطيع أن يصلي الفرض قائمًا مع استقبال القبلة، وأداء الشروط، والواجبات فلا حرج كما في السفينة، والطائرة، أما إذا كان لا يستطيع، فإنه لا يصلي في السيارة، إلا إذا لم يستطع الخروج منها، وخشي خروج الوقت، صلى على حسب حاله، أما الصلاة على الرواحل كالإبل، والخيل ونحو ذلك، فلا تصح إلا عند خشيته التأذي بمطر، أو وحل إذا نزل على الأرض، ولكن إذا خشي على نفسه عند النزول من عدو، أو فوات رفقة، فإن عليه أن يستقبل القبلة إن قدر على ذلك، وعليه أن يركع ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ٤ - صلاة النافلة في السفر تصح على جميع وسائل النقل، سواء كانت من السفن، أو الطائرات، أو السيارات .. ونحو ذلك، لكن الأفضل للمصلِّي أن يستقبل القبلة عند تكبيرة الإحرام، ثم يصلي حيث توجهت به السفينة أو الطائرة، أو السيارة، فقد كَانَ ﷺ يُصَلِّي عَلَى الرَّاحِلَةِ حَيثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ (١) (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →