← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

الصلاة كان صحيحًا فبنى عليه كما لو لم يتغير حاله (١). ١٣ - إن عجز المريض عن السجود على الأرض، فإنه يومئ بالسجود في الهواء، ولا يتخذ شيئًا يسجد عليه، لحديث جابر ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَادَ مَرِيضًا، فَرَأَىهُ يُصَلِّي عَلَى وِسَادَةٍ، فَأَخَذَهَا فَرَمَى بِهَا، فَأَخَذَ عُودًا لِيُصَلِّيَ عَلَيهِ، فَأَخَذَهُ فَرَمَى بِهِ، وَقَالَ: «صَلِّ عَلَى الأَرضِ إِنِ استَطَعتَ، وَإِلَّا فَأَومِئْ إِيمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَكَ أَخفَضَ مِن رُكُوعِكَ» (٢). ١٤ - يجب على المريض أن يصلي كل صلاة في وقتها، ويفعل كل ما يقدر عليه مما يجب فيها، فإن شق عليه فعل كل صلاة في وقتها، فله الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، إما جمع تقديم بحيث يقدم العصر مع الظهر، والعشاء مع المغرب، وإما جمع تأخير بحيث يؤخر الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء حسبما يكون أيسر له؛ أما صلاة الفجر فلا تجمع مع ما قبلها ولا بعدها، فقد ثبت أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ حَمْنَةَ بِنتَ جَحشٍ ﵂ لَمَّا كَانَت مُستَحَاضَةً - بِتَأخِيرِ الظُّهرِ وَتَعجِيلِ العَصرِ،

стр. 2312

وَتَأخِيرِ المَغرِبِ وَتَعجِيلِ العِشَاءِ (١). ١٥ - ولا يجوز ترك الصلاة بأي حال من الأحوال، بل يجب على المكلف أن يحرص على الصلاة أيام مرضه أكثر من حرصه عليها أيام صحته، فلا يجوز له ترك المفروضة حتى يفوت وقتها ولو كان مريضًا ما دام عقله ثابتًا، بل عليه أن يؤديها في وقتها حسب استطاعته؛ فإذا تركها عامدًا وهو عاقل عالم بالحكم الشرعي، مكلف يقوى على أدائها ولو إيماء فهو آثم، وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى كفره بذلك، لقول النبي ﷺ : «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» (٢). ١٦ - إذا نام المريض عن صلاته، أو نسيها وجب عليه أن يصليها حال استيقاظه، أو ذكره لها، ولا يجوز له تركها إلى دخول وقت مثلها ليصليها فيه، لما جاء في الصحيحين من حديث أنس: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (٣). ويقضي الصلاة المغمى عليه ثلاثة أيام فأقل، لأنه يلحق بالنائم، أما إذا كانت المدة أكثر من ذلك، فلا قضاء عليه، لأنه يلحق بالمجنون لجامع زوال العقل (٤).

стр. 2313

كيفية صلاة المسافر: ١ - يصلي المسافر الصلاة الرباعية قصرًا فيصلي الظهر، والعصر، والعشاء ركعتين ما دام مسافرًا، أما صلاة المغرب فيصليها ثلاثًا سفرًا، وحضرًا، وهكذا صلاة الفجر يصليها ركعتين سفرًا، وحضرًا، وكذلك سنة الفجر قبلها ركعتين، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يَكُنْ يَدَعُهُمَا أَبَدًا (١). ويصلي الوتر كذلك، لحديث ابن عمر قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، يُومِئُ إِيمَاءً، صَلَاةَ اللَّيلِ إِلَّا الفَرَائِضَ، وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ (٢). أما السنن الرواتب، فالسنة أن لا يصليها في السفر، لحديث ابن عمر قال: صَحِبتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ، فَلَم يَزِدْ عَلَى رَكعَتَينِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ (٣). أما التطوع المطلق فمشروع في الحضر، والسفر مطلقًا: مثل صلاة الضحى، وصلاة الليل. قال النووي: اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر (٤). الصلاة في السفينة والطائرة والقطار: ١ - تصح صلاة الفرض في السفينة والقطار قائمًا عند القدرة. روى البيهقي في سننه من حديث عبد الله بن أبي عتبة قال: صَحِبتُ جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ وَأَبَا سَعِيدٍ الخُدرِيَّ وَأَبَا

стр. 2314

هُرَيرَةَ فِي سَفِينَةٍ، فَصَلَّوا قِيَامًا فِي جَمَاعَةٍ أَمَّهُم بَعضُهُم، وَهُم يَقدِرُونَ عَلَى الجُدِّ (١) (٢). قال الشوكاني: «المراد أنهم يقدرون على الصلاة في البر وقد صحت صلاتهم في السفينة مع اضطرابها، وفيه جواز الصلاة في السفينة وإن كان الخروج إلى البر ممكنًا (٣) اهـ. ولا تصح صلاة الفرض في السفينة قاعدًا لقادر على القيام، فإن عجز عن القيام صلى جالسًا، لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، فيصلي على حسب حاله، ويأتي بما يقدر عليه من القيام وغيره على ما تقدم، ويصلون فيها جماعة على حسب استطاعتهم، ويستقبلون القبلة في الفرض، وكلما انحرفت السفنية عن القبلة اتجهوا إليها» (٤). ٢ - صلاة الفريضة في الطائرة صحيحة فحكمها كحكم السفينة، ويجب على المسلم أن يفعل ما يجب عليه في الصلاة من القيام بالأركان، والواجبات والشروط مثل الطهارة، واستقبال القبلة، ونحو ذلك؛ وإذا كان لا يستطيع القيام بذلك، فلا يصلي بالطائرة، بل ينتظر، إلا إذا علم أن الهبوط سيكون بعد خروج الوقت، وكانت الصلاة التي أدركته في الجو لا يمكن جمعها مع ما بعدها مثل العصر، والفجر، ففي هذه الحال يصليها ولا يؤخرها عن وقتها، فيصليها كما تقدم في صفة صلاة المريض،

стр. 2315

أما إذا أمكن الجمع سواء جمع تقديم أو تأخير، فإنه يفعله. ٣ - الصلاة في السيارة إذا كانت كبيرة وفيها مكان للصلاة يستطيع أن يصلي الفرض قائمًا مع استقبال القبلة، وأداء الشروط، والواجبات فلا حرج كما في السفينة، والطائرة، أما إذا كان لا يستطيع، فإنه لا يصلي في السيارة، إلا إذا لم يستطع الخروج منها، وخشي خروج الوقت، صلى على حسب حاله، أما الصلاة على الرواحل كالإبل، والخيل ونحو ذلك، فلا تصح إلا عند خشيته التأذي بمطر، أو وحل إذا نزل على الأرض، ولكن إذا خشي على نفسه عند النزول من عدو، أو فوات رفقة، فإن عليه أن يستقبل القبلة إن قدر على ذلك، وعليه أن يركع ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ٤ - صلاة النافلة في السفر تصح على جميع وسائل النقل، سواء كانت من السفن، أو الطائرات، أو السيارات .. ونحو ذلك، لكن الأفضل للمصلِّي أن يستقبل القبلة عند تكبيرة الإحرام، ثم يصلي حيث توجهت به السفينة أو الطائرة، أو السيارة، فقد كَانَ ﷺ يُصَلِّي عَلَى الرَّاحِلَةِ حَيثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ (١) (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2316

الكلمة الرابعة والثلاثون: فضائل أهل البيت وحقوقهم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن لآل بيت النبي ﷺ مكانة رفيعة، وفضائل كثيرة ثبتت بالكتاب والسنة، فقد أوصى النبي ﷺ بهم فقال: «أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» (١). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «يعني: اذكروا الله، اذكروا خوفه وانتقامه إن أضعتم حق آل البيت، واذكروا رحمته وثوابه إن قمتم في حقهم، فنحن نحبهم لقرابتهم من رسول الله ﷺ ولإيمانهم بالله، فإن كفروا فإننا لا نحبهم ولو كانوا من أقارب الرسول ﷺ ، فأبو لهب عم الرسول ﷺ لا يجوز أن نحبه بأي حال من الأحوال، بل يجب أن نكرهه لكفره ولإيذائه النبي ﷺ » (٢). وقد اختلف العلماء في المراد بآل بيت النبي ﷺ ؟ على عدة أقوال: والصحيح أنهم الذين حُرِّمَتْ عليهم الصدقة، وهو قول جمهور

стр. 2317

العلماء من المذاهب الأربعة وغيرهم، ورجحه ابن حزم، وابن تيمية، وابن حجر، وغيرهم. واختلفوا في تحديد من تحرم عليه الصدقة؟ على أقوال أشهرها قولان: القول الأول: إنهم بنو هاشم، وبنو المطلب، وهو قول ابن حزم، وابن حجر. القول الثاني: إنهم بنو هاشم فقط، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وابن تيمية. «والمراد ببني هاشم على الصحيح: آل العباس، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الحارث بن عبد المطلب، وأزواجه ﷺ يدخلن في مفهوم آل محمد، بدليل قول الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣ - ٣٤]. فإن هذه الآية تدل على دخولهن حتمًا، لأن سياق الآيات قبلها، وبعدها خطاب لهن» (١). ولما رواه ابن أبي شبيبة بسنده عَنِ ابنِ أَبِي مُلَيكَةَ: أَنَّ خَالِدَ بنَ سَعِيدٍ بَعَثَ إِلَى عَائِشَةَ بِبَقَرَةٍ مِنَ الصَّدَقَةِ فَرَدَّتهَا، وَقَالَتْ: إِنَّا آلَ

стр. 2318

مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ (١). واستدلوا أيضًا بما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْتَى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ، فَيَجِيءُ هَذَا بِتَمْرِهِ، وَهَذَا مِنْ تَمْرِهِ حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهُ كَوْمًا مِنْ تَمْرٍ، فَجَعَلَ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ ﵄ يَلْعَبَانِ بِذَلِكَ التَّمْرِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا تَمْرَةً، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْرَجَهَا مِنْ فِيهِ، فَقَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ لَا يَاكُلُونَ الصَّدَقَةَ؟ » (٢). وفي رواية: «لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ؟ » (٣). وبما رواه مسلم في صحيحه من حديث زيد بن أرقم قال: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ (٤) مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ. أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَاتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ (٥): أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ». فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ

стр. 2319

فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي». فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ (١). ويدخل في ذلك موالي القوم، لما روى الترمذي في سننه من حديث أَبِي رَافِعٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي كَيْمَا تُصِيبَ مِنْهَا، فَقَالَ: لَا، حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْأَلَهُ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ؟ فَقَالَ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَنَا، وَإِنَّ مَوَالِيَ القَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» (٢). وبما رواه الشيخان من حديث عائشة: أَنَّ فَاطِمَةَ أَرسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكرٍ: تَسأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَاكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا المَالِ - يَعْنِي: مَالَ اللَّهِ -، لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَزِيدُوا عَلَى المَاكَلِ» (٣). قال ابن القيم: «فآله ﷺ لهم خواص، منها حرمان الصدقة، ومنها أنهم لا يرثونه» (٤).

стр. 2320

وروى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن الحارث الهاشمي: أَنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ بْنَ رَبِيْعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ رَبِيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَلِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ائْتِيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُولَا لَهُ: استَعمِلنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى الصَّدَقَاتِ؟ فذكر الحديث، وفيه: فَقَالَ لَنَا: «إِنَّ هاَذِهِ الصَّدَقَاتِ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّها لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فبين أن ولد العباس وولد الحارث بن عبد المطلب من آل محمد، تحرم عليهم الصدقة. وأما من أدخل بني المطلب في مفهوم الآل، فاستدل بما روى البخاري في صحيحه من حديث جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ بَنِي المُطَّلِبِ وَتَرَكْتَنَا، وَنَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّمَا بَنُو المُطَّلِبِ، وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ». قَالَ جُبَيْرٌ: وَلَمْ يَقْسِمِ النَّبِيُّ ﷺ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَلَا لِبَنِي نَوْفَلٍ (٢). وعند أبي داود: «إِنَّا وَبَنُو المُطَّلِبِ، لَا نَفْتَرِقُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ، وَإنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ»، وَشَبَّكَ بَيْنَ أصَابِعِهِ (٣). أما فضائل أهل البيت في كتاب الله فهي كثيرة، فمن ذلك:

стр. 2321

قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ولما بيَّن سبحانه أنه يريد أن يذهب الرجس عن أهل بيته ويطهرهم تطهيرًا، دعا النبي ﷺ لأقرب أهل بيته وأعظمهم اختصاصًا به وهم: علي، وفاطمة ﵄، وسيدا شباب أهل الجنة، جمع الله لهم بين أن قضى لهم بالتطهير، وبين أن قضى لهم بكمال دعاء النبي ﷺ ، فكان في ذلك ما دلنا على أن إذهاب الرجس عنهم، وتطهيرهم، نعمة من الله ليسبغها عليهم، ورحمة من الله، وفضل، لم يبلغوها بمجرد حولهم وقوتهم» (١). وهو يشير إلى حديث مسلم في صحيحه بسنده عن عائشة ﵂ قالت: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةً، وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ (٢) مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٣). وذكر أيضًا أنه قد يكون من تمام تطهيرهم: صيانتهم عن الصدقة، التي هي أوساخ الناس (٤). ومنها قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل

стр. 2322

لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِين﴾ [آل عمران: ٦١]. روى مسلم في صحيحه من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ﴾، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا، وَفَاطِمَةَ، وَحَسَنًا، وَحُسَينًا، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي» (١). «وهذه المباهلة كانت لما قدم وفد نجران بعد فتح مكة سنة تسع أو عشر، والآية تدل على كمال اتصالهم برسول الله ﷺ ، كما دلَّ على ذلك حديث الكساء» (٢). وقد عدَّ بعض أهل العلم حديث المباهلة من فضائل أهل البيت، قال الزمخشري: «وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء» (٣). ومنها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]. فالآيات دلت على فضائل زوجات النبي ﷺ ، وذلك بأنهن خُيِّرْنَ بين إرادة الدنيا وزينتها، وبين إرادة الله ورسوله، والدار الآخرة، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة ﵅. ويدل على فضلهن أيضًا: قوله تعالى في آية أخرى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى

стр. 2323

بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. فقد وصفهن بأنهن أمهات المؤمنين. أما فضائل أهل البيت من السنة فهي كثيرة، فمن ذلك: ١ - ما رواه مسلم في صحيحه من حديث واثلة الأسقع ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ (١)، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ (٢)، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ (٣) بَنِي هَاشِمٍ (٤)، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» (٥). «والذي عليه أهل السنة والجماعة أن قريشًا أفضل العرب، وأن بني هاشم أفضل قريش، وأن رسول الله ﷺ أفضل بني هاشم، فهو أفضل الخلق نفسًا وأفضلهم نسبًا، وليس فضل العرب ثم قريش ثم بني هاشم، لمجرد كون النبي منهم، وإن كان هذا من الفضل، بل هم في أنفسهم أفضل، وبذلك يثبت لرسول الله ﷺ أنه أفضل نفسًا ونسبًا والإلزم الدور» (٦). ٢ - روى أحمد في مسنده من حديث العباس ﵁ قال: بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ بَعضُ مَا يَقُولُ النَّاسَ، فَصَعِدَ المِنبَرَ فَقَالَ: «مَنْ أَنَا؟ » قَالُوا:

стр. 2324

أَنتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: «أَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ. إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الَخَلْقَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ خَلْقِهِ، وَجَعَلَهُمْ فِرْقَتَيْنِ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ فِرقَةٍ، وَخَلَقَ القَبَائِلَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ قَبِيلَةٍ، وَجَعَلَهُمْ بُيُوتًا فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ بَيْتًا، فَأَنَا خَيْرُكُمْ بَيتًا وَخَيْرُكُمْ نَفْسًا» (١). ٣ - روى البخاري ومسلم من حديث كعب بن عجرة: أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : كَيفَ نُصَلِّي عَلَيكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (٢). فالصلاة والسلام على آل محمد وأهل بيته، تقتضي أن يكونوا أفضل من سائر أهل البيوت. ٤ - حديث غدير خم وسبق الكلام عليه. «أما حقوقهم، فلا شك أن لأهل بيت النبي ﷺ حقوقًا لا يشاركهم فيها أحد من الأمة، وخصائص امتازوا بها على غيرهم، وذلك لمنزلتهم من النبي ﷺ مع الإيمان به، وقد كانت تلك الحقوق والخصائص محط اهتمام علماء السنة والجماعة، وألفوا في ذلك المؤلفات» (٣). فمن تلك الحقوق: محبتهم، وتقديرهم، وموالاتهم، تنفيذًا لوصية النبي ﷺ عندما قال: «أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» (٤).

стр. 2325

ولا ينزلونهم فوق منزلتهم، بل يتبرؤون ممن يغلون فيهم حتى يوصلوهم إلى حد الألوهية، كما فعل عبد الله بن سبأ في علي بن أبي طالب حين قال له: أنت الله! ! قال القرطبي: «وهذه الوصية، وهذا التأكيد العظيم يقتضي وجوب احترام أهله، وإبرارهم، وتوقيرهم، ومحبتهم، وجوب الفروض المؤكدة التي لا عذر لأحد في التخلف عنها» (١). وكان أول من امتثل ذلك أصحاب رسول الله ﷺ ، وفي مقدمتهم الشيخان أبو بكر، وعمر. روى البخاري في صحيحه من حديث أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: «ارقُبُوا مُحَمَّدًا ﷺ فِي أَهلِ بَيتِهِ» (٢)، والمعنى: احفظوه فيهم، فلا تؤذوهم، ولا تسيئوا إليهم (٣). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي بكر أنه قال: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَحَبُّ إِلَيَّ أَن أَصِلَ مِن قَرَابَتِي (٤). وكان عمر يقدمهم في العطاء على جميع الناس، ويفضلهم في العطاء على جميع الناس، حتى إنه لما وضع الديوان للعطاء كتب أسماء الناس، قالوا: نبدأ بك؟ قال: لا، ابدؤوا بأقارب رسول الله ﷺ ، وضعوا عمر حيث وضعه الله، فبدأ ببني هاشم، وضم إليهم بني المطلب (٥).

стр. 2326

ومن حقوقهم: الصلاة عليهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: آل بيت رسول الله ﷺ لهم من الحقوق ما يجب رعايتها فإن الله جعل لهم حقًا في الخمس، والفيء، وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله ﷺ ، فالصلاة على آل محمد ﷺ حق لهم عند المسلمين، وذلك سبب لرحمة الله تعالى لهم بهذا السبب (١). قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وقد تقدم حديث كعب بن عجرة ﵁ في الصلاة على النبي ﷺ . ومن حقوقهم: ما تقدم أن الله جعل لهم حقًا في الخمس، والفيء، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]. وقال تعالى: ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧]. فالله تعالى لما حَرَّمَ الصدقة على آل محمد تطهيرًا لهم، عوَّضهم بما يغنيهم من خمس الغنائم، ومن الفيء الذي جُعل منه رزق محمد، حيث قال ﷺ ، فيما رواه أحمد في مسنده من حديث ابن عمر: «بُعِثْتُ بِالسَّيفِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمحِي، وَجُعِلَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ

стр. 2327

عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2328

الكلمة الخامسة والثلاثون: الإيمان بالله الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن من أعظم ما أمر الله به عباده: الإيمان به وحده، والكفر بما سواه، وهو العروة الوثقى التي من تمسك بها نجا وفاز، ومن تركها خاب وخسر، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيم﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. والآيات في الأمر بالإيمان بالله، والترغيب فيه، وبيان فضله، والتحذير من تركه كثيرة، قال تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ [المائدة: ٥]. وأركان الإيمان ستة، أعظمها الإيمان بالله تعالى، ففي حديث جبريل أن النبي ﷺ قال: «الإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (١). والإيمان محله القلب، وآثاره الأقوال، والأعمال الصالحة،

стр. 2329

والإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: «أولًا: الإيمان بوجود الله تعالى وقد دل على وجوده الفطرة، والعقل، والشرع، والحس، أما دلالة الفطرة، فإن كل مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه، من غير سبق تفكير، أو تعليم، ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة، إلا من طرأ على قلبه ما يصرفه عنها، لقول النبي ﷺ : «مَا مِن مَولُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَو يُنَصِّرَانِهِ، أَو يُمَجِّسَانِهِ»، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيرَةَ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] (١). وأما دلالة العقل على وجود الله تعالى، فلأن هذه المخلوقات سابقها ولاحقها لا بد لها من خالق أوجدها، إذ لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها، ولا يمكن أن توجد صدفة، ولا يمكن أن توجد نفسها بنفسها، لأن الشيء لا يخلق نفسه، لأنه قبل وجوده معدوم، فكيف يكون خالقًا؟ ! ولا يمكن أن توجد صدفة، لأن كل حادث لا بد له من مُحدِثٍ، ولأن وجودها على هذا النظام البديع، والتناسق المتآلف، والارتباط الملتحم بين الأسباب ومسبباتها، وبين الكائنات بعضها مع بعض، يمنع منعًا باتًّا أن يكون وجودها صدفة، إذ الموجود صدفة ليس على نظام في أصل وجوده، فكيف يكون منتظمًا حال بقائه وتطوره؟ !

стр. 2330

فكذلك هذه الطيور، والجبال، والشمس والقمر، والنجوم، والرمال، والبحار .. وغير ذلك لا يمكن أن توجد صدفة أبدًا، فتعين أن يكون لها مُوجِدٌ وهو الله رب العالمين. وقد ذكر الله هذا الدليل العقلي، فقال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون﴾ [الطور: ٣٥]. يعني: أنهم لم يُخلقوا من غير خالق، ولا هم الذين خلقوا أنفسهم، فَتَعَيَّنَ أن يكون خالقهم هو الله ﵎. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقرَأُ فِي المَغرِبِ بِالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لَاّ يُوقِنُون﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٦]، كَادَ قَلبِي أَن يَطِيرَ (١). وأما دلالة الحس على وجود الله، فمن وجهين: أحدهما: أننا نسمع ونشاهد من إجابة الداعين، وغوث المكروبين، ما يدل دلالة قاطعة على وجوده تعالى، قال سبحانه: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء: ٧٦]. وقال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]. وفي صحيح البخاري من حديث أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: إِنَّ أَعرَابِيًّا دَخَلَ المَسجِدَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الأَموَالُ، وَانقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا»، قَالَ أَنَسٌ: فَمَا رَأَينَا الشَّمسَ سَبْتًا (٢)، حَتَّى جَاءَ

стр. 2331

الأَعرَابِيُّ الجُمُعَةَ القَادِمَةَ، فَقَالَ: هَلَكَتِ الأَموَالُ، وَانقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا»، فَتَوَقَّفَ المَطَرُ (١). وما زالت إجابة الداعين أمرًا مشهودًا إلى يومنا هذا. الوجه الثاني: أن آيات الأنبياء التي تسمى المعجزات ويشاهدها الناس أو يسمعون بها، برهان قاطع على وجود مرسلهم وهو الله تعالى، لأنها أمور خارجة عن نطاق البشر، يجريها الله تأييدًا لرسله، ونصرة لهم، مثال ذلك: آية موسى ﵇ حين أمره الله أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق اثني عشر طريقًا يابسًا، والماء بينهما كالجبال، قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيم﴾ [الشعراء: ٦٣]. مثال آخر: آية عيسى ﵇ حيث كان يحيي الموتى، ويخرجهم من قبورهم بإذن الله، قال الله تعالى: ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ﴾ [آل عمران: ٤٩]. وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]. ومثال ثالث: لنبينا محمد ﷺ حين طلبت منه قريش آية، فأشار إلى القمر فانفلق فرقتين فرآه الناس، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَر * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِر﴾ [القمر: ١ - ٢]. فهذه الآيات المحسوسة التي يجريها الله تعالى تأييدًا لرسله، ونصرًا لهم، تدل دلالة قطعية على وجوده تعالى. أما دلالة الشرع، فلأن الكتب السماوية كلها تنطق بذلك،

стр. 2332

وما جاءت به من الأحكام المتضمنة لمصالح الخلق، دليل على أنها من رب حكيم عليم بمصالح خلقه، وما جاءت به من الأخبار الكونية التي شهد الواقع بصدقها، دليل على أنها من رب قادر على إيجاد ما أخبر به» (١). ثانيًا: الإيمان بربوبيته ومعناه الاعتقاد الجازم بأن الله وحده لا شريك له، الخالق الرازق، المدبر للعالم كله والمتصرف فيه، وأنه خالق العباد ورازقهم ومحييهم ومميتهم، وقد دلت الأدلة الشرعية على وجوب الإيمان بربوبيته سبحانه، قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِين﴾ [الأعراف: ٥٤]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين﴾ [الذاريات: ٥٨]. وهذا النوع من التوحيد لم يخالف فيه كفار قريش، فكانوا يقرون به مع إشراكهم في توحيد الألوهية، قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُون﴾ [العنكبوت: ٦١]. وقال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُون * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُون * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُون﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩].

стр. 2333

ويجب أن يعلم أن ما ذكره الله عن الكفار من الاعتراف، إنما هو إقرار وليس هو المعرفة لله، والعلم به التي تدعو إلى محبة الله، وحمده، وشكره، وأنه وحده المستحق للعبادة، وأن التقليل من شأن هذا النوع من التوحيد - أعني: توحيد الربوبية - بناءً على اعتراف الكفار به، وأنه لم ينفعهم، دليل على أن قائل ذلك لم يفهم توحيد الربوبية كما أراد الله، وقد أبدى الله تعالى وأعاد في كتابه الكريم في بيان هذا النوع، وعرف نفسه إلى خلقه حتى يعبدوه على بصيرة، ويوحدوه على علم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر: ٢٨]. فالعلماء هم العارفون بالله، وقد جاءت هذه الآية بعد ذكر الآيات التي تعرفه إلى خلقه، وإليك الآيات فتدبر: قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ [فاطر: ٢٧]. وتوحيد العبادة لا يتحقق على وجه الكمال إلا بمعرفة توحيد الربوبية، ولذا نجد أن الله تعالى إذا أمر بتوحيده ذكر قبله أو بعده توحيد الربوبية برهانًا على استحقاقه لذلك، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ [البقرة: ٢١]، وقال تعالى: ﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَاّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى * تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [طه: ١ - ٨]. وهذه المعرفة هي التي تنفع صاحبها حين يدخل قبره، فيُسأل من ربك؟ فمن عرف الله معرفة صحيحة أجاب إجابة صحيحة، فقال: (ربي الله)، ومن كانت معرفته معرفة الكفار، لا يتجاوز الإقرار القهري، فإنه لا يستطيع الإجابة.

стр. 2334

ثالثًا: الإيمان بألوهيته: وهو توحيد العبادة التي هي سر الوجود، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُون﴾ [الذاريات: ٥٦]، ومعنى ذلك: أن تكون العبادة بجميع أنواعها، والطاعة المطلقة لله تعالى لا يصرف منها شيء لغيره، فكما أنه المتوحد بالخلق، فالأمر الواجب طاعته، قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِين﴾ [الأعراف: ٥٤]. إن العبادة التي يريد منا ربنا إفراده بها، هي التي تكون ناتجة عن طبيعتين فطر الله الإنسان عليها، وهما الإعجاب بالعظمة، والاعتراف بالجميل، والعبد إذا نظر إلى آيات الله في نفسه وما حوله، تبين له عظمة الله تعالى وجلاله، وقدسيته، وكماله، قال تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُون﴾ [الذاريات: ٢١]، كما أنه إذا نظر إلى ما أنعم الله به عليه، وعنايته به، وأنه لا يطعم إلا من رزقه، ولا يكسي إلا من ستره، ولا ينجو من كرب وشدة إلا بإنقاذه دعاه ذلك إلى الاعتراف بنعمائه، والشكر لإحسانه، فيقوم بالعبادة، ويتفانى فيها حبًا له، وتعظيمًا لشأنه، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُون﴾ [النحل: ٥٣]، على هذا الأساس تربى محمد ﷺ وربى أصحابه، فأول ما نزل عليه من القرآن: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَق * اقْرَا وَرَبُّكَ الأَكْرَم * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم﴾ [العلق: ١ - ٥]، وأول ما أمر به من دعوة الخلق تعظيم ربه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّر * قُمْ فَأَنذِر * وَرَبَّكَ فَكَبِّر﴾ [المدثر: ١ - ٣]. رابعًا: الإيمان بأسماء الله وصفاته: قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي

стр. 2335

أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ [الأعراف]، فأسماؤه جلا وعلا حسنى، وصفاته عليا، وما من اسم من أسمائه إلا وهو يتضمن صفة أو أكثر من صفاته، فاسمه الرحمن يتضمن صفة الرحمة، واسمه الكريم يتضمن صفة الكرم، والإيمان بها يستلزم إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله من الأسماء والصفات على الوجه الذي يليق بجلاله وعظمته، على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير﴾ [الشورى: ١١]، فأثبت لنفسه اسمين عظيمين وهما السميع والبصير، وقد تضمنت صفتين كريمتين وهما: أنه يسمع ويرى، وهاتان الصفتان لا تشبهان صفات المخلوقين، ولذا قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وما يريده الله من حين علمنا أن هذين الاسمين من أسمائه وما تضمنت من الصفات هي صفاته، هو أن نعلم أنه يرانا فلا نأتي إلا ما يرضيه، ونحذر أن يسمع منا ما يسخطه، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَاّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَاّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ [المجادلة: ٧]، وهكذا سائر الأسماء والصفات. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2336

الكلمة السادسة والثلاثون: من أحكام الأطعمة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. لما كان الطعام يتغذى به جسم الإنسان، وينعكس أثره على أخلاقه وسلوكه، فالأطعمة الطيبة يكون أثرها طيبًا على الإنسان، والأطعمة الخبيثة بضد ذلك، ولذلك أمر الله العباد بالأكل من الطيبات، ونهاهم عن الخبائث، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَالاً طَيِّباً﴾ [البقرة: ١٦٨]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون﴾ [البقرة: ١٧٢]. وجاء في وصف النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. والأطعمة: جمع طعام، وهو ما يؤكل ويشرب. والأصل في الأطعمة الحل، فلا يحرم منها إلا ما جاء الدليل بتحريمه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة: ٢٩] (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الأصل فيها الحل لمسلم عمل صالحًا، لأن الله تعالى إنما أحل الطيبات لمن يستعين بها على

стр. 2337

طاعته، لا على معصيته، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين﴾ [المائدة: ٩٣]. ولهذا لا يجوز أن يستعان بالمباح على المعصية، كمن يعطي اللحم، والخبز من يشرب عليه الخمر، ويستعين به على الفواحش» (١). فالله تعالى أباح لعباده المؤمنين الطيبات لكي ينتفعوا بها، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]. فكل ما لم يبين الله ولا رسوله تحريمه من المطاعم، والمشارب فلا يجوز تحريمه، فإن الله قد فصَّل لنا ما حرم، فما كان حرامًا فلا بد أن يكون تحريمه مفصلًا، فكما أنه لا يجوز إباحة ما حرم الله، فكذلك لا يجوز تحريم ما عفا الله عنه ولم يحرمه، قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، فما لم يبين تحريمه فهو حلال. روى الحاكم في مستدركه من حديث أبي الدرداء ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَا أَحَلَّ أَحَلَّ اللَّهُ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَافِيَةٌ، فَاقْبَلُوا مِنَ اللَّهِ العَافِيَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ نَسِيًّا» (٢). ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]. فقد ذكر أهل العلم قواعد في بيان ما يحرم من الأطعمة، وبعض

стр. 2338

هذه المحرمات يدخل تحت أكثر من قاعدة: القاعدة الأولى: ما جاء النص بتحريمه، وهي أنواع، وينقسم إلى قسمين: (أ) نصوص عامة تشمل أفرادًا كثيرةً: كالنص على تحريم كل ذي ناب من السباع (١) وهي التي تفترس بنابها (٢)، مثل: الأسد، والفهد، والسِّنَّور (الهر)، والهدهد، والكلب، والنمر، ونحوه. وكل ذي مخلب (٣) من الطير، وهي سباع الطير التي تصيد بمخلبها: كالعقاب، والباز، والصقر، والحدأة، والبومة، والنسر، والرخم. روى البخاري ومسلم من حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ (٤). وروى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ قال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ (٥). قال ابن القيم ﵀: «قد تواترت الآثار عن النبي ﷺ بالنهي

стр. 2339

عن أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وصحت صحة لا مطعن فيها من حديث علي، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي ثعلبة الخنشي» (١). (ب) ما جاء النص في تحريمه بخصوصه: ١ - الخنزير: لأنه يتغذى على القاذورات، وكل شيء من الخنزير حرام، وتخصيص اللحم بالذكر لأنه يقصد في العادة، والخنزير حيوان مسخ بصورته قوم، وقد جمع الله هذه الثلاث في قوله تعالى: ﴿إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. ٢ - الدم: المراد به الدم المسفوح، لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الصحيح أنه إنما يحرم الدم المسفوح المصبوب المهراق، فأما ما يبقى في عروق اللحم فلم يحرمه أحد من العلماء» (٢). ٣ - الحمار الأهلي: لما ورد في الصحيحين من حديث جابر ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى يَومَ خَيبَرَ عَن لُحُومِ الحُمُرِ الأَهلِيَّةِ (٣). قال ابن المنذر: «لا خلاف بين أهل العلم اليوم في تحريمها» (٤). (ج) ما جاء النص بالنهي عن بيعه، وشرائه كالكلب، والهر.

стр. 2340

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي مسعود الأنصاري: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث أَبِي الزُّبَيرِ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ؟ قَالَ: زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ (٢). ٢ - ما لم يُذَكَّ ذكاة شرعية من الحيوان المباح، أو الطير، كالميتة، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، وما أهل لغير الله به، وما ذبح على النصب، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَاّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]. أ - الميتة: وهي ما مات حتف أنفه، وفارقته الحياة بدون ذكاة شرعية، وحرِّمت لما فيها من المضرة بسبب الدم المحتقن، وخبث التغذية، وتجوز للمضطر بقدر الحاجة. ب - ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾: أي: ذُبِحَ على غير اسمه تعالى، وهذا حرام لما فيه من الشرك المنافي للتوحيد، فإن الذبح عبادة لا يجوز صرفها لغير الله تعالى، قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. ج - المنخنقة: هي التي تخنق فتموت إما قصدًا، أو بغير قصد. د - الموقوذة: هي التي تضرب بعضا، أو شيء ثقيل فتموت.

стр. 2341

هـ - المتردية: هي التي تتردى من مكان عال فتموت. و- النطيحة: هي التي تنطحها أخرى فتقتلها. ز - ما أكل السبع: هي التي يعدو عليها أسد، أو نمر، أو ذئب أو كلب، فيأكل بعضها فتموت بسبب ذلك، فما أدرك من هذه الخمسة الأخيرة وبه حياة فذكي فإنه حلال الأكل لقوله تعالى: ﴿إِلَاّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾. ن - ما ذبح على النصب: وهي حجارة كانت منصوبة حول الكعبة وكانوا في الجاهلية يذبحون عندها، فهذه لا يحل أكلها، وذلك لأن المذبوح عند النصب معتد به تعظيم الطاغوت دلالة وإن لم يتلفظ باسمه فهو بمنزلة ما أهل لغير الله به» (١). ٣ - الجلالة: وهي كل حيوان، أو طائر حلال يتغذى على النجاسات، ولا تحل إلا تحبس على طعام طيب مدة تكفي لزوال أثر ذلك الطعام الخبيث. روى أبو داود في سننه من حديث ابن عمر ﵄ قال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا (٢). وسواء في ذلك الإبل، والبقر، والغنم، والدجاج، ونحوها. قال ابن القيم ﵀: «أجمع المسلمون على أن الدابة إذا علفت بالنجاسة ثم حبست، وعلفت الطاهرات، حل لبنها، ولحمها، وكذا الزرع، والثمار إذا سقيت بالماء النجس ثم سقيت بالطاهر حلت،

стр. 2342

لاستحالة وصف الخبيث وتبدله بالطيب» (١). ٤ - ما كان ضارًا كالسموم، والمخدرات، والمسكرات، قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ، يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» (٢). روى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِنَّ عَلَى اللَّهِ عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: «عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ» (٣). ٥ - ما قطع من البهيمة. روى أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه من حديث أبي واقد الليثي ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ، فَهُوَ مَيْتَةٌ» (٤). ٦ - ما تولد من حيوان مباح، وحرام، كالبغل المتولد من الخيل، والحمر الأهلية.

стр. 2343

القاعدة الثانية: ما جاء النص بالنهي عن قتله من الحيوانات، والطيور، والحشرات. روى أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه من حديث ابن عباس: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَن قَتلِ النَّحلَةِ، وَالنَّملَةِ، وَالصُّرَدِ، وَالهُدهُدِ (١)، وفي رواية لابن ماجه: وَالضِّفدَعِ (٢). وروى أحمد في مسنده من حديث عبد الرحمن بن عثمان ﵁ قال: ذَكَرَ طَبِيبٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَوَاءً، وَذَكَرَ الضِّفْدَعَ يُجْعَلُ فِيهِ، فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِ الضِّفْدَعِ (٣). القاعدة الثالثة: ما جاء النص في الأمر بقتله من الحيوانات والطيور، إذ لو كان حلالًا لما أمر بقتله، وترك ذلك للحاجة. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الأَبْقَعُ (٤)، وَالْفَارَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا» (٥). «وألحق بعض أهل العلم أنواعًا أخرى من الغربان بالأبقع، مثل

стр. 2344

غراب البين، وهو أكبر الغربان، والعقعق (١)، والأعصم (٢)، وعللوا ذلك بأنها مستقبحة لأكلها الخبائث، واتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحب من ذلك، ويقال له: غراب الزرع، ويقال له: الزاغ، وأفتوا بجواز أكله، وبقي ما عداه ملتحقًا بالأبقع» (٣). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أم شريك ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ، وَقَالَ: «كَانَ يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇» (٤). القاعدة الرابعة: ما كان في أكله ضرر من الحيوانات السامة. كالحيات، والعقارب، والسموم الموجودة في الأعشاب، والمخدرات، والمسكرات. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «لَا ضَرَرَ، وَلَا ضِرَارَ» (٥). القاعدة الخامسة: ما يستخبثه أصحاب الفطر السليمة. كل خبيث حرام، وبهذا بعث الله محمدًا ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ومن تلك الخبائث المحرمة: الحشرات، الزنابير، والخنافس،

стр. 2345

والفراش، والصراصير، وأم حبيل، .. وغيرها، وكل ما لم يدخل تحت هذه القواعد السابقة فهو حلال، سواء من الحيوانات البرية أو البحرية، أو الأطعمة، أو الأشربة، وقد أحلَّ الله لعباده الطيبات وهي كثيرة جدًّا تغنيهم عمَّا حَرَّمَ من الخبائث، ومن ذلك على سبيل التمثيل لا الحصر: ١ - صيد البحر، وطعامه، قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]. وصيده ما صيد حيًّا، وطعامه ما مات فيه من حيتانه وأسماكه. روى أبو داود والترمذي في سننهما من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال في البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيتَتُهُ» (١). وكل ما يعيش إلا في البحر فإنه حلال، سواء صيد حيًّا أو لفظه البحر ميتًا، ولا يستثنى من ذلك إلا ما كان ضارًّا لكونه سامًّا، أو ما وقع الخلاف في حله، وهي الحيوانات البحرية المحرم جنسها في البر، مثل الخنزير، والكلب؛ أما التمساح، والضفدع ونحوهما مما يعيش في البر والبحر، فلا تدخل في صيد البحر، ولا طعامه، ويطبق عليها القواعد السابقة. ٢ - الجراد: روى الإمام أحمد في مسنده، وابن ماجه في سننه من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» (٢). ٣ - الكبد والطحال، فهما وإن كانا دمين، فقد جاء النص بحلهما كما سبق.

стр. 2346

٤ - بهيمة الأنعام: الإبل، والبقر، والغنم. ٥ - الخيل. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: نَحَرنَا عَلَى عَهدِ النَّبِيِّ ﷺ فَرَسًا فَأَكَلنَاهُ (١). ولحديث جابر ﵁ قال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، وَرَخَّصَ فِي الْخَيْلِ (٢). ٦ - الحمار الوحشي: وهو غير المستأنس، لحديث أبي قتادة: أَنَّهُ رَأَى حِمَارًا وَحشِيًّا، فَعَقَرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هَل مَعَكُم مِن لَحمِهِ شَيءٌ؟ » قَالَ: مَعَنَا رِجلُهُ، فَأَخَذَهَا، فَأَكَلَهَا (٣). ٧ - الضب: لحديث ابن عباس ﵄ قال: أُكِلَ الضَّبُّ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٤)، ولقوله ﷺ : «كُلُوا فَإِنَّهُ حَلَالٌ، وَلَكِنَّهُ لَيسَ مِن طَعَامِي» (٥). ٨ - الجربوع. ٩ - الأرنب: روى البخاري ومسلم من حديث أنس ﵁: أَنَّهُ أَخَذَ أَرنَبًا، فَذَبَحَهَا أَبُو طَلحَةَ، وَبَعَثَ بِوَرِكِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَبِلَهُ (٦). ١٠ - الضبع: لما رواه الترمذي في سننه من حديث ابْنِ أَبِي

стр. 2347

عَمَّارٍ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرٍ: الضَّبُعُ صَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: قُلْتُ: آكُلُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَقَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ (١). قال ابن حجر: وقد ورد في الضبع أحاديث لا بأس بها (٢). ١١ - الطيور الطيبة: مثل الحجل، والدارج، والقمري، .. ، ونحوها. ١٢ - الدجاج: روى البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَاكُلُ دَجَاجًا (٣). ١٣ - الوبر. هذه بعض الأحكام المتعلقة بالأطعمة، والأمثلة الواردة على سبيل المثال لا الحصر، وبقيت أحكام أخرى يستكمل الحديث عنها في كلمة قادمة إن شاء الله. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2348

الكلمة السابعة والثلاثون: شهادة الزور والتحذير منها الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن من أعظم الذنوب عند الله تعالى بعد الشرك به سبحانه: شهادة الزور، ففيها مفسدة للدين، والدنيا، وللفرد والمجتمع، وكذب، وبهتان، وأكل للمال بالباطل، وسبب لانتهاك الأعراض، وإزهاق النفوس. قال القرطبي: «شهادة الزور هي الشهادة بالكذب ليتوصل بها إلى الباطل من إتلاف نفس، أو أخذ مال، أو تحليل حرام، أو تحريم حلال» (١). وقد جاء التحذير الشديد من شهادة الزور، فقال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور﴾ [الحج: ٣٠]. كما جاء المدح لمجتنبيها، فقال تعالى في صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي بكرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ » قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ

стр. 2349

النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ» (١). وروى البخاري ومسلم من حديث أبي بكرة: أن النبي ﷺ قال: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ » (ثَلَاثًا)، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ»، وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقَالَ: «أَلَا وَقَولُ الزُّورِ». قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، حَتَّى قُلْنَا: لَيتَهُ سَكَتَ (٢). «ففي هذين الحديثين الصحيحين عظم النبي ﷺ شهادة الزور غاية التعظيم، وحذر منها غاية التحذير بقوله، وفعله، حيث كان يتحدث عن الشرك والعقوق متكئًا، فلما ذكر شهادة الزور جلس ليبيِّن فداحتها وعظمها، وجعل يكرر القول بها حتى قال الصحابة: لَيتَهُ سَكَتَ، وعظمها أيضًا حين صدر القول عنها بأداة التنبيه: (أَلَا؟ )، وحين فصلها في الحديث السابق عما قبلها من الكبائر وقال: «أَلَا وَقَولُ الزُّورِ» (٣)». قوله: وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا، قال الحافظ ابن حجر: «يشعر بأنه اهتم بذلك حتى جلس بعد أن كان متكئًا، ويفيد ذلك تأكيد تحريمه، وعظم قبحه، وسبب الاهتمام بذلك كون قول الزور، أو شهادة الزور أسهل وقوعًا على الناس والتهاون بها أكثر، فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم، والعقوق يصرفه عنه الطبع، وأما الزور فالحوامل عليه كثيرة

стр. 2350

كالعداوة، والحسد، وغيرهما؛ فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمه، وليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى ما ذكر معها من الإشراك قطعًا، بل لكون مفسدة الزور متعدية إلى غير الشاهد، بخلاف الشرك فإن مفسدته قاصرة غالبًا» (١). اهـ وشهادة الزور قرينة الشرك بالله، قال عبد الله بن مسعود: تُعدل شهادة الزور بالشرك، وقرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور﴾ [الحج] (٢). ومن الفتن التي أخبر النبي ﷺ أنها تقع في آخر الزمان: شهادة الزور. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن مسعود: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ تَسْلِيمَ الْخَاصَّةِ، وَفُشُوَّ التِّجَارَةِ، حَتَّى تُعِينَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا عَلَى التِّجَارَةِ، وَقَطْعَ الْأَرْحَامِ، وَشَهَادَةَ الزُّورِ، وَكِتْمَانَ شَهَادَةِ الْحَقِّ، وَظُهُورَ الْقَلَمِ» (٣). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عمران بن حصين ﵁ قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ بَعْدَكُم قَوْمًا يَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ» (٤). وفي رواية: «ثُمَّ يَجِيءُ أَقوَامٌ تَسبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِم يَمِينَهُ،
следующие страницы →