وليس بخافٍ عليَّ أن هذه الموضوعات وأمثالها تحتاج في بيانها وتفصيلها إلى ما هو أوسع من ذلك، غير أني أحببت ألا يخلو الكتاب منها لأهميتها، وحاجة واقع المسلمين إليها، مع بذل الجهد إلى ذكر أصولها والإشارة إلى مراجعها، فهذا عذري للقارئ الكريم، وأملي أن يكون عذرًا مقبولًا مع انشراح صدري بقبول ما يتفضل به كل من اطلع على كتابي هذا من نصائح وتنبيهات، والمسلم مرآة أخيه، والتعاون على البر والتقوى توجيه رباني كريم، والدال على الخير كفاعله.
أسأل الله تعالى أن يرزقنا السداد في أقوالنا، والصواب في أعمالنا، والإخلاص في نياتنا، وأن يردنا وإخواننا المسلمين إليه ردًّا جميلًا، وأن يعز دينه، ويعلي كلمته، وينصر عباده المجاهدين الصادقين، وأن يقينا وإياهم شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المؤلف
الرياض ٨/ ٧/ ١٤٣٧ هـ
стр. 2382
الكلمة الأولى
فوائد من حديث: إن الله إذا استودع شيئًا حفظه
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
روى ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا استُودِع اللَّهُ شيئًا حفِظه» (١). وفي الحديث فوائد منها:
١ - مشروعية الدعاء بالحفظ، قال تعالى عن نبي الله يعقوب ﵇، ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)﴾ [يوسف: ٦٤].
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول عند نومه: «باسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبي، وَبِكَ أَرْفَعُه، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسي فارْحَمْها، وَإِنْ أَرْسَلْتَها فاحْفَظْها بِما تَحْفَظُ بِه عِبادَكَ الصّالِحين» (٢).
стр. 2383
وروى أبو داود في سننه من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «دعوات المكروب: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (١).
٢ - مشروعية الدعاء بالاستيداع، روى الترمذي في سننه من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان إذا ودَّع أصحابه في السفر يقول لأحدهم: «أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ» (٢). والسنة أن يرد عليه المسافر: «أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه»، فقد روى الطبراني في كتاب الدعاء أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُسَافِرَ، فَلْيَقُلْ لِمَنْ يُخَلِّفُ: أَسْتَوْدِعُكُمُ اللَّهَ الَّذِي لا تَضِيع وَدَائِعُهُ» (٣).
قوله: أستودع الله دينك: «أي أطلب منه حفظ دينك وأمانتك، أي حفظ أمانتك فيما تزاوله من الأخذ والإعطاء ومعاشرة الناس في السفر، وقيل: المراد بالأمانة: الأهل والأولاد الذين خلفهم، وقيل: المراد بالأمانة: التكاليف كلها» (٤).
وقوله: وخواتيم عملك: قال القاري: «والأظهر أن المراد به
الَّتِي فِيهَا الْمَالُ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، فَأَتَى بِالأَلفِ دِينَار، فَقَال: وَاللَّه مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ، فَمَا وَجَدْتُ
مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ، قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ هَذَا الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الْخَشَبَةِ، فَانْصَرِفْ بِالأَلفِ الدِينَار رَاشِدًا» (١).
٣ - أن الله ما استودع شيئًا إلا حفظه؛ ولذلك شرع لنا نبينا ﷺ أن نستودع الله أنفس الأشياء لدينا وهي الدين والأمانة، وخواتيم الأعمال.
ومن القصص التي تُذكر في هذا الشأن: أن الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز لما كان في مرض موته قيل له: يا أمير المؤمنين، أفقرت أفواه بنيك من هذا المال، وتركتهم فقراء لا شيء لهم، فقال: أدخلوهم عليَّ، فأدخلوهم بضعة عشر ذكرًا ليس فيهم بالغ، فلما رآهم ذرفت عيناه، ثم قال: يا بني! والله ما منعتكم حقًّا هو لكم، ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم، وإنما أنتم أحد رجلين، إما صالح فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح فلا أخلف له مما يستعين به على معصية الله، قوموا عني، قال الراوي: فلقد رأيت بعض ولده حمل على مئة فرس في سبيل الله، أغناه الله وأعطى من ماله مئة فرس يُجاهد عليها في سبيل الله.
стр. 2386
ومن القصص المعاصرة: ما حدثني أحد المشايخ أن امرأتين من أقاربه كانتا على سفر، وفي بيت واحد، إحداهن وضعت الأغراض في دولابها ونسيت المفتاح، فتذكرت بعد السفر، فقالت: أستودعه الله، أما الأخرى فوضعت الأغراض وقفلت عليها بالمفتاح، فجاء اللصوص وسرقوا الأغراض المقفل عليها، ولم يسرقوا الأغراض المستودعة.
قصة أخرى: حدثني أحد أئمة المساجد أنه ذهب بسيارته إلى إحدى المحلات لشراء ما يلزم، وأوقف سيارته أمام المحل، ونظرًا لاستعجال الأمر فقد تركها تشتغل ونزل يشتري ما يلزم، فتنبه لذلك أحد اللصوص فركب السيارة وانطلق بها، يقول: فجعلت أنادي سيارتي .. سيارتي ولكن دون جدوى، فعند ذلك قلت: اللهم إني استودعتك سيارتي، وبعد فترة اتصل بي من أخبرني أن سيارتي في المكان الفلاني القريب من مكان السرقة وهي بحالة سليمة.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2387
الكلمة الثانية
فوائد من حديث بركة الغازي في ماله حيًّا وميتًا
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فإن البركة ما حلت في قليل إلا كثر، ولا كثير إلا نفع، وكثرة الشيء لا تدل على خيريته، بل الخير في الشيء المبارك وإن كان قليلًا، فالمبارك وإن كان قليلًا في نظر العين فإنه أفضل من الكثير في نظر العين إذا لم يكن مباركًا، وإن الكثير ليعجب إلا أنهما لا يستويان، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠].
وهذه الحقائق العظيمة التي لا ينتفع بها إلا صاحب الفهم الثاقب، واليقين الصادق، فإن البركة في الوقت كثرة الأعمال الصالحة فيه، وفي العمل العمل به وتعميم نفعه، وفي المال كفايته والقناعة به، وفي الصحة تمامها وسلامتها، وفي الأولاد صلاحهم وبرَّهم، وفي الزوجة صلاحها وحسن تبعلها لزوجها، وتربيتها لأولادها، وطيب عشرتها، وحسن تدبيرها.
قال البخاري في صحيحه: باب بركة الغازي في ماله حيًّا وميتًا مع النبي ﷺ وولاة الأمر، ثم ذكر حديثًا أن عبد الله بن الزبير قال: لما وقف أبي الزبير بن العوام يوم الجمل دعاني،
стр. 2388
فقمت إلى جنبه، فقال: يا بني إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أُراني إلا سأقتل اليوم مظلومًا، وإن من أكبر همي لدَيني، أفترى يُبقي دَيْننا من مالنا شيئًا، فقال: يا بني، بع ما لنا فاقض ديني، وأوصى بالثلث وثلثه لبنيه - يعني بني عبد الله بن الزبير، يقول: ثلث الثلث- فإن فضل من مالنا فضل بعد قضاء الدين شيء فثلثه لولدك، قال هشام: وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزبير خبيب وعباد - وله يومئذ تسعة بنين وتسع بنات، قال عبد الله: فجعل يوصيني بدينه ويقول: يا بني إن عجزت عنه في شيء فاستعن عليه مولاي، قال: فوالله ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبة من مولاك؟ قال: الله، قال: فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه دينه فيقضيه، فقُتل الزبير ولم يدع دينارًا ولا درهمًا إلا أَرَضِين منها الغابة، وإحدى عشرة دارًا بالمدينة ودارين بالبصرة، ودارًا بالكوفة، ودارًا بمصر، قال: وإنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه، فيقول الزبير: لا، ولكنه سلف فإني أخشى عليه الضيعة.
وما ولي إمارة قط ولا جباية خراج ولا شيئًا إلا أن يكون في غزوة مع النبي ﷺ ، أو مع أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، قال عبد الله بن الزبير: فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف، قال: فلقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير فقال: يا ابن أخي، كم على أخي من الدين؟ فكتمه فقال: مائةُ ألف، فقال حكيم: والله ما أرى أموالكم تسع لهذه، فقال له عبد الله: أفرأيتك إن كانت ألفي ألف ومائتي ألف؟ قال: ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم
стр. 2389
عن شيء منه فاستعينوا بي، وكان الزبير اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف، فباعها عبد الله بألف ألف وستمائة ألف، ثم قام فقال: من كان له على الزبير حق فليوافنا بالغابة، فأتاه عبد الله بن جعفر وكان له على الزبير أربع مائة ألف، فقال لعبد الله: إن شئتم تركتها لكم، قال عبد الله: لا، قال: فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخرون إن أخرتم، فقال عبد الله: لا، قال: فاقطعوا لي قطعة، فقال: لك من ها هنا إلى ها هنا، قال: فباع منها فقضى دينه فأوفاه وبقي منها أربعة أسهم ونصف، فقدم على معاوية وعنده عمرو بن عثمان، والمنذر بن الزبير، وابن زمعة، فقال له معاوية: كم قومت الغابة؟ قال: كل سهم مائةُ ألف، قال: كم بقي، قال: أربعة أسهم ونصف، قال المنذر بن الزبير: قد أخذت سهمًا بمائة ألف، قال عمرو بن عثمان: قد أخذت سهمًا بمائة ألف، وقال ابن زمعة: قد أخذت سهمًا بمائة ألف، فقال معاوية كم بقي؟ فقال: سهم ونصف، قال: قد أخذته بخمسين ومائة ألف، قال: وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بست مائة ألف، فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه، قال بنو الزبير: اقسم بيننا ميراثنا، قال: لا والله لا أقسم بينكم حتى أُنادي بالموسم أربع سنين: ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه، قال: فجعل كل سنة ينادي بالموسم، فلما مضى أربع سنين قسم بينهم، قال: فكان للزبير أربع نسوة، ورفع الثلث، فأصاب كل
امرأة ألف ألف ومئتا ألف - يعني مليونًا ومئتي ألف، فجميع ماله خمسون ألف ألف ومئتا ألف، يعني خمسين مليونًا ومئتي ألف (١).
стр. 2390
من فوائد الحديث السابق:
١ - البركة العظيمة التي حصلت في مال الزبير بن العوام: فبعد أن توفي وهو مثقل بالدين، يفيض ماله وتكون تركته خمسون ألف ألف، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾ [آل عمران].
٢ - قوة توكل الزبير على ربه: فقد كان يوصي ابنه عبد الله ويقول: إن عجزت عن شيء من الدين فقل: يا مولى الزبير اقض عنه دينه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. أي كافيه.
٣ - بر عبد الله بن الزبير بوالده، وحرصه على قضاء دينه، وإبراء ذمته، فقد حبس التركة أربع سنوات حتى يتأكد من عدم وجود مطالبات مالية على والده.
٤ - أن المال الحلال وإن كان قليلًا في نظر العين، فإن الله يكثره ويبارك فيه، وأن المال الحرام وإن كان كثيرًا في نظر العين فإن الله يمحقه، قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠].
٥ - أنه ينبغي للمؤمن أن يدعو ربه أن يبارك له في ماله، ووقته، وزوجته، وأولاده، وسائر شؤونه، وأن يجعله مباركًا أينما كان، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]،
стр. 2391
ودعا النبي ﷺ لمن أطعمه فقال: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ، وَارْحَمْهُمْ» (١).
٦ - أن من أفضل الأموال وأكثرها بركة ما يحصل من الغزو في سبيل الله.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2392
الكلمة الثالثة
التحذير من اللعن
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فمن الذنوب العظيمة التي حَرَّمها الله ورسوله، وتوعد فاعلها في الآخرة: اللعن، واللعن: هو الطرد والإبعاد من رحمة الله.
روى أبو داود في سننه من حديث سمرة بن جندب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا تَلَاعَنُوا بِلَعْنَةِ اللَّه، وَلَا بِغَضَبِهِ، وَلَا بِالنَّارِ» (١).
ومن لعن مؤمنًا فكأنما قتله، روى البخاري ومسلم من حيث ثابت بن الضحاك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَلَيْسَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيء فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ» (٢).
وروى الطبراني في الأوسط من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: كنا إذا رأينا الرجل يلعن أخاه رأينا أن قد أتى بابًا من الكبائر (٣).
стр. 2393
وبين النبي ﷺ أن اللعنة إذا لم تجد لها طريقًا رجعت إلى صاحبها، روى أبو داود في سننه من حديث أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعِدَتِ اللَّعْنَةُ إِلَى السَّمَاءِ، فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَهَا، ثُمَّ تَهْبِطُ إِلَى الْأَرْضِ، فَتُغْلَقُ أَبْوَابُهَا دُونَهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِذَا لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لُعِنَ فَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ أَهْلًا وَإِلَّا رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهَا» (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّه! وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» (٢).
وبيَّن النبي ﷺ أن اللعن ليس من صفات المؤمنين المتقين، روى الترمذي في سننه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعَّانِ، وَلَا الْفَاحِشِ، وَلَا الْبَذِيءِ» (٣).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَلَا شُفَعَاءَ يَوْمَ
стр. 2394
الْقِيَامَةِ» (١). معناه: لا يشفعون يوم القيامة حين يشفع المؤمنون في إخوانهم الذين استوجبوا النار، ولا شهداء، فيه ثلاثة أقوال أصحها وأشهرها: لا يكونون شهداء يوم القيامة على الأمم بتبليغ رسلهم إليهم الرسالات، والثاني: لا يكونون شهداء في الدنيا، أي لا تقبل شهادتهم لفسقهم، والثالث: لا يرزقون الشهادة وهي القتل في سبيل الله (٢).
ولما قيل للنبي ﷺ ادع على المشركين، قال: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً» (٣).
قال الإمام النووي ﵀: «اعلم أن لعن المسلم المصون حرام بإجماع العلماء» (٤)، وقال ابن تيمية ﵀: «الإجماع منعقد على تحريم لعن المعين من أهل الفضل» (٥).
وفي هذا الباب قال الإمام النووي ﵀ في شرحه لصحيح مسلم: قوله ﷺ : «لا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا، ولَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٦).
فيه الزجر عن اللعن وأن من تخلق به لا يكون فيه هذه الصفات الجميلة لأن اللعنة في الدعاء يراد بها الإبعاد من رحمة الله تعالى، وليس الدعاء بهذا من أخلاق المؤمنين الذين وصفهم الله بالرحمة بينهم والتعاون على البر والتقوى
стр. 2395
وجعلهم كالبنيان يشد بعضه بعضًا وكالجسد الواحد، وأن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فمن دعا على أخيه المسلم باللعنة وهو الإبعاد من رحمة الله تعالى فهو من نهاية المقاطعة والتدابر، وهذا غاية ما يوده المسلم للكافر، ويدعو عليه، ولهذا جاء في الحديث الصحيح «لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ» (١). لأن القاتل يقطعه عن منافع الدنيا وهذا يقطعه عن نعيم الآخرة ورحمة الله تعالى، وقيل: معنى لعن المؤمن كقتله في الإثم، وهذا أظهر» (٢).
وبيَّن النبي ﷺ أن لعن العاصي يعين الشيطان عليه، روى البخاري في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلًا كان على عهد النبي ﷺ اسمه عبد الله وكان يلقب حمارًا وكان يضحك رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب، فأُتي به يومًا فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي ﷺ : «لا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّه مَا عَلِمْتُ إِلَّا أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» (٣). وفي رواية: «لا تَكُونُوا عَوْنًا لِلشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ» (٤).
ونهى النبي ﷺ عن لعن أي شيء من الدواب، أو الحيوانات، أو الجمادات كالريح والحمى، والدهر، روى مسلم في صحيحه من حديث عمران بن حصين ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها، فسمع ذلك
стр. 2396
رسول الله ﷺ فقال: «خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا، فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ» (١).
وروى أبو داود في سننه من حديث ابن عباس ﵄ أن رجلًا لعن الريح، وقال مسلم: أن رجلًا نازعته الريح رداءه على عهد النبي ﷺ فلعنها، فقال النبي ﷺ : «لَا تَلْعَنْهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، وَإِنَّهُ مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ» (٢).
ومما تقدم يتبين لنا أن اللعن كبيرة من كبائر الذنوب، ويخشى على فاعلها من العقوبة في الدنيا والآخرة، وأن ما يفعله بعض شبابنا اليوم من تبادل بعضهم التحية بالتلاعن هو أمر منكر وخطير جدًا، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق].
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ : «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَهْوِيِ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» (٣).
ولذلك فإن من الواجب على الآباء والأمهات تحذير الأطفال منه حتى لا يعتادوا عليه إذا كبروا، وكثير من الناس في البادية وغيرها يكنون عن اللعنة بقولهم: الكلمة الشينة، تنزيهًا لألسنتهم عن النطق بها، وهذا دليل على سلامة الفطرة، وتزكية النفس، وتطهير اللسان.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2397
الكلمة الرابعة
تأملات في حديث النبي ﷺ : أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ» (١).
وروى أبو يعلى في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مُعْتَرَكُ (٢) الْمَنَايَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ» (٣).
وإذا بلغ الإنسان الستين، فقد أعذر الله إليه في العمر، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]. وبوَبَّ البخاري: باب من بلغ ستين فقد أعذر الله إليه في العمر، ثم ساق بسنده إلى أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَعْذَرَ اللَّه إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً» (٤).
стр. 2398
قال ابن حجر ﵀ في فتح الباري: «اختلف أهل التفسير في المراد بالنذير، فالأكثر على أنه المشيب؛ لأنه يأتي في سن الكهولة فما بعدها، وهو علامة لمفارقة سن الصبى الذي هو مظنة اللهو.
وقوله في الحديث: أعذر الله: «الإعذار إزالة العذر، والمعنى أنه لم يبق له اعتذار كأن يقول: لو مد لي في الأجل لفعلت ما أُمرت به، يقال: أعذر إليه إذا بلغه أقصى الغاية في العذر ومكنه منه، وإذا لم يكن له عذر في ترك الطاعة مع تمكنه منها بالعمر الذي حصل له فلا ينبغي له حينئذ إلا الاستغفار والطاعة والإقبال على الآخرة بالكلية» (١).
قال ابن بطال: «وإنما كانت الستون حدًّا لهذا لأنها قريبة من المعترك وهي سن الإنابة والخشوع وترقب المنية، فهذا إعذار بعد إعذار لطفًا من الله بعباده حتى نقلهم من حالة الجهل إلى حالة العلم، ثم أعذر إليهم فلم يعاقبهم إلا بعد الحجج الواضحة وإن كانوا فطروا على حب الدنيا وطول الأمل لكنهم أُمروا بمجاهدة النفس في ذلك ليمتثلوا ما أمروا به من الطاعة، وينزجروا عما نهوا عنه من المعصية، وفي الحديث إشارة إلى أن استكمال الستين مظنة لانقضاء الأجل» (٢).
قال بعض الحكماء: «الأسنان أربعة: سن الطفولة، ثم الشباب، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة وهي آخر الأسنان، وغالب
стр. 2399
ما يكون ما بين الستين والسبعين، وحينئذ يظهر ضعف القوة بالنقص والانحطاط، فينبغي له الإقبال على الآخرة بالكلية لاستحالة أن يرجع إلى الحالة الأولى من النشاط والقوة» (١).
وخير الناس من طال عمره وحسن عمله، روى الترمذي في سننه من حديث نفيع بن الحارث ﵁ أن النبي ﷺ سُئل: أي الناس خير؟ قال: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ»، قِيلَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ» (٢).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ قال: كان رجلان من بلي حي من قضاعة أسلما مع رسول الله ﷺ واستشهد أحدهما وأُخر الآخر سنة، قال طلحة بن عبيد الله ﵁: فأُريت الجنة فرأيت فيها المؤخر منهما أُدخل الجنة قبل الشهيد، فعجبت لذلك، فأصبحت فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، أو ذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «أَلَيْسَ قَدْ صَامَ بَعْدَهُ رَمَضَانَ، وَصَلَّى سِتَّةَ آلَافِ رَكْعَةٍ، أَوْ كَذَا وَكَذَا رَكْعَةً صَلَاةَ السَّنَةِ» (٣).
ومن فوائد الحديث:
١ - أن من بلغ الستين فقد أعذر الله إليه في العمر، فإن أعظم حدث في حياة الإنسان الموت، وانقضاء الأجل، ومفارقة الأهل والمال والولد، ولذلك عليه أن يكثر من الطاعات والقربات والاستغفار لعله يختم له بعمل صالح.
стр. 2400
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي عنبة الخولاني ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَرَادَ اللَّه بِعَبْدِهِ خَيْرًا عَسَلَهُ»، قِيلَ: وَمَا عَسْلُهُ (١)؟ قَالَ: «يَفْتَحُ اللَّهُ لَهُ عَمَلًا صَالِحًا قَبْلَ مَوْتِهِ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ» (٢).
وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا» (٣).
٢ - من مد الله له في العمر فزاد على الستين، فهذه نعمة من الله تستوجب الشكر، ويكون ذلك بالإقبال على الله والدار الآخرة والحرص على كثرة الذكر والبعد عن المعاصي.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عَبْدِ اللَّه بْنِ شَدَّاد ﵁، أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي عَذْرَةَ ثَلاثَةً أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْلَمُوا، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ يَكْفِينيهِم؟ »، قَالَ طَلْحَةُ: أَنَا، قَالَ: فَكَانُوا عِنْدَ طَلْحَةَ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْثًا، فَخَرَجَ فِيهِ أَحَدُهُمْ فَاسْتُشْهِدَ، قَالَ: ثُمَّ بَعَثَ بَعْثًا فَخَرَجَ فِيهِمْ آخَرُ فَاسْتُشْهِدَ، قَالَ: ثُمَّ مَاتَ الثَّالِثُ عَلَى فِرَاشِهِ، قَالَ: قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ الَّذِينَ كَانُوا عِنْدِي فِي الْجَنَّةِ، فَرَأَيْتُ الْمَيِّتَ عَلَى فِرَاشِهِ أَمَامَهُمْ، وَرَأَيْتُ الَّذِي اسْتُشْهِدَ أَخِيرًا يَلِيهِ، وَرَأَيْتُ الَّذِي اسْتُشْهِدَ أَوَّلُهُمْ آخِرَهُمْ، قَالَ: فَدَخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ: فَقَالَ: «وَمَا أَنْكَرْتَ مِنْ ذَلِكَ؟ لَيْسَ أَحَدٌ أَفْضَلَ عِنْدَ
стр. 2401
اللَّه مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَمَّرُ فِي الإِسْلامِ؛ لِتَسْبِيحِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَهْلِيلِهِ» (١).
وهذا يدل على عظم فضل من طال عمره، وحسن عمله، ولم يزل لسانه رطبًا من ذكر الله، قال تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ [الكهف].
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اسْتَكْثِرُوا مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ». قِيلَ: وَمَا هِي يَا رَسُولَ اللَّه؟ قَالَ: «التَّكْبِيرُ، والتَّهْلِيلُ، وَالتَّسْبِيحُ، والتَّحْمِيدُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّه» (٢).
فائدة:
قال الشيخ العلامة الألباني ﵀ عن نفسه بعد أن تجاوز الرابعة والثمانين في تعليقه على حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ» (٣) قال ابن عرفة: وأنا من ذلك الأقل، فعلق الشيخ ﵀ قائلًا: «وأنا أيضًا من ذلك الأقل، فقد جاوزت الرابعة والثمانين سائلًا المولى أن أكون ممن طال عمره وحسن عمله، ومع ذلك فإني أكاد أتمنى الموت لما أصاب المسلمين من الانحراف عن الدين والذل الذي نزل بهم حتى من الأذلين، ولكن حاشا أن أتمنى، وحديث أنس ما يزال
стр. 2402
أمامي منذ نعومة أظفاري، فليس لي إلا أن أقول كما أمرني نبيي ﷺ : «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» (١)، وداعيًا بما علمنيه ﷺ : «اللَّهُمَّ مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا، وَأَبْصَارِنَا، وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا» (٢).
وقد تفضل سبحانه فاستجاب ومتعني بكل ذلك، فها أنا لا أزال أبحث وأحقق وأكتب بنشاط قل مثيله، وأصلي النوافل قائمًا، وأسوق السيارة بنفسي المسافات الشاسعة.
أقول ذلك من باب: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى]، راجيًا من المولى أن يزيدني من فضله فيجعل ذلك كله الوارث مني، وأن يتوفاني مسلمًا على السنة التي نذرت لها حياتي دعوة وكتابة، ويلحقني بالشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا» (٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2403
الكلمة الخامسة
نواقض الوضوء
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].
فالآية الكريمة أوجبت الوضوء للصلاة، وبينت الأعضاء التي يجب غسلها أو مسحها في الوضوء، وبين النبي ﷺ صفة الوضوء بقوله وبفعله بيانًا كافيًا.
«والوضوء له نواقض: وهي إما أحداث تنقض الوضوء بنفسها كالبول والغائط، وإما أسباب للأحداث بحيث إذا وقعت تكون مظنة لحصول الأحداث، كزوال العقل، والنوم، والإغماء، فإن زائل العقل لا يحس بما يحصل منه، فأقيمت المظنة مقام الحدث، فإلى التفاصيل:
١ - الخارج من السبيلين: أي من مخرج البول والغائط، والخارج من السبيلين إما أن يكون بولًا أو منيًّا، أو مذيًا، أو دم استحاضة، أو غائطًا، أو ريحًا، فإن كان الخارج بولًا، أو غائطًا فهو ناقض للوضوء بالنص والإجماع، قال تعالى في موجبات
стр. 2404
الوضوء: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦].
روى النسائي والترمذي في سننهما من حديث صفوان بن عسال ﵁ قال: «أَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ إِذَا كُنَّا سَفْرًا أَلا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أَيَّام وَلَيَالِيهِنَّ، إِلا مِنَ جَنَابَةِ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْم» (١)، وإن كان منيًّا أو مذيًا فهو ينقض الوضوء بدلالة الأحاديث الصحيحة، وحكى الإجماع على ذلك ابن المنذر وغيره.
روى البخاري ومسلم من حديث علي ﵁ قال: كنت رجلًا مذاء، فأمرت رجلًا أن يسأل النبي ﷺ لمكان ابنته، فسأل فقال: «تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ» (٢)، وفي رواية الترمذي: «مِنَ الْمَذْيِ الْوُضُوءُ، وَمِنَ الْمَنِيِّ الْغُسْلُ» (٣).
وكذلك ينقض الوضوء خروج دم الاستحاضة وهو دم فاسد، لا دم حيض، لحديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ : «فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي، فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ» (٤)، وكذلك السائل الذي يخرج من المرأة، فهو وإن كان طاهرًا إلا أنه يجب الوضوء منه لأنه خارج من السبيل.
وكذلك ينقض الوضوء خروج الريح بدلالة الأحاديث الصحيحة وعليه الإجماع، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما
стр. 2405
من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (١)، وقال ﷺ فيمن شك هل خرج منه ريح أم لا: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (٢)، أما ما يظنه بعض العامة أنه عند الحدث بخروج الريح لابد له من الاستنجاء فهذا ليس بصحيح، وإنما يكتفي بالوضوء فقط.
وأما الخارج من البدن من غير السبيلين كالدم، والقيء، والرعاف، فموضع خلاف بين أهل العلم، هل ينقض الوضوء أم لا؟ على قولين: والراجح أنه لا ينقض، لكن لو توضأ خروجًا من الخلاف فهو حسن» (٣).
٢ - من النواقض زوال العقل أو تغطيته، وزوال العقل يكون بالجنون ونحوه، وتغطيته يكون بالنوم أو الإغماء ونحوهما، فمن زال عقله أو غُطي بنوم ونحوه انتقض وضوؤه لأن ذلك مظنة خروج الحدث وهو لا يحس به، إلا يسير النوم، فإنه لا ينقض الوضوء لأن الصحابة ﵃ كان يصيبهم النعاس وهم ينتظرون الصلاة، وإنما ينقضه النوم المستغرق جمعًا بين الأدلة.
٣ - ومن نواقض الوضوء أكل لحم الإبل سواء كان قليلًا أو كثيرًا، نيئًا أو مطبوخًا، لما روى مسلم في صحيحه من حديث جابر ابن سمرة أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلا تَوَضَّأْ». قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ
стр. 2406
الإِبِلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ. فَتَوضَأ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ» (١). قال الإمام أحمد: فيه حديثان صحيحان عن رسول الله ﷺ .
٤ - مس الفرج باليد قبلًا كان أو دبرًا من نفسه أو من غيره من غير حائل؛ لأنه مع الحائل لا يعد مسًّا، واختلف العلماء في ذلك، فقال الجمهور: مس الذكر ناقض للوضوء سواء كان بشهوة أو بغير شهوة ذكرًا كان أو أنثى، واحتجوا بحديث بسرة بنت صفوان ﵄ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» (٢).
وروى ابن حبان من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سِتْرٌ وَلا حِجَابٌ، فَلْيَتَوَضَّأْ» (٣).
وروى أبو داود من حديث طلق بن علي ﵁ قال: سُئل النبي ﷺ عن مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ؟ قال: «هَلْ هُوَ إِلَّا بَضْعَةٌ مِنْه؟ » (٤).
قال ابن حجر نقلًا عن البيهقي قوله: «يكفي في ترجيح حديث بسرة على حديث طلق بن علي أنه لم يخرجه صاحبا الصحيح ولم يحتجا بأحدٍ من رواته، وقد احتجا بجميع رواة حديث بسرة،
стр. 2407
إلا أنهما لم يخرجاه للاختلاف فيه على عروة، وعلى هشام بن عروة» (١).
قال الشافعي ﵀: «قد سألنا عن قيس بن طلق فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا قبول خبره»، وقال أبو حاتم: «قيس بن طلق ليس فيمن تقوم به حجة، ووهاه» (٢).
وقالوا: إن حديث طلق موافق لما كان الأمر عليه قبل ورود بسرة بنت صفوان من البراءة الأصلية، وحديث بسرة ناقل عنها.
وهذا ما تفتي به اللجنة الدائمة، فقد سُئلت عن هذه المسألة، فكان الجواب: الراجح من أقوال العلماء في هذه المسألة قول الجمهور وهو نقض وضوء من مس ذكره؛ لأن حديث «مَاَ هُوَ إِلَّا بَضْعَةٌ مِنْكَ» ضعيف، لا يقوى على معارضة الأحاديث الصحيحة الدالة على أن من مس ذكره فعليه الوضوء، والأصل أن الأمر للوجوب وعلى تقدير عدم ضعفه فهو منسوخ بحديث: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» (٣).
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... الرئيس
عبد الله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز
стр. 2408
وأما مس المرأة فالراجح أنه لا ينقض الوضوء إذا لم ينزل منه شيء، فقد ثبت في سنن أبي داود من حديث عائشة ﵂: أَنَّ النَّبي ﷺ قَبَّلَهَا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ وَلمْ يَتَوَضَّأ (١).
وأما خروج الهواء أو الرطوبة من فرج المرأة، فالصحيح أنه لا ينقض الوضوء اعتمادًا على البراءة الأصلية، ولم يرد دليل على أنه ينقض الوضوء.
وأما الودي، وهو السائل الذي يخرج من الذكر بعد البول مباشرة، لا يوجب الغسل، ولكنه نجس لأنه يخرج من سبيل الحدث، وحكمه كالبول يجب الوضوء منه.
وأما خلع الخف، فهل ينقض الوضوء؟ فيه خلاف بين أهل العلم، والراجح أن الوضوء صحيح ولا شيء عليه، والدليل على ذلك أنه موافق لعمل الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ فقد ثبت عنه أنه أحدث ثم توضأ ومسح على نعليه، ثم خلعهما وصلى (٢).
ومن الأدلة أيضًا موافقته للنظر الصحيح، فإنه لو مسح على رأسه ثم حلق لم يجب عليه أن يعيد المسح، بل له الوضوء، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٣).
أما القسطرة البولية، وهي أن يوضع للمريض في مجرى
стр. 2409
البول قسطار، ومعنى القسطار: ماسور بلاستيكي حتى يخرج البول عن طريقه، وذلك بسبب احتباس البول وعدم خروجه، فهذا يجب عليه أن يتوضأ لوقت كل صلاة، ولا بأس أن يصلي وهو حامل لذلك الكيس، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
وكذلك ينقض الوضوء مس الأم لفرج ابنها الصغير، سُئلت اللجنة الدائمة للإفتاء، تقول السائلة: هل لمس عورة صغيري أثناء تغيير ملابسه ينقض وضوئي؟
الجواب: لمس العورة بدون حائل ينقض الوضوء، سواء كان الملموس صغيرًا أو كبيرًا، لما ثبت أن النبي ﷺ قال: «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» (١)، وفَرْجِ المَمْسُوس مِثْلَ فَرْجِ المَاس (٢).
وبقيت مسألة مهمة وهي: من تيقن الطهارة ثم شك في حصول ناقض من نواقضها ماذا يفعل؟
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَليهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ فَلا يَخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (٣).
«فدل هذا الحديث الشريف وما في معناه على أن المسلم إذا تيقن الطهارة وشك في انتقاضها أنه يبقى على الطهارة لأنها
стр. 2410
الأصل ولأنها متيقنة، وحصول الناقض مشكوك فيه، واليقين لا يزول بالشك، وهذه قاعدة في جميع الأشياء أنها تبقى على الأصل حتى يتيقن خلافها، وكذلك العكس، فإذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فإنه يتوضأ لأن الأصل بقاء الحدث فلا يرتفع بالشك» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2411
الكلمة السادسة
آداب قضاء الحاجة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
«فإن الدين الإسلامي دين كامل ما ترك شيئًا مما يحتاجه الناس في دينهم ودنياهم إلا بينه، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. ومن ذلك آداب قضاء الحاجة ليتميز الإنسان الذي كرمه الله عن الحيوان، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء].
وقال تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ [التوبة]. وهناك آداب شرعية تُفعل عند دخول الخلاء، وحال قضاء الحاجة، فمن ذلك:
١ - أن يقول عند دخول الخلاء: «بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث»، فقد روى الترمذي في سننه من حديث علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمُ الْخَلَاءَ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ الله» (١).
стр. 2412
وروى البخاري ومسلم من حديث أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ (١) وَالْخَبَائِثِ» (٢).
وروى أبو داود في سننه من حديث عائشة ﵂ قالت: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلاءِ قَالَ: «غُفْرَانَكَ» (٣).
٢ - إذا أراد أن يقضي حاجته في فضاء -أي في محل غير مُعد لقضاء الحاجة- فإنه يستحب له أن يبعد عن الناس بحيث يكون في مكان خال، ويستتر عن الأنظار بحائط، أو شجرة، أو غير ذلك.
فقد روى أبو داود في سننه من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا ذَهَبَ الْمَذْهَبَ أَبْعَدَ (٤)(٥).
٣ - عليه ألَاّ يستقبل القبلة أو يستدبرها حال قضاء الحاجة، بل ينحرف عنها؛ لأن النبي ﷺ نهى عن استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي أيوب أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا
стр. 2413
الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» (١).
قال أبو أيوب: فقدمنا الشام، فوجدنا مراحيض قد بنيت قِبل القبلة، فننحرف عنها ونستغفر الله؟ قال: نعم (٢).
٤ - لا يجوز له أن يمس فرجه بيمينه، وكذلك لا يجوز له أن يقضي حاجته في طريق الناس، أو في ظلهم، أو موارد مياههم، لنهي النبي ﷺ عن ذلك لما فيه من الأضرار بالناس وأذيتهم، روى البخاري ومسلم من حديث أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وَإِذَا أَتَى الْخَلاءَ فَلا يَمَسُّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَمَسَّح بِيَمِينِهِ» (٣).
ولما روى أبو داود في سننه من حديث عائشة ﵂ قالت: كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى (٤).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ»، قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» (٥).
ولا يدخل موضع الخلاء بشيء فيه ذكر الله ، أو فيه
стр. 2414
قرآن، فإن خاف على ما معه مما فيه ذكر الله جاز له الدخول ويغطيه، ولا ينبغي له أن يتكلم حال قضاء الحاجة، فقد ورد في الحديث الذي حسنه بعض أهل العلم النهي عن ذلك، ويحرم عليه قراءة القرآن، ولا يشرع له رد السلام، فقد روى أبو داود في سننه من حديث المهاجر بن قنفذ ﵁ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ، ثُمَّ اعْتَذَرَ، فَقَالَ: «إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّه إِلَّا عَلَى طُهْرٍ، أَوْ قَالَ: عَلَى طَهَارَة» (١).
٥ - عليه أن ينظف المخرج بالاستنجاء بالماء، أو الاستجمار بالأحجار، أو ما يقوم مقامهما، وإن جمع بينهما فهو أفضل، وإن اقتصر على أحدهما كفى، والاستجمار يكون بالأحجار أو ما يقوم مقامهما من الورق الخشن، أو المناديل أو الخرق ونحوهما مما ينقي المخرج وينشفه.
ويشترط ثلاث مسحات متعينة فأكثر إذا أراد الزيادة، ولا يجوز الاستجمار بالعظام ورجيع الدواب أي: روثها؛ لأن النبي ﷺ أخبر أنها طعام إخواننا من الجن، فقد روى أبو داود في سننه من حديث خزيمة بن ثابت ﵁ قال: سُئِلَ النَّبِي ﷺ عَنِ الاسْتِطَابَةِ (٢)، فَقَالَ: «بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ» (٣).
وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قَالَ للجِنِ: «لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ
стр. 2415
ذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ، يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ، أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ» (١).
٦ - عليه أن يتنزه من البول، ويبحث عن المكان الذي ليس بصلب حتى لا يرتد عليه، فإن عامة عذاب القبر من عدم التنزه من البول، فقد ورد في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ قال: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ، ثُمَّ قَالَ: بَلَى، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» (٢)(٣)، وفي رواية: «لَا يَسْتَنْزِهُ عَنْ الْبَوْلِ» (٤).
وهنا أمر يجب التنبيه عليه، وهو أن بعض العوام يظن أن الاستنجاء من الوضوء، فإذا أراد أن يتوضأ بدأ بالاستنجاء، ولو كان قد استنجى سابقًا بعد قضاء الحاجة، وهذا خطأ، فإنه ليس من الوضوء، والاستنجاء فعله بعد الفراغ من قضاء الحاجة، ولا داعي لتكراره، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2416
الكلمة السابعة
من آداب المجالس
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فقد ذكر أهل العلم آدابًا للمجالس ينبغي تعلمها وتطبيقها لأنها مستمدة من الوحيين: الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم]. وهي كثيرة نقتصر على ذكر أهمها، فمن ذلك:
١ - أن المؤمن إذا دُعي إلى طعام فينبغي ألا يثقل على صاحب الوليمة بالجلوس، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣].
والمرجع إليه في تحديد ذلك وغيره مما سيأتي، ما تعارف عليه العرب من العادات الفاضلة والأخلاق الكريمة، قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف].
وقال النبي ﷺ لما سُئل عن معادن العرب: «خِيَارُهُمْ فِي الجَاهِليَةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا» (١).
стр. 2417
٢ - السلام على أهل المجلس عند القدوم والانصراف، روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى مَجْلِسٍ فَلْيُسَلِّمْ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْلِسَ فَلْيَجْلِسْ، ثُمَّ إِذَا قَامَ فَلْيُسَلِّمْ فَلَيْسَتِ الْأُولَى بِأَحَقَّ مِنَ الْآخِرَةِ» (١).
٣ - ألا يقيم أحد من مجلسه ثم يجلس مكانه، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ نَهَى أَنْ يُقَامَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ آخَرُ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا، وكان ابن عمر ﵄ يكره أن يقوم الرجل من مجلسه ثم يجلس مكانه (٢).
٤ - ألا يفرق بين اثنين، روى أبو داود في سننه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إِلَّا بِإِذْنِهِمَا» (٣).
٥ - أن يجلس حيث يُجلسه صاحب المنزل، فهو أعرف بما يناسب، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وَلا يَؤُمُّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلا يَقْعُدُ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلا بِإِذْنِهِ» (٤).
стр. 2418
٦ - من رجع إلى مجلسه بعد أن قام منه فهو أحق به، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» (١).
٧ - النهي عن الاتكاء على راحة اليد اليسرى خلف الظهر، روى أبو داود في سننه من حديث الشريد بن سويد ﵁ قال: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا جَالِسٌ هَكَذَا، وَقَدْ وَضَعَتُ يَدِي الْيُسْرَى خَلْفَ ظَهْرِي، وَاتَّكَأْتُ عَلَى أَلْيَةِ يَدِي، فَقَالَ: «لَا تَقْعُدُ قَعْدَةَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ» (٢).
٨ - حفظ السمع والبصر واللسان، فلا ينظر إلى ما لا يحل، ولا يتجسس على أهل الدار، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا (٣)، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا» (٤).
وروى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ أن
стр. 2419
النبي ﷺ قال: «مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، أَو يَفِرُّونَ مِنْهُ، صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآنُكُ (١) يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (٣).
٩ - مراعاة أدب الحديث، كحسن الاستماع والإنصات، وعدم المقاطعة أو الاستئثار بالحديث، أو رفع الصوت، أو كثرة الضحك، أو الانشغال عن الضيوف بالجوال أو غيره من الأمور التافهة.
١٠ - عدم إفشاء أسرار المجالس، روى أبو داود في سننه من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إِذَا حُدِّثَ الْإِنْسَانُ حَدِيثًا، وَالْمُحَدِّثُ يَلْتَفِتُ حَوْلَهُ، فَهُوَ أَمَانَةٌ» (٤).
١١ - وينبغي للجالس إذا سمع درسًا علميًّا، أو موعظة، أو حديثًا نافعًا أن يصغي إليه ويحسن الاستماع ولا ينشغل عنه بالحديث بمن حوله، أو جواله، أو يشوش المجلس بالاتصالات أو باستقبالها.
١٢ - الاستفادة من أهل الفضل الذين في المجلس، سواء
стр. 2420
كانوا من المشايخ أو طلبة العلم، أو من كبار السن، أو ممن لهم تجارب في الحياة، فقد لا تتيسر الفرصة للالتقاء بهم مرة أخرى، وقد ينفع الله بذلك المجلس، كان الإمام البخاري في مجلس إسحاق بن راهويه أمير المؤمنين في الحديث، فقال: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله ﷺ ، قال البخاري: فوقع في قلبي فأخذت في جمع الصحيح (١).
١٣ - ترك التفاخر، ومدح النفس، وحب الظهور في المجالس، والتواضع في ذلك، لا كما يفعل بعضهم فيُحدث الناس بما يملك من أموال، وكم بلد سافر إليه، وكم من كتاب قرأه، أو التنقص من بعض الناس أو بعض المدن أو القبائل، أو الفخر بالأحساب، أو غير ذلك مما لا فائدة فيه إلا كسر قلوب الآخرين، روى الترمذي في سننه من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ» (٢).
وروى مسلم في صحيحه من حديث عياض المجاشعي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الله أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» (٣).