الكلمة السابعة
من آداب المجالس
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فقد ذكر أهل العلم آدابًا للمجالس ينبغي تعلمها وتطبيقها لأنها مستمدة من الوحيين: الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم]. وهي كثيرة نقتصر على ذكر أهمها، فمن ذلك:
١ - أن المؤمن إذا دُعي إلى طعام فينبغي ألا يثقل على صاحب الوليمة بالجلوس، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣].
والمرجع إليه في تحديد ذلك وغيره مما سيأتي، ما تعارف عليه العرب من العادات الفاضلة والأخلاق الكريمة، قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف].
وقال النبي ﷺ لما سُئل عن معادن العرب: «خِيَارُهُمْ فِي الجَاهِليَةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا» (١).
стр. 2417
٢ - السلام على أهل المجلس عند القدوم والانصراف، روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى مَجْلِسٍ فَلْيُسَلِّمْ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْلِسَ فَلْيَجْلِسْ، ثُمَّ إِذَا قَامَ فَلْيُسَلِّمْ فَلَيْسَتِ الْأُولَى بِأَحَقَّ مِنَ الْآخِرَةِ» (١).
٣ - ألا يقيم أحد من مجلسه ثم يجلس مكانه، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ نَهَى أَنْ يُقَامَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ آخَرُ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا، وكان ابن عمر ﵄ يكره أن يقوم الرجل من مجلسه ثم يجلس مكانه (٢).
٤ - ألا يفرق بين اثنين، روى أبو داود في سننه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إِلَّا بِإِذْنِهِمَا» (٣).
٥ - أن يجلس حيث يُجلسه صاحب المنزل، فهو أعرف بما يناسب، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وَلا يَؤُمُّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلا يَقْعُدُ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلا بِإِذْنِهِ» (٤).
стр. 2418
٦ - من رجع إلى مجلسه بعد أن قام منه فهو أحق به، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» (١).
٧ - النهي عن الاتكاء على راحة اليد اليسرى خلف الظهر، روى أبو داود في سننه من حديث الشريد بن سويد ﵁ قال: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا جَالِسٌ هَكَذَا، وَقَدْ وَضَعَتُ يَدِي الْيُسْرَى خَلْفَ ظَهْرِي، وَاتَّكَأْتُ عَلَى أَلْيَةِ يَدِي، فَقَالَ: «لَا تَقْعُدُ قَعْدَةَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ» (٢).
٨ - حفظ السمع والبصر واللسان، فلا ينظر إلى ما لا يحل، ولا يتجسس على أهل الدار، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا (٣)، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا» (٤).
وروى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ أن
стр. 2419
النبي ﷺ قال: «مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، أَو يَفِرُّونَ مِنْهُ، صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآنُكُ (١) يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (٣).
٩ - مراعاة أدب الحديث، كحسن الاستماع والإنصات، وعدم المقاطعة أو الاستئثار بالحديث، أو رفع الصوت، أو كثرة الضحك، أو الانشغال عن الضيوف بالجوال أو غيره من الأمور التافهة.
١٠ - عدم إفشاء أسرار المجالس، روى أبو داود في سننه من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إِذَا حُدِّثَ الْإِنْسَانُ حَدِيثًا، وَالْمُحَدِّثُ يَلْتَفِتُ حَوْلَهُ، فَهُوَ أَمَانَةٌ» (٤).
١١ - وينبغي للجالس إذا سمع درسًا علميًّا، أو موعظة، أو حديثًا نافعًا أن يصغي إليه ويحسن الاستماع ولا ينشغل عنه بالحديث بمن حوله، أو جواله، أو يشوش المجلس بالاتصالات أو باستقبالها.
١٢ - الاستفادة من أهل الفضل الذين في المجلس، سواء
стр. 2420
كانوا من المشايخ أو طلبة العلم، أو من كبار السن، أو ممن لهم تجارب في الحياة، فقد لا تتيسر الفرصة للالتقاء بهم مرة أخرى، وقد ينفع الله بذلك المجلس، كان الإمام البخاري في مجلس إسحاق بن راهويه أمير المؤمنين في الحديث، فقال: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله ﷺ ، قال البخاري: فوقع في قلبي فأخذت في جمع الصحيح (١).
١٣ - ترك التفاخر، ومدح النفس، وحب الظهور في المجالس، والتواضع في ذلك، لا كما يفعل بعضهم فيُحدث الناس بما يملك من أموال، وكم بلد سافر إليه، وكم من كتاب قرأه، أو التنقص من بعض الناس أو بعض المدن أو القبائل، أو الفخر بالأحساب، أو غير ذلك مما لا فائدة فيه إلا كسر قلوب الآخرين، روى الترمذي في سننه من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ» (٢).
وروى مسلم في صحيحه من حديث عياض المجاشعي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الله أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» (٣).
стр. 2421
قال يحيى بن معين: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل صحبناه خمسين سنة ما افتخر علينا بشيء مما كان فيه من الخير (١).
١٤ - كفارة المجلس، روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2422
الكلمة الثامنة
فضل الإصلاح بين الناس
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فمن الأعمال العظيمة التي حث عليها الإسلام ورغب فيها: الصلح بين الناس، فالإسلام دين المحبة، والاجتماع، والتآلف بين المسلمين، قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء].
قال الإمام الطبري ﵀: ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾، قال: «هو الإصلاح بين المتباينين أو المختصمين بما أباح الله الإصلاح بينهما ليتراجعا إلى ما فيه الألفة واجتماع الكلمة على ما أذن الله وأمر به» (١).
وأخبر النبي ﷺ أن الذي يصلح بين الناس يكتب له أجرًا عظيمًا، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ؟ » قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ
стр. 2423
فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ» (١). وفي رواية: «لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ» (٢).
وبالإصلاح تحقق أخوة الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ؛ تَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» (٣).
ومعنى: تعدل بين الاثنين أي تصلح بين الاثنين، والإصلاح يشمل الصلح بين القبائل والأقارب والجيران والأزواج والعمال ومكفوليهم والآباء وأبنائهم، سواء كان ذلك في الأموال، أو الدماء، أو الأقوال والأفعال أو غير ذلك.
قال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨].
والنبي ﷺ ضرب المثل الأعلى في الصلح بين المسلمين، وهذه بعض الأمثلة: روى البخاري في صحيحه أن أهل قباء
стр. 2424
اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأُخبر رسول الله ﷺ فقال: «اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ» (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: سمع رسول الله ﷺ صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما، وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء، وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج عليهما رسول الله ﷺ فقال: «أَيْنَ الْمُتَأَلِّي عَلَى اللَّه لَا يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ؟ » فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّه، وَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ (٢).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث كعب ابن مالك ﵁ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ الله ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ: «يَا كَعْبُ»، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ الله، فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ، قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ الله، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «قُمْ فَاقْضِهِ» (٣).
قال ابن القيم ﵀: «فالصلح الجائز بين المسلمين هو الذي يعتمد فيه رضى الله سبحانه ورضى الخصمين، فهذا أعدل
стр. 2425
الصلح وأحقه، وهو يعتمد العلم والعدل فيكون المصلح عالمًا بالوقائع، عارفًا بالواجب، قاصدًا للعدل، فدرجة هذا أفضل من درجة الصائم القائم» (١).
وقد رخص الشارع بالكذب في الصلح لإزالة الوحشة بين المتخاصمين، وعودة المحبة والألفة بين المسلمين، روى البخاري ومسلم من حديث أم كلثوم ﵂ أنها سمعت النبي ﷺ يقول: «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا». زاد مسلم قالت: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس كذبًا إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها (٢).
قال الخطابي: «هذه أمور قد يضطر الإنسان فيها إلى زيادة القول ومجاوزة الصدق طلبًا للسلامة ودفعًا للضرر، وقد رخص في بعض الأحوال في اليسير من الفساد لما يرجى فيه من الإصلاح الكبير» (٣).
«فأما الكذب في الحرب فهو أن يظهر في نفسه قوة ويتحدث بما يقوي به أصحابه ويكيد به عدوه، وأما الكذب بين الزوجين فمثل أن يعدها ويمنيها ويظهر لها من المحبة أكثر مما في نفسه
стр. 2426
لتصلح العلاقة بينهما وهي كذلك» (١).
ومن فوائد الصلح:
١ - تحل المودة محل القطيعة، والمحبة محل الكراهية.
٢ - الإصلاح بين الناس يغرس في نفوسهم فضيلة العفو والمغفرة.
٣ - اكتساب الحسنات ورفع الدرجات.
٤ - تستقيم حياة المجتمع، ويتفرغ للعمل المثمر.
٥ - سعادة القلوب، وراحة النفوس من الشحناء والغل والحقد.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2427
الكلمة التاسعة
وقفات مع حديث: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «قَالَ الله: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِه أَجْرَهُ» (١).
قال ابن التين: «هو سبحانه خصم لجميع الظالمين، إلا أنه أراد التشديد على هؤلاء بالتصريح» (٢).
هذا الحديث اشتمل على أمور ثلاث:
الأولى: قوله في الحديث: رجل أعطى بي ثم غدر: المراد أعطى بيمينه أي عاهد عهدًا وحلف عليه بالله ثم نقضه، والغدر من الصفات الذميمة، لا يتحلى بها إلا فاقد الإيمان من كافر مشرك، ويهودي، ونصراني ومنافق، ومن أخذ صفاتهم من المسلمين.
стр. 2428
روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» (١). وقال مسلم في صحيحه: «إِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ» (٢) مكان: إذا اؤْتُمن خان.
والغادر يحمل لواء غدره يوم القيامة خزيًا وعارًا بين الخلائق، ويكفيه أن الله خصمه يوم القيامة، روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَقِيلَ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ» (٣). وفي رواية مسلم: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٤).
والغادر يعامله الله بعكس مقصوده، فلا يتم له أمر، والجزاء من جنس العمل، لما حلف محمد الأمين للمأمون في بيت الله الحرام وهما وليا عهد طالبه جعفر بن يحيى أن يقول: خذلني الله إن خذلته، فقال ذلك ثلاث مرات، قال الفضل بن الربيع: قال لي الأمين في ذلك الوقت عند خروجه من بيت الله الحرام: يا أبا العباس أجد نفسي أن أمري لا يتم، فقلت له: ولم ذلك أعز الله الأمير؟ قال: لأني
стр. 2429
كنت أحلف وأنا أنوي الغدر، وكان كذلك لم يتم أمره (١).
قال الأشبهي: «كم أوقع الغدر في المهالك من غادر، وضاقت عليه من موارد الهلكات فسيحات المصادر، وطوقه غدره طوق خزي فهو على فكه غير قادر» (٢)، ويكفي الغادر سخطًا وغضبًا أن يكون الله خصمه يوم القيامة.
الثانية: قوله ﷺ : «ورجل باع حرًا فأكل ثمنه»: قال ابن حجر ﵀: «خص الأكل بالذكر لأنه أعظم مقصود» (٣)، قال المهلب: «وإنما كان إثمه شديدًا لأن المسلمين أكفاء في الحرية، فمن باع حرًّا فقد منعه التصرف فيما أباح الله له وألزمه الذل الذي أنقذه الله منه» (٤).
الثالثة: قوله ﷺ : «ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره»: قال ابن حجر ﵀: «وهو في معنى من باع حرًّا فأكل ثمنه؛ لأنه استوفى منفعته بغير عوض، وكأنه أكلها؛ ولأنه استخدمه بغير أجرة وكأنه استعبده» (٥).
ولذلك نجد أن بعض الناس عنده أُناس يعملون عنده، إما خدم أو سائقين أو موظفين، أو غير ذلك من المهن الأخرى، ويمكث
стр. 2430
بعضهم أشهر أو ربما سنوات وله استحقاقات مالية من رواتبه لم تُصرف له، وربما تحايل عليه، أو هدده بإرجاعه إلى بلده إذا اشتكى إلى الجهات المختصة .. أو غير ذلك من الحيل، كل هذا سحت يأكله صاحبه سحتًا.
وعلى خلاف ذلك، فإن الله يبارك لمن وفى الأُجراء أجرهم ويخلف عليهم أفضل مما أنفقوا.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَتَّى أَوَوْا الْمَبِيتَ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ، ... فَقَالَ أَحَدُهم: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّه، أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي، فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ؛ مِنَ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، وَالرَّقِيقِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا تَسْتَهْزِئُ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ فَأَخَذَهُ كُلَّهُ، فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ» (١).
стр. 2431
من فوائد الحديث:
١ - أن الغدر دليل على خسة النفس وحقارتها.
٢ - أن من كان الله خصمه يوم القيامة هلك وخسر.
٣ - أن الغادر ممقوت من الله والملائكة والناس أجمعين.
٤ - أن أكل المال الحرام من أعظم الذنوب عند الله؛ ولذلك كان وعيده أن الله تعالى خصمه يوم القيامة.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2432
الكلمة العاشرة
فضل الرباط في سبيل الله
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فإن من أفضل الطاعات، وأجل القربات التي يدفع الله بها عن المسلمين الشرور الكثيرة، وتتحقق بها المصالح العظيمة، الرباط في سبيل الله.
والمقصود بالرباط: «هو الإقامة في الثغور، وهي الأماكن التي يخاف على أهلها من أعداء الإسلام، والمرابط هو المقيم فيها، المعد نفسه للجهاد في سبيل الله والدفاع عن دينه وإخوانه المسلمين» (١).
قال ابن عطية: «والقول الصحيح هو أن الرباط هو الملازمة في سبيل الله، أصلها من ربط الخيل، ثم سُمي كل ملازم لثغر من ثغور الإسلام مرابطًا، فارسًا كان أو راجلًا» (٢).
قال في فتح الباري: «والرباط هو: ملازمة المكان الذي بين المسلمين والكفار وحراسة المسلمين منهم» (٣).
стр. 2433
وقد وردت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة تبين فضل الرباط في سبيل الله، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران].
قال بعض المفسرين: «المرابطة هنا: مرابطة المجاهدين في نحر العدو، وحفظ ثغور الإسلام وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حوزة بلاد المسلمين» (١).
والرباط من أفضل الأعمال، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ الله خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» (٢).
وروى مسلم في صحيحه من حديث سلمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ» (٣).
والميت يختم له على عمله إلا المرابط في سبيل الله، روى الترمذي في سننه من حديث فضالة بن عبيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الْمُرَابِطَ، فَإِنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيُؤَمَّنُ مِنْ فَتَّانِ الْقَبْر» (٤).
قال القرطبي: «وفي هذين الحديثين دليل على أن الرباط
стр. 2434
أفضل الأعمال التي يبقى ثوابها بعد الموت كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (١)، فإن الصدقة الجارية، والعلم المنتفع به، والولد الصالح الذي يدعو لأبويه؛ ينقطع ذلك بنفاد الصدقات، وذهاب العلم، وموت الولد، والرباط يضاعف أجره إلى يوم القيامة؛ لأنه لا معنى للنماء إلا المضاعفة وهي غير موقوفة على سبب فتنقطع بانقطاعه، بل هي فضل دائم من الله تعالى إلى يوم القيامة، وهذا لأن أعمال البر كلها لا يُتمكن منها إلا بالسلامة من العدو والتحرز منه بحراسة بيضة الدين، وإقامة شعائر الإسلام، وهذا العمل الذي يجري عليه ثوابه هو ما كان يعمله من الأعمال الصالحة» (٢).
والمرابط يؤمن من الفزع الأكبر، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا، وُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ، وَأُومِنَ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَغُدِيَ عَلَيْهِ وَرِيحَ بِرِزْقِهِ مِنَ الْجَنَّةِ (٣) وَكُتِبَ لَهُ أَجْرُ الْمُرَابِطِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (٤).
وعينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين
стр. 2435
باتت تحرس في سبيل الله، روى الترمذي في سننه من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّه، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ الله» (١).
سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: هل الأفضل المجاورة بمكة أو بمسجد النبي ﷺ ؟ أو بمسجد الأقصى؟ أو بثغر من الثغور لأجل الغزو؟
فأجاب ﵀: «المرابطة بالثغور أفضل من المجاورة في المساجد الثلاثة كما نص على ذلك أئمة الإسلام عامة، وقال أيضًا: ما أعلم في ذلك خلافًا بين العلماء (٢)، وليست هذه المسألة عند من يعرف دين الإسلام، ولكن لكثرة ظهور البدع في العبادات وفساد في الأعمال صار يخفى مثل هذه المسألة عن كثير من الناس، فالثغور هي البلاد المتاخمة (٣)
للعدو من المشركين وأهل الكتاب، التي يخيف العدو أهلها، ويخيف أهلها العدو، والمرابطة بها أفضل من المجاورة بالحرمين باتفاق المسلمين، كيف والمرابطة بها -أي في ثغور المسلمين- فرض على المسلمين، إما على الأعيان، وإما على الكفاية، وأما المجاورة فليست واجبة على المسلمين (٤).أهـ
стр. 2436
قال عبد الله بن المبارك:
يَا عَابِدَ الحرَمْيِن لَوْ أَبصْرتَنَا ... لعلمت أنك في العِبَادَةِ تلعبُ
من كان يخضبُ خَدَهُ بدمُوعِهِ ... فَنُحُوُرُنَا بدمائِنا تتخَضبُ
أو كان يُتعِبُ خَيْلَهُ في بَاطِلٍ ... فخُيولُنَا يومَ الصبيحةِ تتعبُ
ريحُ العبِيرِ لَكُمْ ونَحْنُ عَبيرُنا ... رَهج السنابِكِ والغُبارُ الأطيبُ
ولقد أتانا من مقَالِ نبيِّنَا ... قَولٌ صَحيحٌ صَادقٌ لا يَكْذِبُ
لا يَستَوي غُبارُ خَيل الله في ... أَنْفِ امرِئٍ ودُخانُ نارٍ تَلهَبُ
هذا كِتَابُ الله يَنطِقُ بَيْنَنَا ... لَيْسَ الشَّهِيدُ بمَيِّتٍ لا يَكْذِبُ
ونذكر إخواننا المرابطين في سبيل الله بالأمور التالية:
١ - الإخلاص لله: فيخلص المرابط نيته لله وينوي بمرابطته الدفاع عن دين الله وإعلاء كلمته، ودحر الكفرة والمشركين، والدفاع عن مقدسات المسلمين وأعراضهم، ففي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ الله هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ الله» (١).
وإن مات فترجى له الشهادة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
стр. 2437
وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)﴾ [آل عمران].
روى مسلم في صحيحه من حديث مسروق قال: سألنا عبد الله «هو ابن مسعود ﵁» عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: «أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيءٍ نشتهي؟ ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب! نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا، حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُركوا» (١).
٢ - الثبات عند لقاء العدو، والإكثار من ذكر الله، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ [الأنفال].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله ابن أبي أوفى ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَيُّهَا النَّاسُ: لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ» (٢)
وكان النبي ﷺ يقول في دعائه: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ،
стр. 2438
اهْزِمْهُمْ، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ» (١).
٣ - لزوم طاعة الله ورسوله، ومن ذلك المحافظة على الصلوات في أوقاتها، والفرائض التي أمر الله بها، والحذر من المعاصي والتنازع، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال].
ولا نتساهل بالمعصية، فمعصية واحدة كانت سببًا لهزيمة الصحابة ﵃ في أُحد، وكذلك طاعة الأمير والحذر من الاختلاف عليه، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ الله، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى الله، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي» (٢).
٤ - الحذر من العجب والاغترار بالكثرة والقوة، فما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾ [التوبة].
وقال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ [آل عمران].
стр. 2439
فائدة:
قال محمد بن الفضيل بن عياض: رأيت ابن المبارك في النوم، فقلت: أي العلم أفضل، قال: الأمر الذي كنت فيه، قلت: الرباط والجهاد، قال: نعم، قلت: فما صنع بك ربك؟ قال: غفر لي مغفرة ما بعدها مغفرة، وكان ﵀ يحج عامًا، ويجاهد عامًا، ويتاجر عامًا (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2440
الكلمة الحادية عشرة
الخوارج صفاتهم وخطرهم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
روى الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَة، وسَتَفْتَرقُ هَذِهِ الأُمَّة عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً»، قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ ﷺ : «مَا أَنَا عَليهِ وَأَصْحَابِي» (١).
فبيَّن النبي ﷺ في هذا الحديث أن أمته ستفترق على فرق كثيرة كلها في النار، واستثنى واحدة، وهي ما كانت على المنهج الصحيح؛ وهو ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.
ومن فرق الضلال التي خرجت على أمة الإسلام «الخوارج» وقد عانت منها الأمة منذ عهد النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وكان بداية خروجهم أن ذا الخويصرة لما رأى النبي ﷺ وَهُوَ يَقْسِمُ قسمًا
стр. 2441
يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اعْدِلْ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِل ... الْحَدِيثَ، وسيأتي ذكره.
«فكان مبدأ البدع هو الطعن في السنة بالظن والهوى، كما طعن إبليس في أمر ربه برأيه وهواه» (١).
وفي خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ خرجوا عليه وقتلوه واستحلوا دمه، كما خرجوا في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فأرسل إليهم عبد الله بن عباس ﵄ يناظرهم ويدعوهم إلى الحق، وترك ما هم عليه من الضلال، فرجع منهم قريبًا من أربعة آلاف، وبقيت منهم بقية، قتلهم علي ﵁ في معركة النهروان بعد أن قتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت، وقتلوا جاريته، وبقروا بطنها. وما زالوا يخرجون في كل عصر ومصر.
وقد وردت الأحاديث الصحيحة بذمهم، والتحذير منهم، والأمر بقتالهم، واستئصال شأفتهم، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا، أَتَاهُ ذُو الخُوَيْصِرَةِ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله ﷺ اعْدِلْ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ، فَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ». فَقَالَ عُمَرُ ابْنُ الْخَطَّابِ: يَا رَسُولَ الله ﷺ ، ائْذَنْ لِي فِيهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ؟ فَقَالَ: «دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ
стр. 2442
مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلامِ، يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ، يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢).
وجاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في وصفهم: «يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ» (٣).
وفي رواية: «لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ» (٤). وفي رواية مسلم: «هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، مِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِ» (٥). وفي رواية: «مُحلَّقة رُؤُوسُهُمْ» (٦).
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما أن معاذة قالت:
стр. 2443
سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلا تَقْضِي الصَّلاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ، قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ (١).
فتبين مما تقدم أن من صفات الخوارج ما يلي:
١ - حدثاء الأسنان.
٢ - سفهاء الأحلام: أي لم تكتمل عقولهم، ولم تنضج أفكارهم.
٣ - ضعف العلم الشرعي لديهم.
٤ - يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان.
٥ - الغلو في الدين على جهل.
٦ - مفارقة جماعة المسلمين.
٧ - تأويل نصوص الكتاب والسنة بأهوائهم.
٨ - أنهم لا يقبلون من الإسلام إلا ما وافق أهواءهم.
وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها في المؤمنين (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وإذا عرف أصل البدع، فأصل قول الخوارج أنهم يكفرون بالذنب، ويعتقدون ذنبًا ما ليس
стр. 2444
بذنب، ويرون اتباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب، وإن كانت متواترة، ويكفرون من خالفهم، ويستحلون منه لارتداده عندهم ما لا يستحلونه من الكافر الأصلي، كما قال النبي ﷺ فيهم: «يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان»، ولهذا كفَّروا عثمان وعليًّا وشيعتهما، وكفَّروا أهل صفين-الطائفتين- في نحو ذلك من المقالات الخبيثة» (١). أهـ
ومما يجب علمه والإحاطة به، هو معرفة سبب الضلال عند هذه الطائفة وغيرها من الطوائف الأخرى، ومختصر ذلك أن سبب الضلال هو الأخذ ببعض نصوص الكتاب والسنة وترك البعض الآخر اتباعًا لطريقة المغضوب عليهم، قال الله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥].
فالخوارج ومن شاكلهم أخذوا بنصوص الوعيد، وقابلهم طائفة أخذوا بنصوص الوعد وهم المرجئة، فضلت الطائفتان، وأهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين والمتبعين لهم بإحسان جمعوا بين النصوص كلها، فاهتدوا بذلك إلى الطريق المستقيم، وهو طريق الوسط الذي رضيه الله، فأثنى على أهله فقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
وقد علم خاصة المسلمين وعامتهم أن ما يقع من هؤلاء الضُّلال من قتل المصلين الذين عصم الله دماءهم، والتفجير في بيوت الله التي أمر الله بتعظيمها وتطهيرها، وغير ذلك من
стр. 2445
الأفعال الشنيعة، قد وقع ذلك تصديقًا بما أخبر به النبي ﷺ عن هؤلاء بقوله: «يقتلون أهل الإسلام»، وأنهم وإن كانوا يقرؤون القرآن فإن قلوبهم لا تنقاد لأوامره، ولا تنزجر بزواجره، ولا تهتدي بهداه، وكما أخبر عنهم ﷺ : «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم».
فعلى المسلم الذي يرجو رحمة ربه ويخاف عذابه أن يتمسك بالكتاب والسنة على فهم السلف الصالح، وأن يحذر من اتباع الهوى، وأن يرجع إلى العلماء الربانيين، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]. وكما أمر الله بقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧)﴾ [الأنبياء].
ونصيحتي للمسلمين عامة، وللشباب خاصة أن يحذروا من داءين خطيرين؛ أولهما: الفتنة في الدين، ومثاله التكفير، وثانيهما: الإخلال بالأمن، ومثاله التفجير، فما وقع هذان الداءان في بلد إلا أفسده.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2446
الكلمة الثانية عشرة
جمع الكلمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فمن المقاصد العظيمة للشرع، الحث على جمع الكلمة ووحدة الصف بين المسلمين، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
قال ابن عباس ﵄ لسماك الحنفي: «يا حنفي! الجماعة الجماعة، فإنما هلكت الأمم الخالية لتفرقها، أما سمعت الله ﵎ يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾» (١).
وقد وردت النصوص الكثيرة بالنهي عن التفرق، والأمر بالاجتماع والائتلاف، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]. فبرأ الله نبيه ﷺ من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا، كما نهانا عن التفرق والاختلاف، فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥] (٢).
стр. 2447
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الله يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ» (١).
قال النووي ﵀: «قوله: إن الله يرضى لكم ثلاثًا، فهو أمر بلزوم جماعة المسلمين، وتآلف بعضهم ببعض، وهذه إحدى قواعد الإسلام» (٢).
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث الحارث الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الله أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا، وَيَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا» الحديث، وفيه قال النبي ﷺ : «وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ اللَّهُ أَمَرَنِي بِهِنَّ: بالْجَمَاعَةِ، والسَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، وَالْهِجْرَةِ، وَالْجِهَاد في سبيل اللَّهِ، فَإِنَّ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْجَمَاعَةِ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ» (٣).
قال البغوي ﵀: «بعث الله الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة، وترك الفرقة والمخالفة» (٤).
وكان السلف الصالح يحثون الناس على لزوم الجماعة
стр. 2448
ويحذرونهم الفرقة، روى الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في سننه أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس بالجابية فقال: يا أيها الناس! إني قمت فيكم كمقام رسول الله ﷺ فينا فقال: «أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ، حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ، أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ، عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ ... » الحديث (١).
وقال ابن مسعود ﵁: «يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، فإنهما السبيل في الأصل إلى حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة» (٢).
وقال ابن مسعود ﵁: «والجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك» (٣).
قال الطحاوي ﵀ في العقيدة الطحاوية: «ونرى الجماعة حقًّا وصوابًا، والفرقة زيغًا وعذابًا» (٤).
стр. 2449
وأخبر النبي ﷺ أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل من هم يا رسول الله؟ قال: «الجماعة»، وفي رواية «ما أنا عليه وأصحابي» (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وهذا التفريق الذي حصل من الأمة - علمائها ومشايخها وأمرائها وكبرائها - هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها، وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ١٤].
فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به، وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا، فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب» (٢).
ومن أمثلة السلف الصالح التي تبين حرصهم على جمع الكلمة، ووحدة الصف، وتأليف القلوب، وعدم الفرقة والخلاف، وتقديم المصالح العامة على المصالح الخاصة، ما حصل من تنازل الحسن بن علي ﵄ عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان ﵄، حيث سُمي ذلك عام الجماعة؛ لاجتماع كلمة
стр. 2450
المسلمين على معاوية، وكان هذا مصداقًا لقول النبي ﷺ : «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» (١).
ومنها ما حصل بين ابن عمر ومعاوية ﵄، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر قال: «دخلت على حفصة قلت: قد كان من أمر الناس ما ترين، فلم يُجعل لي من الأمر شيء، فقالت: الحق فإنهم ينتظرونك، وأخشى أن يكون احتباسك عنهم فرقة، فلم تدعه حتى ذهب، فلما تفرق الناس خطب معاوية قال: من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه، فلنحن أحق به منه ومن أبيه، قال حبيب بن مسلمة: فهلا أجبته؟ قال عبد الله: فحللت حبوتي وهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام، فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع، وتسفك الدم، ويحمل عني غير ذلك، فذكرت ما أعد الله في الجنان، قال حبيب: حفظت وعصمت» (٢).
ومنها ما حصل بين عبد الله بن مسعود وعثمان ﵄، وذلك أن أمير المؤمنين عثمان حج عام ٢٩ هـ وهو خليفة، وأتم الصلاة في منى، ولم يقصرها، فعاتبه في ذلك عبدالرحمن بن عوف، واعتذر له عثمان بأنه قد تزوج بمكة فكان في حكم المقيم لا المسافر، وبأن أناسًا من أهل اليمن ظنوا أن الصلاة للمقيم
стр. 2451
ركعتان، فأتم عثمان ﵁ لذلك.
وكان عبد الله بن مسعود ﵁ يصلي معه أربعًا وهو لا يرى ذلك، وكان يقول: ليت حظي من أربع ركعتين متقبلتين، فقيل له: لماذا تصلي خلفه إتمامًا وأنت ترى القصر، قال: الخلاف شر.
وفي الختام .. فإن وصيتي لعموم المسلمين وخاصتهم: التمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولزوم جماعة المسلمين، والابتعاد عن أسباب التفرق والاختلاف، والسير على منهج السلف الصالح في تقديم المصالح العامة على المصالح الخاصة فيما يحقق التعاون على البر والتقوى، واجتناب الإثم والعدوان.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنْ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ، وَالنَّصِيحَةُ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ، وَلُزُومُ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تَكُونُ مِنْ وَرَائِه» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2452
الكلمة الثالثة عشرة
أحكام التعزية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فمن مقاصد الشرع العظيمة تكاتف المسلمين، ومواساتهم لبعضهم البعض، ولذلك شرع للمسلم أن يعزي أخاه المسلم بمصابه، والتعزية هي: الأمر بالصبر والحث عليه، والدعاء للميت والمصاب.
من الأدلة على مشروعيتها العمومات التي تحث المسلم على إعانة أخيه، وبذل المعروف له، وتفريج كربته، قال النووي ﵀: «وهي مستحبة، فإنها مشتملة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي أيضًا داخلة في قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]. وهذا من أحسن ما يستدل به في التعزية» (١)؛ ولأن التعزية مواساة له وجبر لمصيبته، وتخفيف عنه.
ومن الأدلة الخاصة في ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث معاوية بن قرة عن أبيه ﵁: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأتِي النَّبِيَّ ﷺ ، وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيَّ ﷺ : «أَتُحِبُّهُ؟ » فَقَالَ: يَا
стр. 2453
رَسُولَ اللَّه، أَحَبَّكَ اللَّه كَمَا أُحِبُّهُ (١)، فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: «مَا فَعَلَ ابْنُ فُلَانٍ؟ » قَالُوا: يَا رَسُولَ الله مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِيهِ: «أَمَا تُحِبُّ أَنْ لَا تَأْتِيَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلَّا وَجَدْتَهُ يَنْتَظِرُكَ؟ » فَقَالَ رَجُلُ: يَا رَسُولَ الله، أَلَهُ خَاصَّةً أَمْ لِكُلِّنَا؟ قَالَ: «بَلْ لِكُلِّكُمْ» (٢).
وأما ألفاظ التعزية التي تقال للمصاب فهي كثيرة، قال النووي ﵀: وأما لفظة التعزية فلا حجر فيها، فبأي لفظ عزاه حصلت (٣).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «وإن عزى بغير هذا اللفظ مثل أن يقول: أعظم الله لك الأجر، وأعانك على الصبر .. وما أشبهه، فلا حرج لأنه لم يرد شيء معين لا بد منه» (٤).
ومن ألفاظ التعزية الواردة عن النبي ﷺ ما جاء في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد ﵄ قال: أَرْسَلَتْ ابْنَةُ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ. فَأتِنَا فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلامَ، وَيَقُولُ: «إِنَّ لِلّه مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ»، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ
стр. 2454
تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ ابْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ الصَّبِيَّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ، قَالَ: حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ: كَأَنَّهَا شَنٌّ. فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُول الله، مَا هَذَا؟ قَالَ: «هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّه فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّه مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» (١).
«فهذا الحديث من أعظم قواعد الإسلام المشتملة على مهمات كثيرة من أصول الدين وفروعه والآداب، والصبر على النوازل كلها، والهموم، والأسقام، وغير ذلك من الأغراض، ومعنى: إن لله تعالى ما أخذ، أي أن العالم كله ملك لله تعالى، فلم يأخذ ما هو لكم، بل أخذ ما هو له عندكم في معنى العارية، ومعنى: له ما أعطى، أن ما وهبه لكم ليس خارجًا عن ملكه، بل هو له سبحانه يفعل فيه ما يشاء، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلا تجزعوا، فإن من قبضه قد انقضى أجله المسمى، فمحال تأخره، أو تقدمه عنه، فإذا علمتم هذا كله فاصبروا، واحتسبوا ما نزل بكم، والله أعلم» (٢).
روى مسلم في صحيحه من حديث أم سلمة ﵂ قالت: دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَال: «إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ»، فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ
стр. 2455
عَلَى مَا تَقُولُونَ»، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيه» (١). وقال النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ اخْلُفْ جَعْفَرًا فِي أَهْلِهِ» (٢).
ويُروى عن الشافعي أنه قال:
إِنِّي مُعَزِّيك لا أَنِّي على ثِقَةٍ ... مِنَ الخُلُود ولكن سُنَّةِ الدِّين
فَمَا المُعَزَّى بِبَاقٍ بعد مَيِّتهِ ... ولا المُعَزِّي ولو عَاشا إلى حين (٣).
وكتب رجل إلى بعض إخوانه يعزيه بابنه: «أما بعد: فإن الولد على والده ما عاش حُزَنُ وفِتْنَةُ، فإذا قدمه فصلاة ورحمة، فلا تجزع على ما فاتك من حزنه وفتنته، ولا تضيع ما عوضك الله من صلاته ورحمته».
ومات ابن للإمام الشافعي فأنشد من [الطويل]:
وَمَا الدَّهرُ إلَاّ هكَذَا فَاصطَبر لَهُ ... رزِيَّةُ مَالٍ أوْ فِراقُ حَبيبِ (٤).
وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى عون بن عبد الله يعزيه على ابنه: أما بعد! فإنا من أهل الآخرة سكنا الدنيا أموات أبناء أموات، فالعجب من ميت كتب إلى ميت يعزيه عن ميت .. والسلام (٥).