ركعتان، فأتم عثمان ﵁ لذلك.
وكان عبد الله بن مسعود ﵁ يصلي معه أربعًا وهو لا يرى ذلك، وكان يقول: ليت حظي من أربع ركعتين متقبلتين، فقيل له: لماذا تصلي خلفه إتمامًا وأنت ترى القصر، قال: الخلاف شر.
وفي الختام .. فإن وصيتي لعموم المسلمين وخاصتهم: التمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولزوم جماعة المسلمين، والابتعاد عن أسباب التفرق والاختلاف، والسير على منهج السلف الصالح في تقديم المصالح العامة على المصالح الخاصة فيما يحقق التعاون على البر والتقوى، واجتناب الإثم والعدوان.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنْ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ، وَالنَّصِيحَةُ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ، وَلُزُومُ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تَكُونُ مِنْ وَرَائِه» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2452
الكلمة الثالثة عشرة
أحكام التعزية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فمن مقاصد الشرع العظيمة تكاتف المسلمين، ومواساتهم لبعضهم البعض، ولذلك شرع للمسلم أن يعزي أخاه المسلم بمصابه، والتعزية هي: الأمر بالصبر والحث عليه، والدعاء للميت والمصاب.
من الأدلة على مشروعيتها العمومات التي تحث المسلم على إعانة أخيه، وبذل المعروف له، وتفريج كربته، قال النووي ﵀: «وهي مستحبة، فإنها مشتملة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي أيضًا داخلة في قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]. وهذا من أحسن ما يستدل به في التعزية» (١)؛ ولأن التعزية مواساة له وجبر لمصيبته، وتخفيف عنه.
ومن الأدلة الخاصة في ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث معاوية بن قرة عن أبيه ﵁: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأتِي النَّبِيَّ ﷺ ، وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيَّ ﷺ : «أَتُحِبُّهُ؟ » فَقَالَ: يَا
стр. 2453
رَسُولَ اللَّه، أَحَبَّكَ اللَّه كَمَا أُحِبُّهُ (١)، فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: «مَا فَعَلَ ابْنُ فُلَانٍ؟ » قَالُوا: يَا رَسُولَ الله مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِيهِ: «أَمَا تُحِبُّ أَنْ لَا تَأْتِيَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلَّا وَجَدْتَهُ يَنْتَظِرُكَ؟ » فَقَالَ رَجُلُ: يَا رَسُولَ الله، أَلَهُ خَاصَّةً أَمْ لِكُلِّنَا؟ قَالَ: «بَلْ لِكُلِّكُمْ» (٢).
وأما ألفاظ التعزية التي تقال للمصاب فهي كثيرة، قال النووي ﵀: وأما لفظة التعزية فلا حجر فيها، فبأي لفظ عزاه حصلت (٣).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «وإن عزى بغير هذا اللفظ مثل أن يقول: أعظم الله لك الأجر، وأعانك على الصبر .. وما أشبهه، فلا حرج لأنه لم يرد شيء معين لا بد منه» (٤).
ومن ألفاظ التعزية الواردة عن النبي ﷺ ما جاء في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد ﵄ قال: أَرْسَلَتْ ابْنَةُ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ. فَأتِنَا فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلامَ، وَيَقُولُ: «إِنَّ لِلّه مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ»، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ
стр. 2454
تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ ابْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ الصَّبِيَّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ، قَالَ: حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ: كَأَنَّهَا شَنٌّ. فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُول الله، مَا هَذَا؟ قَالَ: «هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّه فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّه مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» (١).
«فهذا الحديث من أعظم قواعد الإسلام المشتملة على مهمات كثيرة من أصول الدين وفروعه والآداب، والصبر على النوازل كلها، والهموم، والأسقام، وغير ذلك من الأغراض، ومعنى: إن لله تعالى ما أخذ، أي أن العالم كله ملك لله تعالى، فلم يأخذ ما هو لكم، بل أخذ ما هو له عندكم في معنى العارية، ومعنى: له ما أعطى، أن ما وهبه لكم ليس خارجًا عن ملكه، بل هو له سبحانه يفعل فيه ما يشاء، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلا تجزعوا، فإن من قبضه قد انقضى أجله المسمى، فمحال تأخره، أو تقدمه عنه، فإذا علمتم هذا كله فاصبروا، واحتسبوا ما نزل بكم، والله أعلم» (٢).
روى مسلم في صحيحه من حديث أم سلمة ﵂ قالت: دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَال: «إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ»، فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ
стр. 2455
عَلَى مَا تَقُولُونَ»، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيه» (١). وقال النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ اخْلُفْ جَعْفَرًا فِي أَهْلِهِ» (٢).
ويُروى عن الشافعي أنه قال:
إِنِّي مُعَزِّيك لا أَنِّي على ثِقَةٍ ... مِنَ الخُلُود ولكن سُنَّةِ الدِّين
فَمَا المُعَزَّى بِبَاقٍ بعد مَيِّتهِ ... ولا المُعَزِّي ولو عَاشا إلى حين (٣).
وكتب رجل إلى بعض إخوانه يعزيه بابنه: «أما بعد: فإن الولد على والده ما عاش حُزَنُ وفِتْنَةُ، فإذا قدمه فصلاة ورحمة، فلا تجزع على ما فاتك من حزنه وفتنته، ولا تضيع ما عوضك الله من صلاته ورحمته».
ومات ابن للإمام الشافعي فأنشد من [الطويل]:
وَمَا الدَّهرُ إلَاّ هكَذَا فَاصطَبر لَهُ ... رزِيَّةُ مَالٍ أوْ فِراقُ حَبيبِ (٤).
وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى عون بن عبد الله يعزيه على ابنه: أما بعد! فإنا من أهل الآخرة سكنا الدنيا أموات أبناء أموات، فالعجب من ميت كتب إلى ميت يعزيه عن ميت .. والسلام (٥).
стр. 2456
وأما مكان التعزية، فإنها تكون في أي مكان لقي فيه المسلم أخاه، فيعزي المسلم أهل المصاب في أي مكان قابلهم فيه، سواء في المسجد عند الصلاة على الجنازة أو في المقبرة أو في الشارع أو السوق أو في منزلهم، أو يتصل بهم بالهاتف، ويستحب أن يُعد لأهل الميت طعامًا يبعث به إليهم، لقوله ﷺ : «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ أَمْرٌ يَشْغَلُهُمْ، أَوْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» (١).
وقد سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، يقول السائل:
اعتاد أهل بلادنا الجلوس للتعزية عند وفاة شخص منهم أسبوعًا أو أكثر، وغلوا في ذلك، فأنفقوا كثيرًا من الأموال في الذبائح وغيرها، وتكلف المعزون فجاءوا وافدين من مسافات بعيدة، ومن تخلف عن التعزية خاضوا فيه ونسبوه إلى البخل، وإلى ترك ما يظنونه واجبًا، فأفتونا في ذلك.
فكان الجواب: التعزية مشروعة، وفيها تعاون على الصبر على المعصية، ولكن الجلوس للتعزية على الصفة المذكورة واتخاذ ذلك عادة لم يكن من عمل النبي ﷺ ، ولم يكن من عمل أصحابه، فما اعتاده الناس من الجلوس للتعزية حتى ظنوه دينًا، وأنفقوا فيه الأموال الطائلة، وقد تكون التركة ليتامى، وعطلوا فيه مصالحهم، ولاموا فيه من لم يشاركهم ويفد إليهم كما يلومون من ترك شعيرة إسلامية، هذا من البدع المحدثة التي ذمها رسول الله ﷺ في عموم قوله: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا
стр. 2457
لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» (١). وفي الحديث: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (٢). فأمر باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، وهم لم يكونوا يفعلون ذلك، وحذر من الابتداع والإحداث في الدين، وبيَّن أنه ضلال، فعلى المسلمين أن يتعاونوا على إنكار هذه العادات السيئة، والقضاء عليها، اتباعًا للسنة وحفظًا للأموال، والأوقات، وبعدًا عن مثار الأحزان، وعن التباهي بكثرة الذبائح، ووفود المعزين، وطول الجلسات، وليسعهم ما وسع الصحابة ﵃ والسلف الصالح من تعزية أهل الميت وتسليتهم والصدقة عنه، والدعاء له بالمغفرة والرحمة (٣).
وسُئلت اللجنة الدائمة عن صنع الطعام في التعزية من قبل أهل الميت .
فكانت الإجابة: أما صنع أهل الميت طعامًا للناس واتخاذهم ذلك عادة لهم فغير معروف فيما نعلم عن النبي ﷺ ولا عن خلفائه الراشدين، بل هو بدعة فينبغي تركها، لما فيها من شغل أهل الميت إلى شغلهم، ولما فيها من التشبه بصنع أهل الجاهلية
стр. 2458
والإعراض عن سنة رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين ﵃.
فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت، وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة (١).
ومن بدع ومخالفات العزاء:
١ - استئجار المقرئين لتلاوة القرآن على روح المتوفى، ويتحملون في ذلك تكاليف مالية بحجة إيصال الثواب إلى الميت.
٢ - استئجار الخيام والاستراحات وإضاءتها لاستقبال المعزين.
٣ - تكلف أقارب الميت أو أهل الحي في جمع الأموال لاستئجار الأماكن المعدة لاستقبال المعزين، أو الصدقة عن الميت أو أهله.
٤ - «الإعلان عن وفاة الميت بشكل يشبه النعي المذموم عنه، ودفع تكاليف مالية في ذلك» (٢).
٥ - «عمل ما يسمى بالتأبين، وهي ذكرى الأربعين بعد وفاة الميت، وهي بدعة فرعونية كانت لدى الفراعنة قبل الإسلام، وفي هذا التأبين يتم مدح الميت والثناء عليه
стр. 2459
وذكر أعماله الجليلة» (١).
٦ - عمل وليمة بعد وفاة الميت بسبعة أيام.
٧ - لبس النساء الثياب السوداء حزنًا على المتوفى.
٨ - كثرة الضحك والمزاح في مجلس العزاء.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2460
الكلمة الرابعة عشرة
زيارة القبور
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فقد روى الحاكم في المستدرك من حديث أنس بن مالك ﵁ وأصله في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، أَلا فَزُورُوهَا، ، فَإِنَّهُ يَرِقُّ الْقَلْبَ، وَتَدْمَعُ الْعَيْنَ، وَتُذَكِّرُ الآخِرَةَ، وَلا تَقُولُوا هَجْرًا» (١).
«فهذا الحديث يدل على مشروعية زيارة القبور للاتعاظ، وتذكر الآخرة، شريطة ألا يقول عندها ما يغضب الرب سبحانه كدعاء المقبور، والاستغاثة به من دون الله تعالى أو تزكيته والقطع له بالجنة» (٢).
قال النووي ﵀: «الهجر كلام الباطل، وكان النهي أولًا لقرب عهدهم من الجاهلية، فربما كانوا يتكلمون بكلام الجاهلية الباطل، فلما استقرت قواعد الإسلام، وتمهدت أحكامه، واشتهرت معالمه، أُبيح لهم الزيارة، واحتاط ﷺ
стр. 2461
بقوله: ولا تقولوا هجرًا» (١).
روى الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنِّي نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، فَإِنَّ فِيهَا عِبْرَةً، وَلا تَقُولُوا مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ» (٢).
قال الصنعاني عقب أحاديث الزيارة: «الكل دال على مشروعية زيارة القبور وبيان الحكمة فيها، وأنها للاعتبار، فإذا خلت من هذه لم تكن مرادة شرعًا» (٣).
وذهب بعض أهل العلم إلى جواز زيارة القبور للرجال والنساء، فقد ورد في الصحيحين من حديث أنس ﵁: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ ، مَرَّ بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: «اتْقِي الله، واصْبِرِي» (٤).
قال الحافظ في فتح الباري ﵀: «وموضع الدلالة منه أن النبي ﷺ لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر وتقريره حجة (٥)» أهـ
وذهب جمع من أهل العلم إلى المنع، لقوله ﷺ فيما رواه
стр. 2462
الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁: «لَعَنَ الله زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» (١).
وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن، وكثرة جزعهن، وهذا ما تفتي به اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية (٢).
والمقصود من زيارة القبور شيئان:
«١ - انتفاع الزائر بذكر الموت والموتى، وأن مآلهم إما إلى جنة، وإما إلى نار، وهو الغرض الأول من الزيارة كما يدل عليه ما سبق من الأحاديث.
٢ - نفع الميت والإحسان إليه بالسلام عليه، والدعاء والاستغفار له، وهذا خاص بالمسلم وفيه أحاديث أشير إلى بعضها:
الأول: رواه أحمد في مسنده من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يخرج إلى البقيع فيدعو لهم، فسألته عائشة ﵂ عن ذلك، فقال: «إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَدْعُوَ لَهُمْ» (٣).
والثاني عنها أيضًا: أنها قالت: يا رسول الله، كيف أقول لهم؟ أي عند زيارة القبور - قال: «قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ
стр. 2463
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ الله الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ» (١).
والثالث: رواه مسلم في صحيحه من حديث بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، فكان قائلهم يقول: «السَّلامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ الله بِكُمْ للاحِقُونَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ» (٢)(٣).
ومن فاتته الصلاة على الميت قبل دفنه صلى على قبره، لما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد ففقدها رسول الله ﷺ فسأل عنها؟ فقالوا ماتت، فقال: «أفلا كنتم آذنتموني؟ » قال: فكأنهم صغروا أمرها، فقال: دلوني على قبرها، فدلوه، فصلى عليها، ثم قال: «إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ الله يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ» (٤).
ومن البدع والشركيات التي تحصل عند القبور، وأشير إلى بعضها:
١ - الذبح والنحر عند القبور، وهو من أعظمها، لقوله ﷺ فيما رواه أبو داود في سننه من حديث أنس: «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» (٥).
стр. 2464
قال عبد الرزاق: كانوا يعقرون عند القبر بقرة، أو شاة، قال النووي ﵀: «وأما الذبح والعقر عند القبر فمذموم لحديث أنس هذا» (١) أهـ
قال الشيخ الألباني ﵀: «وهذا إذا كان الذبح هناك للَّه تعالى، وأما إذا كان لصاحب القبر كما يفعله بعض الجهال فهو شرك صريح، وأكله حرام وفسق، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]» (٢).
٢ - رفع القبور زيادة على التراب الخارج منها، وطليها بالكلس وهو مادة طلاء، وفي صحيح مسلم من حديث علي ﵁ أنه قال لأبي الهياج الأسدي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته (٣).
٣ - الكتابة عليها.
٤ - البناء عليها وتزيينها بالرخام ونحوه لأن ذلك من وسائل الشرك والتعلق بالأضرحة؛ لأن الجهال إذا رأوا البناء والزخرفة على القبر تعلقوا به.
٥ - القعود عليها، وفي ذلك أحاديث منها ما رواه مسلم
стр. 2465
في صحيحه من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ نَهَى أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ (١)، أو يزاد عليه (٢) [- أو يكتب عليه -] (٣) لأن تعظيم القبور بالبناء عليها ونحوه هو أصل شرك العالم.
٦ - الصلاة عندها ولو بدون استقبال القبلة لقوله ﷺ : «لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا» (٤).
٧ - بناء المساجد عليها لقوله ﷺ : «لَعْنَةُ الله عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (٥).
٨ - السفر وشد الرحال لزيارة القبور لقول النبي ﷺ كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى» (٦).
قال الشيخ الألباني ﵀: «والحديث عام يشمل المساجد وغيرها من المواطن التي تقصد لذاتها، أو لفضل يدعى فيها،
стр. 2466
ألا ترى أن أبا بصرة ﵁ قد أنكر على أبي هريرة سفره إلى الطور وليس هو مسجدًا يصلى فيه، وإنما هو جبل كلم الله فيه موسى ﵇، فهو جبل مبارك، ومع ذلك أنكر أبو بصرة السفر إليه» (١).
٩ - إيقاد السرج عندها: أي إضاءتها بالأنوار الكهربائية وغيرها، والدليل على ذلك أنه بدعة محدثة لا يعرفها السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وقد قال ﷺ : «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وَكُلُّ ضَلالَةٌ فِي النَّارِ» (٢)، وفيه أيضًا إضاعة المال وهو منهي عنه، قال ابن حجر الفقيه: «وصرح أصحابنا بحرمة السراج على القبور وإن قل، حيث لم ينتفع به مقيم ولا زائر، وعللوه بالإسراف، وإضاعة المال، والتشبه بالمجوس، فلا يبعد أن يكون كبيرة» (٣).
١٠ - تحرم إهانة القبور بالمشي عليها ووطئها بالنعال لما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» (٤).
١١ - قراءة القرآن عند القبر وهو من البدع لم يفعله
стр. 2467
رسول الله ﷺ ولا صحابته الكرام، وكل بدعة ضلالة.
١٢ - تخصيص المواسم والأعياد والجُمع لزيارة القبور، وهو من البدع، وكل بدعة ضلالة.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2468
الكلمة الخامسة عشرة
التحذير من الفتن
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾ [الأنفال]. «هذه الآية وإن كان المخاطب بها هم صحابة رسول الله ﷺ لكنها عامة لكل مسلم؛ لأن النبي ﷺ كان يحذر من الفتن» (١).
روى مسلم في صحيحه من حديث زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ قال لأصحابه: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ»، قَالوا: نَعُوذُ بالله مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ (٢).
وهذه الفتن تُعرض على القلوب فتؤثر فيها، روى مسلم في صحيحه من حديث حذيفة بن اليمان ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا (٣)، فَأَيُّ قَلْبٍ
стр. 2469
أُشْرِبَهَا نُكِتَ (١) فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ» (٢).
والفتن كثيرة لا تدع بيتًا إلا دخلته، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ» (٣). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أسامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنِّي لَأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ» (٤).
وفي آخر الزمان تكثر الفتن، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ» (٥).
روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا (٦)، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ
стр. 2470
تَنْكَشِفُ، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ هَذِهِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ» (١).
والفتن خطرها كبير، من دنا منها أخذته، ومن حام حول حماها أوقعته، والبعد عنها عصمة منها، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «سَتَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِه» (٢).
قال ابن حجر ﵀: «في هذا الحديث التحذير من الفتنة، والحث على اجتناب الدخول فيها، وأن شرها يكون بحسب التعلق بها» (٣).
والفتن درجات، منها الصغير والكبير، ومنها من يخرج المرء من دينه، روى مسلم في صحيحه من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ أن النبي ﷺ قال وَهُوَ يَعُدُّ الْفِتَنَ: «مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ لَا يَكَدْنَ يَذَرْنَ شَيْئًا، وَمِنْهُنَّ فِتَنٌ كَرِيَاحِ الصَّيْفِ مِنْهَا صِغَارٌ، وَمِنْهَا كِبَارٌ» (٤).
стр. 2471
ومن الفتن العظيمة فتنة الشرك، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ومعنى الآية: أن ما يقوم به المشركون من صد عن سبيل الله مستقبح كذلك، ومنع المؤمنين عن المسجد الحرام وإخراج أهل المسجد الحرام منه أعظم عند الله من القتال في الشهر الحرام، والشرك الذي هم فيه أعظم من القتل.
ومنها كثرة القتل في آخر الزمان، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهُوَ الْقَتْلُ» (١).
ومن كثرة القتل سفك الدم من غير سبب، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِي أَيِّ شَيْءٍ قَتَلَ، وَلَا يَدْرِي الْمَقْتُولُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ قُتِلَ» (٢).
ومنها فتنة المال، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عياض بن حمار ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ» (٣).
стр. 2472
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» (١).
وفي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ» (٢).
ومن فتنة المال جمعه سواء من حلال أو حرام، روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ بِمَا أَخَذَ الْمَالَ، أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ» (٣).
ومنها فتنة النساء، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» (٤).
وقال ﷺ : «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ
стр. 2473
فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ» (١).
والأولاد زينة الحياة الدنيا جعلهم الله فتنة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]. ومن الفتنة بهم التفريط في تربيتهم أو الانشغال بهم عن واجبات الدين.
ومنها فتنة الدنيا بشهواتها وملذاتها، روى البخاري في صحيحه من حديث سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا» (٢).
ومنها فتنة الدجال، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» (٣).
والسعيد من جنب الفتن، روى أبو داود في سننه من حديث المقداد بن الأسود ﵁ قال: أيم الله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنِ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنِ جُنِّبَ الْفِتَنَ، وَلَمَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ فَوَاهًا» (٤).
стр. 2474
والمخرج من هذه الفتن الاستعاذة بالله منها والبعد عنها واجتنابها، والاعتصام بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ وسؤاله سبحانه الثبات على الدين، روى الحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابُ الله وَسُنَّتِي» (١).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» (٢). وروى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ» (٣)(٤).
فائدة مهمة:
سُئل حذيفة بن اليمان ﵁: كيف يَعرف الرجل منا هل أصابته الفتنة أم لا؟ فأجاب: «إذا أحب أحدكم أن يعلم أصابته الفتنة أم لا؟ فلينظر، فإن كان رأى حلالًا كان يراه حرامًا فقد أصابته الفتنة، وإن كان يرى حرامًا كان يراه حلالًا فقد أصابته» (٥).
стр. 2475
وقال الحسن: «إن هذه الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2476
الكلمة السادسة عشرة
التلبية وأحكامها
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فمن شعائر الحج العظيمة التلبية، وقد وردت بها النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة، فروى الإمام أحمد في مسنده من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ أَصْحَابَكَ فَليَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ فَإِنَّهَا مِنْ شِعَارِ الْحَجِّ» (١).
وكان الصحابة أسرع الناس استجابة لأمر الله ورسوله، فقد روى ابن أبي شيبة عن يعقوب بن زيد قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يبلغون الروحاء حتى تبح أصواتهم من شدة تلبيتهم (٢).
والتلبية للرجال والنساء، ولكن المرأة لا ترفع صوتها إذا خشيت الفتنة، روى أحمد في مسنده من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: إني لأعلم كيف كانت تلبية رسول الله ﷺ ، ثم سمعتها بعد ذلك لبت: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن
стр. 2477
الحمد والنعمة لك (١).
والذي عليه جمهور العلماء، أن الجهر بالتلبية خاص بالرجال، ونقل ابن عبدالبر الإجماع على ذلك، فقال: «وأجمع العلماء على أن السنة في المرأة ألَّا ترفع صوتها، وإنما عليها أن تسمع نفسها» (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والمرأة ترفع صوتها بحيث تسمع رفيقتها، وعليه يُحمل فعل عائشة ﵂» (٣).
والتلبية من لبى بمعنى أجاب، فلفظة لبيك مثناة على قول سيبويه، والجمهور تثبتها للتكثير، أي إجابة لك بعد إجابة، أو إجابة لازمة (٤).
وقد وردت الأحاديث في فضلها، فروى الترمذي في سننه من حديث سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا» (٥).
وروى الترمذي في سننه من حديث أبي بكر الصديق ﵁ أَنّ
стр. 2478
النَّبِيّ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الْعَجُّ وَالثَّجُّ» (١). والعج هو رفع الصوت بالتلبية، والثج سيلان دماء الهدي.
وروى الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا أَهَلَّ مُهِلٌّ قَطُّ، وَلا كَبَّرَ مُكَبِّرٌ قَطُّ إِلا بُشِّرَ». قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، بِالْجَنَّةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» (٢).
ويُسن أن يستقبل القبلة عند التلبية، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄: أَنَّهُ إِذَا صَلَّى بِالْغَدَاةِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ رَكِبَ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قَائِمًا، ثُمَّ يُلَبِّي حَتَّى يَبْلُغَ الْحْرَمَ، ثُمَّ يُمْسِكُ حَتَّى إِذَا جَاءَ ذَا طُوًى بَاتَ بِهِ حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ اغْتَسَلَ، وَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه فَعَلَ ذَلِكَ (٣).
وينبغي الإكثار من التلبية، وبخاصة كلما علا شرفًا أو هبط واديًا، لما روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، مَرَّ بِوَادِي الأَزْرَقِ، فَقَالَ: «أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ » فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الأَزْرَقِ، قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى ﵇ هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ، وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ» (٤).
стр. 2479
قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وفي الحديث أن التلبية في بطون الأودية من سنن المرسلين، وأنها تتأكد عند الهبوط كما تتأكد عند الصعود» (١).
وله أن يخلطها بالتكبير والتهليل لقول ابن مسعود: «خرجت مع رسول الله ﷺ فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة، إلا أن يخلطها بتكبير أو تهليل (٢)، وفي صحيح مسلم من حديث محمد ابن أبي بكر قال: قلت لأنس بن مالك غداة يوم عرفة: ما تقول في التلبية هذا اليوم؟ قال: سِرت هَذَا المسير مَعَ النبي ﷺ ، فَمِنَّا الْمُكَبِّرُ، وَمِنَّا الْمُهِلُّ، وَلا يَعِيبُ أَحَدُنَا عَلَى صَاحبهِ (٣).
«ومن معاني التلبية أنها مأخوذة من لب بالمكان إذا أقام به، والملبي عند الحج أو العمرة يخبر أنه يقيم على عبادة الله ويلازمها، والمراد تلك العبادة التي دخل فيها سواء كانت حجًّا أو عمرة» (٤).
وأما ألفاظ التلبية فهي كثيرة، فقد جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ
стр. 2480
لَكَ» (١). قال نافع: وكان ابن عمر ﵄ يزيد فيها: لبيك وسعديك والخير بيديك، لبيك والرغباء إليك والعمل (٢).
وروى أبو داود في سننه من حديث جابر ﵁ قال: أهلَّ رسول الله ﷺ فذكر التلبية مثل حديث ابن عمر، قال: والناس يزيدون ذا المعارج ونحوه من الكلام، والنبي ﷺ يسمع فلا يقول لهم شيئًا (٣).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ قال: كان من تلبية النبي ﷺ : «لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ» (٤).
قال ابن حجر ﵀: «والاقتصار على التلبية المرفوعة أفضل لمداومته هو عليها، وأنه لا بأس بالزيادة لكونه لم يردها عليهم وأقرهم عليها، وهو قول الجمهور» (٥).
وروى ابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في مستدركه من حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لَبَّيْكَ اللَّهُمّ لَبَّيْكَ، إِنَّمَا الْخَيْرُ خَيْرُ الآخِرَةِ» (٦).
стр. 2481
وكان المشركون يلبون في حجهم ولكن تلبيتهم فيها شرك، يقولون: لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول الله ﷺ : «وَيْلَكُمْ! قَدْ قَدْ»، فَيَقُولُونَ: إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، يَقُولُونَ هَذَا وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والتلبية هي إجابة دعوة الله تعالى لخلقه حين دعاهم إلى حج بيته على لسان خليله إبراهيم ﵇، والملبي هو المستسلم المنقاد لغيره كما ينقاد الذي لبب وأخذ بلبته، والمعنى: إنا مجيبوك لدعوتك مستسلمون لحكمتك، مطيعون لأمرك مرة بعد مرة، لا نزال على ذلك، والتلبية شعار الحج، فأفضل الحج العج والثج، فالعج رفع الصوت بالتلبية، والثج إراقة دماء الهدي، ولهذا يستحب رفع الصوت بها للرجل، بحيث لا يجهد نفسه، والمرأة ترفع صوتها بحيث تُسمع رفيقتها، ويستحب الإكثار منها عند اختلاف الأحوال مثل: أدبار الصلوات، ومثل ما إذا صعد نشزًا، أو هبط واديًا، أو سمع ملبيًا، أو أقبل الليل والنهار، أو التقت الرفاق، وكذلك إذا فعل ما نُهي عنه، وقد روي أنه من لبى حتى تغرب الشمس فقد أمسى مغفورًا له، وإن دعا عقيب التلبية، وصلى على النبي ﷺ ، وسأل الله رضوانه والجنة، واستعاذ برحمته من سخطه والنار؛ فحسن (٢). أهـ
стр. 2482
ويبدأ وقت التلبية حين الإحرام، فمن نوى أحد النسكين يهل بما نوى، ثم يلبي، والمعتمر يلبي حتى يشرع في الطواف، وهو قول جمهور العلماء، وأن قطع التلبية يكون بالشروع في الطواف لأنه شعار إقامة العبادة التي لبى إليها (١).
وأما الحاج فيلبي حتى يرمي جمرة العقبة الكبرى يوم النحر، ففي الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ أن الفضل ﵁ أخبره أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2483
الكلمة السابعة عشرة
إسلام الكافر
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
إن طريقة الرسول ﷺ في دعوة الكفار إلى الإسلام أن يدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أجابوه إلى ذلك دعاهم إلى بقية شرائع الإسلام حسب أهميتها، وما تقتضيه الأحوال.
ومما ورد في ذلك ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَأَنِّي رَسُولُ اللَّه، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّه افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّه افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ .. الحديث» (١).
وقال النبي ﷺ لعلي ﵁: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ، حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ
стр. 2484
مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِيِه، فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» (١).
وعلى ذلك يقال أن من أسلم من الكفار يُطلب منه أن ينطق الشهادتين، ويُشرح له معناهما، أي لا معبود بحق إلا الله، وأن النبي ﷺ خاتم الأنبياء والرسل، أُرسل إلى العرب والعجم، فتؤمن به وتطيعه فيما يأمر به، وتجتنب ما نهى عنه، ثم يؤمر بالاغتسال، فقد روى الترمذي في سننه من حديث قيس بن عاصم ﵁ قال: «أَتَيْتُ النَّبِي ﷺ أُرِيدُ الإِسْلامَ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (٢).
ثم بعد ذلك يُبين له أن التوبة تجبُّ ما قبلها، والإسلام يجبُّ ما قبله، وأن أعظم نعمة أنعم الله بها عليه هدايته لهذا الدين، ونجاته من النار، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» (٣).
ثم بعد ذلك يبين له أركان الإسلام والإيمان، ومعنى الإيمان باليوم الآخر والقدر، ويبين له بطلان قول النصارى في عيسى ﵇
стр. 2485
أنه ابن الله، وأنه ثالث ثلاثة، والصحيح أن عيسى ﵇ عبد الله ورسوله، وهو بشر مثله كمثل إخوانه من الرسل، وليس له شيء من خصائص الألوهية والربوبية، وأنه لم يُقتل ولم يُصلب، بل رفعه الله إلى السماء حين أراد اليهود قتله، قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧].
وسوف ينزل في آخر الزمان، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ولا يأتي بشرع جديد، بل يحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ ثم يمكث ما شاء الله أن يمكث، ثم يموت كسائر البشر.
وإن كان الذي يريد الإسلام وثنيًّا أو على غير دين، أو يصرف العبادات لأهل القبور .. أو غير ذلك، فيبين له أن الله هو الخالق الرازق المدبر لهذا الكون، المستحق للعبادة، وأن عليه أن يخلص جميع العبادات لله كالدعاء، والنذر، والذبح، والاستغاثة .. وغيرها، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
وأن يبرأ من الشرك وأهله، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦].
وفي الختام يُوصى بتقوى الله، والثبات على الدين، وأن يسأل الله دائمًا الثبات على دينه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ويُوصى بدعوة زوجته وأبنائه ووالديه وأقاربه، وأن يحرص على الرفقة الصالحة التي تعينه
стр. 2486
على الخير، وأن يتفقه في دينه، ثم إن هناك أمرًا مهمًّا وهو أنه قد يرى تصرفات سيئة من بعض المسلمين من كذب، أو أخلاق سيئة .. أو غير ذلك، فهذه التصرفات لا يقرها الدين الإسلامي، فالإسلام يأمر بكل خير وينهي عن كل شر، والأخطاء تُنسب للأشخاص وليس للإسلام.
أما بالنسبة للختان، فواجب على الرجال، ومكرمة في حق النساء، لكن لو أُخر الختان بعض الوقت حتى يتمكن الإسلام في قلبه، ويطمئن إليه، لكان حسنًا، خشية أن تكون المبادرة إلى دعوته إلى الختان منفرة له من الإسلام.
سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل:
ما حكم الكافر الذي في فراش المستشفى وهناك سمعناه يقول: لا إله إلا الله محمدًا رسول الله ﷺ حتى وافاه الأجل. هل نحكم عليه بأنه أسلم أم لا؟
الجواب: من نطق بالشهادتين قبل بلوغ الروح الحلقوم، ولم يكن يقولها في صحته ويتعاطى أنواع الشرك الأكبر، ثم مات فإنه يعد بذلك مسلمًا، ويعامل معاملة المسلمين من حيث التغسيل والصلاة عليه، والدفن والدعاء له بالمغفرة والرحمة، يدل لذلك قول النبي ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» (١) رواه
стр. 2487
أحمد والترمذي وغيرهما.
وكذلك قصته ﵊ مع عمه أبي طالب، وعرضه الشهادة عليه وهو على فراش الموت، لكنه أبى النطق بها كما في الصحيح. وفي الصحيح أيضًا أن النبي ﷺ عاد غلامًا يهوديًا في مرضه، وعرض عليه الإسلام فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ» (١).
أما من كان ينطق بالشهادتين في حال صحته، ويعبد غير الله، كسؤال الأموات والاستغاثة بهم، وينذر ويذبح لهم، فإن هذا لا يعتبر مسلمًا بمجرد نطقه بالشهادتين عند الموت، إلا إذا صرح بتوبته من شركه السابق (٢).
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... عضو ... الرئيس
بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبدالعزيز آل الشيخ ... عبدالعزيز بن باز
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2488
الكلمة الثامنة عشرة
الإقامة في بلاد الكفار
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
١ - فإن «كلام أهل العلم المتقدمين وبحوثهم بوجوب الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وما يستحب من ذلك أو يباح كان في واقع غير الواقع المعاصر، فقد كانت الخلافة الإسلامية التي يأوي إليها كل مسلم قائمة، وبلاد المسلمين كلها بلد واحد، فأينما تيمم المسلم في بلاد الإسلام فهو في بلده لا يحس بغربة ولا يشعر بوحشة.
أما اليوم فإن بعض المسلمين يفر بدينه من بلده لما يقع عليه من الاضطهاد في دينه ودنياه، وربما وجد في تلك البلاد التي فرَّ اليها حياة كريمة وتمتعًا في الحقوق، وحرية في إقامة شعائر دينه قد لا توجد في غالب الدول الإسلامية» (١)، فإلى الله المشتكى من غربة الدين، وقلة الناصرين، وتسلط الظالمين.
٢ - إن هذه المسألة وما شابهها لا يمكن تنزيل حكمها على
стр. 2489
العموم لاختلاف أحوال الناس، فلكل فرد حكمه الذي يخصه بحسب واقعه وحاله على حد قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ [النساء]. فواجد الحيلة غير فاقدها، والقوي غير الضعيف، والغني غير الفقير، وذو العصبة غير الكلالة (١). وهكذا تختلف الأحكام باختلاف الأحوال، وتختلف من جانب آخر، وهو أنها ترجع إلى قواعد تحتاج في تطبيقها على الوقائع إلى النظر الدقيق والفهم الثاقب، والإلمام التام مثل قاعدة «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» وقاعدة «دفع أعظم الضررين بفعل أدناهما» .. وغيرها.
٣ - مما يعين على الوصول إلى معرفة القول الصائب، المقارنة بين حال الشخص في تلك البلاد الكافرة، وحاله في بلده، فيرجح منهما أكثر الحالين نفعًا وأقلهما ضررًا.
٤ - مما يعين على ذلك معرفة حال تلك الدول الكافرة، فمنها دولٌ المسلمون فيها كثير لهم ثقلهم واعتبارهم، مساجدهم عامرة، وشعائرهم ظاهرة، ومنها دول بخلاف ذلك.
٥ - النظر الدقيق والفهم العميق للنصوص الشرعية والسيرة النبوي يقضي بالتفريق بين من كان من تلك البلاد الكافرة أصلًا ومولدًا، وبين الطارئ عليها، فلا يستوي من إذا خرج من تلك البلاد رجع إلى بلده بين أهله وذويه، وبين من إذا خرج فإنما
стр. 2490
يخرج من بلده إلى بلاد أخرى لا يمكنه دخولها، فضلًا عن الإقامة فيها إلا بشروط والتزامات لا تتهيأ إلا للقليل، فمن لاحظ ما تقدم وأمعن النظر لم يفته الصواب إن شاء الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت].
سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل:
ولدت في فرنسا وأعيش فيها إلى الآن، حيث أبلغ من العمر ٢٦ سنة، أبواي تونسيان وأنا الآن متزوج ولي طفلان، الأول أربع سنوات، والثاني تسعة أشهر، أريد الهجرة إلى بلاد عربية من أجل مستقبل أبنائي خاصة، وللحفاظ على دينهم ولغتهم، كنت أنوي الاستقرار في تونس لأن جميع عائلتي هناك، وأبواي ينويان الرجوع إلى هناك، لكن المشكلة أن الحجاب هناك ممنوع منعًا باتًّا على المرأة المسلمة حتى في الشارع، وجميع أفراد عائلتي هناك قد استكرهوا على نزع الحجاب، كما أنه لا يجوز هناك اللقاءات أو الاجتماعات ذات الصبغة الدينية، حتى ولو كان ضمن حفلة زواج أو غيرها، والمسلمون هناك خاصةً الشباب منهم مضطرون للعيش فرادى وفي خوف دائم، حتى لمجرد الصلاة الدائمة في المسجد.
لذلك فالعيش هناك بالنسبة لي ولزوجتي التي ترتدي الحجاب يعتبر مستحيلًا؛ لأنه حتى بالنسبة لأبنائي لا أضمن لهم أن يتعلموا دينهم هناك على قواعد صحيحة، وعندما أرجع وأفكر