← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

على الخير، وأن يتفقه في دينه، ثم إن هناك أمرًا مهمًّا وهو أنه قد يرى تصرفات سيئة من بعض المسلمين من كذب، أو أخلاق سيئة .. أو غير ذلك، فهذه التصرفات لا يقرها الدين الإسلامي، فالإسلام يأمر بكل خير وينهي عن كل شر، والأخطاء تُنسب للأشخاص وليس للإسلام. أما بالنسبة للختان، فواجب على الرجال، ومكرمة في حق النساء، لكن لو أُخر الختان بعض الوقت حتى يتمكن الإسلام في قلبه، ويطمئن إليه، لكان حسنًا، خشية أن تكون المبادرة إلى دعوته إلى الختان منفرة له من الإسلام. سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل: ما حكم الكافر الذي في فراش المستشفى وهناك سمعناه يقول: لا إله إلا الله محمدًا رسول الله ﷺ حتى وافاه الأجل. هل نحكم عليه بأنه أسلم أم لا؟ الجواب: من نطق بالشهادتين قبل بلوغ الروح الحلقوم، ولم يكن يقولها في صحته ويتعاطى أنواع الشرك الأكبر، ثم مات فإنه يعد بذلك مسلمًا، ويعامل معاملة المسلمين من حيث التغسيل والصلاة عليه، والدفن والدعاء له بالمغفرة والرحمة، يدل لذلك قول النبي ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» (١) رواه

стр. 2487

أحمد والترمذي وغيرهما. وكذلك قصته ﵊ مع عمه أبي طالب، وعرضه الشهادة عليه وهو على فراش الموت، لكنه أبى النطق بها كما في الصحيح. وفي الصحيح أيضًا أن النبي ﷺ عاد غلامًا يهوديًا في مرضه، وعرض عليه الإسلام فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ» (١). أما من كان ينطق بالشهادتين في حال صحته، ويعبد غير الله، كسؤال الأموات والاستغاثة بهم، وينذر ويذبح لهم، فإن هذا لا يعتبر مسلمًا بمجرد نطقه بالشهادتين عند الموت، إلا إذا صرح بتوبته من شركه السابق (٢). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... عضو ... الرئيس بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبدالعزيز آل الشيخ ... عبدالعزيز بن باز والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2488

الكلمة الثامنة عشرة الإقامة في بلاد الكفار الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: ١ - فإن «كلام أهل العلم المتقدمين وبحوثهم بوجوب الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وما يستحب من ذلك أو يباح كان في واقع غير الواقع المعاصر، فقد كانت الخلافة الإسلامية التي يأوي إليها كل مسلم قائمة، وبلاد المسلمين كلها بلد واحد، فأينما تيمم المسلم في بلاد الإسلام فهو في بلده لا يحس بغربة ولا يشعر بوحشة. أما اليوم فإن بعض المسلمين يفر بدينه من بلده لما يقع عليه من الاضطهاد في دينه ودنياه، وربما وجد في تلك البلاد التي فرَّ اليها حياة كريمة وتمتعًا في الحقوق، وحرية في إقامة شعائر دينه قد لا توجد في غالب الدول الإسلامية» (١)، فإلى الله المشتكى من غربة الدين، وقلة الناصرين، وتسلط الظالمين. ٢ - إن هذه المسألة وما شابهها لا يمكن تنزيل حكمها على

стр. 2489

العموم لاختلاف أحوال الناس، فلكل فرد حكمه الذي يخصه بحسب واقعه وحاله على حد قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ [النساء]. فواجد الحيلة غير فاقدها، والقوي غير الضعيف، والغني غير الفقير، وذو العصبة غير الكلالة (١). وهكذا تختلف الأحكام باختلاف الأحوال، وتختلف من جانب آخر، وهو أنها ترجع إلى قواعد تحتاج في تطبيقها على الوقائع إلى النظر الدقيق والفهم الثاقب، والإلمام التام مثل قاعدة «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» وقاعدة «دفع أعظم الضررين بفعل أدناهما» .. وغيرها. ٣ - مما يعين على الوصول إلى معرفة القول الصائب، المقارنة بين حال الشخص في تلك البلاد الكافرة، وحاله في بلده، فيرجح منهما أكثر الحالين نفعًا وأقلهما ضررًا. ٤ - مما يعين على ذلك معرفة حال تلك الدول الكافرة، فمنها دولٌ المسلمون فيها كثير لهم ثقلهم واعتبارهم، مساجدهم عامرة، وشعائرهم ظاهرة، ومنها دول بخلاف ذلك. ٥ - النظر الدقيق والفهم العميق للنصوص الشرعية والسيرة النبوي يقضي بالتفريق بين من كان من تلك البلاد الكافرة أصلًا ومولدًا، وبين الطارئ عليها، فلا يستوي من إذا خرج من تلك البلاد رجع إلى بلده بين أهله وذويه، وبين من إذا خرج فإنما

стр. 2490

يخرج من بلده إلى بلاد أخرى لا يمكنه دخولها، فضلًا عن الإقامة فيها إلا بشروط والتزامات لا تتهيأ إلا للقليل، فمن لاحظ ما تقدم وأمعن النظر لم يفته الصواب إن شاء الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت]. سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل: ولدت في فرنسا وأعيش فيها إلى الآن، حيث أبلغ من العمر ٢٦ سنة، أبواي تونسيان وأنا الآن متزوج ولي طفلان، الأول أربع سنوات، والثاني تسعة أشهر، أريد الهجرة إلى بلاد عربية من أجل مستقبل أبنائي خاصة، وللحفاظ على دينهم ولغتهم، كنت أنوي الاستقرار في تونس لأن جميع عائلتي هناك، وأبواي ينويان الرجوع إلى هناك، لكن المشكلة أن الحجاب هناك ممنوع منعًا باتًّا على المرأة المسلمة حتى في الشارع، وجميع أفراد عائلتي هناك قد استكرهوا على نزع الحجاب، كما أنه لا يجوز هناك اللقاءات أو الاجتماعات ذات الصبغة الدينية، حتى ولو كان ضمن حفلة زواج أو غيرها، والمسلمون هناك خاصةً الشباب منهم مضطرون للعيش فرادى وفي خوف دائم، حتى لمجرد الصلاة الدائمة في المسجد. لذلك فالعيش هناك بالنسبة لي ولزوجتي التي ترتدي الحجاب يعتبر مستحيلًا؛ لأنه حتى بالنسبة لأبنائي لا أضمن لهم أن يتعلموا دينهم هناك على قواعد صحيحة، وعندما أرجع وأفكر

стр. 2491

في وضعي الحالي وكيف أني أعيش في بلاد الكفار أجد نفسي معلقًا بين الأرض والسماء، ولا عندي حل يريحني؛ لأني لا أعرف هل الهجرة في هذه الحال واجبة أم لا؟ أرجو إفادتي جزاكم الله كل خير بأحاديث وآيات قرآنية أتخذ على أساسها القرار السليم، حتى لا أندم بعد ذلك أو أحس أنني أخطأت؟ الجواب: نشكرك أيها الأخ على هذا الإحساس والشعور الديني الذي هو واجب على كل مسلم يؤمن بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا، ونوصيك بتقوى الله تعالى في جميع أمورك، كما نفيدك بأن الإقامة في بلاد الكفار محرمة في الشريعة الإسلامية إلا لحاجة معتبرة شرعًا، كعلاج لا يوجد عند المسلمين أو دعوة إلى الإسلام .. ونحو ذلك، وعليك بالاجتهاد وبذل الأسباب التي تخلصك من البقاء في بلاد الكفار والانتقال إلى بلاد المسلمين، ولو إلى غير بلدك التي هي مسقط رأسك، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. وإذا كان حالك في فرنسا وتونس كما ذكرت ولم تتيسر لك الهجرة، فعليك تقوى الله في نفسك والتمسك بدينك والثبات عليه والمحافظة على شعائر الدين كالصلوات الخمس وغيرها، ودوام الالتجاء إلى الله أن يثبت قلبك، وعليك البعد عن مشاركة أهل السوء ومجالستهم، وإن وجدت أحدًا من المسلمين فلازم صحبته، كما عليك الدعوة إلى الله حسب الاستطاعة. نسأل الله الكريم لك التوفيق وأن ييسر لك الخير

стр. 2492

أينما كنت، إنه ولي ذلك والقادر عليه (١). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبدالعزيز آل الشيخ ... عبدالعزيز بن باز كما سُئل الشيخ عبدالعزيز بن باز ﵀، يقول السائل: ما هي نصيحتكم للإخوة والأخوات المقيمين في إنجلترا ولا يعملون ويتلقون معونة مالية من الحكومة؟ وأحيانًا هم يحصلون على عمل ولكن لا يخبرون الحكومة، فهل عملهم هذا يعتبر عملًا صحيحًا؟ الجواب: «الواجب على جميع المسلمين المقيمين في بلاد الكفر، أن يهاجروا إلى البلاد الإسلامية التي تقام فيها شعائر الله إذا استطاعوا ذلك، فإن لم يتيسر ذلك فإلى البلاد التي هي أقل شرًّا، كما هاجر جماعة من الصحابة ﵃ بأمر النبي ﷺ من مكة إلى الحبشة؛ لأن بلاد الحبشة ذاك الوقت أقل شرًّا مما يقع على المسلمين في مكة من الشر قبل فتح مكة، فإن لم يستطيعوا فعليهم أن يتقوا الله في محلهم، وأن يحذروا ما حرم الله عليهم، وأن يؤدوا ما أوجب الله عليهم، ولا حرج عليهم في قبول المعاونة والمساعدة

стр. 2493

من الدولة الكافرة، إذا لم يترتب على ذلك ترك واجب، أو فعل محظور، وليس لهم أخذ المساعدة إلا على الطريقة الرسمية التي قررتها الدولة، وليس لهم أن يكذبوا للحصول عليها، وعليهم جميعًا أن يتقوا الله في كل شيء، وأن يحذروا ما نهى الله عنه، وأن يتفقهوا في القرآن والسنة فيما بينهم، وأن يسألوا أهل العلم عما أشكل عليهم، ولو بالمكاتبة أو من طريق الهاتف، أصلح الله أحوال المسلمين جميعًا وحفظ عليهم دينهم ومنحهم الفقه فيه، وكفاهم شر أنفسهم وشر أعدائهم، إنه جواد كريم» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2494

الكلمة التاسعة عشرة العمل أو الدراسة لدى الكفار الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. قال ابن بطال في شرحه على ما بوَّب البخاري ﵀ باب «هل يؤاجر المسلم نفسه من مشرك في أرض الحرب؟ » وذكر فيه حديث خباب قال: «كُنْتُ قَيْنًا - أي حدادًا-، فَعَملتُ للْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ فَاجْتَمَعَ لِي عِندَه، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ فَقَالَ: لَا، وَاللَّه لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: أَما وَاللَّه، حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ فَلَا. قَالَ: وإِنِّي لَميت ثُمَّ مَبْعُوثٌ؟ قَالَ: نَعَمْ .. الحديث» (١). قال المهلب: «كره العلماء أن يؤاجر المسلم نفسه من مشرك في دار الحرب أو دار الإسلام؛ لأن في ذلك ذلة للمسلمين، إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة، فلا يخدمه فيما يعود على المسلمين بضر، ولا فيما لا يحل مثل: عصر خمر، أو رعاية خنازير، أو عمل سلاح أو شبه ذلك، فلا يصح لمسلم أن يهين نفسه بالخدمة لمشرك إلا عند الضرورة، فإن وقع ذلك فهو جائز، .... ألا ترى أن خبابًا عمل للعاص بن وائل وهو كافر، وجاز له ذلك» (٢).

стр. 2495

قال المهلب: «كره أهل العلم ذلك إلا لضرورة بشرطين: أحدهما أن يكون عمله فيما يحل للمسلم فعله، والآخر ألَاّ يعينه على ما يعود ضرره على المسلمين، قال ابن المنير: استقرت المذاهب على أن الصناع في حوانيتهم يجوز لهم العمل لأهل الذمة، ولا يعد ذلك من الذلة، بخلاف أن يخدمه في منزله، وبطريق التبعية له. والله أعلم، والمقصود بالتبعية أن يكون ذليلًا عنده» (١). قال ابن قدامة: «فإما إن أجر نفسه منه في عمل معين في الذمة، كخياطة ثوب جاز بغير خلاف نعلمه، لأن عليًّا ﵁ أجر نفسه من يهودي يستقي له كل دلو بتمرة، وأخبر النبي ﷺ بذلك فلم ينكره، وكذلك الأنصاري، ولأنه عقد معاوضة لا يتضمن إذلال المسلم ولا استخدامه فأشبه مبايعته، فإن أجر نفسه منه لغير الخدمة مدة معلومة جاز» أهـ (٢) والخلاصة: «أن إجارة المسلم نفسه للكافر ثلاثة أنواع: الأولى: إجارة على عمل في الذمة، فهذه جائزة، والثانية: إجارة للخدمة، فهذه الصحيح فيها المنع؛ لأن إجارة الخدمة تتضمن حبس نفسه على خدمته مدة الإجارة، وذلك فيه إذلال للمسلم وإهانة له تحت يد الكافر، فلم يجز كبيع العبد المسلم له، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء]. والثالثة: إجارة عينه منه لغير الخدمة، فهذه جائزة،

стр. 2496

كما حدث لخباب ﵁ مع العاص بن وائل وهو كافر، فقد عمل قينًا عنده كما تقدم. هذا كله إذا كان الإيجار لعمل لا يتضمن تعظيم دينهم وشعائرهم، فإن كانت الإجارة لعمل يتضمن ذلك لم يجز» (١)، أو كان هذا العمل يتضمن مخالفات شرعية، كأن يكون العمل في فندق، أو مطعم يبيع المحرمات كالخنزير أو الخمر، أو يعرض القنوات الفضائية السيئة لساكنيه، أو الاختلاط بين الرجال والنساء، أو يمنع فيه من أداء الصلوات، أو غير ذلك. سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل: ما حكم العمل في دول الكفر، كدول أوروبا وأمريكا، وهل يتغير الحكم لو عمل عند مسلم في مؤسسات مسلمة، ولكن في نفس البلد الكافر؟ الجواب: يجب على المسلم أن يهاجر من ديار الكفر إلى ديار الإسلام محافظة على دينه، وتكثيرًا لجماعة المسلمين، وليتعاون معهم على إقامة شعائر الإسلام، وسيجد لنفسه بإذن الله طرقًا عدة للكسب والمعيشة المباركة بين المسلمين مع الأمن على دينه إن اتقى الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق].

стр. 2497

ومن هذا يعلم أن عمل المسلم في بلاد الكفر وهو يقوى على الهجرة منها إلى بلاد الإسلام لا يجوز، سواء كان عمله في محل كافر أم مسلم، إلا أن عمله في محل كافر أشد منعًا، لما يتوقع في ذلك من مزيد الخطر والذل، لكن إذا كان عالمًا وله نشاط في الدعوة إلى الإسلام، ويرجى أن يتأثر الكفار بدعوته، وتقوم به الحجة عليهم ولا تخشى عليه فتنة في دينه، أو نفسه، فله أن يقيم بينهم للقيام بواجب الدعوة إلى الله ونشر الإسلام، ومن كان مستضعفًا لا يقوى على الهجرة، فهو معذور في إقامته بين الكفار، وعلى إخوانه المسلمين أن يساعدوه، ليتمكن من الهجرة إلى بلد يأمن فيه على دينه» (١). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز وسُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل: إني قاطن في فرنسا، متزوج ولي أبناء، ومشكلتي هي كالآتي: العمل تقريبًا معدوم عندنا، وهذه ليست حجة أنجو

стр. 2498

بها عند ربي، والمصيبة الكبرى وهي أنني أعيش في محيط غير مسلم، زوجتي مثلًا تصلي وتصوم، وهذا بعد جهد طويل ومديد وقاس ومر، ولا أظن إن واجهتها بالحقيقة أنها ستقتنع وترضى بحكم الله، وهذا سيؤدي لا محالة إلى الطلاق وتخريب البيت، وقانون الدولة عندنا يعطي حضانة الأولاد إلى الأم، وأخشى عليهم ترك دين أبيهم. والسؤال هو: هل أتوقف عن العمل في هذا المحل الذي فيه لحوم الخنزير وغيرها، وإن أدى ذلك إلى الطلاق إذا اقتضى الأمر، أم أواصل عملي؟ أفيدوني أفادكم الله، وفقنا الله وإياكم؟ الجواب: إذا كان الأمر كما ذكر، فإنه لا يجوز لك الاستمرار في العمل المذكور؛ لأنه من التعاون على الإثم والعدوان الذي نهى الله عنه، لقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة]. ونوصيك بالتماس عمل غير العمل المذكور، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه (١). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبدالعزيز آل الشيخ ... عبدالعزيز بن باز

стр. 2499

وسُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل: ما حكم من يشتغل عند شخص غير مسلم، هذه النقود التي يقبضها من عنده هل هي حلال أم حرام؟ الجواب: تأجير المسلم نفسه للكافر لا بأس به إذا كان العمل الذي يقوم به مباحًا، كبناء جدار أو بيع سلعة مباحة أو ما أشبه ذلك من الأعمال المباحة؛ لأن عليًّا ﵁ أجر نفسه ليهودي بتمرات على نضح الماء له من البئر، فعن ابن عباس ﵄ «أَنَّ عَليًّا أَجر نَفْسَهُ مِنْ يَهُودِيٍّ يَسْقِي لَهُ كُلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ» (١) (٢). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبدالعزيز آل الشيخ ... عبدالعزيز بن باز سُئل الشيخ عبدالعزيز بن باز ﵀، يقول السائل: يوجد بعض الإخوة المسلمين الدارسين في أمريكا لا يستطيعون أداء الصلاة في وقتها سواء مع الجماعة أو منفردين،

стр. 2500

وذلك بسبب أوقات المحاضرات الدراسية هنا في الجامعات الأمريكية، كما أن بعض الإخوة لا يستطيعون أداء صلاة الجمعة لمدة طويلة قد تصل إلى فصل دراسي كامل، فما الحكم في ذلك جزاكم الله خيرًا؟ الجواب: يجب على المسلم أن يصلي الصلاة في وقتها، ولا يجوز تأخيرها عن وقتها من أجل بعض الدروس أو المحاضرات، إلا أن يكون مسافرًا يجوز له الجمع، أو مريضًا يشق عليه أن يصلي كل صلاة في وقتها، وأنت وأمثالك ليس لكم حكم المسافرين، لعزمكم على الإقامة لمدة طويلة، فالواجب على كل مسلم في أي مكان أن يراقب الله سبحانه، وأن يصلي الصلاة في أوقاتها مع الجماعة، وأن يحذر التساهل في ذلك، أو الترخص في الجمع بغير عذر شرعي، وعليه أن يصلي صلاة الجمعة مع المسلمين إذا كان في مكان تقام فيه صلاة الجمعة، ولا يجوز له التساهل في ذلك (١). وسُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية، يقول السائل: هل يجوز لي شرعًا أن أعمل في عمل يقوم عليه شخص كافر لا يمكنني من أداء الصلاة في وقتها، ولا يمكنني من أداء صلاة الجمعة؟

стр. 2501

الجواب: إذا كان الواقع كما ذكرت، فإنه لا يجوز لك أن تعمل في هذا العمل الذي يصدك صاحبه عن الصلاة المفروضة في وقتها المحدد لها، وعن أداء الجمعة المكتوبة عليك (١). ومن الحلول: البحث عن عمل لدى المؤسسات أو الشركات التي يملكها أناس متسامحون، ولا يعارضون المسلمين عند ذهابهم لصلاة الجمعة أو التوقف عن العمل لأداء صلاة الجماعة، وهذا موجود في بعض الدول، ويعتبرون هذا من الحرية الدينية، بل بعضهم يحترم المسلم الذي يتوقف عن العمل لأداء صلاة الجمعة أو الجماعة، ولعل من المناسب أن يشترط المسلم عند كتابة عقد العمل لدى المؤسسة أو الشركة أن من حقه التوقف عن العمل لأداء صلاة الجمعة، أو الجماعة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق]. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2502

الكلمة العشرون الزواج من الكتابيات الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. ذهب جماهير أهل العلم إلى حِلِّ الزواج بالكتابية، وخالف في ذلك بعضهم واستدلوا بما رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر: كان إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال: «إن الله حرم المشركات على المؤمنين، ولا أعلم من الإشراك شيئًا أكبر من أن تقول المرأة: ربها عيسى وهو عبد من عباد الله» (١). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]. ووجه الدلالة أن الله تعالى حرم نكاح المشركات، والكتابية مشركة، فيحرم نكاحها. وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وهذا نهي عن إبقاء الكافرة في عصمة المسلم، فاقتضى النهي عن ابتداء نكاحها، والكتابية داخلة في مسمى الكوافر. «وقالوا أنه يُشترط بأن توحد الله ولا تشرك به شيئًا، ولكنها

стр. 2503

لا تتبع إلا موسى ﵊، إن كانت يهودية، أو عيسى ﵊، إن كانت نصرانية، فإن خالفت الإسلام وأشركت فإنها لا تحل، وهؤلاء راموا الجمع بين آية المائدة وهي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. وبين آية البقرة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]. فقالوا: إذا أشركت بالله ولو كانت يهودية أو نصرانية فلا تحل، وأما إذا كانت غير مشركة بالله، وإن لم تدن بالإسلام الذي جاء به محمد ﵊ فإنها تحل، وتكون الفائدة من قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] أنها غير مسلمة وحلت لا أنها مشركة وحلت. وإلى هذا ذهب كثير من أهل العلم من السلف والخلف، وعلى هذا الرأي إذا كانت النصرانية تقول: إن الله ثالث ثلاثة فإنها لا تحل ولو تدينت بدين النصارى، وكذلك اليهودية إذا قالت: عزير ابن الله فإنها لا تحل لأنها مشركة. وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] عامة فكل من انتمى إلى دين أهل الكتاب فهو منهم، وقالوا: إن هذا مخصص لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، لأن آية البقرة متقدمة على آية المائدة، ثم هذا التعليل في الحقيقة

стр. 2504

عليل: لأن التخصيص لا فرق فيه بين المتقدم والمتأخر، لكن الدليل الواضح هو أن الله ذكر في سورة المائدة حل نساء أهل الكتاب، وحكى عنهم الشرك وكفرهم أيضًا، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾ [التوبة]» (١). قال ابن كثير ﵀: «وقد تزوج جماعة من الصحابة ﵃ من نساء النصارى ولم يروا بذلك بأسًا، أخذًا بهذه الآية الكريمة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، فجعلوا هذه مخصصة للآية التي في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]. إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها وإلا فلا معارضة بينها وبينها؛ لأن أهل الكتاب قد انفصلوا في ذكرهم عن المشركين في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾ [البينة]، وكقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [آل عمران: ٢٠]» (٢).

стр. 2505

قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «فالحاصل والذي عليه جمهور أهل العلم أن من تدين بدين أهل الكتاب وانتسب إليهم ولو كان يقول بالتثليث فإنه تحل ذبيحته ويحل نكاحه» (١). وهذا مشروط بما في الآية الكريمة ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، وقد اختلف أهل العلم في المراد بالإحصان، فقيل: أراد بالمحصنات الحرائر دون الإماء، وقيل المراد: العفيفات. قال ابن كثير ﵀: «والقول الأخير هو قول الجمهور، وهو الأشبه لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية، وهي مع ذلك غير عفيفة، فيفسد حالها بالكلية ويتحصل زوجها على ما قيل في المثل «حشفًا وسوء كيله»، والظاهر من الآية: أن المراد بالمحصنات: العفيفات عن الزنا، كما قال تعالى في الآية الآخرى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥]» (٢). «والذي يطلع على حقوق الزوجين في الغرب يخجل في الحقيقة من هذا القانون، ويترفع عن مقارنته، لا بالإسلام الذي هو شريعة ربانية، بل بالنظم البشرية في العصور الحجرية إذ كلها تأنف من جعل الزوج ديوثًا يرى من يجامع زوجته فيباركه، أو يرى من يحبلها ولا حق له سوى نفقات الولادة. في الحقيقة إن الغرب فرغوا الزواج من معناه الحقيقي، وجعلوه رسمًا بلا

стр. 2506

معنى وصورة بلا روح، وإلا فقولوا لي: بماذا تمتاز الزوجة عن الأجنبية بالنسبة للرجل؟ فالزوجة لا يلزمها في القانون الغربي أن تقدم لزوجها فنجانًا من القهوة والأجنبية كذلك، ولا يمكن لزوجها أن يجامعها إلا برضاها والأجنبية كذلك، وليس عليه أن يملي عليها رأيه والأجنبية كذلك، وليس له أن يمنعها الخروج من البيت والأجنبية كذلك، وليس له أن يمنعها معاشرة الرجال والأجنبية كذلك. وليس له أن يمنعها استضافة عشيقها في البيت والأجنبية كذلك، ولها أن تدعي أن هذا الولد من عشيقها لا من زوجها فينسب للعشيق، فأين حقوق الزوج في الغرب. كل هذا سببه نظريتهم في المساواة بين الرجل والمرأة ونظريتهم في احترام الحرية الشخصية، إضافة إلى أن القوانين الغربية فتحت بابًا عظيمًا من أبواب الفساد في صميم الجالية المسلمة، فإن الرجل لم يعد يستطيع أن يكلم زوجته كلمة واحدة إذ بيدها تطليقه، وأخذ نصف ثروته، وأكثر من نصف راتبه الشهري، إلى جانب استئثارها بحضانة أولاده وإذلاله في المحاكم. هذا بالنسبة للزوج، أما بالنسبة للأولاد، فإن الرجل مهما دفع لهم فإنه أبوهم ومسؤول عنهم، وعن تأمين العيش الكريم لهم، ولكن المشكلة لا تكمن هنا، وإنما صلب المشكلة أن هذا

стр. 2507

الأب ليس له حظ من أولاده إلا أن يراهم ساعة في الأسبوع، ثم تستأثر الأم بسائر أوقاتهم. وتكون المشكلة أعظم إن كان المطلق مسلمًا والمطلقة كتابية، فإنها ستتأثر بتربيتهم على الكفر وعادات الكافرين فيدفع هذا المسكين نصف ثروته لامرأته الكافرة، وينفق عليها أكثر من نصف راتبه الشهري لتربي أولاده على الكفر وعلى عداوة أبيهم وبغضه وهو محروم من رؤيتهم وتربيتهم ومن أنسهم ومودتهم، حقًا إنها طامة لا يعرفها إلا من ذاقها. وللأسف هذا حال كثير من المسلمين في أوروبا الذين بادروا بالزواج من كتابيات طمعًا بالإقامة والجنسية والعمل، ورغبة بجمالها وشقارها، فانقلبوا بعد حين ليذوقوا مرارة الطلاق ويدفعوا مالهم ودين أولادهم ثمنًا لهذا الزواج. ومنهم من تورط في الزواج ثم أدرك مغبة الطلاق وما يجره عليه من خسارة في ماله وولده، فآثر الصبر على أخلاق الزوجة الغربية وصار خادمًا عندها تسيره كيف تشاء، يتجرع كأس الذل والمهانة كل يوم، ولا يستطيع أن يشكو همه لأحد. لقد رأيت في ألمانيا من مآسي المسلمين العرب ما يبعث على الحزن ويوجع القلب، ولقد رأيت من يرى ابنته تصاحب الألماني الكافر، ولا يستطيع أن يتدخل في شأنها، ومن تأتي ابنته والصليب على رقبتها ولا يستطيع أن يتكلم، ومن تزوجت ابنته من كافر وليس له إلا أن يبارك هذا الزواج، ومن اتخذت امرأته عشيقًا ولا يستطيع إلا أن يكرمه.

стр. 2508

نعم يا إخواني إن ما أخذه الغرب من المسلمين المهاجرين، كان أكثر مما أعطاهم، ولو بدا لهم لأول وهلة أنه أعطاهم الكثير، وإن من ارتد وانحرف من أولاد المسلمين أكثر من الغربيين الذين دخلوا في الإسلام، وكان تأثيرهم فينا أكثر من تأثيرنا فيهم، وإن كان ديننا أعظم من دينهم لأننا جعلنا الدين من غير صدق، وهم صدقوا من غير دين. ومن القصص المحزنة في ذلك: قبل حوالي شهر حصل في برلين أن صاحب محل تجاري من المسلمين انتحر بسبب الطلاق، فرضت عليه المحكمة أن يدفع أكثر من نصف مدخوله الشهري لمطلقته وأولاده، كما فرضت عليه أن يتخلى عن محله التجاري، حتى يباع وتأخذ مطلقته نصيبها، أي تقسيم ثروته المالية بينه وبينها على السواء، فلم يستطع تحمل هذا الأمر فأقدم على الانتحار. إنا لله وإنا إليه راجعون. ومن هذه الحالات: صديق لي تزوج بامرأة نصرانية، ولم يكن حسن الالتزام بدينه، وكانت هي أيضًا بعيدة عن دينها، ويسر الله لهذا الرجل أن تعرف على المسلمين الملتزمين على المسجد حتى أصبح من رواده، وأصبح داعية للإسلام، وكان له من زوجته خمسة أولاد لا تتجاوز أعمارهم السبع سنوات، وصار يحضرهم إلى المسجد ويعلمهم الإسلام، وبدأت العداوة تكبر في صدر امرأته حتى اشتعل صدرها ببغض هذا الدين، ودفعها هذا البغض إلى الاقتراب من الكنيسة والدفاع عنها، وكانت تثور في البيت المجادلات الدينية والتي لم تنته إلا بطلب

стр. 2509

المرأة الطلاق، وصدر الحكم بالطلاق، وكانت الأم قد أطلعت القاضي على سبب العداوة بينها وبين زوجها الذي انقلب إلى رجل متعصب - بزعمها - ويريد أن يربي أولاده على الإسلام ويأخذهم إلى المسجد، فمال القاضي إليها وحكم لها بحضانة الأطفال الخمسة، ولم يعد يسمح للأب أن يزور أولاده إلا مرة واحدة في الأسبوع. وحرصت الأم بعد ذلك على غرس الكفر في نفوس الأطفال، فصارت تصحبهم إلى الكنيسة بعد أن كانت الكنيسة لا تعني شيئًا لها، وبدأت تطبخ لهم الخنزير وتنفرهم من الإسلام، وكان الأب في غضون زيارة الأولاد له يحرص على تعليمهم الصلاة ويحببهم فيها، فلما علمت الأم بذلك أخبرت القاضي الذي قام بإنذار الأب بحرمانه من زيارة أطفاله له إذا حدثهم عن الإسلام أو الصلاة أو حتى صلى إحدى الصلوات أمامهم. وهذا غيض من فيض مما يجري في بلاد الغرب، من حرب على الإسلام وأهله، والاعتداء على أبناء المسلمين لإبعادهم عن دينهم. ومنذ أيام قلائل اتصل بي أحد الإخوة، وأخبرني أن صديقًا له من المسلمين العرب توفي وله زوجة ألمانية، فأراد أهله وأصدقاؤه دفنه في مقبرة المسلمين فرفضت زوجته، وأصرت على أن يدفن في مقابر النصارى، فذهب بعض الإخوة يترجونها للسماح بدفنه في مقابر المسلمين، فلم تقبل ودُفن في مقابر النصارى.

стр. 2510

فالزوجة في القانون الألماني هي التي تأخذ هذا القرار، وليس لأهله أو أسرته أي حق في التدخل بهذا الشأن. والذي أنصح به أنه لا ينبغي الإقدام على الزواج من الكتابية إلا إذا رجا إسلامها، وغلب ذلك على ظنه بما يتوسمه من حسن صفاتها، وحبها للخير؛ لأنه حين يعقد عليها في بلاد الغرب يخضع زواجهما للقوانين الغربية، وفي هذه القوانين من السوء والعار ما لا يجوز للمسلم أن يرضى به، كانعدام قوامة الرجل في بيته، وحرية الزوجة في معاشرة الأجانب، واصطحاب العشيق إلى البيت .. وغير ذلك من المخازي. والإسلام حين أجاز الزواج بالكتابية كان ذلك مبنيًّا على الخضوع لأحكامه، فالرجل هو القوام على المرأة وعلى البيت، ولا يدع للمرأة تأثيرًا في تسيير البيت وتوجيهه نحو الانحلال أو تربية الأطفال على الكفر وعادات الكافرين، فبهذه القوامة التي منحه الشارع إياها، يزول المحذور الذي يخشى وقوعه من قبل امرأته الكافرة، وأما مع عدم الخضوع لأحكام الإسلام وعدم القوامة فالأمر يختلف. فينبغي على المسلم أن ينظر في المحذورات المتوقعة من هذا الزواج، ويتفق مع المرأة على تفاديها، كأن يتفق معها على قوامته على البيت، وتربية الأولاد وفق شرع الله، وفي حال الطلاق تكون حضانتهم له، فإن وافقت أقدم على الزواج بعد توثيق هذا الاتفاق في المركز الإسلامي، وإن أبت فلا يقدم عليه؛ لأن في

стр. 2511

الإقدام عليه تفريطًا في حق نفسه وحق أولاده، وتضييع للأمانة التي حمَّله الله إياها، وسيسأل عن ذلك يوم القيامة» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2512

الكلمة الحادية والعشرون شرح اسم من أسماء الله تعالى: الرحمن، الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف]. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «للَّه تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا، مِئَةٌ إِلَّا وَاحِدًا لَا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَهُوَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ» (١). وفي رواية: «مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٢). ومن أسماء الله الحسنى: الرحمن، والرحيم، قال بعضهم: ذُكِرَ الرحمن في القرآن سبعًا وخمسين مرة، وذُكِرَ الرحيم مئة وأربع عشرة مرة، والرحمن دال على أن الرحمة صفته القائمة به كعلمه، وقدرته، وسمعه، وبصره، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠].

стр. 2513

والرحيم دال على أنه يرحم خلقه، قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب]، وقال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت: ٢١]. «ورحمة الله عامة وخاصة، فأما العامة فهي لجميع الخلق، فكل الخلق مرحومون برحمة الله، ولولا رحمة الله ما أكلوا وما شربوا، وما اكتسوا، وما سكنوا، ولكن الله رحمهم، فهيأ لهم ما تقوم به أبدانهم من المعيشة الدنيوية، وأما رحمته الخاصة فهي خاصة بالمؤمنين» (١)، «حيث وفقهم للإيمان وعلمهم من العلم ما يحصل به الإيقان، ويسر لهم أسباب السعادة وما به يدركون غاية الأرباح، وسيرون من رحمته وكرمه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فنسأل الله أن لا يحرمنا خيره بِشَرِّ ما عندنا» (٢). «وهذه الرحمة الخاصة التي يطلبها الأنبياء وأتباعهم تقتضي التوفيق للإيمان والعلم والعمل وصلاح الأحوال كلها، والسعادة الأبدية والفلاح والنجاح وهي المقصود الأعظم لخواص الخلق» (٣). ورحمة الله واسعة وسعت كل شيء، قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ [الأنعام: ١٤٧]، وقال

стр. 2514

تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قَامَ رَسُولُ الله ﷺ فِي صَلَاةِ، وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ وَهُوَ فِي الصَّلاةِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا، فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُ ﷺ ، قَالَ لِلأَعْرَابِيِّ: «لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا» (١). يريد رحمة الله، يعني: ضيقت واسعًا على فضل الله سبحانه وجوده، وقلت ما ليس لك قوله، وسألت ما لا يحسن سؤاله، فإن السيول الدوافع قد تكف، والبحور الزواخر قد تقبض، ولكن فضل الله وجوده على خلقه لا يكف ولا يقبض ولا يقلع أبدًا (٢). ومن آثار الإيمان بهذين الاسمين العظيمين: أولًا: أن رحمة الله تغلب غضبه، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي» (٣). قال ابن القيم ﵀: «وكان هذا الكتاب العظيم الشأن كالعهد منه سبحانه للخليقة كلها بالرحمة لهم، والعفو والصفح عنهم، والمغفرة والتجاوز والستر والإمهال والحلم والأناة، فكان قيام العالم العلوي والسفلي بمضمون هذا الكتاب، الذي

стр. 2515

لولاه لكان للخلق شأن آخر، ولولا ذلك لخرب العالم، وسقطت السموات على الأرض، وخرت الجبال» (١). ثانيًا: أن الله أرحم بعباده من الأم بولدها، روى البخاري ومسلم من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: قدم على رسول الله ﷺ سبي، فإذا امرأة من السبي قد تحلَّب ثديها تسقي، إذا وجدت صبيًا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي ﷺ : «أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ » فَقُلْنَا: لا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لا تَطْرَحَهُ. فَقَالَ: «اللَّه أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» (٢). ثالثًا: أن الله جلَّ وعلا عنده مئة رحمة، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الله خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِئَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً». وفي رواية: «فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلَائِقُ حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ» (٣). روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّه مِنَ الْعُقُوبَةِ، مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّه مِنَ

стр. 2516

الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ» (١). رابعًا: أنه ينبغي للمؤمن أن يكون رحيمًا بالناس، فالرحمة من الأخلاق العظيمة التي حض الله سبحانه عباده على التخلق بها، فقد مدح بها أشرف رسله، فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة]. وبين النبي ﷺ أن الرحمة إنما تنال عباد الله الرحماء، فقال ﷺ : «إِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» (٢). وقال أيضًا: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ» (٣). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قَبَّلَ رسول الله ﷺ الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» (٤). وفي رواية: «أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ» (٥).

стр. 2517

خامسًا: أن طاعة الله تعالى ورسوله سبب لرحمة الله، فكلما كان الإنسان أقرب إلى الله تعالى كانت رحمة الله أولى به، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف]. سادسًا: أن الله تعالى من رحمته بعباده يبتليهم بالمصائب والآلام تطهيرًا لهم وتكفيرًا لذنوبهم، ورفعة لدرجاتهم، روى الترمذي في سننه من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١). وروى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الْمَنْزِلَةُ عِنْدَ اللَّهِ فَمَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلٍ، فَلا يَزَالُ يَبْتَلِيهِ بِمَا يَكْرَه حَتَّى يُبلِغَهُ ذَلِكَ» (٢). فسبحان من يرحم ببلائه، ويبتلي بنعمائه، كما قيل: قَدْ يُنْعِمُ اللهُ بالبَلْوى وإنْ عَظُمَتْ ... وَيْبتَلِيَ اللهُ بعَضَ القَوْم بِالنِّعمِ سابعًا: أن المؤمنين إنما يدخلون الجنة بفضل الله ورحمته لا بأعمالهم، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁

стр. 2518

أن النبي ﷺ قال: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ»، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا إِلَّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ، فَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا» (١). ثامنًا: أنه يُشرع للمؤمن أن يسأل ربه الرحمة، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك عن أبيه ﵁ أنه سمع النبي ﷺ وأتاه رجل فقال: يا رسول الله! كيف أقول حين أسأل ربي؟ قال: «قُل: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي -وَيَجْمَعُ أَصَابِعَهُ إِلَّا الْإِبْهَامَ- فَإِنَّ هَؤُلَاءِ تَجْمَعُ لَكَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ» (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2519

الكلمة الثانية والعشرون صفة الصلاة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. قال الشيخ صالح الفوزان: «بعد أن بينَّا أركان الصلاة وواجباتها وسننها القولية والفعلية، نريد أن نذكر صفة الصلاة المشتملة على تلك الأركان والواجبات والسنن، حسبما وردت به النصوص من صفة صلاة النبي ﷺ ؛ لتكون قدوة للمسلم، عملًا بقوله ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١)، وإليك سياق ذلك: -كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة؛ استقبل القبلة، ورفع يديه، واستقبل ببطون أصابعهما القبلة، وقال: الله أكبر. - ثم يُمسِك شماله بيمينه، ويضعهما على صدره. - ثم يستفتح، ولم يكن ﷺ يداوم على استفتاح واحد، فكل الاستفتاحات الثابتة عنه يجوز الاستفتاح بها، ومنها: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. - ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

стр. 2520

- ثم يقرأ بفاتحة الكتاب، فإذا ختمها، قال: آمين. - ثم يقرأ بعد ذلك سورة: طويلة تارة، وقصيرة تارة، ومتوسطة تارة، وكان يطيل قراءة الفجر أكثر من سائر الصلوات، وكان يجهر بالقراءة في الفجر والأُوليين من المغرب والعشاء، ويُسرُّ القراءة فيما سوى ذلك، وكان ﷺ يطيل الركعة الأولى من كل صلاة على الثانية. - ثم يرفع يديه كما رفعهما في الاستفتاح، ثم يقول: الله أكبر، ويَخِرُّ راكعًا، ويضع يديه على ركبتيه مُفَرَّجَتي الأصابع، ويُمَكِّنهُما، ويمد ظهره، ويجعل رأسه حياله: لا يرفعه ولا يخفضه، ويقول: سبحان ربي العظيم. - ثم يرفع رأسه قائلًا: سمع الله لمن حمده، ويرفع يديه كما يرفعهما عند الركوع. - فإذا اعتدل قائمًا؛ قال: ربنا لك الحمد، وكان يطيل هذا الاعتدال. - ثم يكبر، ويخر ساجدًا، ولا يرفع يديه، فيسجد على جبهته وأنفه ويديه وركبتيه وأطراف قدميه، ويستقبل بأصابع يديه ورجليه القبلة، ويعتدل في سجوده، ويمكِّن جبهته وأنفه من الأرض، ويعتمد على كفيه، ويرفع مرفقيه، ويجافي عضديه عن جنبيه، ويرفع بطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، وكان يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى.

стр. 2521

- ثم يرفع رأسه قائلًا: الله أكبر، ثم يفرش رجله اليسرى، ويجلس عليها، وينصب اليمنى، ويضع يديه على فخذيه، ثم يقول: اللهم اغفر لي، وارحمني، واجبرني، واهدني، وارزقني. - ثم يكبر ويسجد، ويصنع في الثانية مثلما صنع في الأولى. - ثم يرفع رأسه مكبرًا، وينهض على صدور قدميه، معتمدًا على ركبتيه وفخذيه. - فإذا استتم قائمًا، أخذ في القراءة، ويصلي الركعة الثانية كالأولى. - ثم يجلس للتشهد الأول مفترشًا كما يجلس بين السجدتين، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، ويضع إبهام يده اليمنى على أصبعه الوسطى كهيئة الحلقة، ويشير بأصبعه السبابة، وينظر إليها (١)، ويقول: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وكان ﷺ يخفف هذه الجلسة (٢).

стр. 2522

- ثم ينهض مكبرًا، فيصلي الثالثة والرابعة، ويخففهما على الأوليين، ويقرأ فيهما بفاتحة الكتاب. - ثم يجلس في تشهده الأخير متوركًا، يفرش رجله اليسرى، بأن يجعل ظهرها على الأرض، وينصب رجله اليمنى أو يخرج رجله اليسرى عن يمينه، ويجعل أليتيه على الأرض. - ثم يتشهد التشهد الأخير، وهو كالتشهد الأول ويزيد عليه: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. - ويستعيذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، ويدعو بما ورد من الأدعية في الكتاب والسنة. - ثم يسلم عن يمينه، فيقول: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك؛ يبتدئُ السلام متوجهًا إلى القبلة، ويُنهيه مع تمام الالتفات. - فإذا سلم قال: أستغفر الله ثلاثًا، اللهم إنك أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم يذكر الله بما ورد.

стр. 2523

أيها المسلم، هذه جملة مختصرة في صفة الصلاة حسبما ورد في النصوص، فعليك أن تهتم بصلاتك غاية الاهتمام، وأن تكون صلاتك متفقة حسب الإمكان مع صلاة النبي ﷺ ؛ فقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الاحزاب]. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2524

الكلمة الثالثة والعشرون فضائل التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. روى الترمذي في سننه من حديث عبد الله بن بسر ﵁ أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ، فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: «لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ الله» (١). ومن الأذكار العظيمة التي وردت النصوص بفضلها: الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. فمن فضائل هذه الكلمات: أنهن أحب الكلام إلى الله، روى مسلم في صحيحه من حديث سمرة بن جندب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى الله تَعَالَى أَرْبَعٌ، سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ للَّه، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ» (٢).

стр. 2525

ومنها: أنهن أحب إلى النبي ﷺ مما طلعت عليه الشمس، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لله، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» (١). ومنها: أنهن مكفرات للذنوب، فقد ثبت في سنن الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا عَلَى الأَرْضِ أَحَدٌ يَقُولُ: لا إِلَهَ إِلا الله، وَالله أَكْبَرُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّه، إِلا كَفَّرَتْ عَنْهُ ذُنُوبَهُ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (٢). ومنها: أنهن غراس الجنة، روى الترمذي في سننه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ، عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ (٣)، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لله، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ» (٤). ومنها: أنه ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن يُعمرُ في الإسلام يكثر تكبيره وتسبيحه وتهليله وتحميده، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن شداد ﵁، أن نفرًا من بني عذرة ثلاثة أتوا
следующие страницы →