← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

- ثم يرفع رأسه قائلًا: الله أكبر، ثم يفرش رجله اليسرى، ويجلس عليها، وينصب اليمنى، ويضع يديه على فخذيه، ثم يقول: اللهم اغفر لي، وارحمني، واجبرني، واهدني، وارزقني. - ثم يكبر ويسجد، ويصنع في الثانية مثلما صنع في الأولى. - ثم يرفع رأسه مكبرًا، وينهض على صدور قدميه، معتمدًا على ركبتيه وفخذيه. - فإذا استتم قائمًا، أخذ في القراءة، ويصلي الركعة الثانية كالأولى. - ثم يجلس للتشهد الأول مفترشًا كما يجلس بين السجدتين، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، ويضع إبهام يده اليمنى على أصبعه الوسطى كهيئة الحلقة، ويشير بأصبعه السبابة، وينظر إليها (١)، ويقول: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وكان ﷺ يخفف هذه الجلسة (٢).

стр. 2522

- ثم ينهض مكبرًا، فيصلي الثالثة والرابعة، ويخففهما على الأوليين، ويقرأ فيهما بفاتحة الكتاب. - ثم يجلس في تشهده الأخير متوركًا، يفرش رجله اليسرى، بأن يجعل ظهرها على الأرض، وينصب رجله اليمنى أو يخرج رجله اليسرى عن يمينه، ويجعل أليتيه على الأرض. - ثم يتشهد التشهد الأخير، وهو كالتشهد الأول ويزيد عليه: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. - ويستعيذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، ويدعو بما ورد من الأدعية في الكتاب والسنة. - ثم يسلم عن يمينه، فيقول: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك؛ يبتدئُ السلام متوجهًا إلى القبلة، ويُنهيه مع تمام الالتفات. - فإذا سلم قال: أستغفر الله ثلاثًا، اللهم إنك أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم يذكر الله بما ورد.

стр. 2523

أيها المسلم، هذه جملة مختصرة في صفة الصلاة حسبما ورد في النصوص، فعليك أن تهتم بصلاتك غاية الاهتمام، وأن تكون صلاتك متفقة حسب الإمكان مع صلاة النبي ﷺ ؛ فقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الاحزاب]. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2524

الكلمة الثالثة والعشرون فضائل التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. روى الترمذي في سننه من حديث عبد الله بن بسر ﵁ أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ، فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: «لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ الله» (١). ومن الأذكار العظيمة التي وردت النصوص بفضلها: الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. فمن فضائل هذه الكلمات: أنهن أحب الكلام إلى الله، روى مسلم في صحيحه من حديث سمرة بن جندب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى الله تَعَالَى أَرْبَعٌ، سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ للَّه، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ» (٢).

стр. 2525

ومنها: أنهن أحب إلى النبي ﷺ مما طلعت عليه الشمس، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لله، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» (١). ومنها: أنهن مكفرات للذنوب، فقد ثبت في سنن الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا عَلَى الأَرْضِ أَحَدٌ يَقُولُ: لا إِلَهَ إِلا الله، وَالله أَكْبَرُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّه، إِلا كَفَّرَتْ عَنْهُ ذُنُوبَهُ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (٢). ومنها: أنهن غراس الجنة، روى الترمذي في سننه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ، عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ (٣)، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لله، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ» (٤). ومنها: أنه ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن يُعمرُ في الإسلام يكثر تكبيره وتسبيحه وتهليله وتحميده، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن شداد ﵁، أن نفرًا من بني عذرة ثلاثة أتوا

стр. 2526

النبي ﷺ فأسلموا، قال: فقال النبي ﷺ : «مَنْ يَكْفِينِيهِمْ؟ » قَالَ طَلْحَةُ: أَنَا، قَالَ: فَكَانُوا عِنْدَ طَلْحَةَ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْثًا، فَخَرَجَ فِيهِ أَحَدُهُمْ فَاسْتُشْهِدَ، قَالَ: ثُمَّ بَعَثَ بَعْثًا آَخَر، فَخَرَجَ فِيهِ آخَرُ فَاسْتُشْهِدَ، قَالَ: ثُمَّ مَاتَ الثَّالِثُ عَلَى فِرَاشِهِ، قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ كَانُوا عِنْدِي فِي الْجَنَّةِ، فَرَأَيْتُ الْمَيِّتَ عَلَى فِرَاشِهِ أَمَامَهُمْ، وَرَأَيْتُ الَّذِي اسْتُشْهِدَ أَخِيرًا يَلِيهِ، وَرَأَيْتُ الَّذِي اسْتُشْهِدَ أَوَّلَهُمْ آخِرَهُمْ، قَالَ: فَدَخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «وَمَا أَنْكَرْتَ مِنْ ذَلِكَ؟ لَيْسَ أَحَدٌ أَفْضَلَ عِنْدَ الله مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَمَّرُ فِي الْإِسْلَامِ لِتَسْبِيحِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَهْلِيلِه» (١). وقد دل هذا الحديث العظيم على عظم فضل من طال عمره، وحسن عمله، ولم يزل لسانه رطبًا من ذكر الله (٢). ومنها: أن الله اختار هؤلاء الكلمات واصطفاهن لعباده، ورتب على ذلك أجورًا عظيمة، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ الله اصْطَفَى مِنَ الْكَلَامِ أَرْبَعًا: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لِلّه، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، فَمَنْ قَالَ: سُبْحَانَ الله، كَتَبَ الله لَهُ عِشْرِينَ حَسَنَةً، أَوْ حَطَّ عَنْهُ عِشْرِينَ سَيِّئَةً، وَمَنْ قَالَ: الله أَكْبَرُ، فَمِثْلُ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، فَمِثْلُ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلّه رَبِّ الْعَالَمِينَ، مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، كُتِبَتْ لَهُ ثَلَاثُونَ حَسَنَةً وَحُطَّ عَنْهُ ثَلَاثُونَ

стр. 2527

سَيِّئة» (١). ومنها: أنهن جُنة لقائلهن من النار، ويأتين يوم القيامة منجيات لقائلهن، ومقدمات له، روى الحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خُذُوا جُنَّتَكُمْ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، مِنْ عَدُوٍّ حَضَرَ؟ قَالَ: «لا، جُنَّتَكُمْ مِنَ النَّارِ، قُولُوا: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لله، وَلا إِلَهَ إِلا الله، وَالله أَكْبَرُ، فَإِنَّهُنَّ يَأْتِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُنَجِّيَاتٌ ومُقَدِّمَاتٌ، وَهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ» (٢). وفي الآية الكريمة: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ [الكهف]. أي التي يبقى ثوابها، ويدوم جزاؤها. ومنها: أنهن ينعطفن حول عرش الرحمن، ولهن دوي كدوي النحل يذكرن بصاحبهن، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الَّذِينَ يَذكُرونَ مِنْ جَلَالِ الله مِنْ تَسْبِيحِهِ، وَتَحْمِيدِهِ، وَتَكْبِيرِهِ، وَتَهْلِيلِهِ، يَتَعَاطَفْنَ حَوْلَ الْعَرْشِ، لَهُنَّ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يُذَكِّرنَ بِصَاحِبِهِنَّ، أَلَا يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ لَا يَزَالَ لَهُ عِنْدَ الله شَيْءٌ يُذَكِّرُ بِهِ؟ » (٣).

стр. 2528

ومنها: أنهن ثقيلات في الميزان، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي سلام ﵁ مولى رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: «بخٍ بخٍ لِخَمْسٍ مَا أَثْقَلَهُنَّ فِي الْمِيزَانِ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبرُ، وَسُبحَانَ الله، وَالْحَمْدُ للَّه، وَالْوَلَدُ الصَّالِحُ يُتَوَفَّى فَيَحْتَسِبهُ وَالِدُهُ» (١). ومنها: أن للعبد بقول كل واحدة منهن له صدقة، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر ﵁ أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا للنبي ﷺ : يَا رَسُولَ الله، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، قَالَ: «أَفَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّه لَكُمْ مَا تَصَدَقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَبِكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَبُكِلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً .. الحديث» (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2529

الكلمة الرابعة والعشرون من آداب الضيافة واستقبال الضيوف والزوار الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فقد ذكر أهل العلم آدابًا للضيافة واستقبال الضيوف ينبغي تعلمها وتطبيقها لأنها مستمدة من الوحيين (الكتاب والسنة) والعادات الكريمة التي توارثها العرب وتمسكوا بها جيلًا بعد جيل دفعهم إلى ذلك حبهم إكرام الضيف وتنافسهم في ذلك، وهي مكارم جاء الإسلام بإتمامها، قال النبي ﷺ : «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاقِ» (١)، وهي كثيرة أطال العلماء في ذكر تفاصيلها، فليرجع إليها من أراد الاستزادة، حيث إنني اقتصرت في هذه الكلمة على بعضها تنبيهًا على ما سواها، فمن ذلك: أولًا: إكرام الضيف لقول الرسول ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» (٢). ومدة الضيافة ثلاثة أيام لما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي شريح العدوي أن

стр. 2530

النبي ﷺ قال: «الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ» (١). وفي الحديث الآخر: «وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيهِ حَتَّى يُؤْثِمَهُ، قَالَ: يُقِيمُ عِنْدَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ يَقْرِيهِ بِهِ» (٢). ثانيًا: استحباب الترحيب بالضيوف لما روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لما قدم وفد عبد القيس قال: «مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ الذينَ جَاءوا غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى» (٣). ثالثًا: قال أبو الليث السمرقندي: «على الضيف أربعة أشياء، أولها: أن يجلس حيث يُجلس، وثانيها: أن يرضى إذا جاد له صاحب الدار بموجوده، وثالثها: ألا يقوم إلا بإذن رب البيت، ورابعها: أن يدعو له إذا خرج» (٤). قال ابن الجوزي ﵀: «ومن آداب الزائر ألَاّ يقترح طعامًا بعينه، وإن خير بين طعامين اختار الأيسر، إلا أن يعلم أن مضيفه يُسر بذلك» (٥). رابعًا: إذا تبع الضيف من لم يدع يستأذن المضيف في

стр. 2531

حضوره، للحديث الذي رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي مسعود ﵁ قال: كان من الأنصار رجل يقال له أبو شعيب: وكان له غلام لحام، فقال: اصنع لي طعامًا، وادع رسول الله ﷺ خامس خمسة، فدعا رسول الله ﷺ خامس خمسة، فتبعهم رجل، فقال النبي ﷺ : «إِنَّكَ دَعَوْتَنَا خَامِسَ خَمْسَةٍ وَهَذَا رَجُلٌ قَدْ تَبِعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَذِنْتَ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ تَرَكْتَهُ»، قَالَ: بَلْ أَذِنْتُ لَهُ (١). خامسًا: لا ينبغي التكلف للضيف، ومرجع ذلك إلى العرف، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث قيس أن سلمان دخل عليه رجل فدعا له بما كان عنده، فقال: لولا أن رسول الله ﷺ نهانا - أو أنَّا نهينا - أن يتكلف أحدنا لصاحبه، لتكلفنا لك (٢). سادسًا: الاستئذان عند الدخول والانصراف بعد الفراغ من الطعام حتى لا يثقل على مضيفه إلا إذا كان رب البيت يرغب في بقائهم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. سابعًا: دعاء الضيف لمن استضافه بعد الفراغ من الطعام

стр. 2532

لما رواه أبو داود في سننه من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ جاء إلى سعد بن عبادة ﵁ فجاء بخبز وزيت فأكل، ثم قال النبي ﷺ : «أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ» (١). ولما رواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن بسر ﵁ أن النبي ﷺ قال لمن أطعمهم: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ» (٢)، وقال ﷺ : «اللَّهُمَّ! أَطْعِمْ مِنْ أَطْعَمَنِي، وَاسْقِ مَنْ سَقَانِي» (٣). ثامنًا: أن يؤثر الضيف على نفسه وعياله، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي مَجْهُودٌ، فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلا مَاءٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى، فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ: لا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلا مَاءٌ، فَقَالَ: «مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ ﵀؟ » فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ الله، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، فَقَالَ لامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لا، إِلا قُوتَ صِبْيَانِي، قَالَ: فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ، فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا أَصْبِحِي السِّرَاجَ وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ، فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ

стр. 2533

حَتَّى تُطْفِئِيهِ، قَالَ: فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «قَدْ عَجِبَ اللَّه مِنْ صَنِيعِكُمَا اللَّيْلَةَ» (١). تاسعًا: من آداب المضيف أن يخدم أضيافه، ويُظهر لهم بسط الوجه والفرح والسرور بقدومهم، وأن يحدثهم بما تميل إليه أنفسهم، وأن يقرب إليهم الطعام، قال تعالى حاكيًا ضيافة نبي الله إبراهيم ﵇: ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧)﴾ [الذاريات]. عاشرًا: أن يبدأ بالأكبر عند التقديم، ثم الأيمن فالأيمن، فقد كان النبي ﷺ إذا سقى قوم قال: «ابْدَءُوا بِالْكَبِيرِ» (٢)، أما إذا كانوا متساويين فيقدم الأيمن، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ﵁ قال: أَتَانَا رَسُولُ الله ﷺ فِي دَارِنَا هَذِهِ، فَاستَسْقَى، فَحَلَبْنَا لَهُ شَاةً لَنَا، ثُمَّ شُبتُهُ مِنْ مَاء بِئْرِنَا هَذِهِ فَأَعطَيتُهُ، وأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَسَارِهِ، وَعُمَرُ تُجَاهَهُ، وَأَعْرَابِيٌّ عَنْ يَمِينِهِ، فَلَمَا فَرِغَ قَال عُمَرُ: هَذَا أَبُو بَكْرٍ، فَأَعْطَى الأعْرَابِي فَضْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: «الأَيْمَنُونَ الأَيْمَنُونَ، أَلا فَيمِّنوا» (٣). قال أنس ﵁: فهي سنة، فهي سنة ثلاث مرات (٤).

стр. 2534

الحادي عشر: استحباب الخروج مع الضيف إلى باب الدار، فقد زار أبو عبيد القاسم بن سلام الإمام أحمد بن حنبل -رحمهما الله-، قال أبو عبيد: فلما أردت القيام قام معي، قلت: لا تفعل يا أبا عبد الله، فقال: قال الشعبي: من تمام زيارة الزائر أن تمشي معه إلى باب الدار وتأخذ بركابه. قال الحافظ ابن حجر ﵀: «ويؤخذ من قصة أبي طلحة -يعني في حديث أنس عن أبي طلحة - سمعت صوت النبي ﷺ ضعيفًا أعرف فيه الجوع، قال فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ فأقبل رسول الله ﷺ معه حتى دخلا ... الحديث، وفيه أن من أدب من يضيف أن يخرج مع الضيف إلى باب الدار تكرمة له» (١). الثاني عشر: على المضيف أن يدعو لضيافته الأتقياء دون الفساق، لما رواه الترمذي في سننه من حديث أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا، وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ» (٢). الثالث عشر: السمر مع الضيف والأهل، وترجم له البخاري باب السمر مع الضيف والأهل، وذكر حديث أبي بكر وفيه: أنه

стр. 2535

ذهب إلى النبي ﷺ ثم عاد إلى أضيافه وتعشى معهم (١). الرابع عشر: عدم إيذاء الضيف بأي نوع من أنواع الأذى سواء كان قولًا، أو فعلًا، وأن ينصرف الضيف طيب النفس، وأن يغفر لصاحب الدار أي تقصير حدث له (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2536

الكلمة الخامسة والعشرون من أحكام الغسل الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. «فإن الحدث الأكبر سواء كان جنابة، أو حيضًا، أو نفاسًا لا يطهر المسلم منه إلا بالغسل، قال الحافظ في الفتح: «حقيقة الاغتسال: غسل جميع الأعضاء مع تمييز ما للعبادة عما للعادة بالنية (١) أهـ، والدليل على وجوبه قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]. وقد ذكروا أن الغسل من الجنابة كان معمولًا به في الجاهلية وهو من بقايا دين إبراهيم ﵊ فيهم. موجبات الغسل: ستة إذا حصل واحد منها وجب الاغتسال: ١ - خروج المني من مخرجه من الذكر أو الأنثى، ولا يخلو إما أن يخرج في حال اليقظة أو حال النوم، فإن خرج في حال اليقظة اشترط وجود اللذة بخروجه، فإن خرج بدون لذة لم يوجب

стр. 2537

الغسل، كالذي يخرج بسبب مرض أو عدم إمساك، وإن خرج في حال النوم، وهو ما يسمى بالاحتلام، وجب الغسل مطلقًا، لفقد إدراكه فقد لا يشعر باللذة، فالنائم إذا استيقظ ووجد أثر المني وجب عليه الغسل، وإن احتلم ولم يخرج منه ولم يجد له أثرًا لم يجب عليه الغسل. روى البخاري ومسلم من حديث أم سلمة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ الله لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ» (١). قال ابن قدامة: «فخروج المني الدافق بشهوة يوجب الغسل من الرجل والمرأة في يقظة أو في نوم، وهو قول عامة الفقهاء، قال الترمذي: ولا نعلم فيه خلافًا» (٢). ٢ - من موجبات الغسل: إيلاج الذكر في الفرج ولو لم يحصل إنزال، للحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ، فَقد وَجَبَ الْغُسْلُ» (٣). فيجب الغسل على المرأة والرجل ولو لم يحصل إنزال لهذا

стр. 2538

الحديث، قال النووي ﵀: «اعلم أن الأمة مجتمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع وإن لم يكن معه إنزال، وعلى وجوبه بالإنزال، وكان جماعة من الصحابة على أنه لا يجب إلا بالإنزال ثم رجع بعضهم، وانعقد الإجماع بعد الآخرين» (١). ٣ - من موجبات الغسل عند طائفة من العلماء: إسلام الكافر، فإذا أسلم الكافر وجب عليه الغسل؛ لأن النبي ﷺ أمر بعض الذين أسلموا أن يغتسلوا، فروى أبو داود في سننه من حديث قيس بن عاصم قال: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيدُ الْإِسْلَامَ فَأَمَرَنِي أَنْ أَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (٢). لأنه طهر باطنه من نجس الشرك، فمن الحكمة أن يطهر ظاهره بالغسل. وذهب بعض أهل العلم إلى أن اغتسال الكافر إذا أسلم مستحب، وليس بواجب، لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يأمر به كل من أسلم، فيحمل الأمر على الاستحباب جمعًا بين الأدلة. والله أعلم ٤ - الموت، فيجب تغسيل الميت، غير الشهيد لما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس ﵄ قال: «بَيْنَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصتْهُ (٣)، أو قال: فَأَقْعَصَتْهُ» (٤).

стр. 2539

وقال ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ -قَالَ أَيوب: يُلَبِّي، وقَالَ عَمْرٌو: مُلَبِّيًا» (١). قال ابن المنذر ﵀: «وأجمعوا أن الميت يغسل غسل الجنابة» (٢). ٥ - الحيض والنفاس: لما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي» (٣). وقال تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، يعني الحيض، يتطهرن بالاغتسال بعد انتهاء الحيض. وصفة الغسل الكامل: أن ينوي بقلبه الغسل، ثم يسمي ويغسل يديه ثلاثًا ويغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءًا كاملًا، ثم يحثي الماء على رأسه ثلاث مرات، يروي أصول شعره، ثم يعم بدنه بالغسل، ويدلك بدنه بيديه ليصل الماء إليه، والمرأة الحائض أو النفساء تنقض رأسها للغسل من الحيض والنفاس، وأما الجنابة فلا تنقضه حين تغتسل لمشقة التكرار، ولكن يجب عليها أن تروي أصول شعرها بالماء، ويجب على المغتسل رجلًا كان أو امرأة أن يتفقد أصول شعره ومغابن بدنه، وما تحت حلقه وإبطيه وسرته وطي ركبتيه، وإن كان لابسًا ساعة

стр. 2540

أو خاتمًا، فإنه يحركهما ليصل الماء إلى ما تحتهما. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ، حَتَّى إِذَا رَأَى أَنْ قَدِ اسْتَبْرَأَ، حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ» (١). ويجب أن يهتم بإسباغ الغسل، بحيث لا يبقى من بدنه شيء لا يصل إليه الماء. ولا ينبغي له أن يسرف في صب الماء، فالمشروع تقليل الماء مع الإسباغ، فقد كان ﷺ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع. ولا يجوز للمغتسل أن يغتسل عريانًا بين الناس للحديث الذي رواه أحمد في مسنده من حديث صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَغْتَسِلَ فَلْيَتَوَارَى بِشَيْءٍ» (٢). ويجب على المسلم أن يهتم بأحكام الغسل، ليؤديه على الوجه المطلوب شرعًا، وما أشكل عليه من أحكامه وموجباته سأل عنه، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل]» (٣).

стр. 2541

وذكر أهل العلم الأغسال المستحبة: أولًا: غسل الجمعة، وذهب بعضهم إلى وجوبه لقول النبي ﷺ : «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» (١). وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف إلى أنه مستحب، واستدلوا بقول النبي ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» (٢). ثانيًا: غسل العيدين، فروى البيهقي من طريق الشافعي عن زاذان قال: سأل رجل عليًّا ﵁ عن الغسل، فقال: اغْتَسِلْ كُلَّ يَوْمٍ إِنْ شِئْتَ، فَقَالَ: لا، الْغُسْلُ الَّذِي هُوَ الْغُسْلُ، فَقَالَ: يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ (٣) وَيَوْمَ النَّحْرِ، وَيَوْمَ الْفِطْرِ (٤). ثالثًا: غسل يوم عرفة: لأثر عليٍّ السابق. رابعًا: غسل الإحرام: لما رواه الترمذي في سننه من حديث زيد بن ثابت ﵁ أنه رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله (٥) واغتسل (٦).

стр. 2542

خامسًا: الاغتسال عند دخول مكة، لما روى البخاري ومسلم من حديث نافع أنه قال: كان ابن عمر ﵄ إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى (١)، ثم يصلي به الصبح ويغتسل، ويحدث أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك (٢). سادسًا: غُسل من غَسَل ميتًا: لقوله ﷺ : «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» (٣). قال الشيخ الألباني ﵀: فظاهر الأمر يفيد الوجوب، وإنما لم نقل به لحديثين: الأول: حديث ابن عباس ﵄ قوله ﷺ : «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي غُسْلِ مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ، فَإِنَّ مَيِتَكُم لَيْسَ بِنَجَسٍ، فَحَسْبُكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيكُمْ» (٤). الثاني: قول ابن عمر ﵄: «كنا نمس الميت، فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل» (٥).

стр. 2543

قال في الدراري: «وذهب الجمهور إلى أنه مستحب» (١). سابعًا: الاغتسال عند كل جماع لحديث أبي رافع أن النبي ﷺ طاف ذات يوم على نسائه، يغتسل عند هذه وعند هذه، قال: فقلت: يا رسول الله! ألا تجعله واحدًا؟ قال: «هَذَا أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ» (٢). ثامنًا: اغتسال المستحاضة لكل صلاة، أو للظهر والعصر معًا غسلًا، وللمغرب والعشاء معًا غسلًا، وللفجر غسلًا؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَأَمَرَهَا بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلاةٍ» (٣). وفي رواية: «اسْتُحِيضَتِ امْرَأَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَأُمِرَتْ أَنْ تُعَجِّلَ الْعَصْرَ وَتُؤَخِّرَ الظُّهْرَ وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا غُسْلًا وَاحِدًا، وتُؤَخِّرَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلَ الْعِشَاءَ وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا غُسْلًا، وَتَغْتَسِلَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ غُسْلًا» (٤). روى أبو داود في سننه من حديث علي ﵁ قال: قلت للنبي ﷺ : إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ، قَالَ: «اذْهَبْ فَوَارِ

стр. 2544

أَبَاكَ ثُمَّ لَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي»، فَذَهَبتُ فَوَارَيْتُهُ وجِئته، فَأَمَرَنِي فَاغْتَسَلْتُ، وَدَعَا لِي (١). تاسعًا: الاغتسال من الإغماء: روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عتبة قال: «دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: أَلَا تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَتْ: بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ؟ » قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ، قَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ» (٢)، قَالَتْ: فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، فَذَهَبَ لِيَنُوءَ (٣) فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ ﷺ : «أَصَلَّى النَّاسُ؟ »، قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ»، قَالَتْ: فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ ... الحديث» (٤). قال الشوكاني ﵀ بعد هذا الحديث: «وقد ساقه المصنف ها هنا للاستدلال به على استحباب الاغتسال للمغمى عليه، وقد فعله النبي ﷺ ثلاث مرات وهو مثقل بالمرض، فدل ذلك على تأكد استحبابه» (٥) (٦). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2545

الكلمة السادسة والعشرون فضل كفالة الأيتام الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فمن الأمور التي أوصى بها الإسلام، وحث عليها، ورتب على ذلك الثواب العظيم، الوصية باليتيم. واليتيم هو من مات أبوه وهو دون سن البلوغ، سواء كان ذكرًا أو أنثى، ويستمر وصفه باليتم حتى يبلغ، لقول النبي ﷺ : «لا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلامٍ» (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «اليتيم في الآدميين من فقد أباه؛ لأن أباه هو الذي يهذبه، ويرزقه، وينصره بموجب الطبع المخلوق، ولهذا كان تابعًا في الدين لوالده، وكان نفقته عليه وحضانته عليه، والإنفاق هو الرزق، والحضانة هي النصر لأنها الإيواء، ودفع الأذى، فإذا عدم أبوه طمعت النفوس فيه؛ لأن الإنسان ظلوم جهول، والمظلوم عاجز ضعيف، فتقوى جهة الفساد من جهة قوة المقتضي، ومن جهة ضعف المانع، ويتولد

стр. 2546

عنه فسادان: ضرر اليتيم الذي لا دافع عنه، ولا يحسن إليه، وفجور الآدمي الذي لا وازع له» (١). قال بعضهم: ورد ذكر اليتيم في كتاب الله اثنتين وعشرين مرة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٨٣]. وجعل سبحانه البذل لهم من خصال البر والتقوى، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ [البقرة: ١٧٧]. ووبخ سبحانه من لم يكرم يتيمًا، فقال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧)﴾ [الفجر]، وقرن دعَّه وهو قهره وظلمه بالتكذيب بيوم الدين، فقال سبحانه: ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢)﴾ [الماعون]، ونهى الله صفوة خلقه أن يقهر أحدًا منهم، فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ [الضحى]. قال ابن كثير ﵀: «أي لا تذله، وتنهره، وتهنه، ولكن أحسن إليه وتلطف به» (٢). وقد أمر الله بحفظ أموالهم، ونهى عن قربها إلا بالحسنى، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. ولا يتولى أموالهم إلا القوي الأمين.

стр. 2547

ونهى النبي ﷺ الضعيف أن يتولى شيئًا من أموالهم، فقال ﷺ : «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ» (١). وأخبر النبي ﷺ أنه وكافل اليتيم في الجنة سواء، روى البخاري في صحيحه من حديث سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا»، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا (٢). والسبابة هي: الأصبع التي تلي الإبهام، وتسمى المسبحة لأنه يسبح بها في الصلاة. ومعنى كافل اليتيم: أي هو القيم بأمره ومصالحه، قال النووي ﵀: «كافل اليتيم: القائم بأموره من نفقة وكسوة وتأديب وتربية .. وغير ذلك» (٣). قال ابن بطال: «حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي ﷺ في الجنة، ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك» (٤). وإطعام الأيتام سبب لدخول الجنة، قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان].

стр. 2548

روى البخاري في الأدب المفرد: أن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ كان لا يأكل طعامًا إلا وعلى خوانه (١) يتيم (٢). ومن أراد تليين قلبه فليطعم المسكين، وليمسح رأس اليتيم، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ، فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ» (٣). وأطيب المال ما أُعطي منه اليتيم، روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعْمَ صَاحِب المُسلِم مَا أَعْطى مِنهُ المِسْكِين، واليَتِيم، وابْنَ السَّبِيلِ» (٤). وعد الشارع الاعتداء على مال اليتيم من كبائر الذنوب، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء]. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ (٥)، وذكر منها: أَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ»، ونبينا محمد ﷺ ابتلي باليتم، فقد توفي والده وأمه حمل به، ثم

стр. 2549

توفيت أمه وعمره ست سنين، قال تعالى ممتنًا على نبيه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾ [الضحى]. ويجب على الأم والأوصياء على الأيتام الإحسان إلى اليتيم بالتربية والرحمة، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. ومن ذلك تعليمه كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، والفقه في الدين، وإبعاده عن جلساء السوء، وحثه على الرفقة الصالحة، وتعليمه الأخلاق الكريمة والآداب الحسنة، وليعلم كافل اليتيم أن الإنفاق عليه، وتعليمه، وتربيته، باب عظيم من أبواب الخير والرزق والبركة في الدنيا والآخرة، والقصص في هذا كثيرة ومستفيضة. ومن النماذج المشرقة لصغارٍ عاشوا حياة اليتم، ونفع الله بهم، وأصبحوا من علماء الأمة، وجهابذة العلم الإمام الشافعي ﵀، فقد أباه وهو دون العامين، فنشأ في حجر أمه في قلة من العيش، وضيق من الحال، يقول: كنت يتيمًا في حجر أمي، ولم يكن معها ما تعطي المعلم، وكان المعلم قد رضي مني أن أخْلفه إذا قام. وقد حفظ القرآن، وجالس العلماء، حتى ساد أهل زمانه. ومنهم الإمام أحمد بن حنبل مات والده وهو حمل في بطن والدته، وعاش حياة فقر وفاقة، فحضنته أمه وأدبته، وأحسنت تربيته، قال ﵀: كانت أمي توقظني قبل الفجر بوقت طويل وعمري عشر سنين، وتدفئ لي الماء في الشتاء، ثم نصلي أنا وإياها

стр. 2550

ما شئنا من صلاة التهجد، ثم تنطلق بي إلى المسجد في طريق بعيد مظلم موحش لتصلي معي صلاة الفجر في المسجد، وتبقى معي حتى منتصف النهار تنتظر فراغي من طلب العلم وحفظ القرآن. ومنهم الإمام البخاري صاحب الصحيح، فقد نشأ يتيمًا في صغره، وقرأ على ألف شيخ، وصنف كتابه الصحيح، وغيره من الكتب النافعة. فبصبر الأمهات وجهادهن خرج هؤلاء العلماء الأفذاذ (١). تنبيه: «الرحمة باليتيم لا تمنع تأديبه ولو بالضرب المناسب عند الحاجة إلى ذلك، فقد روى البخاري في الأدب المفرد عن عائشة ﵂ قالت: إني لأضرب اليتيم حتى ينبسط» (٢). وروى البخاري في الأدب المفرد عن أسماء بن عبيد قال: «قلت لابن سيرين: عندي يتيم، قال: اصنع به ما تصنع بولدك، اضربه ما تضرب ولدك» (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2551

الكلمة السابعة والعشرون من أحكام الأطعمة رقم ٢ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]. دلت الآية الكريمة على حل ذبائح أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى ما لم يكن ذبحهم على غير الوجه الشرعي كالذبح بالخنق، أو الضرب على الرأس، أو الصعق بالكهرباء .. ونحو ذلك من الوجوه المحرمة، فإن لم تعلم الطريقة التي ذُبحت بها، فقد قيل بالحل أخذًا بعموم الآية السابقة ونحوها من النصوص العامة، ولا دليل في الآية على ذلك، إذ لو أُخذ بعموم اللفظ لحل لنا طعام أهل الكتاب من أي جنس كان، وعلى أي حال ذبح ولا قائل بذلك، مع التنبيه إلى أن هذا القول لو أُخذ به فغاية ذلك رفع الإثم وتبقى تلك اللحوم المذبوحة على غير الوجه الشرعي غير صالحة للأكل بما تحتوي من أضرار، وأمراض. والقول بالمنع على هذا هو المترجح حكمًا المتعين حالًا وواقعًا، وهو قول لبعض أهل العلم من المتقدمين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد كلام في الجمع بين قوله ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ

стр. 2552

لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قال: «والأشبه بالكتاب والسنة ما دل عليه كلام أحمد من الحظر، وإن كان من متأخري أصحابنا من لا يذكر هذه الرواية بحال، وذلك لأن قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] عموم محفوظ لم تخص منه صورة، بخلاف طعام الذين أوتوا الكتاب، فإنه يشترط له الذكاة المبيحة، فلو ذكى الكتابي في غير المحل المشروع لم تبح ذكاته، ولأن غاية الكتابي أن تكون ذكاته كالمسلم، والمسلم لو ذبح لغير الله أو ذبح باسم غير الله لم يبح، وإن كان يكفر بذلك فكذلك الذمي لأن قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] سواء، وهم وإن كانوا يستحلون هذا، ونحن لا نستحله، فليس كل ما استحلوه يحل لنا، ولأنه قد تعارض دليلان حاظر ومبيح، فالحاظر أولى أن يُقدم، ولأن الذبح لغير الله أو باسم غيره، قد علمنا يقينًا أنه ليس من دين الأنبياء ﵈، فهو من الشرك الذي قد أحدثوه، فالمعنى الذي لأجله حلت ذبائحهم منتف في هذا. والله أعلم أهـ (١). وقال ابن رجب ﵀: «وما أصله الحظر كالأبضاع، ولحوم الحيوان، فلا يحل إلا بيقين حله من التذكية والعقد، فإن تردد في شيء من ذلك لسبب آخر رجع إلى الأصل فبنى عليه، فما أصله الحرمة بنى على التحريم، ولهذا نهى النبي ﷺ عن أكل الصيد الذي يجد فيه الصائد أثر سهم أو كلب غير كلبه» (٢).

стр. 2553

وقد فصل حكم هذه المسألة سماحة الشيخ عبد الله بن حميد ﵀ رئيس مجلس القضاء الأعلى بالمملكة العربية السعودية في فتوى مخطوطة نقلها عنه الشيخ صالح الفوزان في كتابه الأطعمة وأحكام الصيد والذبائح، وهذا نصها: يقول السائل: ما حكم اللحوم المستوردة من الخارج معلبة وغير معلبة والتي كثر انتشارها في المدن والقرى وعمت البلوى بها، فلا يكاد بيت يسلم منها، هل الأصل فيها الإباحة أم الحظر؟ نرجو بيان ذلك مفصلًا ولكم الأجر. وهذا نص الفتوى: الأصل في الأبضاع (١) والحيوانات التحريم، فلا يحل البضع إلا بعقد صحيح مستجمع لأركانه وشروطه، كما لا يباح أكل لحوم الحيوانات إلا بعد تحقق تذكيتها من أهل التذكية، فإن الله حرم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، وحرم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع إلا ما ذكى، فهذا يدل على أن الأصل في الحيوان التحريم إلا ما ذكاه المسلمون أو أهل الكتاب بقطع الحلقوم، وهو مجرى النفس، والمريء وهو مجرى الطعام والماء مع قطع الودجين في قول طائفة من أهل العلم، فما يرد من اللحوم المعلبة إن كان استيراده من بلاد إسلامية أو من بلاد أهل الكتاب أو معظمهم وأكثرهم أهل كتاب وعادتهم يذبحون بالطريقة الشرعية فلا شك في حله، وإن

стр. 2554

كانت تلك اللحوم المستوردة تستورد من بلاد جرت عادتهم أو أكثرهم أنهم يذبحون بالخنق أو بضرب الرأس أو بالصاعقة الكهربائية .. ونحو ذلك، فلا شك في تحريمها وكذلك ما يذبحه غير المسلمين وغير أهل الكتاب من وثني أو مجوسي أو قادياني أو شيوعي ونحوهم فلا يباح ما ذكوه؛ لأن التذكية المبيحة لأكل ما ذكى لا بد أن تكون من مسلم أو كتابي عاقل له قصد وإرادة، وغير هؤلاء لا يباح تذكيتهم. أما إذا جهل الأمر في تلك اللحوم ولم يعلم عن حالة أهل البلد التي وردت منها تلك اللحوم هل يذبحون بالطريقة الشرعية أم بغيرها ولم يعلم حالة المذكين وجهل الأمر، فلا شك في تحريم ما يرد من تلك البلاد المجهول أمر عادتهم في الذبح تغليبًا لجانب الحظر وهو أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر فيغلب جانب الحظر سواء أكان في الذبائح أو الصيد، ومثله النكاح كما قرره أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والعلامة ابن القيم ﵀، والحافظ ابن رجب وغيرهم من الحنابلة وكذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني، والإمام النووي وغيرهم كثير، مستدلين بما في الصحيحين وغيرهما من حديث عدي بن حاتم أن النبي ﷺ قال له: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ الله عَليهِ فَكُلْ، فَإِنْ وَجَدْتَ مَعَهُ كَلْبًا آَخر فَلَا تَأْكُلْ» (١). فالحديث يدل على أنه إذا وجد مع كلبه المعلم كلبًا آخر أنه

стр. 2555

لا يأكل تغليبًا لجانب الحظر، فقد اجتمع في هذا الصيد مبيح وهو إرسال الكلب المعلم إليه، وغير مبيح وهو اشتراك الكلب الآخر، لذا منع الرسول ﷺ من أكله، وقال ﷺ أيضًا: «إِذَا أَصبْتَهُ بِسَهْمِكَ فَوَقَعَ فِي المَاءِ فَلَا تَأْكُلْ» (١).متفق عليه. وفي رواية عند الترمذي: «إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ وَلَمْ تَرَ فِيهِ أَثَرَ سَبُعٍ فَكُلْ» (٢). وقال: حسن صحيح عن عدي بن حاتم. قال ابن حجر ﵀ في الصيد: «إن الأثر الذي يوجد فيه من غير سهم الرامي أعم من أن يكون أثر سهم رامٍ آخر أو غير ذلك من الأسباب القاتلة فلا يحل أكله مع التردد، وقال أيضًا عند قوله: «وإن وقع في الماء فلا تأكل» لأنه حينئذ يقع التردد هل قتله السهم أو الغرق في الماء، فلو تحقق أن السهم أصابه فمات فلم يقع في الماء إلا بعد أن قتله السهم فهذا يحل أكله» (٣). قال النووي ﵀ في شرح مسلم: «إذا وجد الصيد في الماء غريقًا حرم بالاتفاق. أهـ. وقد صرح الرافعي بأن محله ما لم ينته الصيد بتلك الجراحة إلى حركة المذبوح، فإن انتهى إليها بقطع الحلقوم مثلًا فقد تمت ذكاته، ويؤيده قوله ﷺ : «فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي الْمَاءَ قَتَلَهُ، أَوْ سَهْمك» (٤). فدل على أنه إذا علم أن سهمه هو الذي قتله أنه يحل. انتهى ملخصًا من فتح الباري.

стр. 2556

وقال الخطابي: «إنما نهاه عن أكله إذا وجده في الماء لإمكان أن يكون الماء قد غرقه فيكون هلاكه من الماء لا من قتل الكلب الذي هو آلة الذكاة، وكذلك إذا وجد فيه أثرًا لغير سهمه، والأصل أن الرخص تراعى شرائطها التي بها وقعت الإباحة فمهما أخل بشيء منها عاد الأمر إلى التحريم الأصلي (١) (٢).أ. هـ قال الشيخ صالح الفوزان -عضو هيئة كبار العلماء-: وبالنظر في القولين السابقين في حكم هذا النوع من اللحوم يتضح رجحان القول بالتحريم لقوة مبناه ووضوح أدلته وذلك من وجوه: الوجه الأول: أن الله حرم لحوم الحيوانات التي تموت بغير ذكاة شرعية في قوله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]. فما لم تتحقق في هذه اللحوم الذكاة الشرعية فهي محرمة بناء على الأصل. الوجه الثاني: أن النصوص الشرعية التي ساقها سماحة الشيخ في فتواه تبين بوضوح أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر غلب جانب الحظر، وهذه اللحوم كذلك ترددت بين كونها مذكاة الذكاة المبيحة فتحل وكونها غير مذكاة فلا تحل فيغلب جانب التحريم، وكما قرر ذلك كبار الأئمة الذين ساق الشيخ أقوالهم في الفتوى. الوجه الثالث: أن هذه الكميات الهائلة التي تمتلئ بها الأسواق العالمية من الدجاج وغيره يستبعد أن تأتي الذكاة الشرعية بشروطها

стр. 2557

على أفرادها كلها لأنها تذبح وتعلب آليًّا. الوجه الرابع: أن الإلحاد والتحلل من العهد الديني والأحكام الشرعية قد غلب على الناس في هذا الزمان، وقلَّت الأمانة والصدق فلا يعتمد على أقوال هؤلاء المصدرين لهذه اللحوم، ولا على كتابتهم على ظهر أغلفتها بأنها ذكيت على الطريقة الإسلامية لا سيما وقد وجد بعض الدجاج برأسه لم يقطع شيء من رقبته كما وجدت هذه العبارة مكتوبة على أغلفة ما لا يحتاج إلى ذكاة كالسمك، مما يدل على أن هذه الكتابة إنما هي عبارة عن دعاية مكذوبة يقصد بها مجرد ترويج هذه اللحوم وابتزاز الأموال بالباطل. الوجه الخامس: أنه لم يكن لقول من أباح هذا النوع من اللحوم من مستند سوى التمسك بعموم الآية الكريمة: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ وهذا العموم مخصوص بالنصوص الكثيرة كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]. وبالنصوص التي تدل على أنه إذا اجتمع حظر وإباحة غلب جانب الحظر والله أعلم! ! (١) والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2558

الكلمة الثامنة والعشرون التحذير من اليمين الكاذبة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فقد عظم الإسلام شأن اليمين، وحذر من التساهل بها؛ لأنها عهد وميثاق يجب أن يُعطى حقه، قال تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. قال القرطبي: «المعنى: أقلوا الأيمان لما فيه من البر والتقوى، فإن الإكثار يكون معه الحنث وقلة رعي لحق الله تعالى» (١) أهـ. قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)﴾ [القلم]، يعني كثير الحلف، قال تعالى عن المنافقين: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤)﴾ [المجادلة]. وقال تعالى عنهم أيضًا: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]، فبين سبحانه في هذه الآيات أن الحلف الكاذب من صفات المنافقين (٢). ومن أشد أنواع الأيمان الكاذبة اليمين الغموس، وهي التي

стр. 2559

تغمس صاحبها في الإثم ومن ثم في النار (١)، قال العلماء: هي التي يحلفها على أمر ماضٍ كاذبًا عالمًا، وعدُّوها من كبائر الذنوب. روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ عَلَيْهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ [آل عمران]. فَجَاءَ الْأَشْعَثُ، فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالوا: كَذَا وكَذَا، قَاَل: فِيَّ أُنْزِلَتْ، كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، فَقَالَ: «بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ»، قُلْتُ: إِذًا يَحْلِفُ عَليهَا يَا رَسُولَ اللَّه، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ يَومَ القِيَامَة وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» (٢). وروى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّه لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّة»، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّه؟ قَالَ: «وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاك» (٣).

стр. 2560

وروى البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص، أن أعرابيًا جَاءَ إِلَى النَّبيِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسولَ الله: مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ»، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُم عُقُوق الوَالِدين»، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْيَمِينُ الْغَمُوسُ»، قُلْتُ: وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ؟ قَالَ: «الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ» (١). واليمين الغموس من الكبائر الموجبة للنار كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ [آل عمران]. جاء في فتوى اللجنة الدائمة: «اليمين الغموس من كبائر الذنوب، ولا تجدي فيها الكفارة لعظيم إثمها، ولا تجب فيها الكفارة على الصحيح من قولي العلماء، وإنما تجب فيها التوبة والاستغفار» (٢) أهـ. «ومن الأيمان الكاذبة، اليمين التي تتخذ وسيلة لترويج السلع، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قَالَ: «الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ» (٣). ومعناه: أن يحلف صاحب السلعة أنه أُعطي فيها كذا وكذا، أو أنه اشتراها بكذا وكذا،
следующие страницы →