إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩].
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» (١) وهذا الحديث أصل في تغيير المنكر، ولذلك عدّه أهل العلم من الأحاديث التي عليها مدار الدِّين، حتى قيل إنه شطر الشريعة، وقيل: إنه الإِسلام كله، لأن الإِسلام إما معروف يجب الأمر به أو منكر يجب النهي عنه، وفيه بيان مراتب تغيير المنكر وهي الإِنكار باليد واللسان، وهذا يجب بحسب القدرة والطاقة، وأن لا يترتب عليه منكر أكبر منه.
المرتبة الثالثة: الإِنكار بالقلب يستلزم من العبد مفارقة المكان الذي فيه المنكر.
قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ وَالكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠].
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: من لم يكن في قلبه بغض ما يبغض الله ورسوله من المنكر الذي حرمه من الكفر والفسوق والعصيان، لم يكن في قلبه الإِيمان الذي أوجبه الله عليه. اهـ. وقال أيضًا: وإذا كان جماع الدِّين وجميع الولايات هو أمر ونهي، فالأمر الذي بعث الله به رسوله هو الأمر بالمعروف، والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر، وهذا نعت النبي والمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ
стр. 282
أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١]، وهذا واجب كل مسلم قادر، وهو فرض الكفاية، ويصير فرضَ عين على القادر الذي لم يقم به غيره (١).
والمنكرات إذا انتشرت ولم تُغيَّر كان ذلك نذير شر وهلاك للأمة.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُوْلُ: «لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَيْلٌ لِلعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَاجُوْجَ وَمَاجُوْجَ مِثْلُ هَذِهِ»، وَحَلِّقْ بِإِصْبَعَيْهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيْهَا، فَقَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ: فَقُلتُ يَا رَسُوْلَ اللهِ، أَنُهلَكُ وَفِيْنَا الصَّالِحُوْنَ؟ ! قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ» (٢).
وروى أبو داود في سننه من حديث أبي بكر الصدِّيق ﵁ قال: يا أيها الناس إنكم لتقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير موضعها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَاخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ» (٣).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا يَمنَعَنَّ رَجلاً مِنْكُمْ مَخَافَةُ النَّاسِ أن يَتَكَلَّمَ بِالحَقِّ إِذَا رَأَىه أَو عَلِمَهُ» (٤).
стр. 283
قال ابن القيم ﵀: إنكار المنكر له أربع درجات: الأولى أن يزول ويخلفه ضده أي المعروف، الثانية أن يقل: أي المنكر وإن لم يزل من جملته. الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله، الرابعة أن يخلفه ما هو شر منه، فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة (١).
ومن النماذج المشرقة للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ما نقله الذهبي في السير عن شجاع بن الوليد قال: كنت أحج مع سفيان الثوري فما يكاد لسانه يفتر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاهبًا وراجعًا (٢).
وينقل عنه أنه كان يقول: إني لأرى الشيء يجب عليَّ أن أتكلَّم فيه فلا أفعل، فأبول أكدم دمًا (٣)، ونقل الذهبي عن الحافظ عبد الله المقدسي أنه كان لا يرى منكرًا إلا غيَّره بيده أو بلسانه، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم، قد رأيته مرة يهريق خمرًا فجبذ صاحبه السيف فلم يخف منه، وأخذه من يده، وكان قويًّا في بدنه، كثيرًا ما كان بدمشق ينكر ويكسر الطنابير والشبابات (٤).
قال الإِمام النووي: واعلم أن هذا الباب، أعني باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة، ولم يبق منه في هذا الزمان إلا رسوم قليلة جدًّا، وهو باب عظيم به قوام الأمر وملاكه، وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح، وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمهم الله تعالى بعقابه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ
стр. 284
عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]؛ فينبغي لطالب الآخرة والساعي في تحصيل رضا الله أن يعتني بهذا الباب، فإن نفعه عظيم، ولا سيما وقد ذهب معظمه، ويخلص نيته ولا يهابن من ينكر عليه لارتفاع مرتبته، فإن الله تعالى قال: ... ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠].
وليعلم أن الأجر على قدر النصب، ولا يتاركه أيضًا لصداقته ومودته وطلب الوجاهة عنده ودوام المنزلة لديه فإن صداقته ومودته توجب له حرمة وحقًا، ومن حقه أن ينصحه ويهديه إلى مصالح آخرته، وينقذه من مضارها، وصديق الإِنسان ومحبه هو من سعى في عمارة آخرته، وإن أدى ذلك إلى نقص دنياه. إلى آخر ما قال ﵀ (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 285
الكلمة السابعة والخمسون: الصلاة ومكانتها في الإِسلام
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فقد عظَّمَ الإِسلام شأن الصلاة، ورفع ذكرها وأَعلى مكانتها فهي أعظم أَركان الإِسلام بعد الشهادتين، عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «بُنِيَ الإِسْلَامْ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنَ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيْتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (١).
والصلاة هي أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، روى الطبراني في الأوسط من حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ الصَّلَاةُ، فَإِن صَلَحَتْ صَلَحَ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ» (٢).
والصلاة هي الفارق بين المسلم والكافر، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ١١].
روى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال:
стр. 286
«بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» (١).
والصلاة حاجز بين العبد والمعاصي، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
وكان من آخر وصايا النبي ﷺ وهو يعالج سكرات الموت: «الصَّلَاةَ، الصَّلَاةَ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» (٢).
ولها فضائل عظيمة:
منها: أَنّها كفارة للخطايا والذنوب، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أَبِيْ هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَل يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ » قَالُوْا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الخَطَايَا» (٣).
ومنها: أن هذه الصلاة نورٌ للعبد: روى مسلم في صحيحه من حديث أَبِيْ مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: » الطُّهُوْرُ شَطْرُ الإِيْمَانِ، وَالحَمْدُ للهِ تَمْلأُ المِيْزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالحَمْدُ للهِ تَمْلآنِ، أَوْ تَمْلأُ، مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ
стр. 287
نَفْسَهُ، فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوْبِقُهَا» (١).
ومنها أن المسلم يبلغ بالصلاة والصيام مقام الشهداء.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: كَانَ رَجُلَانِ مِنْ بَلِيٍّ حي مِنْ قُضَاعَةَ أَسْلَمَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَاسْتُشْهِدَ أَحَدُهُمَا، وَأُخِّرَ الآخَرُ سَنَةً. قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: فَأُرِيتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ فِيهَا الْمُؤَخَّرَ مِنْهُمَا أُدْخِلَ قَبْلَ الشَّهِيدِ، فَعَجِبْتُ لِذَلِكَ، فَأَصْبَحْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَوْ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ قَدْ صَامَ بَعْدَهُ رَمَضَانَ، وَصَلَّى سِتَّةَ آلَافِ رَكْعَةٍ، أَوْ كَذَا وَكَذَا رَكْعَةً صَلَاةَ السَّنَةِ؟ ! » (٢).
والصلاة يجب أن تؤدَّى في أوقاتها المحددة شرعًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
قال البخاري: موقَّتاً وقَّته عليهم. وأداء الصلاة في وقتها من أحب الأعمال إلى الله، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُوْدٍ ﵁ قَالَ: سَأَلتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: «الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا» قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ» قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِيْ سَبِيِلِ اللهِ» (٣).
ومما جاء في الترهيب من تأخير الصلاة عن وقتها حديث رؤيا النبي ﷺ الطويل، وجاء فيه: «إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي: انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَاسِهِ، فَيَثْلَغُ رَاسَهُ فَيَتَدَهْدَ الحَجَرُ هَا هُنَا، فَيَتْبَعُ الحَجَرَ فَيَاخُذُهُ، فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ
стр. 288
حَتَّى يَصِحَّ رَاسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُوْدُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِهِ فِيْ المَرَّةِ الأُوْلَى، ثُمَّ قَالَا لَهُ: أَمَّا الرَّجُلُ الأَوَّلُ الَّذِيْ أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَاسُهُ بِالحَجَرِ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَاخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفِضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ المَكْتُوْبَةِ» (١).
وهذه الصلاة يجب أن تؤدَّي في بيوت الله ، قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَاءِكُمْ وَلْتَاتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَاخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢].
فبيَّنت الآية وجوب صلاة الجماعة في حال الحرب، ففي حال السلم من باب أولى.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى المُنَافِقِيْنَ صَلَاةُ العِشَاءِ وَصَلَاةُ الفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُوْنَ مَا فِيْهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِيَ بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ، إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُوْنَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوْتَهُمْ بِالنَّارِ» (٢).
قال بعض أهل العلم: إن النبي ﷺ ما هم بذلك إلا أن هؤلاء المتخلفين قد ارتكبوا ذنبًا عظيمًا.
стр. 289
وجاء في ذكر السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «وَرَجُلٌ قَلبُهُ مُعَلَّقٌ بِالمَسَاجِدِ» (١)، والمساجد بيوت الله من دخلها فقد حل ضيفًا على ربه، فلا قلب أطيب ولا نفس أسعد من ضيف حل على ربه في بيته وتحت رعايته، روى الطبراني في معجمه الكبير من حديث أبي الدرداء ﵁: أن النبي ﷺ قال: «المَسْجِدُ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ، وَتَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ كَانَ المَسْجِدُ بَيْتَهُ بِالرَّوْحِ وَالرَّحْمَةِ، وَالجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ إِلَى رِضْوَانِ اللهِ إِلَى الجَنَّةِ» (٢).
وهذه الضيافة تكون في الدنيا بما يحصل في قلوبهم من الاطمئنان والسعادة والراحة، وفي الآخرة بما أعد لهم من الكرامة والنعيم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 290
الكلمة الثامنة والخمسون: مقتطفات من سيرة خالد بن الوليد ﵁ -
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فهذه مقتطفات من سيرة علم من أَعلام هذه الأُمة، وبطل من أَبطالها، وفارس من فرسانها، صحابي جليل من أَصحاب النبي ﷺ ، نقتبس من سيرته العطرة الدروس والعبر.
أسلم هذا الصحابي سنة ثمان من الهجرة، وخاض عشرات المعارك.
يقول عنه المؤرخون: لم يهزم في معركة قط لا في جاهلية ولا في إسلام، يقول عن نفسه: «لَقَدِ انْقَطَعَتْ فِيْ يَدِيَ يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، فَمَا بَقِيَ فِيْ يَدِيَ إِلَاّ صَفِيْحَةٌ يَمَانِيَّةٌ» (١). وهذا يدل على شجاعته الفائقة، وعلى القوة العظيمة التي ركبها الله في جسده، وكان قائدًا لجيش المسلمين في معركتي اليمامة واليرموك الشهيرتين، وقطع المفازة من حد العراق إلى أول الشام في خمس ليال في عسكر معه، وكانت هذه من أَعاجيب هذا القائد، وقد سمّاه النبي ﷺ سيف الله المسلول، وأَخبر أنه: «سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ سَلَّهُ اللهُ عَلَى المُشرِكِينَ» والمنافقين، وقال عنه: «نِعْمَ عَبْدُ اللهِ وَأَخُو العَشِيرَةِ» (٢).
стр. 291
إنه فارس الإِسلام خالد بن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي المكي، وهو ابن أخت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث ﵂، كان رجلاً ضخمًا، عريض المنكبين، قوي البنية، أَشبه الناس بعمر بن الخطاب ﵁، وقد كانت لهذا الصحابي مواقف عظيمة تدل على شجاعته ونصرته لهذا الدِّين، ومن هذه المواقف: معركة مؤتة الشهيرة، وقد حدثت سنة ثمان من الهجرة في نفس السنة التي أسلم فيها خالد، وكان عدد جيش المسلمين ثلاثة آلاف مقاتل، وعدد جيش الروم مائتي ألف مقاتل، ونظرًا لعدم تكافؤ العدد بين المسلمين وعدوهم، فقد ظهرت في هذه المعركة بطولات عظيمة للمسلمين، فقد أمَّر النبي ﷺ على جيش المسلمين زيد بن حارثة، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب، فإِن قتل فعبد الله بن رواحة، وقد استشهد القادة في هذه المعركة، بعد ذلك أخذ الراية ثابت بن أقرم، وقال للمسلمين: أمّروا عليكم رجلاً، فاختاروا خالد بن الوليد، وهنا ظهرت شجاعته العظيمة وعبقريته الفذة، فقام بإعادة ترتيب جيش المسلمين مرة ثانية، فجعل الميمنة ميسرة، والميسرة ميمنة، ثم جعل بعض الجيش يتأخر قليلاً، ثم بعد فترة يأتون على هيئة مدد، حتى يضعف من عزيمة العدو، ثم حمل بالمسلمين حملة عظيمة على الروم جعلتهم يتقهقرون وتضعف عزيمتهم، وأَبدى ﵁ من صنوف الشجاعة والبطولة ما تتقاصر عنه همم الأَبطال، ثم إنه بحنكته وسياسته اتخذ طريقة عجيبة في الانسحاب المنظم بالمسلمين، واكتفى بتلك الضربة، ورأى ألا يقحم المسلمين في معركة غير متكافئة، وقد سمى النبي ﷺ ذلك فتحًا، فقال عندما نعى القادة الثلاثة: «ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ، حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ «(١).
стр. 292
وقد شهد خالد حروب الردة، وغزا العراق، وقد اختلف أهل السير في أسباب عزل خالد عن قيادة جيش المسلمين في الشام، ولعل الصحيح ما نقل عن عمر ﵁ أنه قال: لَا، لأَنزِعَنَّ خَالِدًا حَتَّى يَعلَمَ النَّاسُ أَنَّ اللهَ إِنَّمَا يَنصُرُ دِينَهُ بِغَيرِ خَالِدٍ (١).
ومن أقواله العظيمة أنه قال: مَا مِن لَيلَةٍ يُهدَى إِلَيَّ فِيهَا عَرُوسٌ أَنَا لَهَا مُحِبٌّ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِن لَيلَةٍ شَدِيدَةِ البَردِ، كَثِيرَةِ الجَلِيدِ فِي سَرِيَّةٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ، أُصَبِّحُ فِيهَا العَدُوَّ (٢).
وكتب رسالة إلى الفرس قال فيها: لَقَد جِئتُكُم بِقَومٍ يُحِبُّونَ الْمَوتَ كَمَا تُحِبُّ فَارِسٌ شُربَ الْخَمْرِ.
قال قيس بن أبي حازم: سمعت خالدًا وهو يقول: مَنَعَنِي الجِهَادُ كَثِيرًا مِن تَعَلُّمِ القُرآنِ الكَرِيمِ (٣).
قال أبو الزناد: لَمَّا احتُضِرَ خَالِدٌ جَعَل يَبكِي، وَقَالَ: لَقَد شَهِدتُ كَذَا وَكَذَا مِنَ المَعَارِكِ زَحفًا، وَمَا فِي جَسَدِي مَوضِعُ شِبرٍ إِلَاّ وَفِيهِ ضَربَةٌ بِسَيفٍ، أَو رَميَةٌ بِسَهمٍ، أَو طَعنَةٌ بِرُمحٍ، وَهَا أَنَا أَمُوتُ عَلَى فِرَاشِي حَتفَ أَنفِي كَمَا يَمُوتُ البَعِيرُ، فَلَا نَامَت أَعيُنُ الجُبَنَاءِ (٤)؛ لقد تمنى خالد الشهادة ونرجو أن الله بلغه إياها.
روى مسلم في صحيحه من حديث سهل بن حنيف عن أبيه عن جده: عن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» (٥).
стр. 293
وعند وفاته لم يترك إلا فرسه وسلاحه وغلامه، جعلها في سبيل الله، فلما بلغ ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، قال: رَحِمَ اللهُ أَبَا سُلَيمَانَ كَانَ عَلَى مَا ظَنَنَّا بِهِ (١).
وجاء في حديث عمر بن الخطاب في الزكاة: أن النبي ﷺ قال: «أَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُم تَظْلِمُونَ خَالِدًا قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيل اللهِ» (٢).
وكانت وفاته سنة إحدى وعشرين من الهجرة في مدينة حمص الشامية، وعمره آنذاك ثمانية وخمسون عامًا (٣).
رضي الله عن خالد وجزاه عن الإِسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في دار كرامته.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 294
الكلمة التاسعة والخمسون: مقتطفات من سيرة علي بن أبي طالب ﵁ -
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فهذه مقتطفات من سيرة علم من أعلام هذه الأمة، وبطل من أبطالها، صحابي جليل من أصحاب النبي ﷺ ، نقتبس من سيرته العطرة الدروس والعبر، هذا الصحابي وُلِدَ قبل البعثة بعشر سنين، وتربّى في بيت النبوة، وهو أول من أسلم من الصبيان، قال له النبي ﷺ : «أَمَّا تَرْضَى أَنْ تَكُوْنَ مِنِّيْ بِمَنْزِلَةِ هَارُوْنَ مِنْ مُوْسَى؟ إِلَاّ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» (١)، وقال له أيضًا: «لَا يُحِبُّكَ إِلَاّ مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُكَ إِلَاّ مُنَافِقٌ» (٢)، وقد شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ عدا غزوة تبوك، وقد اشتهر بالفروسية والشجاعة، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، فقد بشَّره النبي ﷺ بالجنة، وهو على قيد الحياة، إِنَّه فارس الإِسلام أمير المؤمنين الخليفة الراشد علي بن أبي طالب بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، وله قرابة من النبي ﷺ فهو ابن عمه وزوج ابنته فاطمة ﵂.
وصفه أهل السير بأنه كان أسمر اللون، كثيف شعر اللحية، ربعة من الرجال، ضخم البطن، حسن الوجه، إلى القصر أقرب، ويكنى أبا الحسن أو أبا تراب (٣).
وقد كانت لهذا الصحابي مواقف بطولية رائعة تدل على شجاعته ونصرته لهذا الدين، فمنها أنه بات في فراش رسول الله ﷺ يوم الهجرة،
стр. 295
وعرض نفسه للقتل فداء للنبي ﷺ ، وهو أول من بارز في سبيل الله مع حمزة ﵁ وعبيدة بن الحارث، وهو من النفر القلة الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ في غزوة أحد.
ومنها ما حدث في غزوة الخندق عندما اقتحم عمرو بن ود بفرسه، وكان فارسًا من فرسان العرب المشهورين، وطلب من المسلمين المبارزة وهو مقنع بالحديد، فقال: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها؟ أفلا تبرزون إليَّ رجلاً. فخرج إليه علي بن أبي طالب، فقال: ارجع يا ابن أخي ومن أعمامك من هو أسن منك، فإني أكره أن أهريق دمك، فقال له علي بن أبي طالب: ولكني والله لا أكره أن أهريق دمك، فغضب ونزل فسل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي مغضبًا، واستقبله عليٌّ بدرقته وضربه عمرو في الدرقة فقدها، وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجه، وضربه علي على حبل عاتقه فسقط وثار العجاج، وسمع رسول الله ﷺ التكبير فعرف أن عليًّا قتله وهو يقول:
نَصَرَ الْحِجَارَةَ مِنْ سَفَاهَةِ رَايهِ ... وَنَصَرْتُ رَبَّ مُحَمَّدٍ بِصَوَاب
لَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ خَاذِلَ دِينَهُ ... وَنَبِيَّهُ يَا مَعْشَرَ الأَحْزَاب
ومن مواقفه العظيمة أن خيبر لما استعصت على جيوش المسلمين قال النبي ﷺ : «لأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلاً يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ»، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، قال: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ ، كلهم يرجون أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب، فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه، فأُتي به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرأ، حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ،
стр. 296
ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللهِ فِيْهِ، فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُوْنَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» (١).
فلما وصل علي خرج له ملكهم مرحب وهو يخطر بسيفه ويقول:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ:
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ ... كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهَةِ الْمَنْظَرَهْ
أَكِيلُكُم بِالسَّيفِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ
فاختلف علي ومرحب ضربتين، فأما ضربة علي فكانت القاضية وفتح الله عليه.
ومع شجاعته العظيمة فقد كان من علماء الصحابة، ومن دهاة العرب، فقد جيء بامرأة إلى عمر وقد ولدت غلامًا لستة أشهر فأمر برجمها.
فقال له علي: يا أمير المؤمنين ألم تسمع إلى قول الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]؟ فالحمل ستة أشهر والفصال وهو الفطام في عامين.
فترك عمر رجم المرأة وكان يقول: قضية ولا أبا الحسن لها.
وكان ﵁ شديد الورع فقد روى ابن عساكر في تاريخ دمشق من حديث أبي عمرو بن العلاء عن أبيه قال: خطب علي فقال: أيها الناس والله الذي لا إله إلا هو ما رزأت (٢) من مالكم قليلاً ولا كثيرًا إلا هذه، وأخرج قارورة من كم قميصه فيها طيب فقال: أهداها إلي الدهقان (٣)،
стр. 297
وروى أبو نعيم في حلية الأولياء من حديث هارون بن عنترة عن أبيه قال: دخلت على علي بن أبي طالب بالخورنق وعليه قطيفة وهو يرعد من البرد، فقلت: يا أمير المؤمنين إن الله قد جعل لك ولأهل بيتك نصيبًا في هذا المال، وأنت تفعل بنفسك هذا؟ فقال: إني والله لا أرزأ من مالكم شيئًا، وهذه القطيفة هي التي خرجت بها من بيتي، أو قال: من المدينة (١).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن زرير أنه قال: دخلت على عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: حسن: يوم الأضحى - فقرب إلينا خزيرة (٢)، فقلت: أصلحك الله، لو قربت إلينا من هذا البط - يعني الوز - فإن الله قد أكثر الخير، فقال: يا ابن زرير إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا يَحِلُّ لِلخَلِيفَةِ مِنْ مَالِ اللَّهِ إِلَاّ قَصعَتَانِ، قَصعَةٌ يَأكُلُهَا هُوَ وَأَهلُهُ، وَقَصعَةٌ يَضَعُهَا بَينَ يَدَي النَّاسِ» (٣).
ومن أقواله العظيمة أنه كان يقول: (ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك، ويعظم حلمك، وأن تباهي الناس بعبادة ربك، فإن أحسنت حمدت الله، وإن أسأت استغفرت الله).
ومن أقواله أيضًا: (خمس خذوهن عني: لا يرجو عبد إلا ربه، ولا يخاف إلا ذنبه، ولا يستحيي جاهل أن يسأل عما لا يعلم، ولا يستحي عالم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له) (٤).
وقيل: يا أمير المؤمنين صف لنا الدنيا، قال: (ما أصف لكم من
стр. 298
دار، من افتقر فيها حزن، ومن استغنى فيها فتن، ومن صح فيها أمن، حلالها الحساب، وحرامها العقاب).
وقال أيضًا: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والنقص في اللذة: قيل وما النقص في اللذة؟ قال: لا ينال شهوة حلال إلا جاء ما ينغصه إياها (١).
قال ابن كثير: ولقد أخبر النبي ﷺ عليًّا بقتله، فكان كما أخبر سواء بسواء (٢). روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عمار بن ياسر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَلَا أُحَدِّثُكُمَا بِأَشْقَى النَّاسُ رَجُلَيْنِ؟ قُلنَا: بَلَى يَا رَسُوْلَ اللهِ، قَالَ: أُحَيْمِرُ ثَمُوْدَ الَّذِيْ عَقَرَ النَّاقَةَ، وَالَّذِي يَضْرِبُكَ يَا عَلِيُّ عَلَى هَذِهِ، يَعْنِيْ قَرْنَهُ، حَتَّى تبلَّ مِنْهُ هَذِهِ، يَعْنِيْ لِحْيَتَهُ» (٣).
وكان قتله ﵁ على يد الشقي الخارجي عبد الرحمن بن مُلجم سنة أربعين من الهجرة، في السابع عشر من شهر رمضان، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣].
قال الذهبي ﵀: وابن ملجم عند الروافض أشقى الخلق في الآخرة، وهو عندنا أهل السنة ممن نرجو له النار، ونجوز أن الله يتجاوز عنه، لا كما يقول الخوارج والروافض فيه، وحكمه حكم قاتل عثمان، وقاتل الزبير، وقاتل طلحة، وقاتل سعيد بن جبير، وقاتل عمار، وقاتل خارجة، وقاتل الحسين، فكل هؤلاء نبرأ منهم ونبغضهم في الله، ونكل أمورهم إلى الله (٤).
стр. 299
وروى ابن الأثير في أسد الغابة بسنده من طريق عمرو ذي مر قال: لما أصيب علي بالضربة، دخلت عليه وقد عصب رأسه، قال: قلت: يا أمير المؤمنين، أرني ضربتك. قال: فحلها، فقلت: خدش وليس بشيء. قال: إني مفارقكم. فبكت أم كلثوم من وراء الحجاب، فقال لها: اسكتي، فلو ترين ما أرى لما بكيت. قال: فقلت: يا أمير المؤمنين ماذا ترى؟ قال: هذه الملائكة وفود، والنبيون، وهذا محمد ﷺ يقول: «يا علي أبشر فما تصير إليه خير مما أنت فيه» (١).
وقد رثاه أبو الأسود الدؤلي، وبعضهم يرويها لأم الهيثم بنت العريان النخعية:
أَلَا يَا عَينُ ويحك أَسْعِدينا ... أَلَا تَبْكِي أَمِيرَ المُؤمِنِينَا
تُبكِّي أُمُّ كُلْثُوم عَلَيهِ ... بعَبرَتها وَقد رأت اليَقِينَا
أَلَا قُل لِلخَوَارِج حيثُ كَانُوا ... فَلا قَرَّت عُيُونُ الشَّامِتِينَا
أَفِي الشَّهر الحَرَام فَجعتُمُونَا ... بِخَير النَّاس طُرًّا أَجمَعِينَا
قَتَلتُم خير من ركب المَطَايَا ... فَذَللها ومن رَكِبَ السَّفِينا
ومَن لبسَ النِّعال ومن حَذَاها ... ومن قرأ المثانِي والمُبِينا
وكل مُنَاقب الخيراتِ فيه ... وحُب رسُول رَبّ العَالَمِينَا
لقد علِمت قُريشُ حيثُ كانُوا ... بأَنَّك خَيْرُها حَسبًا ودِينَا
كأن الناس إذ فَقَدوا عَليًّا ... نَعَامُ حَارَ في بلدٍ سِنِينَا
رضي الله عن علي، وجزاه عن الإِسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في دار كرامته.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 300
الكلمة الستون: الصبر
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣].
قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: (بيَّن تعالى أن أجود ما يستعان به على تحمل المصائب الصبر والصلاة) (١). اهـ.
وقد ذكر الله الصبر في مواضع عديدة من كتابه، وأضاف إليه كثيرًا من الخيرات والدرجات وجعلها ثمرة له، قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: وقد ذكر الله الصبر في أكثر من تسعين موضعًا، وقرنه بالصلاة في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَاّ عَلَى الخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].
وجعل الإِمامة في الدِّين موروثة عن الصبر واليقين، بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] فإن الدين كله علم بالحق، وعمل به، والعمل به لابد فيه من الصبر، وطلب علمه يحتاج إلى الصبر) (٢). اهـ.
قال تعالى: ﴿وَالعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَاّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣].
стр. 301
ومن الأدلة على أهمية الصبر أن الله أمر به رسوله أول ما أَوْحَى إِليه، وأمره بالإِنذار، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا المُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٧].
وفي قوله: ولربك فاصبر إشارة إلى إخلاص الصبر لله تعالى، لا ليُقال صبور، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ﴾ [الرعد: ٢٢] الآية.
قال بعض السلف: (عجبًا للصبر تداوى به الأَشياء ولا يُداوى بشيء). وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَلَنْ تُعْطَوْا عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» (١).
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري أن النبي ﷺ قال: «وَالْصَّبْر ضِيَاءٌ» (٢) وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا بِالْصَّبْرِ (٣).
وقال علي ﵁: إن الصبر من الإِيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ثم رفع صوته فقال: ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له (٤).
والصبر هو حبس النفس على الطاعة، وكفها عن المعصية، والرضى بقضاء الله وقدره دون شكوى فيه ولا معه.
قال ابن القيم: «الصبر باعتبار متعلقه ثلاثة أقسام:
стр. 302
صبر الأوامر والطاعات حتى يؤدِّيها، وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها، وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخطها». اهـ (١).
فأما الصبر على طاعة الله، فإن النفس لا تستقيم على أمر الله بيسر وسهولة، فلا بد من ترويضها وكبح جماحها، وهذا يحتاج إلى اصطبار قال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
روى الطبراني في المعجم الكبير من حديث عتبة بن غزوان أخي بني مازن بن صعصعة وكان من الصحابة: أن نبي الله ﷺ قال: «إِنْ مِنْ وَرَاءِكُمْ أَيَّامُ الصَّبْرِ المُتَمَسِّكُ فِيهِنَّ يَوْمَئِذٍ بِمِثْلِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ لَهُ كَأَجْرِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» قالوا: يا نبي الله أو منهم؟ قال: «بَلْ مِنْكُمْ» (٢).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فِتَناً كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً، يَبِيعُ قَوْمٌ دِينَهُمْ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا قَلِيلٍ، الْمُتَمَسِّكُ يَوْمَئِذٍ بِدِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ». أَوْ قَالَ: «عَلَى الشَّوْكِ» (٣).
ويدخل في ذلك الصبر على الطاعات الواجبة والسنن المشروعة،
стр. 303
والدعوة إلى الله، وطلب العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك.
ثانيًا: الصبر عن معصية الله فإن العبد محتاج إلى الصبر عن ملذات الدنيا وشهواتها المحرمة، قال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٢]. قال بعض المفسِّرين: صبروا عن معصية الله (١).
ثالثًا: صبر على أقدار الله كفراق الأحبة، وخسارة المال، وزوال الصحة، وسائر أنواع البلاء، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
روى الترمذي في سننه من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قلت يا رسول الله: أي الناس أشدُّ بلاء؟ قال: «الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الْرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِيْنِهِ، فَإِن كَانَ فِي دِيْنِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِن كَانَ فِي دِيْنِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِيْنِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيْئَةٌ» (٢).
قال الشاعر:
وَالصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِهِ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ ... لَكِنْ عَوَاقِبُهُ أَحْلَى مِنَ العَسَل
وقال آخر:
واصبِر على القَدَرِ المحتُوم وَارْض بِهِ ... وإن أَتَاكَ بِمَا لَا تَشْتَهِي القَدَرُ
فَمَا صَفَا لامرِئٍ عَيْشٌ يُسرُّ بِهِ ... إِلَاّ سَيَتْبَعُ يَوْمًا صَفْوه كَدَرُ
стр. 304
وينبغي للمسلم أن يصبر عند أول سماعه للمصيبة، وأن يسترجع ربه. وأن يذكر مصابه بالنبي ﷺ .
روى الدارمي في سننه من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَذْكُرْ مُصَابَهُ بِي، فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ» (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ﵁ قال: مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال: «اتَّقِّي اللهَ وَاصْبِرِي» قالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي - ولم تعرفه -، فقيل لها: إنَّه النَّبيُّ ﷺ ، فأتت باب النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُوْلَى» (٢).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِن مُسْلِمٍ تُصِيْبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُوْلُ مَا أَمَرَهُ اللهُ: إِنَّا لِله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُوْنَ، اللَّهُمَّ اجُرْنِي فِي مُصِيْبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَاّ أَخْلَفَ اللهُ لَه خَيْرًا مِنْهَا» قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة، أولُ بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ، ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله ﷺ (٣).
لكن لا يشرع للمسلم أن يسأل الله الصبر قبل وقوع البلاء، ولكن يسأل الله العافية.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث معاذ بن جبل ﵁: أن
стр. 305
النبي ﷺ سمع رجلاً وهو يقول: اللهم إنِّي أسألك الصبر، فقال: «قَد سَأَلْتَ الْبَلَاءَ فَسَلِ الله الْعَافِيَةَ» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 306
الكلمة الحادية والستون: عذاب القبر ونعيمه
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَحَدَكُم إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِن كَانَ مِن أَهْلِ الْجَنَّة فَمِن أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِن كَانَ مِن أَهْلِ النَّارِ فَمِن أَهْلِ النَّارِ فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١).
فهذا الحديث أحد نصوصٍ كثيرة من القرآن والسنة تثبت عذاب القبر ونعيمه، وأنه حق يجبُ الإِيمان به والاستعداد له.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ * فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٩٥].
قال ابن كثير: هذه الأحوال الثلاثة هي أحوال الناس عند الاحتضار، إما أن يكون من المقربين، وإما أن يكون ممن دونهم من أصحاب اليمين، وإما أن يكون من المكذبين بالحق الضالين عن الهدى الجاهلين بأمر الله.
стр. 307
فقوله فروح وريحان وجنت نعيم، أي: فلهم روح وريحان، وتبشرهم الملائكة بذلك عند الموت. اهـ (١). وقد استدل بعض العلماء على أن عذاب القبر حق يجب الإِيمان به، بقوله تعالى عن آل فرعون ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].
قال ابن كثير: فإن أرواحهم تعرض على النار صباحًا ومساءً، إلى قيام الساعة، فإذا كان يوم القيامة اجتمعت أرواحهم وأجسادهم في النار، وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور (٢).
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُوْنَ فِيْ الْقُبُوْرِ مِثْلَ أَوْ قَرِيْبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ - أَوِ المُوقِن لَا أَدرِي أي ذلك قالت أسماء - فَيَقُوْلُ: مُحَمَّدُ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا، فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ صَالِحًا فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوْقِنًا، وَأَمَّا المُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ (لَا أَدْرِيْ أَيَّتَهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ) فَيَقُوْلُ: لَا أَدْرِيْ، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُوْلُوْنَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ» (٣).
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂: أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول الله ﷺ عن عذاب القبر، فقال:
стр. 308
«نَعَم عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ» قَالَت عَائِشَة: فَمَا رَأَيْت رَسُوْل اللهِ ﷺ بَعْدُ صَلَّى صَلَاةً، إِلَاّ تَعَوَّذَ مِن عَذَابِ الْقَبْرِ (١).
وقد بيَّن النبي ﷺ لأُمته صورة هذا الابتلاء الذي يكون في القبر.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِيْ قَبْرِهِ وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ فَيَقُوْلَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُوْلُ فِيْ هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ فَيَقُوْلُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُوْلُهُ، فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَيَرَاهُمَا جَمِيْعًا. وَأَمَّا الْكَافِرُ - أَوِ الْمُنَافِقُ - فَيَقُوْلُ: لَا أَدْرِيْ، كُنْتُ أَقُوْلُ مَا يَقُوْلُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيْدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيْحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيْهِ إِلَاّ الثَّقَلَيْنِ» (٢).
وروى مسلم في صحيحه من حديث البراء بن عازب ﵁: عن النبي ﷺ قال: ... ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. قال: «نَزَلَتْ فِيْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُوْلُ: رَبِّيَ اللهُ وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللهِ : ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ﴾» [إبراهيم: ٢٧] (٣).
وشرع النبي ﷺ لأمته أن يستغفروا للميت، ويسألوا له الثبات، روى أبو داود في سننه من حديث عثمان ﵁: أن النبي ﷺ كان إذا فرغ
стр. 309
من دفن الميت وقف عليه وقال: «اسْتَغْفِرُوْا لأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيْتَ، فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ» (١).
وكان النبي ﷺ يكثر الاستعاذة من عذاب القبر، وأمر بذلك أصحابه، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ هَذِه الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُوْرِهَا، فَلَوْلَا أَن لَا تَدَافَنُوَا لَدَعَوْتُ اللهَ أَن يُسْمِعَكُم مِن عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ». ثم أقبل علينا بوجهه: فقال: «تَعَوَّذُوْا بِاللهِ مِن عَذَابِ النَّارِ، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِن عَذَابِ النَّارِ، فقال: تَعَوَّذُوْا بِاللهِ مِن عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِن عَذَابِ الْقَبْرِ» (٢).
والقبر أول منزل من منازل الآخرة، روى الترمذي في سننه من حديث عثمان ﵁: أنه كان إذا وقف على قبر يبكي حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي وتبكي من هذا، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِل مِن مَنَازِلِ الآَخِرَةِ، فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ» قال: وقال رسول الله ﷺ : «مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلَاّ الْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ» (٣). وفي القبر ضمة لا يسلم منها أحد.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً لَوْ كَانَ أَحَدٌ نَاجِيًا مِنْهَا، نَجَا مِنهَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ» (٤).
стр. 310
وروى النسائي في سننه من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال عن سعد بن معاذ: «هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ» (١).
قال الشافعي:
يومُ القيامةِ لا مالٌ ولَا وَلَدُ ... وَضَمَّةُ القَبْرِ تُنسي لَيلَةَ العُرس
ليتصور كل واحد منا نفسه وقد حُمل على أكتاف الرجال، ووُضع في هذه الحفرة الضيقة المظلمة التي لا أنيس فيها، ولا جليس، ولا مال، ولا بنون، وأصبح القبر مسكنه، والتراب فراشه والدود أنيسه، في ذاك الموقع لا تنفع الأموال، ولا المناصب، ولا الشهادات، قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَاّ مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الغُرُفَاتِ آَمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى وَاحِدٌ، يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ، وَمَالُهُ، وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ» (٢). فينبغي للمؤمن أن يتدارك نفسه وأن يبادر بالتوبة النصوح؛ وأن يلزم نفسه بالطاعة والتقوى، وأن يكون على استعداد للقاء ربه.
قال الشاعر:
تَزَوَّد من التَّقوَى فَإنَّكَ لا تَدْرِي ... إِذا جَنَّ ليلٌ هل تَعيش إلى الفَجر
فَكَم من فتًى يُمسيِ ويُصبحُ لَاهِيًا ... وقد نُسجتَ أكْفَانُهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي
وكم من صحيح مَاتَ من غير علَّةٍ ... وكم من سقيم عاش حينًا من الدَّهر
стр. 311
وكم من صِغَارٍ يرتجى طُولُ عُمُرهم ... وقد أُدْخِلَتْ أجسَادُهُم ظُلمةَ القَبر
وأختم بهذه البشارة، قال ابن كثير ﵀ وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثًا فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة، تسرح أيضًا فيها، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور، وتشاهد ما أعد اللَّه لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة، فإن الإمام أحمد بن حنبل رواه عن محمد بن إدريس الشافعي ورواه الشافعي عن مالك بن أنس ومالك عن الزهري عن عبد الرحمن ابن كعب بن مالك عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إِنَّمَا نَسْمَةُ الْمؤْمِنِ طَائرٌ يَعْلَقُ (١) في شجَر اَلجَنَّة حتى يُرجِعُهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعثُهُ» (٢)(٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 312
الكلمة الثانية والستون: فضل الدعوة إلى الله
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فقد ذكر تعالى جماعة من الأنبياء ﵈ في سورة النساء، ثم قال: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥].
فبيَّن تعالى في هذه الآية وظيفتهم، وهي دعوة الناس إلى الله تعالى تبشيرًا بالخير، وتحذيرًا من الشر، قال تعالى لنبينا محمد ﵊: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * دَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦] ثم أمره أن يبين لأمته أن هذه وظيفته ووظيفة أتباعه، فقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨].
فالرسل وأتباعهم مأمورون بدعوة الناس إلى توحيد الله وطاعته، وإنذارهم عن الشرك به ومعصيته، وهذا مقام شريف، ومرتبة عالية لمن وفقه الله تعالى للقيام بها على الوجه الذي يُرضي الله تعالى.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣].
ولما عرف الصالحون شرف هذه المهمة حرصوا عليها، فلم
стр. 313
يسيروا إليها مشيًا؛ بل سعوا لها سعيًا، قال تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠].
روى مسلم في صحيحه من حديث سهل بن سعد ﵁: أن النبي ﷺ قال لعليٍّ لَمَّا أرسله لقتال اليهود في خيبر: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللهِ فِيْهِ. فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُوْنَ لَكَ حُمْرُ الْنَّعَمِ» (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُوْرِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُوْرِهِمْ شَيْئًا» (٢)، فتأمَّل أخي هذا الفضل العظيم، فإنَّ الداعي إلى الله يجري له ثواب من اهتدى بدعوته وهو نائم في فراشه، أو مشتغل في مصلحته؛ بل إن ذلك يجري له بعد موته، لا ينتهي ذلك إلى يوم القيامة.
وبعد ما تقدَّم أذكِّر نفسي وإخواني ببعض الوصايا، التي أرجو أن تكون علامات يستنيرون بها في طريق الدعوة إلى الله.
أولاً: أوصي الداعية إِلى الله بالإِخلاص في دعوته، وقد أرشد تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨].
قال الشيخ الإِمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: وفيه مسائل منها:
стр. 314
التنبيه على الإِخلاص؛ لأن كثيرًا لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه (١)، قال الشافعي: وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولم ينسب إليَّ منه شيء.
وهذا موسى ﵇ لما أمره الله بدعوة فرعون سأل ربه أن يرزقه حسن الإِبانة عما يريد، لا ليُقال خطيبًا أو فصيحًا كما أخبر سبحانه أنه قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: ٢٧].
ثانيًا: على الداعي إلى الله أن يتزود بالعلم الشرعي، كما قال تعالى لنبيه: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، فإنه بهذا تكون دعوته أقرب إلى دعوة النبي ﷺ ، وحري بمن كان كذلك أن تستجاب دعوته.
قال ابن القيم ﵀: وإذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد، وأجلها، وأفضلها، فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، بل لابد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى أقصى حد يصل إليه السعي، ويكفي في هذا شرف العلم، أن صاحبه يحوز به هذا المقام، والله يؤتي فضله من يشاء (٢). اهـ.
ثالثًا: دل قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]: أن من توفر فيه هذان الأمران، كانت دعوته واجبة القبول.
وهما: ألا يأخذ على دعوته أجرًا سوى ما يرجوه من ربه (٣)، وأن يكون من المهتدين، وذلك يشمل هدايته في دعوته وهدايته في نفسه، وفي ضمن هذا التنبيه للدَّاعي إلى الله كما يدعو الناس بقوله أن يدعوهم بعمله.
стр. 315
رابعًا: الصبر في سبيل الدعوة إلى الله، كما قال تعالى: ﴿وَالعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَاّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣].
وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
ومن لوازم الصبر ألا يستطيل الطريق، ولا يستعجل النتائج. روى البخاري في صحيحه من حديث خباب بن الأرت ﵁ قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردته في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: «قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِيْ الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيْهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوْضَعُ عَلَى رَاسِهِ، فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيْدِ ما دُوْنَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِيْنِهِ. وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيْرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَاّ اللهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُوْنَ» (١).
خامسًا: يجب أن يعلم الدعاة وغيرهم أن دعوة الإِسلام دعوة عالمية، يجب أن تنتشر، وأن تبلَّغ إلى الناس جميعًا، في مشارق الأرض ومغاربها؛ لتقوم الحجة على العباد، ولكي تصل دعوة الرسول ﷺ إلى كل من بعث إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨].
وقد علم الدعاة المصلحون ورثة الرسل هذه الحقيقة، فقاموا وبينوها للناس امتثالاً لأمر ربهم حين قال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
стр. 316
قال سماحة الشيخ الإِمام العلامة ابن باز ﵀: الواجب على جميع القادرين من العلماء وحكام المسلمين والدعاة الدعوة إلى الله، حتى يصل البلاغ إلى العالم كافة في جميع أنحاء المعمورة، وهذا هو البلاغ الذي أمر الله به، قال الله تعالى لنبيه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧].
فالرسول عليه البلاغ، وهكذا الرسل جميعًا عليهم البلاغ وعلى أتباع الرسل أن يبلغوا.
روى البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو ﵄: أن النبي ﷺ قال: «بَلِّغُوْا عَنِّي وَلَو آيَةً» (١).
وليس بخافٍ على كل من له أدنى علم أو بصيرة أن العالم الإِسلامي اليوم، بل العالم كله في أشد الحاجة إلى الدعوة الإِسلامية الصحيحة، التي تشرح للناس حقيقة الإِسلام، وتوضح لهم أحكامه ومحاسنه، وبذلك يتضِّح لكل طالب علم أن الدعوة إلى الله من أهم المهمات، وأن الأمة في كل زمان ومكان في أشد الحاجة إليها؛ بل في أشد الضرورة إلى ذلك، فالواجب على أهل العلم أينما كانوا أن يبلغوادعوة الله؛ وأن يصبروا على ذلك، وأن تكون دعوتهم نابعة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ الصحيحة، وعلى طريقة الرسول وأصحابه ومنهج السلف الصالح ﵃ (٢).
وقال أيضًا: فعند قلة الدعاة وكثرة المنكرات وغلبة الجهل كحالنا
стр. 317
اليوم تكون الدعوة فرض عين على كل واحد بحسب طاقته وإذا كان في محل محدود كقرية ومدينة ونحو ذلك ووجد فيها من تولى هذا الأمر وقام به وبلغ أمر الله كفى وصار التبليغ في حق غيره سنة؛ لأنه قد أقيمت الحجة على يد غيره، ولكن بالنسبة إلى بقية أرض الله وإلى بقية الناس يجب على العلماء حسب طاقتهم وعلى ولاة الأمر حسب طاقتهم أن يبلغوا أمر الله بكل ما يستطيعون وهذا فرض عين عليهم على حسب الطاقة والقدرة، وبهذا يعلم أن كونها فرض عين وكونها فرض كفاية أمر نسبي يختلف فقد تكون الدعوة فرض عين بالنسبة إلى أقوام وإلى أشخاص وسنة بالنسبة إلى أشخاص وإلى أقوام لأنه وجد في محلهم وفي مكانهم من قام بالأمر وكفى عنهم (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 318
الكلمة الثالثة والستون: تربية الأبناء
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فإن من أكبر الأمانات، وأعظم المسؤوليات تربية الأولاد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
قال علي بن أبي طالب ﵁: أدبوهم وعلموهم الخير، وعلى الأب أن يراعي في التربية الأمور التالية.
أولاً: اختيار الزوجة الصالحة، وهي أول خطوة من خطوات التربية، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو ﵄: أن النبي ﷺ قال: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» (٢).
ثانيًا: الإِخلاص لله في التربية واحتساب الأجر على الله فيما يبذل فيها من جهد أو مال، لا ليقال إنه أحسن فيها، أو يشار إليه بالبنان، قال
стр. 319
تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عمر بن الخطاب ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (١).
فالتربية عبادة من أَجَلِّ العبادات، لما يترتب عليها من منافع خاصة وعامة، ولما فيها من المشقة والعناء.
ثالثًا: تعويد الأولاد على العبادات وحثِّهم عليها بالرفق والحسنى منذ الصغر؛ ليألفوها ويحبوها، قال تعالى: ﴿وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] الآية.
روى أبو داود في سننه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» (٢).
وفي رواية: «عَلِّمُوْا الْصَّبِيَّ الصَّلَاةَ ابْنَ سَبْعِ سِنِيْنَ، وَاضْرِبُوْهُ عَلَيْهَا ابْنَ عَشْرٍ» (٣).
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: ومن كان عنده صغير، أو مملوك، أو يتيم، فلم يأمره بالصلاة فإنه يُعاقب الكبير إذا لم يأمر الصغير، ويعزر الكبير تعزيرًا بليغًا؛ لأنه عصى الله ورسوله (٤). اهـ.
وقال ابن القيم ﵀: فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى فقد أساء غاية الإِساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء،
стр. 320
وإهمالهم، وترك تعليمهم فرائض الدِّين وسننه، فأضاعوهم صغارًا، فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كبارًا (١). اهـ.
رابعًا: تجنيبهم المحرمات والمنكرات، وتحذيرهم منها، وغرس بغضها في قلوبهم لما تجره عليهم من ويلات في الدنيا والآخرة، وبعض الآباء لا يهتم بهذا، بحجة أنهم صغار وغير مكلفين، وهذا خلاف ما كان عليه المعلم الناصح ﷺ .
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: أخذ الحسن بن علي ﵄ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال النبي ﷺ : «كِخٍ، كِخٍ» لِيَطْرَحَهَا، ثُمَّ قَالَ: «أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَاكُلُ الصَّدَقَةَ؟ ! » (٢).
خامسًا: القدوة الحسنة، وهي من ضروريات التربية، فمعلوم أن الابن يعجب بأبيه ويحب تقليده والاقتداء به، فيجب على الآباء والأمهات والمربين أن لا تخالف أقوالهم أفعالهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢].
وقال تعالى عن نبي الله شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَاّ الإِصْلَاحَ﴾ [هود: ٨٨].
قال الشاعر:
لَا تَنْهَ عَن خُلُقٍ وَتَاتِيَ مِثلَهُ ... عَارٌ عَلَيكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
سادسًا: إبعادهم عن جلساء السوء، وتوجيههم إلى مصاحبة الأخيار والصالحين.
روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ