← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

وقال الخطابي: «إنما نهاه عن أكله إذا وجده في الماء لإمكان أن يكون الماء قد غرقه فيكون هلاكه من الماء لا من قتل الكلب الذي هو آلة الذكاة، وكذلك إذا وجد فيه أثرًا لغير سهمه، والأصل أن الرخص تراعى شرائطها التي بها وقعت الإباحة فمهما أخل بشيء منها عاد الأمر إلى التحريم الأصلي (١) (٢).أ. هـ قال الشيخ صالح الفوزان -عضو هيئة كبار العلماء-: وبالنظر في القولين السابقين في حكم هذا النوع من اللحوم يتضح رجحان القول بالتحريم لقوة مبناه ووضوح أدلته وذلك من وجوه: الوجه الأول: أن الله حرم لحوم الحيوانات التي تموت بغير ذكاة شرعية في قوله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]. فما لم تتحقق في هذه اللحوم الذكاة الشرعية فهي محرمة بناء على الأصل. الوجه الثاني: أن النصوص الشرعية التي ساقها سماحة الشيخ في فتواه تبين بوضوح أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر غلب جانب الحظر، وهذه اللحوم كذلك ترددت بين كونها مذكاة الذكاة المبيحة فتحل وكونها غير مذكاة فلا تحل فيغلب جانب التحريم، وكما قرر ذلك كبار الأئمة الذين ساق الشيخ أقوالهم في الفتوى. الوجه الثالث: أن هذه الكميات الهائلة التي تمتلئ بها الأسواق العالمية من الدجاج وغيره يستبعد أن تأتي الذكاة الشرعية بشروطها

стр. 2557

على أفرادها كلها لأنها تذبح وتعلب آليًّا. الوجه الرابع: أن الإلحاد والتحلل من العهد الديني والأحكام الشرعية قد غلب على الناس في هذا الزمان، وقلَّت الأمانة والصدق فلا يعتمد على أقوال هؤلاء المصدرين لهذه اللحوم، ولا على كتابتهم على ظهر أغلفتها بأنها ذكيت على الطريقة الإسلامية لا سيما وقد وجد بعض الدجاج برأسه لم يقطع شيء من رقبته كما وجدت هذه العبارة مكتوبة على أغلفة ما لا يحتاج إلى ذكاة كالسمك، مما يدل على أن هذه الكتابة إنما هي عبارة عن دعاية مكذوبة يقصد بها مجرد ترويج هذه اللحوم وابتزاز الأموال بالباطل. الوجه الخامس: أنه لم يكن لقول من أباح هذا النوع من اللحوم من مستند سوى التمسك بعموم الآية الكريمة: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ وهذا العموم مخصوص بالنصوص الكثيرة كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]. وبالنصوص التي تدل على أنه إذا اجتمع حظر وإباحة غلب جانب الحظر والله أعلم! ! (١) والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2558

الكلمة الثامنة والعشرون التحذير من اليمين الكاذبة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فقد عظم الإسلام شأن اليمين، وحذر من التساهل بها؛ لأنها عهد وميثاق يجب أن يُعطى حقه، قال تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. قال القرطبي: «المعنى: أقلوا الأيمان لما فيه من البر والتقوى، فإن الإكثار يكون معه الحنث وقلة رعي لحق الله تعالى» (١) أهـ. قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)﴾ [القلم]، يعني كثير الحلف، قال تعالى عن المنافقين: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤)﴾ [المجادلة]. وقال تعالى عنهم أيضًا: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]، فبين سبحانه في هذه الآيات أن الحلف الكاذب من صفات المنافقين (٢). ومن أشد أنواع الأيمان الكاذبة اليمين الغموس، وهي التي

стр. 2559

تغمس صاحبها في الإثم ومن ثم في النار (١)، قال العلماء: هي التي يحلفها على أمر ماضٍ كاذبًا عالمًا، وعدُّوها من كبائر الذنوب. روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ عَلَيْهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ [آل عمران]. فَجَاءَ الْأَشْعَثُ، فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالوا: كَذَا وكَذَا، قَاَل: فِيَّ أُنْزِلَتْ، كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، فَقَالَ: «بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ»، قُلْتُ: إِذًا يَحْلِفُ عَليهَا يَا رَسُولَ اللَّه، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ يَومَ القِيَامَة وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» (٢). وروى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّه لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّة»، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّه؟ قَالَ: «وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاك» (٣).

стр. 2560

وروى البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص، أن أعرابيًا جَاءَ إِلَى النَّبيِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسولَ الله: مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ»، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُم عُقُوق الوَالِدين»، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْيَمِينُ الْغَمُوسُ»، قُلْتُ: وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ؟ قَالَ: «الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ» (١). واليمين الغموس من الكبائر الموجبة للنار كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ [آل عمران]. جاء في فتوى اللجنة الدائمة: «اليمين الغموس من كبائر الذنوب، ولا تجدي فيها الكفارة لعظيم إثمها، ولا تجب فيها الكفارة على الصحيح من قولي العلماء، وإنما تجب فيها التوبة والاستغفار» (٢) أهـ. «ومن الأيمان الكاذبة، اليمين التي تتخذ وسيلة لترويج السلع، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قَالَ: «الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ» (٣). ومعناه: أن يحلف صاحب السلعة أنه أُعطي فيها كذا وكذا، أو أنه اشتراها بكذا وكذا،

стр. 2561

وهو كاذب في ذلك، وإنما يريد التغرير بالمشتري ليصدقه بموجب اليمين، فيكون هذا الحالف عاصيًا لله آخذًا للزيادة بغير حق، فيعاقبه الله بمحق البركة من كسبه، وربما يتلف الله ماله كله» (١). روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ، قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّه إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ مِنَ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ، وَرَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ الْعَصْر فَقَالَ: وَاللَّه الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، لَقَدْ أُعْطَيْتُ بِهَا كَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ رَجُلٌ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]» (٢). قال الخطابي: «وخص وقت العصر لتعظيم الإثم فيه، وإن كانت اليمين الفاجرة محرمة في كل وقت، لأن الله عظم شأن هذا الوقت بأن جعل الملائكة تجتمع فيه، وهو وقت ختام الأعمال، والأمور بخواتيمها، فغلظت العقوبة فيه لئلا يقدم عليها تجرؤًا، فإن من تجرأ عليها فيه اعتادها في غيره، وكان السلف يحلفون بعد العصر وجاء ذلك في الحديث أيضًا» (٣). ومن القصص التي تُذكر في هذا الشأن ما حدثني به أحد المشايخ نقلًا عن أحد القضاة، يقول: تخاصم لدي رجلان كبيران في السن،

стр. 2562

تنازعا وليس لأحدهما بينة، فقلت للمُدعى عليه: هل تحلف أن هذا المال هو مالك؟ فقال: نعم، فذكرته بالله وأن اليمين الغموس أمرها عظيم، فأصر على موقفه، ثم حلف على ذلك، قال القاضي: وأنهيت الجلسة ثم خرجا، أما المُدعى عليه فإنه لما فتح الباب ليخرج سقط عند الباب فأسرعنا إليه، وإذا به قد فارق الحياة. أما القصة الثانية: فحدثني أحد المشايخ نقلًا عن أحد موظفي المحكمة في مدينة من مدن المملكة، يقول: جاء رجل كبير في السن يشتكي إلى القاضي رجلًا آخر أخذ منه مالًا، فقال له القاضي: هل لديك بينة؟ فقال: لا، فقال: إذًا يحلف المدعى عليه، فحلف المُدعى عليه ثم خرج من المحكمة، فجعل المدعي كبير السن يدعو عليه دعاءً عظيمًا يهز الجبال من شدته، فما هي إلا أيامًا معدودة لم تتجاوز العشرة أيام إلا ويحصل حادث للمُدعى عليه فيموت من ساعته. والقصص في هذا كثيرة، ولعل فيما ذُكر عبرة لمن تفكر. ونسأل الله تعالى ألَّا يجعل لنا عند أحد من المسلمين مظلمة، وأن يجعلنا من أوليائه وأحبابه الذين ينفعون إخوانهم المسلمين، وأن يتوفانا وهو راض عنا غير غضبان. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2563

الكلمة التاسعة والعشرون المسارعة في الاستجابة لأمر الله ورسوله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال]. في هذه الآية يأمر الله عباده المؤمنين بالاستجابة لما يدعوهم إليه رسول الله ﷺ ، بامتثال ما يأمرهم والانتهاء عما ينهاهم عنه، لأنه لا يدعوهم إلا لما فيه حياة قلوبهم وأبدانهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة. والاستجابة هنا هي سرعة المبادرة بالامتثال والتسليم لأمر الله ورسوله، وألا يكون عند المؤمن تردد أو إبطاء، وفي قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ وعيد عظيم لمن بلغه الحق وعرفه، فتردد في قبوله ولم يمتثل له فورًا، فهو في خطر عظيم أن يحُول الله بينه وبين قلبه، فهو يريد أن يعمل بالحق فلا يستطيع ذلك، وما حال بعض المسلمين الذين تتكرر منهم المعاصي ويستمرون عليها ولا يقلعون عنها، كالذين يحلقون لحاهم، أو يشربون الدخان، أو يسبلون ثيابهم، أو يستمعون إلى الأغاني .. أو غيرها من المعاصي، إلا لعدم امتثالهم لهذه الآية الكريمة، فقد بلغهم الأمر والنهي، ودُعوا إلى الخير فلم يستجيبوا، وقد ذكر هذا المعنى في آية

стр. 2564

أخرى متطابقة تمامًا مع هذه الآية، فقال سبحانه: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام]. فقوله تعالى: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي بسبب أنهم لم يؤمنوا به أول ما جاءهم، وهذا معنى الاستجابة في الآية السابقة، فكانت عقوبتهم ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾، وفي الآية السابقة يقول تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. وقد ورد في السنة المطهرة كيفية الاستجابة لله ورسوله، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد بن المعلى ﵁ قال: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّه ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ: » أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾» (١). وقد تضمنت الآيتان الكريمتان أن من سارع في قبول الحق عند سماعه سعد ونجا، ومن لم يستجب خسر وهلك، والأمثلة على ذلك كثيرة لكلا الفريقين. فمن ذلك ما حصل للنبي ﷺ عندما أُسري به إلى السماء، وكذبته قريش، فكيف أُسري به من مكة إلى الشام ثم إلى السماء وعاد في ليلة واحدة، وهم يذهبون ويعودون في مدة شهرين؟ أما أبو بكر ﵁ فعندما أُخبر الخبر صدَّقه دون تردد. فقد روى الحاكم في المستدرك من حديث عائشة ﵂ قالت:

стр. 2565

«لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى أَصْبَحَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِذَلِكَ، فَارْتَدَّ نَاسٌ ممَنْ كَانوا آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وسَعَى رِجَالٌ مَن المُشْرِكين إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَقَالُوا: هَلْ لَكَ إِلَى صَاحِبِكَ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: أَوَقَالَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: لَئِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ، قَالُوا: أَوَتُصَدِّقُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَجَاءَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، إِنِّي لأَصُدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ فِي غُدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁» (١). قال الإمام الطحاوي ﵀: «إن سبب تسمية أبي بكر ﵁ بالصديق، إنما هو سبقه الناس إلى تصديقه رسول الله ﷺ على إتيانه لبيت المقدس من مكة، ورجوعه منه إلى منزله بمكة في تلك الليلة، وإن كان المؤمنون يشهدون لرسول الله ﷺ بمثل ذلك إذا وقفوا عليه» (٢). المثال الثاني: قصة جليبيب: روى الإمام أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه من حديث أبي برزة الأسلمي ﵁ قَالَ: وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ أَيِّمٌ لَمْ يُزَوِّجْهَا حَتَّى يَعْلَمَ هَلْ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيهَا حَاجَةٌ أَمْ لَا، فَقَالَ:

стр. 2566

رَسُولُ اللَّه ﷺ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: «زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ»، فَقَالَ: نِعِمَّ وَكَرَامَةٌ يَا رَسُولَ اللَّه، وَنُعْمَ عَيْنِي. فَقَالَ: «إِنِّي لَسْتُ أُرِيدُهَا لِنَفْسِي» قَالَ: فَلِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّه؟ قَالَ: «لِجُلَيْبِيبٍ» قَالَ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه أُشَاوِرُ أُمَّهَا. فَأَتَى أُمَّهَا، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّه ﷺ يَخْطُبُ ابْنَتَكِ. فَقَالَتْ: نِعِمَّ وَنُعْمَةُ عَيْنِي. فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ يَخْطُبُهَا لِنَفْسِهِ، إِنَّمَا يَخْطُبُهَا لِجُلَيْبِيبٍ، فَقَالَتْ: أَجُلَيْبِيبٌ إنِيهِ؟ أَجُلَيْبِيبٌ إنِيهِ؟ أَجُلَيْبِيبٌ إنِيهِ؟ لَا لَعَمْرُ اللَّه، لَا نُزَوَّجُهُ. فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ لِيَأْتِيَ رَسُولَ اللَّه ﷺ لِيُخْبِرَهُ بِمَا قَالَتْ أُمُّهَا، قَالَتِ الْجَارِيَةُ: مَنْ خَطَبَنِي إِلَيْكُمْ؟ فَأَخْبَرَتْهَا أُمُّهَا. فَقَالَتْ: أَتَرُدُّونَ عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ أَمْرَهُ، ادْفَعُونِي، فَإِنَّهُ لَمْ يُضَيِّعْنِي. فَانْطَلَقَ أَبُوهَا إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: شَأْنُكَ بِهَا. فَزَوَّجَهَا جُلَيْبِيبًا. قَالَ: فَخَرَجَ رَسولُ اللَّه ﷺ فِي غَزْوَةٍ لَهُ، قَالَ: فَلَمَّا أَفَاءَ اللَّه عَلَيْهِ، قَالَ لِأَصْحَابِهِ: «هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ » قَالُوا: نَفْقِدُ فُلَانًا، وَنَفْقِدُ فُلَانًا. قَالَ: «انْظُرُوا هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ » قَالُوا: لَا. قَالَ: «لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا» قَالَ: «فَاطْلُبُوهُ فِي الْقَتْلَى». قَالَ: فَطَلَبُوهُ، فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، هَا هُوَ ذَا إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَامَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «قَتَلَ سَبْعَةً وَقَتَلُوهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ» مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ وَضَعَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ عَلَى سَاعِدَيْهِ، وَحَفَرَ لَهُ، مَا لَهُ سَرِيرٌ إِلَّا سَاعِدَا رَسُولِ اللَّه ﷺ ، ثُمَّ وَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ. وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ غَسَّلَهُ. قَالَ ثَابِتٌ: فَمَا كَانَ فِي الْأَنْصَارِ أَيِّمٌ أَنْفَقَ مِنْهَا. وَحَدَّثَ

стр. 2567

إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ثَابِتًا، قَالَ: هَلْ تَعْلَمُ مَا دَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ صُبَّ عَلَيْهَا الْخَيْرَ صَبًّا، وَلَا تَجْعَلْ عَيْشَهَا كَدًّا كَدًّا». قَالَ: فَمَا كَانَ فِي الْأَنْصَارِ أَيِّمٌ أَنْفَقَ مِنْهَا (١). ومن الأمثلة على خسارة من لم يستجب للحق، ويمتثل لأمر الله ورسوله: المثال الأول: قال القرطبي: ورُوي أن الزيال بن حرملة قال: ] قال جابر بن عبد الله [: قال الملأ من قريش وأبو جهل: قد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم رجلًا عالمًا بالشعر والكهانة والسحر فكلَّمه ثم أتانا ببيان من أمره؛ فقال عتبة بن ربيعة: والله، لقد سمعت الكهانة والشعر والسحر، وعلمت من ذلك علمًا لا يخفى عليَّ إن كان كذلك، فقالوا: ائته فحدثه، فأتى النبي ﷺ فقال له: يا محمد، أنت خيرٌ أم قصي بن كلاب؟ أنت خيرٌ أم هاشم؟ أنت خيرٌ أم عبد المطلب؟ أنت خيرٌ أم عبد الله؟ فبم تشتم آلهتنا، وتُضلل آباءنا، وتُسفه أحلامنا، وتذم ديننا؟ فإن كنت إنما تريد الرياسة عقدنا إليك ألويتنا، فكنت رئيسنا ما بقيت، وإن كنت تريد الباءة زوجناك عشر نساء من أي بنات قريش شئت، وإن كنت تريد المال جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًّا من الجن قد غلب عليك بذلنا لك أموالنا

стр. 2568

في طلب ما تتداوى به أو نغلب فيك، والنبي ﷺ ساكت، فلما فرغ قال: «أَفَرَغْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ » قال: نعم، قال: «اسْمَعْ»: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨) قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ [فصلت]. فوثب عتبة ووضع يده على فم النبي ﷺ ، وناشده الله والرحم ليسكُتَنَّ، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش؛ فجاءه أبو جهل فقال: أصبوت إلى محمد؟ أم أعجبك طعامه؟ فغضب عتبة وأقسم ألا يكلم محمدًا أبدًا، ثم قال: والله، لقد تعلمون أني من أكثر قريش مالًا، ولكني لما قصصت عليه القصة أجابني بشيء -والله- ما هو بشعر ولا

стр. 2569

كهانة ولا سحر؛ ثم تلا عليهم ما سمع منه إلى قوله: ﴿مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ وأمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب، فوالله، لقد خفت أن ينزل بكم العذاب؛ يعني الصاعقة» (١). فهذه القصة تدل على أن عتبة عرف أن ما جاء به النبي ﷺ الحق، لكنه استكبر عن قبوله وأعرض عنه، فقُتل يوم بدرٍ كافرًا، نعوذ بالله من خاتمة السوء. المثال الثاني: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ أن رجلًا أكل عند النبي ﷺ بشماله فقال النبي ﷺ : «كُلْ بِيَمِينِكَ»، فَقَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: «لَا اسْتَطَعْتَ»، مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ، قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ (٢). فهذا الرجل تكبر على أمر رسول الله ﷺ فكانت عاقبته أن شُلت يده. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2570

الكلمة الثلاثون من آداب القرآن الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فقد ذكر أهل العلم آدابًا لقراءة القرآن ينبغي تعلمها وتطبيقها لأنها مستمدة من الوحيين: الكتاب والسنة. والمقصود بالآداب، ما يجب فعله أو يستحب عند التلاوة أو قبلها، فمن ذلك: «١ - الإخلاص للَّه في قراءته، وأن يريد بها وجه الله، وألا يقصد بها توصلًا إلى شيء سوى ذلك، وأن يتأدب مع القرآن، ويستحضر في ذهنه أنه يناجي الله ، ويتلو كتابه، فيقرأ على حال من يرى الله تعالى، فإنه إن لم يره، فإن الله تعالى يراه» (١)، قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس]. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ

стр. 2571

عَلَيْهِ ... وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ ، قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ» (١). ٢ - العمل بالقرآن: روى البخاري في صحيحه من حديث سمرة بن جندب ﵁ في حديث رؤيا النبي ﷺ الطويل، وجاء فيه: «أَتَانِي مَلَكَانِ فقَالَا: انْطلِقْ، انْطلِقْ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا يُشْدَخُ رَأْسُهُ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ، فقَالَا: هَذَاَ رجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ القُرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ، يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» (٢). وفي الحديث الآخر الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري: قال النبي ﷺ : «وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ» (٣). ٣ - تدبر القرآن عند قراءته أو استماعه: قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد]. قال النووي ﵀: «ينبغي للقارئ أن يكون شأنه الخشوع والتدبر والخضوع، فهذا هو المقصود المطلوب، وبه تنشرح الصدور، وتستنير القلوب، ودلائله أكثر من أن تُحصر، وأشهر

стр. 2572

من أن تُذكر، وقد بات جماعة من السلف يتلو الواحد منهم آية واحدة ليلة كاملة، أو معظم ليلة يتدبرها» (١). وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية فرددها حتى أصبح: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة] (٢). ٤ - الحث على مراجعة الحفظ وتعاهده: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسِ مُحَمَّد بِيَدِهِ، لَهُو أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الْإِبِلِ في عُقُلِهَا» (٣). ٥ - يُشرع تلاوته قائمًا وماشيًا ومضطجعًا وراكبًا لحديث عائشة ﵂ أنها قالت: أن النبي ﷺ كان يتكئ في حجري وأنا حائض ثم يقرأ القرآن (٤). ٦ - الطهارة من الحدث قبل القراءة أو مس المصحف لحديث: «إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلا عَلَى طُهْرٍ (٥)، أَوْ قَالَ: عَلَى طَهَارَةٍ».

стр. 2573

٧ - التسوك قبل تلاوة القرآن للحديث الذي رواه البزار في مسنده من طريق علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَسَوَّكَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي قَامَ الْمَلَكُ خَلْفَهُ، فَتَسَمَّعَ لِقِرَاءَتِهِ فَيَدْنُو مِنْهُ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- حَتَّى يَضَعَ فَاهُ عَلَى فِيهِ فَمَا يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ، إِلا صَارَ فِي جَوْفِ الْمَلَكِ، فَطَهِّرُوا أَفْوَاهَكُمْ لِلْقُرْآنِ» (١). قال النووي ﵀: «وينبغي إذا أراد القراءة أن ينظف فمه بالسواك وغيره، والاختيار في السواك أن يكون بعود الأراك ويجوز بغيره من العيدان، وبالسعد والأشنان والخرقة الخشنة .. وغير ذلك مما ينظف» (٢). ٨ - الاستعاذة قبل التلاوة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل]. والبسملة إذا كانت القراءة من أول السورة عدا سورة التوبة. ٩ - الترتيل عند القراءة لقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل]، ولقوله ﷺ : «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» (٣). ١٠ - الإمساك عن القراءة عند غلبة النعاس لقوله ﷺ قال: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ، فَاسْتَعْجَمَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ، فَلَمْ يَدْرِ

стр. 2574

مَا يَقُولُ فَلْيَضْطَجِعْ» (١). ١١ - الخشوع عند سماعه وتلاوته، وعليه أن يجتنب الضحك، واللغط، والحديث خلال القراءة إلا كلامًا يضطر إليه، ومن التساهل الذي ابْتُلِيَ به بعض الناس، أن الإمام يقرأ القرآن في الصلاة وبعض الجوالات التي بها نغمات الموسيقى يتصل أصحابها، فيجتمع كلام الرحمن ومزمار الشيطان في آن واحد، وفي هذا انتهاك لحرمات المساجد، وقلة تعظيم لشعائر الله، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج]. ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : «اقْرَأْ عَلَيَّ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه، أَأَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ، قَالَ: «نَعَمْ». فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَة: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء]، قَالَ: «حَسْبُكَ الآنَ»، فَالتَفَتُ إِليهِ، فَإِذَاَ عَيْنَاهُ تَذْرِفَان (٢). ١٢ - ينبغي أن يحافظ على تلاوته ليلًا ونهارًا، سفرًا وحضرًا، وقد كانت للسلف ﵃ عادات مختلفة في القدر الذي يختمون فيه، فمنهم من يختم في شهر، ومنهم في عشر ليال، ومنهم في أسبوع، ومنهم في ثلاث ليال، وقد ورد النهي في ختمه أقل من

стр. 2575

ثلاث؛ وأن النبي ﷺ قال لعبد الله بن عمرو ﵄: «اقْرَأِ الْقُرْآنَ فِي كُلِ شَهْرٍ»، قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ، فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ: «فِي ثَلاثٍ» (١). قال ابن قدامة: «ويكره أن يؤخر ختمة القرآن أكثر من أربعين يومًا» (٢)، وقال القرطبي: «والأربعون مدة الضعفاء، وأولي الأشغال» (٣). قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: «أكثر ما سمعت أن يختم القرآن في أربعين؛ ولأن تأخيره أكثر من ذلك يفضي إلى نسيان القرآن والتهاون به، فكان ما ذكرنا أولى» (٤). وليحذر من هجر القرآن، قال تعالى عن نبينا محمد ﷺ : ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ [الفرقان]. قال ابن القيم ﵀: وهجر القرآن على أنواع: «الأول: هجر سماعه، والإيمان به، والإصغاء إليه. الثاني: هجر العمل به، والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن قرأه وآمن به. الثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه، واعتقاد أنه لا يفيد اليقين، وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم.

стр. 2576

الرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه. الخامس: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها، فيطلب شفاء دائه من غيره، ويهجر التداوي به، وكل هذا داخل في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ وإن كان بعض الهجر أهون من بعض» (١). ١٣ - يشرع الإسرار بالقرآن والجهر به، وقد وردت الأحاديث بفضيلة رفع الصوت بالقرآن، وأخرى بفضيلة الإسرار، قال العلماء والجمع بينهما: «أن الإسرار أبعد من الرياء، فهو أفضل في حق من يخاف ذلك، فإن لم يخف الرياء فالجهر أفضل، بشرط أن لا يؤذي غيره من مصل، أو نائم، أو غيرهما، ودليل فضيلة الجهر: أن العمل فيه أكثر، ولأنه يتعدى نفعه إلى غيره، ولأنه يوقظ قلب القاري، ويجمع همه إلى الفكر ويصرف سمعه إليه، ولأنه يطرد النوم، ويزيد في النشاط، ويوقظ غيره من نائم وغافل وينشطه، فمتى حضره شيء من هذه النيات، فالجهر أفضل» (٢). ١٤ - ومن أهم ما يؤمر به أن يحذر كل الحذر من اتخاذ القرآن معيشة يكتسب بها، فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ دخل المسجد فإذا فيه قوم يقرؤون القرآن، قال: «اقْرَؤوا الْقُرْآنَ، وَابْتَغُوا بِهِ اللَّهَ مِنْ قَبْلِ

стр. 2577

أَنْ يَأْتِيَ قَوْمٌ يُقِيمُونَهُ إِقَامَةَ الْقِدْحِ، يَتَعَجَّلُونَهُ وَلَا يَتَأَجَّلُونَهُ» (١). معناه: يتعجلون أجره أي يطلبون بقراءته العاجلة من عرض الدنيا والرفعة فيها، ولا يتأجلونه: أي لا يريدون منه الآجلة وهو جزاء الآخرة، فمن أراد بها الدنيا فهو متعجل، وإن ترسل في قراءته، ومن أراد بها الآخرة فهو متأجل وإن سرد في قراءته بعد إعطاء الحروف حقها، وهذه معجزة لوقوع ما أخبر به ﵊ (٢). ١٥ - لا ينبغي أن يقول المسلم: نسيت آية كذا، ولكن يقول أُنسيت، لحديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «بِئْسَ مَا لأَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ» (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2578

الكلمة الواحدة والثلاثون من آداب المساجد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فقد ذكر أهل العلم آدابًا للمساجد، وهذه الآداب مستمدة من الوحيين الكتاب والسنة، والمقصود بالآداب الأوامر والنواهي والمستحبات التي تفعل عند دخول المساجد أو قبل ذلك، وهي كثيرة أكتفي ببعضها: ١ - استحباب لبس الثياب الحسنة واستعمال السواك عند الذهاب إلى المسجد، قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» (١). وبعض الناس يأتي إلى المسجد بثياب النوم أو البيجامات أو ملابس العمل، وقد تكون متسخة وبها روائح كريهة تؤذي المصلين والسبب يعود إلى الكسل، فيتكاسل عن تغييرها، بينما لو أراد أن يزور مسؤولًا أو رجلًا له مكانته لاستعد لذلك، فرب العالمين أولى بالتجمل، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى

стр. 2579

الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج]. روى أبو داود في سننه من حديث محمد بن يحيى بن حبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدَ، أَوْ مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدْتُمْ، أَنْ يَتَّخِذ ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ» (١). ٢ - النهي عن حضور المساجد لمن أكل الثوم أو البصل ونحوهما، ففي الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ، وَالثُّومَ، وَالْكُرَّاثَ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» (٢). والثوم والكراث ليسا محرمين، ولكن نُهي عنهما لرائحتهما التي تؤذي المصلين، وعليه فإن النهي يكون أشد لمن يتعاطى الدخان ونحوه. ٣ - يستحب المشي إلى المساجد لما روى مسلم في صحيحه من حديث أُبي بن كعب ﵁ قال: كان رجل من الأنصار بيته أقصى بيت في المدينة، فكان لا تخطئه الصلاة مع رسول الله ﷺ قال: فتوجعنا له، فقلت له: يا فلان! لو أنك اشتريت حمارًا يقيك من الرمضاء ويقيك من هوام الأرض! قال: أَمَ والله! ما أحب أن بيتي مطنب ببيت محمد ﷺ ، قال: فحملت به حملًا حتى أتيت

стр. 2580

نبي الله ﷺ فأخبرته، قال: فدعاه، فقال له مثل ذلك، وذكر له أنه يرجو في أثره الأجر، فقال له النبي ﷺ : «إن لك ما احتسبت» (١)، وفي رواية: «قد جمع اللَّه لك ذلك كله» (٢). وروى أبو داود في سننه من حديث أوس الثقفي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ ثُمَّ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» (٣). وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّه بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ » قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّه، قَالَ: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» (٤). ٤ - يستحب التبكير إلى المساجد لما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ» (٥).

стр. 2581

٥ - المشي إلى الصلاة بخشوع وسكينة، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَلَا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» (١). ٦ - ذكر الدعاء المأثور الوارد في ذلك عند الذهاب إلى المسجد، فيذكر الدعاء الوارد عند الخروج من المنزل ثم يضيف إليه هذا الدعاء الذي رواه مسلم في صحيحه في قصة مبيت ابن عباس عند خالته ميمونة، وذكر تهجد النبي ﷺ ، قال: فأذن المؤذن يعني للصبح، فخرج إلى الصلاة وهو يقول: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي لِسَانِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي سَمْعِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي بَصَرِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ خَلْفِي نُورًا، وَمِنْ أَمَامِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِي نُورًا، وَمِنْ تَحْتِي نُورًا، اللَّهُمَّ أَعْطِنِي نُورًا» (٢). قال العلماء: سأل النور في أعضائه وجهاته، والمراد به بيان الحق وضيائه والهداية إليه، فسأل النور في جميع أعضائه وجسمه وتصرفاته وتقلباته وحالاته وجملته في جهاته الست حتى لا يزيغ شيء منها عنه (٣).

стр. 2582

٧ - ورد النهي عن تشبيك الأصابع وذلك في أربع مواضع: الأول: النهي عن تشبيك الأصابع عند الذهاب إلى المسجد، فقد روى أبو داود في سننه من حديث كعب بن عجرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ» (١). الثاني: إذا كان في المسجد ينتظر الصلاة، روى ابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث أبي هريرة ﵁: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ، كَانَ فِي صَلاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ، فَلا يَقُلْ هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» (٢). الثالث: النهي عن التشبيك فرضًا أو نفلًا في الصلاة، وهو من باب أولى للأحاديث السابقة وغيرها. الرابع: بعد صلاة الفريضة لعموم الأحاديث السابقة. وإنما يجوز للحاجة لفعل النبي ﷺ كما في حديث ذي اليدين، فقد شبك بين أصابعه بعد الصلاة، وأجازه بعضهم مطلقًا.

стр. 2583

٨ - عند دخوله إلى المسجد يقول الأدعية الواردة في ذلك، روى مسلم في صحيحه وأبو داود في سننه من حديث أبي حميد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ» (١). وروى أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل المسجد قال: «أَعُوذُ بِاللَّه الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ... فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم» (٢). ٩ - ويستحب له أن يتابع المؤذن فيقول مثل ما يقول إلا في قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فإنه يقول عند كل لفظة منها: لا حول ولا قوة إلا بالله، لحديث: «فَإِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ أَحَدُكُمُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٣).

стр. 2584

ويقول بعد الشهادتين ما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللَّه رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ» (١). ثم يصلي على النبي ﷺ لما روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّه وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، وَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ» (٢). ثم يسأل الله له الوسيلة، فيقول ما جاء في حديث جابر ابن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٣). ويشرع له الدعاء بين الأذان والإقامة لما روى أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن رجلًا قال: يا رسول الله،

стр. 2585

إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله ﷺ : «قُلْ كَمَا يَقُولُونَ، فَإِذَا انْتَهَيْتَ فَسَلْ تُعْطَهْ» (١). ١٠ - يستحب الإكثار في المسجد من ذكر الله تعالى، بالتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير وغيرها من الأذكار، وكذلك الإكثار من قراءة القرآن، ومن المستحب فيه قراءة حديث رسول الله ﷺ وعلم الفقه، وسائر العلوم الشرعية، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [النور]. روى مسلم في صحيحه من حديث بريدة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ» (٢). وفي رواية أخرى: «إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّه ، وَالصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ» (٣). ويجتنب اللغو واللغط، والخوض في أعراض الناس، وكثرة الحديث في أمور الدنيا مما يقسي القلب، ويبعد عن الله. ١١ - إذا دخل المسجد يصلي ركعتين، وهما تحية المسجد لما روى البخاري ومسلم من حديث أبي قتادة السلمي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ» (٤).

стр. 2586

١٢ - النهي عن البيع والشراء وإنشاد الضالة في المسجد، لما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ لَا رَدَّهاَ اللَّه عَلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» (١). وروى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ، أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّه تِجَارَتَكَ» (٢). ويلحق بذلك سؤال الناس أموالهم في المساجد، وإشغالهم عن التسبيح والتكبير والتهليل والذكر عمومًا بحجة الفقر والحاجة. ١٣ - النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لضرورة، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي الشعثاء قال: «كنا قعودًا في المسجد مع أبي هريرة ﵁ فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشي، فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم» (٣). تنبيه: قال النووي ﵀: «وينبغي للجالس فيه أن يأمر بما يراه من المعروف، وينهى عما يراه من المنكر، وهذا وإن كان الإنسان

стр. 2587

مأمورًا به في غير المسجد، إلا أنه يتأكد القول به في المسجد صيانة له، وإعظامًا وإجلالًا واحترامًا» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2588

الكلمة الثانية والثلاثون من آداب الاستئذان الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فمن الآداب العظيمة التي شرعها الإسلام أدب الاستئذان، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]، قال ابن الجوزي: «لا يجوز أن يدخل بيت غيره إلا بالاستئذان لهذه الآية، يعني: يجب الاستئذان إذا أراد الدخول إلى بيت غيره، ومعنى تستأنسوا: تستأذنوا» (١). والاستئذان: هو طلب الإذن في الدخول لمحل لا يملكه المستأذن، والآداب كثيرة أكتفي ببعضها، فمن ذلك: أولًا: السنة تقديم السلام قبل الاستئذان، فيقول: السلام عليكم، أأدخل، فإن لم يجبه أحد، قال ذلك ثانيًا وثالثًا، فإن لم يجبه أحد انصرف، روى أبو داود في سننه من حديث ربعي بن خراش قال: حدثنا رجل من بني عامر، أنه استأذن على النبي ﷺ وهو في بيت فقال: ألج؟ فقال النبي ﷺ لخادمه: «اخْرُجْ إِلَى هَذَا فَعَلِّمْهُ الاسْتِئْذَانَ، فَقُلْ لَهُ: قُلْ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ » فَسَمِعَهُ

стр. 2589

الرَّجُلُ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَدَخَلَ (١). وروى البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ وَإِلَّا فَارْجِعْ» (٢). ثانيًا: أن يقف المستأذن عن يمين أو شمال الباب حتى لا تقع عينه على شيء في الدار لا يرغب صاحبها أن يراه أحد، فإنما جعل الاستئذان من أجل البصر، فقد روى أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن بسر ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ إِذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْبَابَ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ وَيَقُولُ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ» (٣). ثالثًا: أن يُعرِّف المستأذن بنفسه، فإذا قيل له: من أنت؟ يقول: فلان بن فلان، أو فلان المعروف بكذا، أو ما أشبه ذلك بحيث يحصل التعريف التام به، ويُكره أن يقتصر على قوله: أنا أو الخادم أو بعض المحبين. فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر ابن عبد اللَّه ﵄ قال: استأذنت على النبي ﷺ ، فقال: «مَنْ هَذَا؟ » فَقُلْتُ: أَنَا، فَقَالَ النَّبي ﷺ : «أَنَا، أَنَا»، وحدثني عبدالرحمن بن بشر حدثنا بهز كلهم عن شعبة بهذا الإسناد، وفي حديثهم: كَأَنَّهُ كَرِهَ

стр. 2590

ذَلِك (١). وروى البخاري ومسلم في حديث الإسراء المشهور، قال رسول الله ﷺ : «ثُمَّ صَعِدَ بِي جِبْرِيلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى الثَانيةِ وَالثَالِثَةِ وسَائِرَهُن، وَيُقَالَ فِي بَابِ كُلِ سَمَاءٍ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُول: جِبْرِيلُ، وَيُقَالَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمد .... » (٢). رابعًا: ينبغي للمستأذن ألَاّ يدق الباب بعنف لما رواه البخاري في الأدب المفرد من حديث أنس بن مالك أنه قال: أن أبواب النبي ﷺ كانت تقرع بالأظافير (٣). خامسًا: ينبغي للرجل إذا سافر وطال سفره ألا يطرق أهله ليلًا، روى البخاري في صحيحه من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمِ الْغَيْبَةَ، فَلَا يَطْرُق أَهْلَهُ لَيْلًا» (٤). وفي رواية: نهى أن يطرق أهله ليلًا يتخونهم، أو يلتمس عثراتهم (٥). قال النووي ﵀ في شرح مسلم: معنى هذه الروايات كلها أنه يُكره لمن طال سفره أن يقدم على امرأته ليلًا بغتة، فأما من كان سفره قريبًا تتوقع امرأته إتيانه ليلًا فلا بأس (٦) أهـ.

стр. 2591

وفي عصرنا الحاضر تنتفي هذه العلة بوجود وسائل الاتصال، حيث يمكن عن طريقها معرفة قدومه. سادسًا: يحرم نظر الرجل في بيت غيره إلا بإذنه، روى البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد ﵁ قال: اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجْرَةِ النَّبِي ﷺ ، وَمَعَ النَّبِي ﷺ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُنِي لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ» (١). وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ» (٢). وفي رواية للنسائي: «فَلَاَ دِيَة وَلَا قِصَاص» (٣). سابعًا: إذا لم يؤذن للمستأذن فليرجع، فربما كان صاحب البيت لا يستطيع الاستقبال، قال تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨)﴾ [النور]. ثامنًا: إذا كان المكان غير البيوت المسكونة، فإن كان للمسلم فيها متاع يحتاج إليه فقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾ [النور]. مثل الأسواق والفنادق، والمحلات .. وغيرها.

стр. 2592

تاسعًا: أن من دعي أو أُرسل له رسول فإنه لا يحتاج إلى الاستئذان للحديث الذي رواه أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ إِذْنٌ» (١). واستثنى بعض أهل العلم ما إذا تأخر المدعو عن الدعوة، أو كان في مكان يحتاج معه في العادة إلى الإذن فإنه يستأذن. عاشرًا: الاستئذان على المحارم من النساء كالأم، والأخت وغيرهن فلا يدخل عليهن في أماكن راحتهن وغرفهن حتى يستأذن عليهن بطرق الباب أو أي وسيلة أخرى. روى البخاري في الأدب المفرد أن رجلًا سأل حذيفة ﵁ فقال: أَأَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ فَقَالَ: إِنْ لَمْ تَستَأذِنْ عَليهَا رَأيْتَ مَا تَكْرَه (٢). الحادي عشر: استئذان الأطفال: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩)﴾ [النور].

стр. 2593

قال المفسرون: «يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرع لهم ليطلب منكم الإذن عبيدكم وإماؤكم والأطفال الأحرار الذين لم يبلغوا سن الاحتلام ثلاث مرات في ثلاثة أوقات، وذلك في غرف النوم وأماكن الراحة: من قبل صلاة الصبح وقت إبدال ثياب النوم بثياب اليقظة، وفي وقت الظهيرة حين تضعون ثيابكم للقيلولة، وبعد صلاة العشاء لأنه وقت نومكم وخلع ثياب اليقظة ولبس ثوب النوم، هذه ثلاثة أوقات عورات لكم لا يدخلون فيها عليكم إلا بعد إذن منكم، ليس عليكم حرج في دخولهم دون استئذان، ولا عليهم هم حرج فيما عداها من الأوقات، هم كثيرو التطواف، بعضكم يطوف على بعض، فيتعذر منعهم من الدخول في كل وقت إلا بالاستئذان» (١). الثاني عشر: الاستئذان عند الخروج لما رواه أبو الشيخ في تاريخ أصبهان من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا زَارَ أَحَدُكُمْ أَخَاهَ فَجَلَسَ عِنْدَهُ، فَلا يَقُومَنَّ حَتَّى يَسْتَأْذِنَهُ» (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2594

الكلمة الثالثة والثلاثون آداب السلام رقم ١ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فمن الآداب العظيمة التي شرعها الإسلام إفشاء السلام بين المسلمين لتسود المحبة والألفة والأخوة بينهم. والسلام اسم من أسماء الله، قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر]. روى البخاري في الأدب المفرد من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ السَّلامَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّه تَعَالَى وَضَعَهُ فِي الأَرْضِ، فَأَفْشُوا السَّلامَ بَينَكُم» (١). فقوله: السلام عليك، أي: اسم الله عليك، أي أنت في حفظه كما يقال: الله معك والله يصحبك، وقيل: السلام بمعنى السلامة، أي: السلامة ملازمة لك (٢). والسلام هو التحية التي شرعها الله لعباده، وهي تحية

стр. 2595

الملائكة، وتحية أهل الجنة، قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّه، فَزَادُوه: وَرَحْمَةُ اللَّه» (١). وأول ما قدم النبي ﷺ المدينة أمر الصحابة بأن يفشوا السلام، روى ابن ماجة في سننه من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَا حَسَدَتْكُمْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى السَّلَامِ وَالتَّأْمِينِ» (٢). وروى الترمذي في سننه من حديث عبد الله بن سلام ﵁ قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله ﷺ قدم رسول الله ﷺ قدم رسول الله ﷺ فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استثبتُ وجه رسول الله ﷺ عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به أن قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ: أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» (٣).
следующие страницы →