← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

وفي عصرنا الحاضر تنتفي هذه العلة بوجود وسائل الاتصال، حيث يمكن عن طريقها معرفة قدومه. سادسًا: يحرم نظر الرجل في بيت غيره إلا بإذنه، روى البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد ﵁ قال: اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجْرَةِ النَّبِي ﷺ ، وَمَعَ النَّبِي ﷺ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُنِي لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ» (١). وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ» (٢). وفي رواية للنسائي: «فَلَاَ دِيَة وَلَا قِصَاص» (٣). سابعًا: إذا لم يؤذن للمستأذن فليرجع، فربما كان صاحب البيت لا يستطيع الاستقبال، قال تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨)﴾ [النور]. ثامنًا: إذا كان المكان غير البيوت المسكونة، فإن كان للمسلم فيها متاع يحتاج إليه فقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾ [النور]. مثل الأسواق والفنادق، والمحلات .. وغيرها.

стр. 2592

تاسعًا: أن من دعي أو أُرسل له رسول فإنه لا يحتاج إلى الاستئذان للحديث الذي رواه أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ إِذْنٌ» (١). واستثنى بعض أهل العلم ما إذا تأخر المدعو عن الدعوة، أو كان في مكان يحتاج معه في العادة إلى الإذن فإنه يستأذن. عاشرًا: الاستئذان على المحارم من النساء كالأم، والأخت وغيرهن فلا يدخل عليهن في أماكن راحتهن وغرفهن حتى يستأذن عليهن بطرق الباب أو أي وسيلة أخرى. روى البخاري في الأدب المفرد أن رجلًا سأل حذيفة ﵁ فقال: أَأَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ فَقَالَ: إِنْ لَمْ تَستَأذِنْ عَليهَا رَأيْتَ مَا تَكْرَه (٢). الحادي عشر: استئذان الأطفال: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩)﴾ [النور].

стр. 2593

قال المفسرون: «يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرع لهم ليطلب منكم الإذن عبيدكم وإماؤكم والأطفال الأحرار الذين لم يبلغوا سن الاحتلام ثلاث مرات في ثلاثة أوقات، وذلك في غرف النوم وأماكن الراحة: من قبل صلاة الصبح وقت إبدال ثياب النوم بثياب اليقظة، وفي وقت الظهيرة حين تضعون ثيابكم للقيلولة، وبعد صلاة العشاء لأنه وقت نومكم وخلع ثياب اليقظة ولبس ثوب النوم، هذه ثلاثة أوقات عورات لكم لا يدخلون فيها عليكم إلا بعد إذن منكم، ليس عليكم حرج في دخولهم دون استئذان، ولا عليهم هم حرج فيما عداها من الأوقات، هم كثيرو التطواف، بعضكم يطوف على بعض، فيتعذر منعهم من الدخول في كل وقت إلا بالاستئذان» (١). الثاني عشر: الاستئذان عند الخروج لما رواه أبو الشيخ في تاريخ أصبهان من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا زَارَ أَحَدُكُمْ أَخَاهَ فَجَلَسَ عِنْدَهُ، فَلا يَقُومَنَّ حَتَّى يَسْتَأْذِنَهُ» (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2594

الكلمة الثالثة والثلاثون آداب السلام رقم ١ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فمن الآداب العظيمة التي شرعها الإسلام إفشاء السلام بين المسلمين لتسود المحبة والألفة والأخوة بينهم. والسلام اسم من أسماء الله، قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر]. روى البخاري في الأدب المفرد من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ السَّلامَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّه تَعَالَى وَضَعَهُ فِي الأَرْضِ، فَأَفْشُوا السَّلامَ بَينَكُم» (١). فقوله: السلام عليك، أي: اسم الله عليك، أي أنت في حفظه كما يقال: الله معك والله يصحبك، وقيل: السلام بمعنى السلامة، أي: السلامة ملازمة لك (٢). والسلام هو التحية التي شرعها الله لعباده، وهي تحية

стр. 2595

الملائكة، وتحية أهل الجنة، قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّه، فَزَادُوه: وَرَحْمَةُ اللَّه» (١). وأول ما قدم النبي ﷺ المدينة أمر الصحابة بأن يفشوا السلام، روى ابن ماجة في سننه من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَا حَسَدَتْكُمْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى السَّلَامِ وَالتَّأْمِينِ» (٢). وروى الترمذي في سننه من حديث عبد الله بن سلام ﵁ قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله ﷺ قدم رسول الله ﷺ قدم رسول الله ﷺ فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استثبتُ وجه رسول الله ﷺ عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به أن قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ: أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» (٣).

стр. 2596

وقد وردت النصوص الكثيرة في فضل السلام والأمر بإفشائه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : أَيُّ الإِسْلامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» (١). وروى البخاري ومسلم من حديث أبي عمارة البراء بن عازب ﵁ قال: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّه ﷺ بِسَبْعٍ: بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَنَصْرِ الضَّعِيفِ، وَعَوْنِ الْمَظْلُومِ، وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ، وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ» (٢). وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» (٣). وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ» (٤).

стр. 2597

ويجزي عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ويجزي عن الجلوس أن يرد أحدهم، روى أبو داود في سننه من حديث علي بن أبي طالب ﵁، أن النبي ﷺ قال: «يُجْزِي عَنِ الْجَمَاعَةِ إِذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِي عَنِ الْجُلُوسِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ» (١). أما كيفية السلام، فيستحب أن يقول المبتدئ بالسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فيأتي بصيغة الجمع وإن كان المُسَلَّم عليه واحدًا، ويقول المجيب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فيأتي بواو العطف في قوله: وعليكم. روى أبو داود في سننه من حديث عمران بن حصين ﵁، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ قال: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ النَّبِيِّ ﷺ : «عَشْرٌ»، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله، فَرَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ: «عِشْرُونَ»، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّه وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ: «ثَلَاثُونَ» (٢). وينبغي الرد على من حمل السلام، فيقال له: وعليك وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ»، قَالَتْ: قُلتُ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّه وَبَرَكَاتُهُ (٣).

стр. 2598

وروى أبو داود في سننه من حديث غالب، قال: إنا لجلوس بباب الحسن، إذ جاء رجل فقال: حدثني أبي عن جدي قال: بعثني أبي إلى رسول الله ﷺ فقال: ائته فأقرئه السلام، قال: فأتيته فقلت: إن أبي يقرئك السلام، فقال: «عَلَيْكَ السَّلَامُ وَعَلَى أَبِيكَ السَّلَامُ» (١). ويخفض المسلم صوته إذا سلم على من كان نائمًا فيسمع اليقظان ولا يوقظ النائم، روى مسلم في صحيحه من حديث المقداد ﵁ قال: كنا نرفع للنبي ﷺ نصيبه من اللبن، فيجيء من الليل، فيسلم تسليمًا لا يوقظ نائمًا، ويسمع اليقظان، فجاء النبي ﷺ فسلم كما كان يسلم (٢). وورد في السنة أن الصغير يسلم على الكبير، والراكب على الماشي، والقليل على الكثير، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ» (٣). وفي رواية للبخاري: «وَالصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ» (٤). ومن السنة السلام على من عرف المسلم ومن لم يعرف، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُسَلِّمَ الرَّجُلُ عَلَى

стр. 2599

الرَّجُلِ، لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا لِلْمَعْرِفَةِ» (١). وكره الشارع ابتداء السلام بقوله: عليك، أو عليكم السلام، فقد روى أبو داود في سننه من حديث أبي جُري جابر ابن سُليم ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: عليك السلام يا رسول الله، قال: «لا تَقُلْ: عَلَيْكَ السَّلامُ، فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلامُ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى» (٢). وقد ورد النهي عن ابتداء الكافر بالسلام، قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «لأن معنى السلام هو السلامة من الآفات، فإذا قلت لإنسان: السلام عليك، فمعنى ذلك أن تسأل الله تعالى أن يسلمه من الآفات الحسية والمعنوية، فالسلامة الحسية سلامة البدن، والعرض، والمال، والسلامة المعنوية سلامة الدين» (٣). وهذا دعاء له، وقد نهينا عن الاستغفار للمشركين، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «لَا تَبْدَؤوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ» (٤). وإذا كتب كتابًا إلى مشرك، وكتب فيه سلامًا، فينبغي أن يكتب ما كتبه النبي ﷺ ، ففي الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ أن

стр. 2600

النبي ﷺ كتب: «مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّه وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى» (١). ويشرع رد السلام على الكافر الذي ابتدأ به لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]. هذا إن كان اللفظ صريحًا واضحًا بالسلام، أما إن تلاعبوا بالألفاظ بقصد السخرية والحقد، فيقال: وعليكم، روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ الْيَهُودُ، فَإِنَّمَا يَقُولُ أَحَدُهُمُ: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْ: وَعَلَيْكَ» (٢). وإذا مر المسلم على جماعة فيها مسلمون وكفار، فيجوز السلام عليهم ويقصد بذلك المسلمين، ففي صحيح البخاري من حديث أسامة بن زيد ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَى أَخْلاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَعَبَدَةِ الأَوْثَانِ، وَالْيَهُودِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ» (٣). قال ابن حجر ﵀: «يؤخذ منه جواز السلام على المسلمين إذا كان معهم كفار، وينوي حينئذ بالسلام على المسلمين» (٤). وإذا كان لا يجوز ابتداء الكافر بالسلام، فهل يجوز ابتداؤه بتحية غير السلام، كصباح الخير، أو أهلًا وسهلًا .. وغيرها من العبارات، الصحيح أنه يجوز ابتداؤهم بتحية غير السلام وهو اختيار ابن تيمية، والنهي الوارد إنما هو في السلام الذي معناه

стр. 2601

السلامة من الآفات والرحمة والبركات، ولا يصلح هذا لغير المسلم، ولا يصافح الكافر ابتداء، لكن لو مد يده للمصافحة فيصافحه المسلم لأن النهي إنما ورد في ابتدائهم بالسلام» (١) ومن السنة إلقاء السلام قبل مفارقة المجلس، لما رواه الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ فَلْيُسَلِّمْ، فَلَيْسَتِ الْأُولَى بِأَحَقَّ مِنَ الْآخِرَةِ» (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2602

الكلمة الرابعة والثلاثون آداب السلام رقم ٢ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فلا زال الحديث عن آداب السلام، فمن ذلك: أنه يشرع السلام على النساء، فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أسماء بنت يزيد ﵂ إحدى نساء بني عبد الأشهل تقول: مر بنا رسول الله ﷺ ونحن في نسوة، فسلم علينا وقال: «إِيَّاكُنَّ وَكُفْرَ الْمُنَعَّمِينَ»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّه، وَمَا كُفْرُ الْمُنَعَّمِينَ؟ قَالَ: «لَعَلَّ إِحْدَاكُنَّ أَنْ تَطُولَ أَيْمَتُهَا بَيْنَ أَبَوَيْهَا وَتَعْنُسَ، فَيَرْزُقَهَا اللَّهُ زَوْجًا، وَيَرْزُقَهَا مِنْهُ مَالًا وَوَلَدًا، فَتَغْضَبَ الْغَضْبَةَ، فَرَاحَتْ تَقُولُ: مَا رَأَيْتُ مِنْهُ يَوْمًا خَيْرًا قَطُّ» (١). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث مولى أم هانئ بنت أبي طالب أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ تقول: ذهبت إلى رسول الله ﷺ فوجدته يغتسل، وفاطمة ﵂ ابنته تستره، فسلمت عليه فقال: «مَنْ هَذِهِ؟ » قُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ» (٢).

стр. 2603

وروى البخاري في صحيحه من حديث سهل ﵁ قال: «كنا نفرح يوم الجمعة، قلت لسهل: ولم؟ قال: كانت لنا عجوز ترسل إلى بُضاعة - قال ابن مسلمة: نخل بالمدينة - فتأخذ من أصول السلق فتطرحه في قدر، وتكركر حبات من شعير، فإذا صلينا الجمعة انصرفنا، ونسلم عليها فتقدمه إلينا فنفرح من أجله» (١). وروى البيهقي في الشعب من طريق مبارك بن فضالة قال: سئل الحسن عن السلام على النساء؟ قال: لم يكن الرجال يسلمون على النساء، ولكن النساء هن من يسلمن على البعال (٢). قال الشيخ الألباني ﵀: «وتعليقًا على هذا الاثر أقول: لقد ثبت سلامه ﷺ على النساء كما في حديث أسماء السابق، كما ثبت سلام أم هانئ عليه في الحديث السابق وهي ليست من محارمه، فهذا كله ثابت عنه ﷺ فهذا هو الأصل، وأما الآثار فهي مختلفة فبعضها تطلق الجواز، ولا تفرق بين الشابة والعجوز فهي على الأصل، وبعضها تمنع مطلقًا، وبعضها تجيزه على العجوز دون الشابة، وبعضهم يفرق تفريقًا آخر فيمنع تسليم الرجال على النساء مطلقًا، ويجيز لهن السلام عليهم مطلقًا كما في أثر الحسن هذا، والذي يتبين لي والله أعلم البقاء على الأصل؛ ولأنه داخل في عموم الأدلة الآمرة بإفشاء السلام، مع مراعاة قاعدة «دفع المفسدة قبل جلب المصلحة» ما أمكن، وإليه جنح الحليمي فيما نقله البيهقي عنه، قال: «إن النبي ﷺ لم يكن يخشى الفتنة،

стр. 2604

فلذلك سلم عليهن، فمن وثق من نفسه بالتماسك فليسلم، ومن لم يأمن نفسه فلا يسلم، فإن الحديث ربما جر بعضه بعضًا والصمت أسلم» (١). وأقره البيهقي ثم العسقلاني» (٢) (٣). ويشرع كذلك السلام على الصبيان، ففي الصحيحين من حديث أنس ﵁ أنه مر على صبيان فسلم عليهم، وقال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُهُ (٤). وفي رواية لمسلم: أن رسول الله ﷺ مر على غلمان فسلم عليهم (٥). ويشرع للمسلم أن يسلم إذا دخل بيتًا أن يسلم سواء كان فيه آدمي أم لا، فإن كان لغيره فليستأذن وليسلم لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]. روى الترمذي في سننه من حديث أنس ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يَا بُنَيَّ إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ تَكُن بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ» (٦). فإن لم يكن في البيت أحد فقد قال نافع: كان عبد الله بن عمر ﵄

стр. 2605

يقول: «السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّه الصَّالِحِينَ» (١). وكان ابن عمر يذهب إلى السوق ليس له حاجة إلا السلام، روى البخاري في الأدب المفرد من حديث الطفيل بن أُبي بن كعب أنه كان يأتي عبد الله بن عمر ﵄ فيغدو معه إلى السوق، قال: فإذا غدونا إلى السوق، لم يمر عبد الله بن عمر على سقاط ولا صاحب بيعة ولا مسكين ولا أحد إلا يسلم عليه، قال الطفيل: فجئت عبد الله بن عمر يومًا، فاستتبعني إلى السوق فقلت: ما تصنع بالسوق؟ وأنت لا تقف على البيع ولا تسأل عن السلع، ولا تسوم بها ولا تجلس في مجالس السوق، فاجلس بنا هنا نتحدث، فقال لي عبد الله: يا أبا بطن! - وكان الطفيل ذا بطن - إنما نغدو من أجل السلام نسلم على من لقينا (٢). أما المصافحة فقد وردت الأحاديث بفضلها وتشرع عند كل لقاء، فقد روى أبو داود في سننه من حديث البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا» (٣). وروى الترمذي في سننه من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّه! الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ أَيَنْحَنِي

стр. 2606

لَهُ؟ قَالَ: «لَا»، قَالَ: أَفَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ؟ قَالَ: «لَا»، قَالَ: أَفَيَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» (١). وفي الحديث الآخر عن قتادة قال: قلت لأنس بن مالك: هل كانت المصافحة في أصحاب رسول الله ﷺ قال: نعم (٢). أما المعانقة، فتشرع عند القدوم من السفر، أو بُعد العهد .. ونحو ذلك. سُئل الإمام أحمد بن حنبل ﵀ عن المعانقة (٣) والقيام؟ فقال: أما إذا قدم من سفر فلا أعلم به بأسًا إذا كان على التدين يحبه في الله، أرجو لحديث جعفر أن النبي ﷺ اعتنقه وقبل بين عينيه (٤). قال البغوي ﵀: «ويكره من المعانقة والتقبيل ما كان على

стр. 2607

وجه الملَقِ والتعظيم، وفي الحضر. فأما المأذون فيه، فعند التوديع وعند القدوم من السفر، وطول العهد بالصاحب، وشدة الحب في الله. ومَنْ قَبَّل، فلا يقبل الفم، ولكن اليد والرأس والجبهة، وإنما كره ذلك في الحضر، فيما يُرى؛ لأنه يكثر، ولا يستوجبه كل أحد، فإن فعله الرجل ببعض الناس دون بعض، وجد عليه الذين تركهم وظنوا أنه قد قصر بحقوقهم، وآثر عليهم، وتمام التحية المصافحة» (١). وقال إسماعيل بن إسحاق الثقفي: سألت أبا عبد الله قلت: ترى أن يقبل الرجل رأس الرجل أو يده؟ قال: نعم (٢). روى أبو داود في سننه من حديث زارع ﵁ وكان في وفد عبدالقيس قال: لما قدمنا المدينة فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبل يد النبي ﷺ (٣). وأما تقبيل الأطفال أو المحارم من النساء على وجه الشفقة والرحمة واللطف ومحبة القرابة، فقد وردت الأدلة بجوازه. روى أبو داود في سننه من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ سَمْتًا وَهَدْيًا وَدَلًّا- وَقَالَ

стр. 2608

الْحَسَنُ (١): حَدِيثًا وَكَلَامًا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَسَنُ السَّمْتَ وَالْهَدْيَ وَالدَّلَّ بِرَسُولِ اللَّه ﷺ مِنْ فَاطِمَةَ ﵂، كَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَامَ إِلَيْهَا فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَبَّلَهَا، وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ إِلَيْهِ، فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ، فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا» (٢). وروى البخاري في صحيحه من حديث البراء ﵁ قال: فدخلت مع أبي بكر ﵁ على أهله فإذا عائشة ابنته مضطجعة قد أصابتها حمى، فرأيت أباها فقبل خدها وقال: كيف أنت يا بنية (٣). قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وكان دخول البراء على أهل أبي بكر قبل أن ينزل الحجاب قطعًا، وأيضًا فكان حينئذ دون البلوغ وكذلك عائشة» (٤). أما مصافحة النساء غير المحارم، فقد ورد النهي عن ذلك، فروى الطبراني في المعجم الكبير من حديث معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لأَنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ رَجُلٍ بِمِخْيَطٍ (٥) مِنْ حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ تَمَسَّهُ امْرَأَةٌ لا تَحِلُّ لَهُ» (٦). وقبَّل النبي ﷺ الحسن بن علي ﵄ وعنده الأقرع بن حابس

стр. 2609

التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم واحدًا، فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» (١). وقال ثابت عن أنس ﵁: أخذ النبي ﷺ إبراهيم فقبله وشمه (٢). ولا بأس بتقبيل وجه الميت، ففي صحيح البخاري من حديث عائشة ﵂ في الحديث الطويل في وفاة رسول الله ﷺ قالت: «دَخَلَ أَبُو بَكر ﵁، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِ رَسُول الله ﷺ ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى» (٣). وقد ورد النهي عن السلام بالإشارة، فقد روى الترمذي في سننه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا، لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ، وَلَا بِالنَّصَارَى، فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْيَهُودِ الْإِشَارَةُ بِالْأَصَابِعِ، وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الْإِشَارَةُ بِالْأَكُفِّ» (٤). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2610

الكلمة الخامسة والثلاثون آداب السلام رقم ٣ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فمن آداب السلام، أنه يشرع تكراره إذا كان الجمع كثيرًا، أو شك في سماع المُسلَّم عليه، روى البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ : أَنَّهُ كَانَ «إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا، حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا» (١). قال النووي ﵀: «يشرع تكراره إذا كان الجمع كثيرًا ولم يسمع بعضهم وقصد الاستيعاب» (٢). قال ابن حجر ﵀: «وكذا لو سلم وظن أنه لم يُسمع فتسن الإعادة، فيعيد مرة ثانية، وثالثة، ولا يزيد على الثالثة» (٣). ويشرع السلام على المصلي بصوت لا يشوش على المصلين، فقد روى أبو داود في سننه من حديث صهيب ﵁ أنه قال: «مَرَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّ إِلَيَّ إِشَارَةً، قَالَ: ولَا

стр. 2611

أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: إِشَارَةً بِأُصْبُعِهِ»، وهذا لفظ حديث قتيبة (١). وروى أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: «خرج رسول الله ﷺ إلى قباء يصلي فيه، قال: فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي. قال: فقلت لبلال ﵁: كيف رأيت رسول الله ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قَالَ: يَقُولُ هَكَذَا، وَبَسَطَ كَفَّهُ، وَبَسَطَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ كَفَّهُ، وَجَعَلَ بَطْنَهُ أَسْفَلَ، وَجَعَلَ ظَهْرَهُ إِلَى فَوْقٍ» (٢). ففي حديث صهيب أشار بأصبعه، وفي حديث ابن عمر أشار باليد، قال العلامة محمد شمس الحق العظيم آبادي في شرحه على سنن أبي داود: «ويجمع بين هذه الروايات بأنه ﷺ فعله هذا مرة وهذا مرة، فيكون جميع ذلك جائزًا، والله أعلم» (٣). ومن المواضع التي لا يُشرع فيها رد السلام إذا كان المُسلَّم عليه مشتغلًا بقضاء الحاجة، روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄: أَنَّ رَجُلًا مَرَّ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَبُولُ، فَسَلَّمَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ (٤). ومنها أنه لا يشرع السلام على المصلين يوم الجمعة والإمام

стр. 2612

يخطب، سُئلت اللجنة الدائمة للإفتاء يقول السائل: ما حكم من دخل المسجد والإمام يخطب بالمصلين فسلم على الحاضرين، هل يرد الجماعة عليه التحية؟ الجواب: لا يجوز لمن دخل والإمام يخطب يوم الجمعة إذا كان يسمع الخطبة أن يبدأ بالسلام على من في المسجد، وليس لمن في المسجد أن يرد عليه والإمام يخطب، لكن إذا رد عليه بالإشارة جاز، ولا يجوز له أن يطلب من أحد أن يجلس، ولا أن يطلب من المتكلم أن يسكت إذا كان يسمع الخطبة، والأصل في ذلك قوله ﷺ : «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ» (١) (٢). وجاء في الفتوى الثانية، سائل يقول: الرجل يكون منصتًا لخطبة الجمعة ثم يفاجأ بأحد المجاورين له في المسجد يمد يده للمصافحة والإمام يخطب، فهل يتركه أو يصافحه؟ الجواب: يصافحه بيده ولا يتكلم، ويرد ﵇ بعد انتهاء الخطيب من الخطبة الأولى إذا سلم عليه والإمام يخطب الخطبة الأولى، وإن سلم والإمام يخطب الخطبة الثانية فأنت تسلم عليه بعد انتهاء الخطيب من الثانية (٣). ويستحب لمن دخل المسجد أن يقدم تحية المسجد قبل

стр. 2613

السلام، قال ابن القيم ﵀: «ومن هديه ﷺ يبتدئ بركعتين تحية المسجد، ثم يجيء فيسلم على القوم، فتكون تحية المسجد قبل تحية أهله، فإن تلك حق الله تعالى، والسلام على الخلق هو حق لهم، وحق الله في مثل هذا أحق بالتقديم بخلاف الحقوق المالية، فإن فيها نزاعًا معروفًا، والفرق بينهما حاجة الآدمي، وعدم اتساع الحق المالي لأداء الحقين، بخلاف السلام. وكانت عادة القوم معه هكذا، يدخل أحدهم المسجد فيصلي ركعتين، ثم يجيء فيسلم على النبي ﷺ ، ولهذا جاء في حديث رفاعة بن رافع ﵁ أن النبي ﷺ بينما هو جالس في المسجد يومًا -قال رفاعة: ونحن معه، إذ جاء رجل كالبدوي فصلى، فأخف صلاته، ثم انصرف فسلم على النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : «وَعَلَيْكَ، ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» (١). وذكر الحديث. فأنكر عليه صلاته، ولم ينكر عليه تأخير السلام عليه ﷺ إلى ما بعد الصلاة» (٢). هل يشرع السلام على أهل المعاصي والبدع ؟ قال النووي ﵀: «وأما المبتدع ومن اقترف ذنبًا عظيمًا ولم يتب، فينبغي ألا يُسلَّم عليهم ولا يرد ﵈، كذا قاله البخاري وغيره من العلماء» (٣).

стр. 2614

واحتج الإمام أبو عبد الله البخاري في صحيحه في هذه المسألة بما رويناه في صحيحي البخاري ومسلم في قصة كعب بن مالك ﵁ حين تخلف عن غزوة تبوك هو ورفيقان له، قال: ونهى ﷺ عن كلامنا، قال: «وكُنتَ آتِي رَسُولَ اللَّه ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَأَقُولُ: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ أَمْ لَا؟ » (١). قال البخاري ﵀: «وقال عبد الله بن عمرو ﵄: لا تسلموا على شربة الخمر» (٢). وذكر الشيخ تقي الدين في فتاويه: «أنه لا ينبغي أن يسلم على من لا يصلي-يعني تارك الصلاة - ولا يجيب دعوته» (٣). قال النووي ﵀: «فإن اضطر إلى السلام على الظلمة بأن دخل عليهم وخاف ترتب مفسدة في دينه أو دنياه أو غيرهما إن لم يُسَلِّمْ .. سلَّم عليهم، قال الإمام أبو بكر ابن العربي، قال العلماء: يسلم وينوي أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، المعنى: الله عليكم رقيب» (٤). وإن حيَّى المسلم صاحبه بغير السلام كقوله: أسعد الله صباحك أو مساءك .. أو غير ذلك من العبارات ففيه تفصيل.

стр. 2615

قال الإمام أحمد ﵀ لصدقة وهم في جنازة: يا أبا محمد! كيف أمسيت؟ فقال: مسَّاكَ الله بالخير. وقال أيضًا للمروذي: كيف أصبحت يا أبا بكر؟ فقال له: صبَّحَكَ الله بخير يا أبا عبد الله (١). وإن قال (مرحبًا) فلا حرج، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ قال: لما قدم وفد عبد القيس على النبي ﷺ قال: «مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ الذِينَ جَاءُوا غَيْرَ خَزَايَا وَلا نَدَامَى» (٢). ولكن ينبغي أن تكون التحية بعد السلام؛ لأن السلام تحية المسلمين. أما إذا كانت العبارة من تحية أهل الجاهلية كقوله أنعم صباحًا أو أطال الله بقاءك، أو أمتع الله بك .. أو غيرها من العبارات فلا ينبغي التشبه بهم. ويشرع السلام على الأصم والأبكم، ويجمع بين اللفظ والإشارة في السلام. أما الموتى فإنه يشرع السلام عليهم، لما روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله! كيف أقول لهم - أي: عند زيارة القبور - قال: «قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللَّه الْمُسْتَقْدِمِينَ

стр. 2616

مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ» (١). فائدة: روى البخاري في صحيحه تعليقًا: أن عمارًا ﵁ قال: «ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان، الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعَالَم، والإنفاق من الإقتار» (٢). قال النووي ﵀: «وقد جمع في هذه الكلمات الثلاث خيرات الآخرة والدنيا، فإن الإنصاف يقتضي أن يؤدي إلى الله تعالى جميع حقوقه وما أُمر به، ويجتنب جميع ما نهاه عنه، وأن يؤدي إلى الناس حقوقهم، ولا يطلب ما ليس له، وأن ينصف أيضًا نفسه فلا يوقعها في قبيح أصلًا. وأما بذل السلام للعالم - فمعناه لجميع الناس- فيتضمن ألَاّ يتكبر على أحدٍ، وألَاّ يكون بينه وبين أحد جفاء يمتنع بسببه من السلام عليه. وأما الإنفاق من الإقتار، فيقتضي كمال الوثوق بالله تعالى والتوكل عليه والشفقة على المسلمين ... وغير ذلك، نسأل الله الكريم التوفيق للجميع» (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2617

الكلمة السادسة والثلاثون صلاة التطوع الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن الصلاة من أفضل الطاعات وأجل العبادات، روى ابن ماجه في سننه من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ» (١). وقد شرع الله لعبادة صلاة التطوع لتكمل الفرائض، وتجبر نقصها، ورفعة في الدرجات، وتكفيرًا للخطايا والسيئات، وسببًا لمحبة الله، روى أبو داود في سننه من حديث تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ النَّاسُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الصَّلاةُ، قَالَ: يَقُولُ رَبُّنَا لِمَلائِكَتِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ: انْظُرُوا فِي صَلاةِ عَبْدِي أَتَمَّهَا، أَمْ نَقَصَهَا؟ فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً، كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً، وَإِنْ كَانَتِ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا، قَالَ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ، قَالَ: أَتِمُّوا لِعَبْدِي فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ تُؤخَذُ الأَعْمَالُ عَلَى ذَلِكُمْ» (٢).

стр. 2618

وروى مسلم في صحيحه من حديث ثوبان ﵁ مولى رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ قال: «عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّه سَجْدَةً، إِلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بها خَطِيئَةً» (١). والتطوع يجلب محبة الله، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالى قَال: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» (٢). الحديث. قال الفاكهاني: «معنى الحديث أنه إذا أدى الفرائض ودام على إتيان النوافل من صلاة وصيام وغيرها، أفضى به ذلك إلى محبة الله تعالى» (٣). وقال ابن حجر ﵀: «وفي الحديث عظم قدر الصلاة، فإنه ينشأ عنها محبة الله للعبد الذي يتقرب بها، وذلك لأنها محل المناجاة والقربة، ولا واسطة فيها بين العبد وربه، ولا شيء أقر لعين العبد منها، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه النسائي بسند صحيح: «وَجُعلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (٤)، ومن كانت قرة عينه

стр. 2619

في شيء، فإنه يود ألَاّ يفارقه ولا يخرج منه؛ لأن فيه نعيمه، وبه تطيب حياته» (١). والتطوع أنواع: الأول: ما يسميه العلماء فرض كفاية: إذا قام به البعض سقط عن الباقين، مثل صلاة الاستسقاء، وصلاة الكسوف. الثاني: رواتب الفرائض: الاثنا عشر على ما رجحه بعض أهل العلم، روى مسلم في صحيحه من حديث أم حبيبة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ» (٢). وفي لفظ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي لِلَّه كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ، إِلَّا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» (٣). وجاء تفسيرها في سنن الترمذي من حديث أم حبيبة الآخر: «أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ» (٤). الثالث: ما قيل أنه واجب، وإن لم يصل إلى حد الفريضة، كصلاة الوتر، وفي الحديث: أوتر رسول الله ﷺ ثم قال: «يَا

стр. 2620

أَهْلَ الْقُرْآنِ أَوْتِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْر» (١)، ولم يتركه النبي ﷺ لا في حضر ولا سفر. الرابع: نوافل الفرائض: ١ - أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها، لما رواه أبو داود في سننه من حديث أم حبيبة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» (٢). ٢ - أربع ركعات قبل العصر، لما روى أبو داود في سننه من حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا» (٣). ٣ - ركعتان قبل المغرب، للحديث الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أنس، وفيه: وكنا نصلي على عهد رسول الله ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب (٤)، ولحديث عبد الله بن مغفل في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: «صَلَّوْا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ قَالَ

стр. 2621

فِي الثَّالِثَةِ: لِمَنْ شَاءَ» (١). ٤ - ركعتان قبل صلاة العشاء لحديث عبد الله بن مغفل ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاةٌ، وَبَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاةٌ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: لِمَنْ شَاءَ» (٢). الخامس: صلاة الحاجة أو السبب، ومنها صلاة الاستخارة لقول جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخْيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ .... الحديث» (٣). ومنها صلاة التوبة، لما رواه أبو داود في سننه من حديث أبي بكر الصديق ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]» (٤). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَام فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ - أَوْ أَرْبَعًا شَكَّ سَهْلٌ- يُحْسِنُ فِيهِمَا الذِّكْرَ

стр. 2622

وَالْخُشُوعَ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ ، غَفَرَ لَهُ» (١). ومنها تحية المسجد لما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» (٢). ومنها سنة الوضوء، لما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الوُضُوء، ثُمَّ يَقُومُ فَيَركَع رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَغُفِرَ لَهُ» (٣). السادس: التطوع المطلق في أي وقت عدا وقت النهي، ويُسن الإكثار منه لقوله ﷺ للرجل الذي قال: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: «أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟ »، قَالَ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» (٤). مثل صلاة الضحى، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عقبة بن عامر الجهني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: يَابْنَ آدَمَ! اكْفِنِي أَوَّلَ النَّهَارِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ أَكْفِكَ بِهِنَّ آخِرَ يَوْمِكَ» (٥). قال السندي: «قوله بأربع ركعات، قيل: يحتمل أن يراد بها

стр. 2623

فرض الصبح وركعتا الفجر، ويحتمل أن يراد بها صلاة الضحى، وهذا هو الظاهر من الحديث، وصنيع أبي داود وغيره في السنن قوله: بهن أي بجزائهن، قيل: يحتمل أن يراد كفايته من الآفات والحوادث الضارة، وأن يراد حفظه من الذنوب أو العفو عما وقع منه في ذلك اليوم، أو أعم من ذلك، والله أعلم» (١). وروى الترمذي في سننه من حديث عبد الله بن السائب أن النبي ﷺ كان يصلي أربعًا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، وقال: «إِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ» (٢). فهذه الصلاة كانت بعد وقت النهي ودخول وقت الزوال، قال بعض أهل العلم إنها راتبة فريضة الظهر. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَرْقُدَ» (٣). قال بعض أهل العلم: ركعتين، وقال آخرون ثمان، والصحيح أنه لا حد لأكثرها؛ لأن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ» (٤).

стр. 2624

قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «ولو صلى من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى قبل الزوال أربعين ركعة مثلًا لكان هذا كله داخلًا في صلاة الضحى» (١). روى ابن ماجه في سننه من حديث عاصم بن ضمرة السلولي قال: سألنا عليًّا عن تطوع رسول الله ﷺ بالنهار، فقال: إنكم لا تطيقونه، فقلنا: أخبرنا به نأخذ منه ما استطعنا، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الفجر يمهل حتى إذا كانت الشمس من هاهنا- يعني من قبل المشرق- بمقدارها من صلاة العصر من هاهنا- يعني من قبل المغرب- قام فصلى ركعتين، ثم يمهل حتى إذا كانت الشمس من هاهنا -يعني من قبل المشرق- مقدارها من صلاة الظهر من هاهنا قام فصلى أربعًا، وأربعًا قبل الظهر إذا زالت الشمس وركعتين بعدها، وأربعًا قبل العصر يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين، ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين، قال علي: فتلك ست عشرة ركعة تطوع رسول الله ﷺ بالنهار، وقل من يداوم عليها، قال وكيع: زاد فيه أبي: فقال حبيب بن أبي ثابت: يا أبا إسحاق ما أحب أن لي بحديثك هذا ملء مسجدك هذا ذهبًا (٢). ومنها صلاة الليل، وتبدأ من صلاة العشاء إلى أذان الفجر، لقول النبي ﷺ : «أَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاةُ اللَّيْلِ» (٣).

стр. 2625

وروى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» (١). قد يقول قائل: هل تقضى هذه الرواتب إذا فاتت المسلم؟ وكذلك الوتر؟ الذي يترجح أنه من فاتته هذه الرواتب لعذر، فإنه يُسن قضاؤها، فقد ثبت في حديث أبي هريرة ﵁ وأبي قتادة في قصة نوم النبي ﷺ وأصحابه وهم في السفر عن صلاة الفجر، حيث صلى النبي ﷺ راتبة الفجر أولًا ثم الفريضة ثانيًا (٢). وكذلك أيضًا حديث أم سلمة ﵂: أن النبي ﷺ انشغل عن الركعتين بعد صلاة الظهر فقضاهما بعد صلاة العصر (٣). وهذا نص في قضاء الرواتب. وأيضًا حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان إذا لم يصل أربعًا قبل الظهر صلاهن بعدها (٤). وروى أبو داود في سننه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنِ وِتْرِهِ أَوْ نَسِيَهُ، فَلْيُصَلِّهِ إِذَا

стр. 2626

ذَكَرَهُ» (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة (٢). تنبيه: كان النبي ﷺ يصلي النوافل أحيانًا في المسجد والأكثر كان يصليها في بيته، وحث ورغب أمته في ذلك فقال في الصحيحين منْ حديث زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁: «صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا المَكْتُوبَةَ» (٣). وقال ﷺ : «اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا» (٤). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2627

الكلمة السابعة والثلاثون أوقات النهي عن الصلاة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فقد جاء في السنة النبوية النهي عن الصلاة في بعض الأوقات، بعضها معلومة السبب، والبعض الآخر غير معلوم، ومن هذه الأوقات ما النهي فيه مغلظًا وشديدًا، أي أن الصلاة لا تجوز فيه بحال، ومنها ما النهي فيه مخففًا، وذلك لجواز بعض الصلوات المخصوصة فيه. فأما الأوقات المغلظة، فهي ثلاثة: عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وحين تكون الشمس في كبد السماء، وعند غروب الشمس حتى تغيب، فهذه الأوقات الثلاث نُهي عن الصلاة فيها نهيًا شديدًا، وكذلك نهى النبي ﷺ أن نقبر فيها الموتى، وإليك الأحاديث: روى مسلم في صحيحه من حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ (١) حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ

стр. 2628

لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» (١) (٢). وروى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ» (٣). وروى مسلم في صحيحه من حديث عمرو بن عبسة ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : أخبرني عن الصلاة؟ قال: «صَلِّ صَلاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ شَيْطَانِ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ، فَإِنِّهُ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمَ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ، فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيِ شَّيْطَانِ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ» (٤). وقد أوضح ﷺ الحكم في النهي عن الصلاة في هذه

стр. 2629

الأوقات وهي: ١ - أن الكفار الذين يعبدون الشمس من دون الله يسجدون للشمس في هذه الأوقات، وقد نهينا عن التشبه بهم، قال ﷺ : «وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (١). ٢ - أن الشمس تطلع وتغرب بين قرني شيطان، قال النووي ﵀: «قيل: المراد بقرني الشيطان: ناحيتا الرأس، وأنه على ظاهره وهذا هو الأقوى، قالوا: ومعناه أنه يدني رأسه إلى الشمس في هذه الأوقات ليكون الساجدون لها من الكفار كالساجدين له في الصورة، وحينئذ يكون له ولبنيه تسلط ظاهر، وتمكن من أن يُلَبِّسُوا على المصلين صلاتهم، فكرهت الصلاة حينئذ صيانة لها، كما كرهت في الأماكن التي هي مأوى الشيطان» (٢). وهذا من المغيبات التي لا تُعلم إلا بالوحي، وفيها التحذير من كل فعل أو قول يرضى به الشيطان في ظاهره، وإن كان فاعله لم ينو ذلك. ٣ - أن النهي عن الصلاة إذا قام قائم الظهيرة له سبب آخر من أمور الغيب التي لا تُعلم إلا بالوحي؛ وهو أن جهنم تسجر (٣)

стр. 2630

في ذلك الوقت، ويزول النهي عن الصلاة في هذه الأوقات، أما عند طلوع الشمس فحتى ترتفع قيد رمح (١)، وأما حين تكون في كبد السماء فحتى تزول الشمس ويظهر في الزوال، وأما عند غروبها فحتى يغيب حاجب الشمس وتختفي عن الأنظار. أما الأوقات التي ورد النهي فيها عن الصلاة نهيًا مخففًا، فمنها: بعد طلوع الفجر حتى إقامة الصلاة، فلا يصلى في هذا الوقت غير سنة الفجر، والدليل على ذلك قوله ﷺ : «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَّا سَجْدَتَيْنِ» (٢). وكذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث يسار مولى عبد الله بن عمر ﵄ قال: رآني ابن عمر ﵄ وأنا أصلي بعد ما طلع الفجر، فقال: يا يسار كم صليت؟ قلت: لا أدري! قال: لا دريت! إن رسول الله ﷺ خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فقال: «أَلا لِيُبَلِّغْ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُمْ: أَنْ لا صَلاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ إِلا سَجْدَتَان» (٣).
следующие страницы →