← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

ذَكَرَهُ» (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة (٢). تنبيه: كان النبي ﷺ يصلي النوافل أحيانًا في المسجد والأكثر كان يصليها في بيته، وحث ورغب أمته في ذلك فقال في الصحيحين منْ حديث زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁: «صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا المَكْتُوبَةَ» (٣). وقال ﷺ : «اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا» (٤). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2627

الكلمة السابعة والثلاثون أوقات النهي عن الصلاة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فقد جاء في السنة النبوية النهي عن الصلاة في بعض الأوقات، بعضها معلومة السبب، والبعض الآخر غير معلوم، ومن هذه الأوقات ما النهي فيه مغلظًا وشديدًا، أي أن الصلاة لا تجوز فيه بحال، ومنها ما النهي فيه مخففًا، وذلك لجواز بعض الصلوات المخصوصة فيه. فأما الأوقات المغلظة، فهي ثلاثة: عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وحين تكون الشمس في كبد السماء، وعند غروب الشمس حتى تغيب، فهذه الأوقات الثلاث نُهي عن الصلاة فيها نهيًا شديدًا، وكذلك نهى النبي ﷺ أن نقبر فيها الموتى، وإليك الأحاديث: روى مسلم في صحيحه من حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ (١) حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ

стр. 2628

لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» (١) (٢). وروى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ» (٣). وروى مسلم في صحيحه من حديث عمرو بن عبسة ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : أخبرني عن الصلاة؟ قال: «صَلِّ صَلاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ شَيْطَانِ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ، فَإِنِّهُ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمَ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ، فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيِ شَّيْطَانِ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ» (٤). وقد أوضح ﷺ الحكم في النهي عن الصلاة في هذه

стр. 2629

الأوقات وهي: ١ - أن الكفار الذين يعبدون الشمس من دون الله يسجدون للشمس في هذه الأوقات، وقد نهينا عن التشبه بهم، قال ﷺ : «وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (١). ٢ - أن الشمس تطلع وتغرب بين قرني شيطان، قال النووي ﵀: «قيل: المراد بقرني الشيطان: ناحيتا الرأس، وأنه على ظاهره وهذا هو الأقوى، قالوا: ومعناه أنه يدني رأسه إلى الشمس في هذه الأوقات ليكون الساجدون لها من الكفار كالساجدين له في الصورة، وحينئذ يكون له ولبنيه تسلط ظاهر، وتمكن من أن يُلَبِّسُوا على المصلين صلاتهم، فكرهت الصلاة حينئذ صيانة لها، كما كرهت في الأماكن التي هي مأوى الشيطان» (٢). وهذا من المغيبات التي لا تُعلم إلا بالوحي، وفيها التحذير من كل فعل أو قول يرضى به الشيطان في ظاهره، وإن كان فاعله لم ينو ذلك. ٣ - أن النهي عن الصلاة إذا قام قائم الظهيرة له سبب آخر من أمور الغيب التي لا تُعلم إلا بالوحي؛ وهو أن جهنم تسجر (٣)

стр. 2630

في ذلك الوقت، ويزول النهي عن الصلاة في هذه الأوقات، أما عند طلوع الشمس فحتى ترتفع قيد رمح (١)، وأما حين تكون في كبد السماء فحتى تزول الشمس ويظهر في الزوال، وأما عند غروبها فحتى يغيب حاجب الشمس وتختفي عن الأنظار. أما الأوقات التي ورد النهي فيها عن الصلاة نهيًا مخففًا، فمنها: بعد طلوع الفجر حتى إقامة الصلاة، فلا يصلى في هذا الوقت غير سنة الفجر، والدليل على ذلك قوله ﷺ : «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَّا سَجْدَتَيْنِ» (٢). وكذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث يسار مولى عبد الله بن عمر ﵄ قال: رآني ابن عمر ﵄ وأنا أصلي بعد ما طلع الفجر، فقال: يا يسار كم صليت؟ قلت: لا أدري! قال: لا دريت! إن رسول الله ﷺ خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فقال: «أَلا لِيُبَلِّغْ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُمْ: أَنْ لا صَلاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ إِلا سَجْدَتَان» (٣).

стр. 2631

وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (١). ومنها بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، فلا يصلي في هذا الوقت إلا سنة الفجر، فقد رخص في ذلك لمن لم يتمكن من صلاتها قبل الفريضة، وكذلك من دخل المسجد والناس يصلون الفريضة، وقد صلاها قبل ذلك فإنه يلزمه أن يصلي معهم وتكون له نافلة. روى ابن ماجه في سننه من حديث قيس بن عمرو ﵁ قال: رأى النبي ﷺ رجلًا يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال النبي ﷺ : «أَصَلَاةَ الصُّبْحِ مَرَّتَيْنِ؟ »، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِنِّي لَمْ أَكُنْ صَلَّيْتُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، قَالَ: فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ (٢). وروى الترمذي في سننه من حديث يزيد بن الأسود ﵁ قال: شهدت مع النبي ﷺ حجته فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته انحرف فإذا هو برجلين في أُخرى القوم لم يصليا معه فقال: «عَلَيَّ بِهِمَا» فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ » فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّه إِنَّا كُنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ: «فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ» (٣).

стр. 2632

ولقضاء سنة الفجر وقت آخر، وهو أن يصليها من الضحى بعد ارتفاع الشمس وهو أفضل لما روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَلْيُصَلِّيهِمَا إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ» (١). قال الشيخ عبدالعزيز ابن باز ﵀: «إذا لم يتيسر للمسلم أداء سنة الفجر قبل الصلاة، فإنه يخير بين أدائها بعد الصلاة أو تأجيلها إلى ما بعد ارتفاع الشمس، لأن السنة قد ثبتت عن النبي ﷺ بالأمرين جميعًا، لكن تأجيلها أفضل إلى ما بعد ارتفاع الشمس لأمر النبي ﷺ بذلك، أما فعلها بعد الصلاة فقد ثبت من تقريره ﵊ ما يدل على ذلك» (٢). ومنها بعد صلاة العصر حتى تضيف (٣) الشمس للغروب، فقد نُهي عن الصلاة في هذا الوقت، واستُثني من ذلك قضاء سنة الظهر لمن فاتته، والدليل ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ» (٤) وفي رواية البخاري: «لا صَلاةَ بَعْدَ صَلاتَيْنِ: بَعْدَ

стр. 2633

الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (١). وروى الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه من حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا يُصَلَّى بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ مُرْتَفِعَةً» (٢). قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وحكى أبو الفتح اليعمري عن جماعة من السلف أنهم قالوا: إن النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر إنما هو إعلام بأنهما لا يتطوع بعدهما، ولم يقصد الوقت بالنهي كما قصد به وقت الطلوع ووقت الغروب، ويؤيد ذلك ما رواه أبو داود والنسائي بإسناد حسن عن النبي ﷺ : «لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الصُّبْحِ، وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَاّ أَنْ تَكُونَ الشَّمس نَقِية» (٣) وفي رواية: مرتفعة، فدل على أن المراد بالبعدية ليس على عمومه، وإنما المراد وقت الطلوع، ووقت الغروب وما قاربهما. والله أعلم» (٤). أهـ وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ صلى ركعتين بعد العصر فسألته عنهما فقال: «إِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ» (٥)

стр. 2634

ومنها الصلاة حال خطبة الجمعة، فقد دلت الأدلة على أن الواجب الإنصات للخطبة والاستماع لها، وترك كل ما يشغل عنها، وإنما جازت الصلاة لمن دخل المسجد والإمام يخطب أن يصلي ركعتين خفيفتين تحية المسجد، للحديث المخرج في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله قال: جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ ﵁ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ فَجَلَسَ، فَقَالَ لَهُ: «يَا سُلَيْكُ! قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا»، ثُمَّ قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» (١). تنبيهات: الأول: أن النهي عن الصلاة في هذه الأوقات السابق ذكرها لا يشمل المسجد الحرام، سواء كانوا من أهله أو من الزائرين له على الراجح من أقوال أهل العلم، لما رواه أبو داود والترمذي في سننهما من حديث جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ، وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» (٢). الثاني: اختلف أهل العلم في جواز الصلاة في هذه الأوقات عند الحاجة إلى ذلك، كتحية المسجد ونحوها، فأما الأوقات

стр. 2635

المخففة، فالقول في الجواز فيها ظاهر لما تقدم، وأما الأوقات المغلظة فقد منع من ذلك بعض أهل العلم لأنه وقت يسير والنهي فيه شديد، والحكمة فيه ظاهرة معلومة، وهؤلاء أسعد بالصواب فيما يظهر. والله أعلم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2636

الكلمة الثامنة والثلاثون تنظيم النسل الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فقد وردت النصوص من الكتاب والسنة تحث على الزواج وتكثير النسل لما في ذلك من المصالح العظيمة الدينية والدنيوية، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨)﴾ [الرعد]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ» (١). فالأمة كلما كثرت حصل لها من العزة والهيبة ما لا يحصل لها في حال القلة، ولهذا مَنَّ الله على بني إسرائيل بقوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾ [الإسراء]. وذكَّر شعيب قومه بذلك فقال سبحانه عنه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦]. روى أبو داود في

стр. 2637

سننه من حديث معقل بن يسار قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ وَإِنَّهَا لَا تَلِدُ، أَفَأَتَزَوَّجُهَا؟ قَالَ: «لَا»، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ» (١). «والأولاد منذ القديم كانوا أمنية الناس حتى الأنبياء المرسلين، وسائر عباد الله الصالحين، وسيظلون كذلك ما سلمت فطرة الإنسان، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩)﴾ [الأعراف]. ولما دعا إبراهيم قومه إلى توحيد الله وعبادته دون سواه، وصبر على أذاهم وثابر على دعوتهم، ألقوه في النار وأنجاه الله منها، واعتزلهم وما يعبدون من دون الله؛ فوهب الله له إسماعيل ثم إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب استجابة لقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾ [الصافات]. بشره بإسماعيل أولًا، ولما بلغ معه السعي ابتلاه فيه وأمره بذبحه، وآثر امتثال أمر ربه على حبه لولده، وصدق في تنفيذ أمره، فبشره ثانيًا بإسحاق نبيًّا من الصالحين، وجعل النبوة في ذرية خليله من بعده، جزاءً كريمًا لصبره على الأذى في سبيل الدعوة إلى الله، ونجاحه فيما ابتلاه الله به من الكلمات. فالأولاد نعمة تتعلق بها قلوب البشر وترجوها، لتأنس

стр. 2638

بها من الوحشة، وتقوى بها عند الوحدة، وتكون قرة عين لها في الدنيا والآخرة، ولذلك طلبها إبراهيم الخليل ﵇ فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾ [الصافات]. وطلبها زكريا من ربه، قال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩)﴾ [الأنبياء]. وأثنى سبحانه على عباده الصالحين، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان]. الفرق بين منع الحمل وتنظيمه وتحديد النسل: ١ - منع الحمل: هو استعمال الوسائل التي يظن أنها تحول بين المرأة وبين الحمل، كالعزل، وتناول العقاقير، ووضع اللبوس ونحوه في الفرج، وترك الوطء في وقت الإخصاب .. ونحو ذلك. ٢ - تحديد النسل: هو الوقوف بالنسل عند الوصول إلى عدد معين من الذرية باستعمال وسائل يُظن أنها تمنع من الحمل. ٣ - تنظيم الحمل: هو استعمال وسائل معروفة لا يراد من استعمالها إحداث العقم أو القضاء على وظيفة جهاز التناسل، بل يراد بذلك الوقوف عن الحمل فترة من الزمن لمصلحة ما يراها الزوجان، أو من يثقان به من أهل الخبرة

стр. 2639

ولا شك أن الدعوة إلى تحديد النسل، أو منع الحمل من الأمور التي أثارها أعداء الإسلام في الأزمنة الأخيرة لإضعاف شوكة المسلمين والسيطرة على ثرواتهم، واستعمار بلادهم، مع ما في تلك الدعوة من أضرار كثيرة دينية واقتصادية وسياسية واجتماعية ونفسية، ومنافاتها للفطرة والإسلام» (١). وقد صدر قرار من هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية برقم ٤٢ وتاريخ ١٣/ ٤/١٣٩٦ هـ يوضح الحكم الشرعي في منع الحمل، وتحديد النسل، وتنظيمه، وهذا نصه: «نظرًا إلى أن الشريعة الإسلامية ترغب في انتشار النسل وتكثيره، وتعتبر النسل نعمة كبرى ومنة عظيمة منَّ الله بها على عباده، فقد تضافرت بذلك النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله مما أوردته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في بحثها المعد للهيئة والمقدم لها. ونظرًا إلى أن القول بتحديد النسل، أو منع الحمل، مصادم للفطرة الإنسانية التي فطر الله الخلق عليها، وللشريعة الإسلامية التي ارتضاها الرب تعالى لعباده، ونظرًا إلى أن دعاة القول بتحديد النسل أو منع الحمل فئة تهدف بدعوتها إلى الكيد للمسلمين بصفة عامة وللأمة العربية المسلمة بصفة خاصة، حتى تكون

стр. 2640

لهم القدرة على استعمار البلاد وأهلها، وحيث أن في الأخذ بذلك ضربًا من أعمال الجاهلية، وسوء ظن بالله تعالى، وإضعافًا للكيان الإسلامي المتكون من كثرة اللبنات البشرية وترابطها. لذلك كله فإن المجلس يقرر بأنه لا يجوز تحديد النسل مطلقًا، ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد من ذلك خشية الإملاق لأن الله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين، وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها. أما إذا كان منع الحمل لضرورة محققة، ككون المرأة لا تلد ولادة عادية، وتضطر معها إلى إجراء عملية جراحية لإخراج الولد، أو كان تأخيره لفترة ما لمصلحة يراها الزوجان، فإنه لا مانع حينئذ من منع الحمل أو تأخيره، عملًا بما جاء في الأحاديث الصحيحة، وما روي عن جمع من الصحابة رضوان الله عليهم من جواز العزل، وتمشيًا مع ما صرح به بعض الفقهاء من جواز شرب الدواء لإلقاء النطفة قبل الأربعين، بل قد يتعين منع الحمل في حالة ثبوت الضرورة المحققة» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2641

الكلمة التاسعة والثلاثون الإحداد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. والمقصود بالإحداد: اجتناب المرأة المتوفى عنها زوجها الزينة والطيب والتجمل، وقيل: اجتناب كل ما تتزين به النساء، والعبرة بما يعتبر زينة عادة من الثياب والحلي والطيب والخضاب ونحو ذلك (١). وكان الحداد في الجاهلية في غاية الصعوبة والمشقة والعنت على المرأة، فجاء الإسلام بسماحته ويسره فأبطل ذلك كله، روى البخاري في صحيحه من حديث أم سلمة ﵂ قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ : «لَا»، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ: «لَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : «إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ» (٢). قال حميد: فقلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس

стр. 2642

الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشًا (١)، ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبًا حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة، حمار، أو شاة، أو طائر فتفتض به، فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فَتُعطى بعرة، فترمي، ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره، سُئل مالك: ما تفتض به؟ قال: تمسح به جلدها (٢). قال الإمام ابن القيم ﵀: «هذا من تمام محاسن هذه الشريعة وحكمتها ورعايتها لمصالح العباد على أكمل الوجوه، فإن الإحداد على الميت من تعظيم مصيبة الموت التي كان أهل الجاهلية يبالغون فيها أعظم مبالغة .... وتمكث المرأة في أضيق بيت وأوحشه لا تمس طيبًا ولا تدهن ولا تغتسل إلى غير ذلك مما هو تسخط على الرب وأقداره، فأبطل الله سبحانه برحمته ورأفته سنة الجاهلية، وأبدلنا بها الصبر والحمد والاسترجاع، ولما كانت مصيبة الموت لابد أن تُحدث للمصاب من الجزع والألم والحزن مما تتقاضاه الطباع، سمح لها الحكيم الخبير في اليسير من ذلك -يعني لغير الزوجة- وهو ثلاثة أيام، تجد بها نوع راحة وتقضي بها وطرًا من الحزن ... وما زاد على الثلاث، فمفسدته راجحة، فمنع منه، والمقصود أنه أباح للنساء الإحداد على موتاهن ثلاثة أيام، وأما الإحداد على

стр. 2643

الزوج فإنه تابع للعدة هو من مقتضياتها ومكملاتها» (١). روى البخاري ومسلم من حديث أم عطية ﵂ أن النبي ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» (٢). ولعدة المتوفى عنها زوجها أحكام تختص بها، فمن ذلك: أولًا: أنه يجب أن تعتد المتوفى عنها في المنزل الذي مات زوجها، وهي فيه، فلا يجوز لها أن تتحول عنه إلا لعذر، لما رواه أبو داود والترمذي في سننهما من حديث زينب بنت كعب أن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري ﵂ أخبرتها أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خُدْرة فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كانوا بطرف القدوم لحقهم فقتلوه، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي، فَإِنِّي لَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ وَلَا نَفَقَةٍ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : «نَعَمْ»، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي الْحُجْرَةِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ، دَعَانِي أَوْ أَمَرَ بِي، فَدُعِيتُ لَهُ، فَقَالَ: «كَيْفَ قُلْتِ؟ » فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ الَّتِي ذَكَرْتُ مِنْ شَأْنِ زَوْجِي، قَالَتْ: فَقَالَ: «امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ»، قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (٣). قالت:

стр. 2644

فلما كان عثمان بن عفان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به. قال ابن قدامة ﵀: «فإن خافت هدمًا أو غرقًا أو عدوًا أو نحو ذلك، أو حولها صاحب المنزل لكونه عارية رجع فيه، أو بإجارة انقضت مدتها أو منعها السكن تعديًا، أو امتنع من إجارته، أو طلب به أكثر من أجرة المثل، أو لم تجد ما تكتري به أو لا تجد إلا من مالها فلها أن تنتقل لأنها حال عذر ولا يلزمها بذل أجر المسكن، وإنما الواجب عليها فعل السكنى لا تحصيل المسكن، وإذا تعذرت السكنى سقطت ولها أن تسكن حيث شاءت» (١). «ويجوز للمعتدة من وفاة الزوج الخروج من البيت لحاجتها في النهار لا في الليل لأنه مظنة الفساد» (٢)، لما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: طُلِقَت خالتي فأرادت أن تجد نخلها فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبي ﷺ فقال: «بَلَى، فَجُدِّي نَخْلَكِ، فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا» (٣). ثانيًا: تمتنع الحادة عن الملابس الجميلة، وتلبس ما سواها، وقد ذكر ابن المنذر الإجماع على منعها من لبس المعصفر (٤)،

стр. 2645

فتحرم عليها الثياب المصبغة للتحسين كالمعصفر (١)، والمزعفر، والأحمر، وسائر الملون للتحسين (٢). روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أم عطية ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا، إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ» (٣). ثالثًا: تمتنع عن جميع أنواع الطيب ونحوها إلا إذا طهرت من حيضها فلا بأس أن تتبخر بالبخور لحديث أم عطية ﵂ وفيه: «وَلَا تَمَسُّ طِيبًا، إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ» (٤). قال النووي ﵀ في شرح القسط والأظفار: «نوعان معروفان من البخور وليسا من مقصود الطيب، رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة تتبع به أثر الدم لا للتطيب. والله أعلم» (٥). قوله ﷺ : «وَلَا تَمَسُّ طِيبًا»: «يشمل جميع أنواع الأطياب والأدهان المطيبة والمياه المعتصرة من الأدهان المطيبة كماء الورد، وماء القرنفل وغيره، فهذه كلها من الطيب الممنوع، ولا

стр. 2646

يدخل فيه الزيت والسمن ولا تمتنع من الأدهان التي ليس فيها طيب» (١). رابعًا: تمتنع الحادة من الحلي: الذهب والفضة والماس، وغيرها سواء كان ذلك قلائد، أو أسورة، أو خواتم أو غير ذلك لحديث أم سلمة زوج النبي ﷺ أنه قال عن المتوفى عنها زوجها: «لا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَابِ، وَلا الْمُمَشَّقَةَ (٢)، وَلا الْحُلِيَّ، وَلا تَخْتَضِبُ وَلا تَكْتَحِلُ» (٣). قال ابن المنذر ﵀: «وأجمعوا على أن منع المرأة المعتدة من لبس الحلي؛ لأن الحلي يزيد في حسنها ويدعو إلى مباشرتها» (٤). خامسًا: تمتنع الحادة عن الخضاب بالحناء لحديث أم عطية أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا، إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ» (٥). زاد أبو داود: «وَلا تَخْتَضِبُ» (٦). ولحديث أم سلمة السابق.

стр. 2647

قال ابن القيم ﵀: «فيحرم عليها الخضاب والنقش والتطريف (١) والحمرة، فإن النبي ﷺ نص على الخضاب منبهًا به على هذه الأنواع» (٢). سادسًا: تمتنع الحادة عن الكحل لما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أم سلمة ﵄ قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ : «لَا»، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ: «لَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : «إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ» (٣). وقال جمهور أهل العلم: «إن اضطرت إلى الكحل بالإثمد تداويًا لا زينة فلها أن تكتحل به ليلًا وتمسحه نهارًا (٤)، واستدلوا على ذلك بما رواه أبو داود في سننه من حديث أم حكيم بنت أسيد عن أمها أن زوجها توفي وكانت تشتكي عينيها فتكتحل بالجلاء، قال أحمد: الصواب بكحل الجلاء، فأرسلت مولاة لها إلى أم سلمة فسألتها عن كحل الجلاء فقالت: لا تكتحلي به إلا من أمر لا بد منه يشتد عليك فتكتحلين بالليل وتمسحينه بالنهار، ثم قالت عند ذلك أم سلمة ﵂: دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ اللَّه ﷺ حِينَ

стр. 2648

تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، وَقَدْ جَعَلْتُ عَلَى عَيْنِي صَبْرًا، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ؟ » فَقُلْتُ: إِنَّمَا هُوَ صَبْرٌ يَا رَسُولَ اللَّه، لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ، قَالَ: «إِنَّهُ يَشُبُّ الْوَجْهَ، فَلَا تَجْعَلِيهِ إِلَّا بِاللَّيْلِ، وَلَا تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ وَلَا بِالْحِنَّاءِ، فَإِنَّهُ خِضَابٌ»، قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ أَمْتَشِطُ يَا رَسُولَ اللَّه؟ قَالَ: «بِالسِّدْرِ تُغَلِّفِينَ بِهِ رَأْسَكِ» (١). قال ابن قدامة ﵀: «ولا تمتنع من التنظف، بتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق الشعر المندوب إلى حلقه، ولا من الاغتسال بالسدر، والامتشاط به» (٢)، «ولها أن تكلم من شاءت من محارمها، وتجلس معهم وتقدم الطعام والشراب ونحو ذلك. ولها أن تعمل في بيتها وأسطح منزلها ليلًا ونهارًا، في جميع أعمالها البيتية كالطبخ، والخياطة، وكنس البيت، وغسل الملابس» (٣). وهذه بعض فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء فيما يتعلق بمسائل الإحداد التي يكثر السؤال عنها: السؤال الأول من الفتوى رقم ١٤٤٦٣: لنا إخوة في الكويت أثناء الغزو وخرج هؤلاء الجماعة، إلا أن أبا العائلة رفض الخروج والعائلة الباقية خرجت إلى السعودية، وبعد فترة ٥ شهور، اتصل بنا أحد الإخوة يقول: فقد أبوكم، وبعد فترة التحرير

стр. 2649

ذهبنا للكويت لنبحث عن هذا الرجل، ذكر لنا شخص ما أنه في المستشفى منوم، فذهبنا إلى المستشفى ووجدناه متوفى، وسألنا متى توفي؟ فقال: منذ أربعة أشهر ونصف، استلمنا الرجل وصلينا عليه ودفناه، هذه قصة الرجل، والسؤال هو: زوجة هذا الرجل هل تحد أم ماذا تفعل؟ مع العلم أن فترة الحداد أربعة أشهر وعشر، وقد مضت مدة طويلة على موته. وفقنا الله لما يحبه ويرضاه. الجواب: إذا لم تعلم الزوجة بوفاة زوجها إلا بعد مضي العدة والإحداد، فإنه لا يلزمها عدة ولا إحداد، وبعد مضي أربعة أشهر وعشر على وفاة الزوج لا شيء عليها؛ لعدم علمها بالوفاة إذا لم تكن حاملًا، فإن كانت فبوضع الحمل. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبد الله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز (١) السؤال الأول من الفتوى رقم ٥٧٧٥: في جزيرتنا فرسان عادة، وهي: إذا مات الميت تعتد عليه زوجته أربعة أشهر وعشرة أيام، وهذا واجب عليها، ولكن العادة هي: أنها تعتزل في البيت بشرط

стр. 2650

ألا يراها أحد ولا ترى أحدًا، وإذا رأت أحدًا قضت اليوم الذي رأت فيه الإنسان ولو كان صديقها، وتستمر على ذلك حتى تقضي عدتها، فهل هذا التصرف صحيح؟ أفيدونا مع التفسير، وهل المرأة العجوز لم يجئها الحيض عليها عدة إذا كان العدة جاءت موضحة للحمل في هذه الفترة؟ أفيدونا ولكم الشكر الجزيل. الجواب: ما ذكرته من عزلة المحادة حيث لا يراها أحد غلو في الحداد، وقضاؤها يومًا أو أيامًا حدادًا عن اليوم أو الأيام التي رآها فيها أحد وهي في حدادها خطأ، وهو من التزام ما لا يلزم، وبهذا يتبين أن عملها هذا غير صواب، فإنه لا مانع من اختلاطها بمحارمها وبالنساء. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز (١) الفتوى رقم ١٨٨٧٥: والدتي حاليًا تقضي مدة الحداد بعد وفاة والدي -يرحمه الله- وفي أثناء هذه المدة ترغب والدتي في الذهاب إلى والدتها الكبيرة في السن، وذلك لزيارتها في منزلها، حيث إنها لا تستطيع الخروج لكبر سنها، علمًا بأن جدتي أم والدتي منزلها ليس

стр. 2651

ببعيد، وهو في نفس منطقتنا السكنية. والسؤال: هل يجوز لوالدتي الخروج من المنزل لزيارة والدتها، علمًا بأن والدتي سبق لها الذهاب لوالدتها عدة مرات أثناء مدة الحداد؟ وهل عليها إثم في ذلك؟ أرجو بعد تكرم سماحتكم بالإجابة على هذا السؤال. الجواب: لا مانع من خروج المحدة من بيتها لقضاء حاجتها نهارًا لا ليلًا، وزيارة أمها التي تحتاج لزيارتها من أعظم الحاجات إذا كان ذلك لا يحتاج إلى سفر؛ لأنه قد روي عن النبي ﷺ أنه رخص للمحدات أن يجتمعن في النهار للمؤانسة فيما بينهن، ويرجعن إلى بيوتهن في الليل، فعن مجاهد قال: استشهد رجال يوم أحد، فجاء نساؤهم رسول الله ﷺ وقلن: يا رسول الله: نستوحش بالليل أفنبيت عند إحدانا، فإذا أصبحنا بادرنا إلى بيوتنا؟ فقال رسول الله ﷺ : «تَحَدَّثْنَ عِنْدَ إِحْدَاكُنَّ، حَتَّى إِذَا أَرَدْتُنَّ النَّوْمَ فَلْتَؤُبْ كُلُّ وَاحِدَة إِلَى بَيْتِهَا» (١). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبد الله بن غديان ... عبدالعزيز آل الشيخ ... عبدالعزيز بن باز (٢)

стр. 2652

السؤال الرابع من الفتوى رقم ١٨٠٨٣: ما حكم عمل ولائم للمرأة بعد خروجها من فترة الحداد؟ الجواب: الولائم التي تعمل للمرأة بعد خروجها من عدة الوفاة إن كانت من باب العادة، وإكرام المرأة، فلا بأس بها، وإن كانت من باب التدين واعتقاد أنها مشروعة، فإنها لا تجوز لأنها بدعة. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس بكر أبو زيد ... عبدالعزيز آل الشيخ ... صالح الفوزان ... عبدالعزيز بن باز (١) والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2653

الكلمة الأربعون أشراط الساعة الكبرى العشر الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. روى مسلم في صحيحه من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال: اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر فقال: «مَا تَذَاكَرُونَ؟ »، قَالُوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ، قَالَ: «إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ»، فَذَكَرَ الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇، وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ (١). فبين النبي ﷺ أن الساعة لا تقوم حتى تخرج هذه الآيات العشر، وإذا خرجت واحدة تلتها الأخرى، روى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي قال ﷺ : «خُرُوجُ الآيَاتِ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ تَتَابَعْنَ كَمَا تَتَتَابَعُ الْخَرَزُ» (٢).

стр. 2654

ومن هذه الآيات التي تخرج كما في الحديث السابق «الدجال» وهو من أعظم الفتن منذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة. وذلك بسبب ما يخلق الله معه من الخوارق العظيمة التي تبهر العقول، وتحير الألباب، فقد ورد أن معه جنة ونارًا، وجنته نار، وناره جنة، وأن معه أنهار الماء، وجبال الخبز، ويأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض، ويقطع الأرض بسرعة عظيمة كسرعة الغيث استدبرته الريح ... إلى غير ذلك من الخوارق، وكل ذلك جاءت به الأحاديث الصحيحة، وهو أعور العين اليسرى مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن كاتب أو غير كاتب. ومن وسائل دفع فتنته: التعوذ بالله منه وخاصة في الصلاة، وحفظ آيات من سورة الكهف كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْف عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ» (١). وفي بعض الروايات خواتمها وغير ذلك. قوله في الحديث: نزول عيسى ﵇: بعد خروج الدجال وإفساده في الأرض، يبعث الله عيسى ﵇ فينزل إلى الأرض ويكون نزوله عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، وعليه مهرودتان (٢)، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه

стр. 2655

تحدر منه جمان كاللؤلؤ، ولا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه تنتهي حيث ينتهي طرفه (١). ويكون نزوله على الطائفة المنصورة التي تقاتل على الحق، وتكون مجتمعة لقتال الدجال، فينزل وقت إقامة الصلاة يصلي خلف أمير تلك الطائفة. قال ابن كثير ﵀: «هذا هو الأشهر في موضع نزوله أنه على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق، وقد رأيت في بعض الكتب أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي جامع دمشق، فلعل هذا هو المحفوظ، وليس بدمشق منارة تعرف بالشرقية، سوى التي إلى جانب الجامع الأموي بدمشق من شرقيه، وهذا هو الأنسب والأليق لأنه ينزل وقد أقيمت الصلاة فيقول له إمام المسلمين: يا روح الله تقدم، فيقول: تقدم أنت فإنه أقيمت لك، وفي رواية: بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة» (٢) (٣). وزمن عيسى ﵇ زمن أمن وسلام ورخاء، يرسل الله فيه المطر الغزير، وتخرج الأرض ثمراتها وبركتها، ويفيض المال، وتذهب الشحناء والبغض والتحاسد، ويحكم بشريعة النبي ﷺ ، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام كما صحت بذلك الأحاديث.

стр. 2656

وأما مدة بقائه، فقد جاء في صحيح مسلم: يمكث سبع سنين، وفي رواية صحيح مسلم: أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون. قوله في الحديث: ويأجوج ومأجوج: اسمان أعجميان، وقيل عربيان، وهم من ذرية آدم ﵇. وقد وردت روايات ضعيفة في صفاتهم لا تصح، والذي عليه الروايات الصحيحة: أنهم رجال أقوياء، لا طاقة لأحد بقتالهم، ففي صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان ﵁: «أَنَّ اللَّهَ تَعَالى يُوحِي إلى عِيسَى ﵇: إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي، لا يَدَان لأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ، وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، فَيَمُرُّ أُوائِلهُمُ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُر آخِرُهُمْ، فَيَقُولُون: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ». وفي رواية: «ثم يسيرون إلى جبل الخَمَر، وهو جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، هلم فلنقتل من في السماء فيرمون بنُشَّابهم (١) إلى السماء، فيرد الله عليهم نُشَّابهم مخضوبة دمًا» (٢). «ويحصر نبي اللَّه عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مئة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي اللَّه عيسى ﵇ وأصحابه فيرسل اللَّه عليهم النغف (٣) في رقابهم،

стр. 2657

فيصبحون فرسى (١) كموت نفس واحدةٍ، ثم يهبط نبي اللَّه عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي اللَّه عيسى وأصحابه إلى اللَّه فيرسل اللَّه طيرًا كأعناق البخت، فتحملهم فتطردهم حيث شاء اللَّه» (٢). قوله في الحديث: ثلاثة خسوف، خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب. «وهذه الخسوفات الثلاثة لم تقع بعد كغيرها من الأشراط الكبرى التي لم يظهر شيء منها، وهي خسوفات عظيمة وعامة لأماكن كثيرة من الأرض في مشارقها، ومغاربها، وفي جزيرة العرب» (٣). قال ابن حجر ﵀: «وقد وجد الخسف في مواضع، ولكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدرًا زائدًا على ما وُجد، كأن يكون أعظم منه مكانًا وقدرًا» (٤). قوله في الحديث: الدخان: ظهور الدخان من علامات الساعة الكبرى، قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ [الدخان].

стр. 2658

قال بعض أهل العلم: إنه الدخان الذي أصاب قريشًا من الشدة والجوع عندما دعا عليهم النبي ﷺ حين لم يستجيبوا له فأصبحوا يرون في السماء كهيئة الدخان، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ دعا عليهم فقال: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ»، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا وَأَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْعِظَامَ، وَيَرَى الرَّجُلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ (١). وذهب آخرون إلى أن الدخان من الآيات المنتظرة التي لم تجئ بعد، وسيقع قرب قيام الساعة، فقد روى ابن جرير الطبري عن عبد الله بن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عباس ذات يوم فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت، قلت: لم؟ قال: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت (٢). قال ابن كثير ﵀: «وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، وهكذا من وافقه من الصحابة والتابعين مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرها التي أوردناها مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة» (٣).

стр. 2659

«وجمع آخرون من أهل العلم بأنها أكثر من دخان، ظهرت الأولى، وبقيت الأخرى، وهي التي ستقع في آخر الزمان» (١)، فأما التي ظهرت فهي ما كانت تراه قريش كهيئة الدخان، وهذا الدخان غير الدخان الحقيقي الذي يكون عند ظهور الآيات التي هي من أشراط الساعة» (٢). روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: الدَّجَّالَ، وَالدُّخَانَ .. الحديث» (٣). قوله في الحديث: طلوع الشمس من مغربها: هذا من علامات الساعة الكبرى، ودل على ذلك القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. ودلت الأحاديث الصحيحة أن المراد ببعض الآيات المذكورة في الآية هو طلوع الشمس من مغربها، وهو قول أكثر المفسرين (٤). روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ

стр. 2660

مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلعتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنَوا أَجْمَعون، وَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا، لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا» (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: الدَّجَّالَ، وَالدُّخَانَ، وَدَابَّةَ الْأَرْضِ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا» (٢). قوله في الحديث: الدابة: ظهور دابة الأرض في آخر الزمان علامة على قرب الساعة ثابت بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ [النمل]. «فهذه الآية الكريمة جاء فيها ذكر خروج الدابة، وأن ذلك يكون عند فساد الناس وتركهم أوامر الله، وتبديلهم الدين الحق، يخرج الله لهم دابة من الأرض - قيل من مكة - وقيل من غيرها، فتكلم الناس على ذلك» (٣). قال الشيخ أحمد شاكر: «والآية صريحة بالقول العربي، أنها دابة، ومعنى الدابة في لغة العرب معروف واضح لا يحتاج إلى تأويل، ووردت أحاديث كثيرة في الصحاح وغيرها بخروج

стр. 2661

هذه الدابة، وأنها تخرج في آخر الزمان، ووردت آثار أخرى في صفتها لم تنسب إلى رسول الله ﷺ المبلغ عن ربه، والمبين آيات كتابه، فلا علينا أن ندعها، ولكن بعض أهل عصرنا من المنتسبين للإسلام الذين فشا فيهم المنكر من القول والباطل من الرأي الذين لا يريدون أن يؤمنوا بالغيب ولا يريدون إلا أن يقفوا عند حدود المادة التي رسمها لهم معلموهم وقدوتهم ملحدو أوروبا الإباحيون، المتحلّلون من كل خلق ودين، هؤلاء لا يستطيعون أن يؤمنوا بما نؤمن به، ولا يستطيعون أن ينكروا إنكارًا صريحًا فيجمجمون (١) ويحاورون ويداورون ثم يتأولون، فيخرجون بالكلام عن معناه الوضعي الصحيح للألفاظ في لغة العرب يجعلونه أشبه بالرموز، لما وقر في أنفسهم من الإنكار الذي يبطنون» (٢). روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى، وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا، فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا» (٣). وفي رواية: «دَابَّةُ الأَرْضِ» (٤). وروى الإمام أحمد من حديث أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال:

стр. 2662

«تَخْرُجُ الدَّابَّةُ فَتَسِمُ النَّاسَ عَلَى خَرَاطِيمِهِمْ (١)، ثُمَّ يَغْمُرُونَ (٢) حَتَّى يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الْبَعِير، فَيَقُولُ: مِمَّنْ اشْتَرَيْتَهُ؟ فَيَقُولُ: اشْتَرَيْتُهُ مِنْ أَحَدِ الْمُخَطَّمِينَ»، وقَالَ يُونُسُ- يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ: «ثُمَّ يَغْمُرُونَ فِيكُمْ»، وَلَمْ يَشُكّ، قَالَ: فَرَفَعَهُ. (٣) قوله في الحديث: نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم: وهي آخر أشراط الساعة الكبرى، وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة، وردت الروايات بأن خروج هذه النار يكون من اليمن من قعرة عدن (٤)، وتخرج من بحر حضرموت كما في روايات أخرى. روى مسلم في صحيحه من حديث حذيفة بن أسيد ﵁ في ذكر أشراط الساعة الكبرى، وفيه: «وآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ» (٥)، وفي رواية: «وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرَةِ عَدَن، تَرْحَلُ النَّاسَ» (٦). وجاء في مسند الإمام أحمد من حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «سَتَخْرُجُ نَارٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ، أَوْ مِنْ بَحْرِ حَضْرَمَوْتَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَحْشُرُ النَّاسَ» (٧).

стр. 2663

وعند ظهور هذه النار العظيمة من اليمن تنتشر في الأرض وتسوق الناس إلى المحشر. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ، وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلاثَة عَلىَ بَعِير، وَتحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا» (١). والمحشر هو الشام كما ورد في مسند الإمام أحمد من حديث حكيم بن معاوية البهزي عن أبيه ﵁ فذكر الحديث. وفيه قوله ﷺ : «هَاهُنَا تُحْشَرُونَ، هَاهُنَا تُحْشَرُونَ، هَاهُنَا تُحْشَرُونَ، ثَلَاثًا رُكْبَانًا، وَمُشَاةً، وَعَلَى وُجُوهِكُمْ». قال ابن أبي بكير: فأشار بيده إلى الشام فقال: «إِلَى هَاهُنَا تُحْشَرُونَ» (٢). وفي حديث ابن عمر السابق في ذكر خروج النار قال: «عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ» (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2664

الكلمة الواحدة والأربعون صفات أهل الفردوس الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن الله أنزل هذا القرآن العظيم لتدبره والعمل به، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص]. وقد ذكر الله في كتابه صفات أهل الفردوس في أول سورة المؤمنون، فما هي يا ترى صفاتهم؟ وكيف وصلوا إلى هذه المرتبة العظيمة؟ قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون]. قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: قد فازوا وسعدوا وحصلوا على الفلاح وهم المؤمنون المتصفون بهذه الأوصاف. «قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال علي بن أبي

стр. 2665

طالب ﵁: الخشوع، خشوع القلب، قال الحسن البصري: كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك أبصارهم وخفضوا الجناح، والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها. وحينئذ تكون راحة له وقرة عين، كما قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه النسائي في سننه من حديث أنس ﵁: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (١) (٢). قال ابن القيم ﵀: «صلاة بلا خشوع ولا حضور، كبدن ميت لا روح فيه، أفلا يستحي العبد أن يهدي إلى مخلوق مثله عبدًا ميتًا أو جارية ميتة؟ فما ظن هذا العبد أن تقع تلك الهدية ممن قصده بها من ملك أو أمير أو غيره، فهكذا سواء الصلاة الخالية عن الخشوع والحضور وجمع الهمة على الله تعالى فيها بمنزلة هذا العبد أو الأمة الذي يريد إهداءه إلى بعض الملوك، ولهذا لا يقبلها الله تعالى منه وإن أسقطت الفرض في أحكام الدنيا ولا يثيبه عليها فإنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها» (٣). روى أبو داود في سننه من حديث عمار بن ياسر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ، وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلا عُشْرُ صَلاتِهِ،
следующие страницы →