← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

هذه الدابة، وأنها تخرج في آخر الزمان، ووردت آثار أخرى في صفتها لم تنسب إلى رسول الله ﷺ المبلغ عن ربه، والمبين آيات كتابه، فلا علينا أن ندعها، ولكن بعض أهل عصرنا من المنتسبين للإسلام الذين فشا فيهم المنكر من القول والباطل من الرأي الذين لا يريدون أن يؤمنوا بالغيب ولا يريدون إلا أن يقفوا عند حدود المادة التي رسمها لهم معلموهم وقدوتهم ملحدو أوروبا الإباحيون، المتحلّلون من كل خلق ودين، هؤلاء لا يستطيعون أن يؤمنوا بما نؤمن به، ولا يستطيعون أن ينكروا إنكارًا صريحًا فيجمجمون (١) ويحاورون ويداورون ثم يتأولون، فيخرجون بالكلام عن معناه الوضعي الصحيح للألفاظ في لغة العرب يجعلونه أشبه بالرموز، لما وقر في أنفسهم من الإنكار الذي يبطنون» (٢). روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى، وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا، فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا» (٣). وفي رواية: «دَابَّةُ الأَرْضِ» (٤). وروى الإمام أحمد من حديث أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال:

стр. 2662

«تَخْرُجُ الدَّابَّةُ فَتَسِمُ النَّاسَ عَلَى خَرَاطِيمِهِمْ (١)، ثُمَّ يَغْمُرُونَ (٢) حَتَّى يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الْبَعِير، فَيَقُولُ: مِمَّنْ اشْتَرَيْتَهُ؟ فَيَقُولُ: اشْتَرَيْتُهُ مِنْ أَحَدِ الْمُخَطَّمِينَ»، وقَالَ يُونُسُ- يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ: «ثُمَّ يَغْمُرُونَ فِيكُمْ»، وَلَمْ يَشُكّ، قَالَ: فَرَفَعَهُ. (٣) قوله في الحديث: نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم: وهي آخر أشراط الساعة الكبرى، وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة، وردت الروايات بأن خروج هذه النار يكون من اليمن من قعرة عدن (٤)، وتخرج من بحر حضرموت كما في روايات أخرى. روى مسلم في صحيحه من حديث حذيفة بن أسيد ﵁ في ذكر أشراط الساعة الكبرى، وفيه: «وآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ» (٥)، وفي رواية: «وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرَةِ عَدَن، تَرْحَلُ النَّاسَ» (٦). وجاء في مسند الإمام أحمد من حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «سَتَخْرُجُ نَارٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ، أَوْ مِنْ بَحْرِ حَضْرَمَوْتَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَحْشُرُ النَّاسَ» (٧).

стр. 2663

وعند ظهور هذه النار العظيمة من اليمن تنتشر في الأرض وتسوق الناس إلى المحشر. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ، وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلاثَة عَلىَ بَعِير، وَتحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا» (١). والمحشر هو الشام كما ورد في مسند الإمام أحمد من حديث حكيم بن معاوية البهزي عن أبيه ﵁ فذكر الحديث. وفيه قوله ﷺ : «هَاهُنَا تُحْشَرُونَ، هَاهُنَا تُحْشَرُونَ، هَاهُنَا تُحْشَرُونَ، ثَلَاثًا رُكْبَانًا، وَمُشَاةً، وَعَلَى وُجُوهِكُمْ». قال ابن أبي بكير: فأشار بيده إلى الشام فقال: «إِلَى هَاهُنَا تُحْشَرُونَ» (٢). وفي حديث ابن عمر السابق في ذكر خروج النار قال: «عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ» (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2664

الكلمة الواحدة والأربعون صفات أهل الفردوس الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن الله أنزل هذا القرآن العظيم لتدبره والعمل به، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص]. وقد ذكر الله في كتابه صفات أهل الفردوس في أول سورة المؤمنون، فما هي يا ترى صفاتهم؟ وكيف وصلوا إلى هذه المرتبة العظيمة؟ قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون]. قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: قد فازوا وسعدوا وحصلوا على الفلاح وهم المؤمنون المتصفون بهذه الأوصاف. «قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال علي بن أبي

стр. 2665

طالب ﵁: الخشوع، خشوع القلب، قال الحسن البصري: كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك أبصارهم وخفضوا الجناح، والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها. وحينئذ تكون راحة له وقرة عين، كما قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه النسائي في سننه من حديث أنس ﵁: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (١) (٢). قال ابن القيم ﵀: «صلاة بلا خشوع ولا حضور، كبدن ميت لا روح فيه، أفلا يستحي العبد أن يهدي إلى مخلوق مثله عبدًا ميتًا أو جارية ميتة؟ فما ظن هذا العبد أن تقع تلك الهدية ممن قصده بها من ملك أو أمير أو غيره، فهكذا سواء الصلاة الخالية عن الخشوع والحضور وجمع الهمة على الله تعالى فيها بمنزلة هذا العبد أو الأمة الذي يريد إهداءه إلى بعض الملوك، ولهذا لا يقبلها الله تعالى منه وإن أسقطت الفرض في أحكام الدنيا ولا يثيبه عليها فإنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها» (٣). روى أبو داود في سننه من حديث عمار بن ياسر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ، وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلا عُشْرُ صَلاتِهِ،

стр. 2666

تُسْعُهَا، ثُمُنُهَا، سُبُعُهَا، سُدُسُها، خُمُسُهَا رُبُعُهَا ثُلُثُهَا نِصْفُهَا» (١). قال بعضهم: «إن الرجلين ليكونان في الصلاة، وإن ما بينهما كما بين السماء والأرض» (٢). قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ قال ابن كثير ﵀: «أي عن الباطل وهو يشمل الشرك كما قاله بعضهم، والمعاصي كما قاله آخرون، وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾ [الفرقان]، ومن مرورهم به كرامًا: إعراضهم عنه وعدم مشاركتهم أصحابه فيه، قال قتادة: أتاهم والله من أمر الله ما وقذهم عن ذلك» (٣). قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ «الأكثرون على أن المراد بالزكاة هنا زكاة الأموال، ويحتمل أن يكون المراد بالزكاة ها هنا زكاة النفس من الشرك والدنس كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس]، وكقوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧]، على أحد القولين في تفسيرها، وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادًا وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال، فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذي يتعاطى هذا وهذا. والله أعلم» (٤).

стр. 2667

قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ «أي الذين قد حفظوا فروجهم من الحرام، فلا يقعون فيما نهاهم الله عنه من الفواحش، ومن تمام حفظ الفروج، تجنب ما يدعو إلى ذلك كالنظر واللمس ونحوهما، ولا يقربون سوى أزواجهم التي أحلها الله لهم، وما ملكت أيمانهم من السراري، ومن تعاطى ما أحله الله له فلا لوم عليه ولا حرج، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ أي غير الأزواج والإماء ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ أي المعتدون. وعموم هذه الآية يدل على تحريم نكاح المتعة، فإنها ليست زوجة حقيقية مقصودًا بقاؤها، ولا مملوكة، وتحريم نكاح المحلل لذلك» (١). قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)﴾ «أي إذا ائتمنوا لم يخونوا، بل يؤدونها إلى أهلها، وإذا عاهدوا أو عاقدوا أوفوا بذلك لا كصفات المنافقين الذين قال فيهم النبي ﷺ : «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ، إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» (٢). قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: «﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)﴾ أي: مراعون لها، ضابطون حافظون

стр. 2668

حريصون على القيام بها وتنفيذها، وهذا عام في جميع الأمانات التي هي حق للَّه، والتي هي حق للعباد، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. فجميع ما أوجبه الله على عبده أمانة، وكذلك يدخل في ذلك أمانات الآدميين، كأمانات الأموال، والأسرار ونحوهما، فعلى العبد مراعاة الأمرين وأداء الأمانتين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾» (١)] النساء: ٥٨]. «وكذلك العهد يشمل العهد الذي بينهم وبين ربهم، والذي بينهم وبين العباد، وهي الالتزامات والعقود التي يعقدها العبد، فعليه مراعاتها والوفاء بها، ويحرم عليه التفريط فيها وإهمالها» (٢). قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)﴾ «أي يداومون عليها في أوقاتها وحدودها وأشراطها وأركانها، فمدحهم بالخشوع بالصلاة، وبالمحافظة عليها؛ لأنه لا يتم أمرهم إلا بأمرين، فمن يداوم على الصلاة من غير خشوع أو على الخشوع من دون محافظة عليها فإنه مذموم ناقص» (٣). قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)﴾ أي من عمل بما ذكر في هذه الآيات فهم الوارثون، أي يرثون منازل أهل النار من الجنة، روى

стр. 2669

ابن ماجه في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا لَهُ مَنْزِلَانِ، مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَإِذَا مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ، وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾» (١). «فالمؤمنون يرثون منازل الكفار لأنهم خلقوا لعبادة الله تعالى، فلما قام هؤلاء المؤمنون بما وجب عليهم من العبادة، وترك أولئك ما أُمروا به مما خلقوا له، أحرز هؤلاء نصيب أولئك، لو كانوا أطاعوا ربهم ، بل أبلغ من هذا أيضًا، وهو ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَيَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ، وَيَضَعُهَا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى» (٢). وفي الحديث الآخر، قال ﷺ : «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَيَقُولُ: هَذَا فِكَاكُكَ مِنَ النَّارِ» (٣). والآية السابقة ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ مثل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ [مريم]، وكقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾

стр. 2670

[الزخرف] (١)». وكقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون]، «الفردوس: هو البستان الذي يجمع كل شيء» (٢). روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ، وَأَوسَطُ الْجَنَّةِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ؛ وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ» (٣). قال ابن حبان ﵀: قوله ﷺ : «فإنه أوسط الجنة؛ يريد أن الفردوس في وسط الجنان في العرض، وهو أعلى الجنة؛ يريد في الارتفاع» (٤). قوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ لا يظعنون عنها، ولا يبغون عنها حولًا؛ لاشتمالها على أكمل النعيم وأفضله وأتمه من غير مكدر ولا منغص. ومن فوائد الآيات الكريمات: ١ - «علق سبحانه فلاح العبد على حفظ فرجه منه، فلا سبيل إلى الفلاح بدونه، وهذا يتضمن ثلاثة أمور: أن من لا يحفظ فرجه لم يكن من المفلحين، وأنه من الملومين، ومن العادين، ففاته الفلاح، واستحق اسم العدوان، ووقع

стр. 2671

في اللوم. فمقاساة ألم الشهوة، ومعاناتها أيسر من بعض ذلك» (١). ٢ - افتتح الله الآيات بذكر الصفات الحميدة للمؤمنين: ومن أولها: الصلاة، واختتمها بالصلاة، فدل على أفضليتها ومكانتها العظيمة، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ثوبان ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ» (٢). ٣ - عظم شأن التوحيد ومكانته العظيمة، فالمسلم يُزَفُّ إلى الجنة، والكافر يرث مكان المسلم في النار، ولله الفضل والمنة. ٤ - أن المسلم ينبغي أن تكون همته عالية، فلا يطلب الجنة فقط، وإنما الفردوس أعلى مكان في الجنة كما ورد في الحديث السابق. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2672

الكلمة الثانية والأربعون تحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فقد سبق الكلام في كلمة سابقة عن معنى لا إله إلا الله، والكلام سيكون هنا عن شهادة أن محمدًا رسول الله، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة]. فقوله: من أنفسكم: أي من جنسكم، بل هو منكم أيضًا كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة]. يشق عليه ما شق عليكم، أي على منفعتكم ودفع الضر عنكم، وذو رأفة ورحمة بالمؤمنين، وخص المؤمنين بذلك لأنه ﷺ مأمور بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم، وهذه الأوصاف لرسول الله ﷺ تدل على أنه رسول الله حقًّا كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وكما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].

стр. 2673

ومعنى ذلك الإقرار باللسان والإيمان بالقلب بأن محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي رسول الله، أرسله الله إلى جميع الخلق من الجن والإنس، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وفي الحديث: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي .. ذَكَر منها: وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامة» (١). «ولا يكفي الاعتراف بالقلب، بل لا بد من أمر ثالث وهو الاتباع، قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف]. على سبيل المثال: أبو طالب دافع عن الرسول ﷺ ، وهو يعرف أنه رسول الله، لكن لم يتبعه، فلذلك لم يحسب من المسلمين، ومات على الكفر، قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب ﵀: «ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يُعَبد الله إلا بما شرع (٢)، فلا بد من الاعتراف برسالته ظاهرًا وباطنًا واعتقادًا، ولابد من اتباعه ﷺ ». ويتلخص ذلك في هذه الأربع كلمات التي ذكرها الشيخ ﵀: الأولى: طاعته فيما أمر: قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا

стр. 2674

لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤].فقرن طاعة الرسول مع طاعته سبحانه، وقرن معصية الرسول مع معصيته، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾ [الجن]. فالذي يشهد أنه رسول الله، تلزمه طاعته فيما أمر لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» (١). والطاعة درجات، فمنها ما هو واجب على كل مسلم، ومنها ما هو فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ومنها ما هو سنة يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، روى ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث صفية بنت شيبة قالت: بينا نحن عند عائشة ﵂ قالت: فذكرن نساء قريش وفضلهن، فقالت عائشة ﵂: «إن لنساء قريش لفضلًا، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقًا لكتاب الله ولا إيمانًا بالتنزيل، لقد أُنزلت سورة النور ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وعلى

стр. 2675

كل ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت به تصديقًا وإيمانًا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله ﷺ الصبح معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان» (١). وفي صحيح البخاري من حديث عائشة ﵂: «أن نساء المهاجرات صنعن ذلك» (٢). قال الحافظ ابن حجر: ويمكن الجمع بين الروايتين بأن نساء الأنصار بادرن إلى ذلك (٣). ومن الأمثلة على ذلك حديث جليبيب كما في مسند الإمام أحمد، وجاء فيه أن النبي ﷺ لما خطب لجليبيب من حي من الأنصار، واعتذرت والدتها قالت الجارية: أتردون على رسول الله ﷺ أمره، ادفعوني فإنه لن يضيعني، فاستجابت لأمر رسول الله ﷺ وأطاعته فكان في ذلك لها الخير الكثير (٤). الثانية: تصديقه فيما أخبر: لأن الرسول ﷺ أخبر عن أمور كثيرة مغيبة، أخبر عن الله وعن ملائكته، وأخبر عن أمور مستقبلية من قيام الساعة، وأشراطها، وأخبر عن أمور ماضية من أحوال الأمم السابقة، فلابد من تصديقه فيما أخبر، لأنه صدق لا كذب

стр. 2676

فيه، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم]. ومن لم يصدقه فيما أخبر فليس بمؤمن ولا صادق في شهادته أنه رسول الله، كيف يشهد أنه رسول الله ويكذبه في أخباره، كيف يشهد أنه رسول الله ولا يطيع أمره؟ قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾ [التغابن]، وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف]. وقال النبي ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ» (١). ومن الأمثلة على ذلك: ما رواه الحاكم في المستدرك من حديث عائشة ﵂ قالت: «لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى أَصْبَحَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِذَلِكَ، فَارْتَدَّ نَاسٌ ممَنْ كَانُوا آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَسَعَى رِجَالٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَقَالُوا: هَلْ لَكَ إِلَى صَاحِبِكِ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ قَالَ: أَوَقَالَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: لَئِنْ قَالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ، قَالُوا: أَوَ تُصَدِّقُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَجَاءَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، إِنِّي لأَصُدِّقُهُ بِمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ أُصَدِّقُهُ فِي خَبَرِ السَّمَاءِ فِي غُدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبَو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁» (٢).

стр. 2677

ومن الأمثلة كذلك ما أخبر به النبي ﷺ من الأمور المستقبلة مما وقع ومما سيقع في آخر الزمان، روى البخاري في صحيحه من حديث عوف بن مالك ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فقال: «اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ مُوتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِئَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا، ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ فَيَغْدِرُونَ فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا» (١). وقد حدث بعضٌ من هذه الأمور المستقبلية منها: موته ﷺ ، وفتح بيت المقدس في عهد عمر بن الخطاب سنة ١٦ هـ، ثم الموت الذي حصل في طاعون عمواس والشام سنة ١٨ هـ، وكذلك استفاضة المال كما في عهد الصحابة بسبب ما وقع من الفتوح واقتسام أموال الفرس والروم، ثم فاض المال في عهد عمر بن عبدالعزيز ﵀ فكان الرجل يعرض المال فلا يجد من يقبله، والباقي سيقع كما أخبر به النبي ﷺ . الثالثة: اجتناب ما نهى عنه وزجر: من أقوال أو أفعال أو صفات، فلا ينهى ﵊ عن شيء إلا وفيه ضرر، ولا يأمر بشيء إلا وفيه خير وبر، فإذا لم يجتنب العبد ما نهى

стр. 2678

عنه رسول الله ﷺ صار متناقضًا، كيف يشهد أنه رسول الله ولا يجتنب ما نهاه عنه، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (١). وهذا النهي درجات، فمنه ما جاء به الشرع على وجه الجزم، وهو النهي المحرم، ومنه ما هو على سبيل الكراهة ومنه ما هو على وجه الأولى تركه، ويمثل ذلك بالنهي عن أكل الثوم والبصل، ففي الحديث المخرج في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ، وَالثُّومَ، وَالْكُرَّاثَ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» (٢). فإذا أكله على سبيل التهرب من صلاة الجماعة فهو محرم، وإذا أكله قبل الصلاة بقليل فهو مكروه خشية أن يكون سببًا في التأخر عن صلاة الجماعة، وإذا أكله في أي وقت غير وقت الصلاة فإن الأولى تركه خشية أن يؤذي الآخرين برائحته، أو أن تبقى رائحته إلى وقت الصلاة. الرابعة: ألا يُعبد الله إلا بما شرع: فالعبادات توقيفية لا يجوز الإتيان بأي عبادة لم يشرعها رسول الله ﷺ ، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال:

стр. 2679

«مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال في خطبته يوم الجمعة: «فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّه، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ» (٢). «ومثال البدعة: الاحتفال بمولد النبي ﷺ ، فإن هذا السبب لم يشرع، ولم يفعله النبي ﷺ ولا الصحابة ولا القرون المفضلة، وإنما أحدثته الدولة العبيدية الرافضية لما حكمت مصر في القرن العاشر» (٣). «ومن ابتدع شيئًا في الدين لم يأت به الرسول ﷺ فإنه لم يشهد أنه رسول الله، ولم يشهد الشهادة الحقيقية؛ لأن الذي يشهد أنه رسول الله ﷺ يتقيد بما شرعه، ولا يحدث شيئًا من عنده، أو يتبع شيئًا محدثًا ممن سبقه» (٤). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2680

الكلمة الثالثة والأربعون الفطرة السليمة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ»، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (١). وخطب النبي ﷺ يومًا فقال في خطبته: «أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا: ... وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا» (٢).

стр. 2681

قال القرطبي ﵀: «إن الله خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق، كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول، وعلى تلك الأهلية أدركت الحق، ودين الإسلام هو الدين الحق، وقد جاء ذلك صريحًا في الصحيح، جبل الله الخلق على معرفته، فاجتالتهم الشياطين، وقد دل على صحة هذا المعنى بقية الخبر، حيث قال: كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ يعني: أن البهيمة تلد ولدها كامل الخلق، سليمًا من الآفات، فلو نزل على أصل تلك الخلقة لبقى خاليًا من العيوب، لكن يُتصرف فيه فيجدع أذنه، ويوسم وجهه، فتطرأ عليه الآفات والنقائص، فيخرج عن الأصل، وكذلك الإنسان. وهو تشبيه واقع، ووجهه واضح (١). أهـ وقد ضرب الله تعالى مثلًا للفطر السليمة بالزيت الصافي النقي الذي يشع نورًا من صفائه، فإذا أُوقد به السراج التقى فيه النوران فأصبح نورًا على نور، وهذا مثل ضربه الله لنور الفطرة إذا التقى مع نور الوحي، وإليك الآيات فتدبر، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور].

стр. 2682

وبهذا يتبين عظيم ما أنعم الله به على عباده إذ خلقهم حنفاء يحبون الحق ويؤثرونه ويميلون إليه ويقبلونه، لا يعرفون ربًّا إلا الله، ولا يعبدون إلا هو سبحانه، وهذا من عظيم رحمة الله وفضله، إذ قذف في قلوبهم هذا النور، ثم أمرهم بنور آخر هو نور الوحي يهدي الله لنوره من يشاء، ويتبع ذلك أن الله فطرهم على حب التنظف والتطهر وحسن الهيئة والسمت .. وغير ذلك من الأخلاق الجميلة. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الْآبَاطِ» (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ (٢)، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ». قال زكريا: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة، زاد قتيبة: وقال وكيع: انتقاص الماء: يعني الاستنجاء (٣).

стр. 2683

وهذه السنن التي فطر الله الناس عليها من جملة ما أنعم الله به على الإنسان ولا يخالفها إلا من فسدت فطرته، وتلوثت جبلته، قال النبي ﷺ قال الله تعالى: «وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ، فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ .. الحديث». ومثال ذلك: مثل رجل لديه عبيد فأمرهم أن يعملوا في مزرعته فيعتنوا بأشجارها المثمرة، ويقطعوا منها الأشجار ذات الشوك والتي لا فائدة من بقائها، والأصلح للمزرعة إزالتها، فعكس هؤلاء العبيد الأمر، فجعلوا يقطعون الأشجار المثمرة ويربون الأشجار الشوكية الضارة، فما ظنك ما يكون جزاؤهم عند سيدهم ومولاهم، فالذين يعفون لحاهم ويقصون شواربهم استجابة لنداء الفطرة وامتثالًا لأمر نبيهم ﷺ فهؤلاء عباد الله حقًّا، وأما الذين عكسوا الأمر فمثلهم مثل أولئك العبيد الذين يقطعون الأشجار المثمرة ويتركون الضارة، فهذا دليل على فساد الفطرة، وإن الشياطين استهوتهم فاستحلوا الحرام، وحرموا الحلال، فليتوبوا وليرجعوا إلى ربهم ما داموا في زمن المهلة قبل انتهاء الأجل، قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور]. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2684

الكلمة الرابعة والأربعون من محاسن الدين الإسلامي الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن الدين الإسلامي الذي جاء به محمد ﷺ أكمل الأديان وأفضلها، وأعلاها وأجلها، وقد حوى من المحاسن والكمال والصلاح والرحمة والعدل والحكمة ما يشهد للَّه تعالى بالكمال المطلق وسعة العلم والحكمة، ويشهد لنبيه ﷺ أنه رسول الله حقًّا، وأنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم]. فهذا الدين الإسلامي أعظم برهان، وأجل شاهد لله بالتفرد بالكمال المطلق كله، ولنبيه ﷺ بالرسالة والصدق، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. ومحاسن الدين الإسلامي عامة في جميع مسائله ودلائله، وفي أصوله وفروعه، وفيما دل عليه من علوم الشرع والأحكام، وما دل عليه من علوم الكون والاجتماع، والأمثلة على ذلك كثيرة: المثال الأول: إن دين الإسلام مبني على أصول الإيمان المذكورة في قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ

стр. 2685

إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة]. فهذه الأصول العظيمة التي أمر الله عباده بها هي الأصول التي اتفق عليها الأنبياء والمرسلون، وهي محتوية على أجلِّ المعارف والاعتقادات من الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه على ألسنة رسله، وعلى بذل الجهد في سلوك مرضاته، فدين أصله الإيمان بالله وثمرته السعي في كل ما يحبه ويرضاه، وإخلاص ذلك لله، هل يتصور أن يكون دين أحسن منه وأجلَّ وأفضل؟ ودين أمر بالإيمان بكل ما أوتيه الأنبياء والتصديق برسالاتهم، والاعتراف بالحق الذي جاءوا به من عند ربهم، وعدم التفريق بينهم، وأنهم كلهم رسل الله الصادقون، وأمناؤه المخلصون، يستحيل أن يتوجه إليه أي اعتراض وقدح. فهو يأمر بكل حق، ويعترف بكل صدق، ويقرر الحقائق الدينية المستندة إلى وحي الله لرسله، ويجري مع الحقائق العقلية الفطرية النافعة، ولا يرد حقًّا بوجه من الوجوه، ولا يصدق بكذب، ولا يروج عليه الباطل، فهو مهيمن على سائر الأديان، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران]. المثال الثاني: شرائع الإسلام الكبار: الصلاة، الزكاة، صوم رمضان، وحج البيت، فالذي يتأمل الصلاة يجد أنها من أفضل

стр. 2686

الأعمال، ومع ذلك لا تجب في اليوم والليلة إلا خمس مرات، سبع عشرة ركعة، من لم يستطع القيام يصل قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنب، يتطهر بالماء، فإن عدمه أو تضرر باستعماله تطهر بالتراب، وأما الصيام فإنه يصوم المقيم القادر، فإن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر. والزكاة فيها إصلاح حال الفقراء، وسد حاجة المسكين، وقضاء دين المدين، والتخلق بأخلاق الكرام من السخاء والجود، والبعد عن أخلاق اللئام: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة]. وفي الحج بذل الأموال وتحمل المشقات، طلبًا لرضا الله، وفيه التعظيم والخضوع التام للَّه، والتذكر لأحوال الأنبياء والمرسلين والأصفياء والمخلصين، وتقوية الإيمان بهم، وشدة التعلق بمحبتهم، والتعارف بين المسلمين والسعي في جمع كلمتهم، واتفاقهم على مصالحهم الخاصة والعامة مما لا يمكن تعداده، فإنه من أعظم محاسن الدين وأجل الفوائد الحاصلة للمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ [الحج].

стр. 2687

المثال الثالث: ما أمر به الشارع وحث عليه من وجوب الاجتماع والائتلاف ونهيه وتحذيره عن التفرق والاختلاف، على هذا الأصل الكبير من نصوص الكتاب والسنة شيء كثير، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وقد علم كل من له أدنى معرفة منفعة هذا الأمر، وما يترتب عليه من المصالح الدينية والدنيوية، وما يندفع به من المضار والمفاسد، ولا يخفى أن القوة المعنوية المبنية على الحق هذا أصلها الذي تدور عليه، كما أنه قد علم ما كان عليه المسلمون في صدر الإسلام من استقامة الدين، وصلاح الأحوال والعزة التي لم يصل إليها أحد سواهم إذ كانوا مستمسكين بهذا الأصل، قائمين به حق القيام، موقنين أشد اليقين أنه روح دينهم يزيد هذا بيانًا وإيضاحًا قول عمر ﵁: «إنا كنا أذل قوم، فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله» (١). المثال الرابع: أن دين الإسلام دين رحمة وبركة وإحسان، وحث على منفعة الإنسان، فما عليه هذا الدين من الرحمة وحسن المعاملة والدعوة إلى الإحسان، والنهي عن كل ما يضاد ذلك، هو الذي صيره نورًا وضياءً بين ظلمات الظلم والبغي وسوء المعاملة، وانتهاك الحرمات. وهو الذي جذب قلوب من كانوا قبل معرفته ألد أعدائه

стр. 2688

حتى استظلوا بظله الظليل. وهو الذي عطف وحنا على أهله حتى صارت الرحمة والعفو والإحسان تتدفق من قلوبهم على أقوالهم وأعمالهم، وتتخطاهم إلى أعدائهم، حتى صاروا من أعظم أوليائه، فمنهم من دخل فيه بحسن بصيرة وقوة وجدان، ومنهم من خضع له ورغب في أحكامه وفضلها على أحكام دينه لما فيها من العدل والرحمة، قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء]. وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا يَرْحَمُ الله مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» (١). المثال الخامس: أن من محاسن الدين الإسلامي أنه ما حرم شيئًا عليهم إلا عوضهم خيرًا منه، مما يسد مسده ولا يغني عنه كما بين ذلك ابن القيم ﵀. حرم عليهم الاستقسام بالأزلام، وعوضهم منه دعاء الاستخارة، وحرم عليهم الربا، وعوضهم التجارة الرابحة. وحرم عليهم القمار وعوضهم منه أكل المال بالمسابقة بالخيل والإبل والسهام، وحرم عليهم الحرير، وعوضهم منه أنواع الملابس الفاخرة من الصوف والكتان والقطن، وحرم

стр. 2689

عليهم شرب المسكرات، وعوضهم عنه بالأشربة اللذيذة والنافعة للروح والبدن، وحرم عليهم الخبائث من المطعومات، وعوضهم عنها بالمطاعم والطيبات. المثال السادس: دين الإسلام هو دين الحكمة ودين العقل والفطرة والصلاح والفلاح، يوضح هذا الأصل ما هو محتوٍ عليه من الأحكام الأصولية والفروعية التي تقبلها الفطر والعقول، وتنقاد لها بوازع الحق والصواب، وما هي عليه من الأحكام وحسن الانتظام، وأنها صالحة لكل زمان ومكان، فأخباره كلها حق وصدق، لم يأت - ويستحيل أن يأتي - علم سابق أو لاحق بما ينقضها أو يكذبها، وإنما العلوم الحقَّة كلها تؤازرها وتؤيدها، وهي أعظم برهان على صدقها، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ [فصلت]. وقد حقق المحققون المنصفون أن كل علم نافع ديني أو دنيوي أو سياسي فقد دل عليه القرآن دلالة لا ريب فيها، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام]. فليس في شريعة الإسلام ما تحيله العقول، وإنما فيه ما تشهد العقول الزكية بصدقه ونفعه وصلاحه، وكذلك أوامره ونواهيه كلها عدل لا ظلم فيها، فما أمر بشيء إلا وهو خير أو راجح، وما نهى إلا عن الشر الخالص، أو الذي مفسدته تزيد على مصلحته، وكلما تدبر اللبيب أحكامه ازداد إيمانًا بهذا الأصل، أو علم أنه تنزيل من حكيم حميد، قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ

стр. 2690

مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء]، وقال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك]. وهذا الدين قد أكمله الله، فلا يحتاج إلى زيادة أو استدراك من البشر إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. ومن فوائد معرفة هذا العلم "محاسن الدين ": ١ - أن الاشتغال في هذا الموضوع الذي هو أشرف المواضيع وأجلها من أفضل الأعمال الصالحة، فمعرفته والبحث عنه والتفكير فيه، وسلوك كل طريق يحصل إلى معرفته خير ما شغل العبد به نفسه، والوقت الذي ينفق في ذلك هو للعبد لا عليه. ٢ - أن الناس يتفاوتون في الإيمان وكماله تفاوتًا عظيمًا، وكلما كان العبد أعرف بهذا الدين وأشد تعظيمًا له وسرورًا به وابتهاجًا، كان أكمل إيمانًا وأصح يقينًا، فإنه برهان على جميع أصول الإيمان وقواعده. ٣ - أن من أكبر الدعوة إلى دين الإسلام شرح ما احتوى عليه من المحاسن التي يقبلها ويتقبلها كل صاحب عقل وفطرة سليمة، فلو تصدى للدعوة إلى هذا الدين رجال يشرحون حقائقه ويبينون للخلق مصالحه لكان ذلك كافيًا كفاية تامة في جذب الخلق إليه لما يرون من موافقته للمصالح الدينية والدنيوية، ولصلاح الظاهر والباطن من غير حاجة

стр. 2691

إلى التعرض لدفع شبه المعارضين والطعن في أديان المخالفين، فإنه في نفسه يدفع كل شبهة تعارضه؛ لأنه حق مقرون بالبيان الواضح، والبراهين الموصلة إلى اليقين، فإذا كشف عن بعض حقائق هذا الدين صار أكبر داع إلى قبوله ورجحانه على غيره. قال الشيخ عبدالعزيز بن باز ﵀: «فعلى جميع الأمة حكماء وعلماء وتجار وغيرهم أن يبلغوا عن الله وعن رسوله ﷺ هذا الدين، وأن يشرحوه للناس بشتى اللغات الحية المستعملة بأساليب واضحة، وأن يشرحوا محاسن الإسلام وحكمه وفوائده وحقيقته حتى يعرفه أعداؤه، وحتى يعرفه الجاهلون فيه، وحتى يعرفه الراغبون فيه» (١). وقال أيضًا: «والله لو عرفه الناس اليوم، ولو عرفه العالم على حقيقته لدخلوا فيه أفواجًا اليوم، كما دخلوا فيه أفواجًا بعدما فتح الله على نبيه مكة ﵊» (٢) (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2692

الكلمة الخامسة والأربعون وقفات مع قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] . الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن الله أنزل هذا القرآن العظيم لتدبره والعمل به، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد]. ومن الآيات التي تحتاج منا إلى تدبرها ومعرفة ما فيها من الحكم العظيمة، والفوائد الجليلة قول الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء]. «قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ هذه الآية لها وجهان معروفان من التفسير: الأول: أن المراد بالطائر: العمل، من قولهم: طار له سهم، إذا خرج له، أي: ألزمناه ما طار له من عمله. الثاني: أن المراد بالطائر: ما سبق له في علم الله من شقاوة أو سعادة، والقولان متلازمان؛ لأن ما يطير له من العمل هو سبب ما يؤول إليه من الشقاوة، أو السعادة.

стр. 2693

والوجهان المذكوران في تفسير هذه الآية الكريمة كلاهما شهد له القرآن، أما على القول الأول بأن المراد بطائره عمله، فالآيات الدالة على أن عمل الإنسان لازم له كثيرة جدًّا، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة]. وأما على القول بأن المراد بطائره الذي طار له في الأزل من الشقاوة أو السعادة، فالآيات الدالة على ذلك أيضًا كثيرة، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، وقال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾ [الشورى]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ أي جعلنا عمله أو ما سبق له من شقاوة أو سعادة في عنقه، أي: لازمًا له لزوم القلادة أو الغل لا ينفك عنه، وإنما ذكر العنق لأنه عضو لا نظير له في الجسد، ومنه قول العرب: تقلدها طوق الحمامة، وقولهم: الموت في الرقاب. ومنه قول الشاعر: اذْهَبْ بِهَا اذْهب بِهَا ... طَوَّقْتُهَا طَوْقَ الحَمَامَةِ فالمعنى في ذلك كله اللزوم وعدم الانفكاك.

стр. 2694

قوله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أن ذلك العمل الذي ألزم الإنسان إياه يخرج له يوم القيامة مكتوبًا في كتاب يلقاه منشورًا» (١)، أي مفتوحًا يقرؤه هو وغيره، فيه جميع عمله من أول عمره إلى آخره، قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)﴾ [القيامة]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾ [التكوير]. قال مقاتل: «إذا مات المرء طويت صحيفة عمله، فإذا كان يوم القيامة نشرت» (٢). قال القرطبي ﵀: «أي فتحت بعد أن كانت مطوية، والمراد صحف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها ما فعل أهلها من خير أو شر تطوى بالموت، وتُنشر في القيامة، فيقف كل إنسان على صحيفته فيعلم ما فيها» (٣)، ولهذا قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ أي: أنك تعلم أنك لم تُظلم، ولم يكتب عليك غير ما عملت؛ لأنك ذكرت جميع ما كان منك، ولا ينسى أحد شيئًا مما كان منه، وكل أحد يقرأ كتابه من كاتب وأمي. قال الحسن البصري ﵀: «قد عدل] والله] من جعلك حسيب نفسك». قال ابن كثير ﵀: «هذا من حُسنِ كلام الحسن ﵀» (٤).

стр. 2695

روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عقبة بن عامر ﵁ يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: «لَيْسَ مِنْ عَمَلِ يَوْمٍ إِلَّا وَهُوَ يُخْتَمُ عَلَيْهِ، فَإِذَا مَرِضَ الْمُؤْمِنُ، قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبَّنَا، عَبْدُكَ فُلَانٌ قَدْ حَبَسْتَهُ، فَيَقُولُ الرَّبُّ : اخْتِمُوا لَهُ عَلَى مِثْلِ عَمَلِهِ حَتَّى يَبْرَأَ أَوْ يَمُوتَ» (١) (٢). وبيَّن تعالى في آيات أخرى صفات هذا الكتاب الذي يلقاه العبد منشورًا، بأن من صفاته أن المجرمين مشفقون أي خائفون مما فيه، وأنه لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأنهم يجدون فيه جميع ما عملوا حاضرًا ليس منه شيء غائبًا، وأن الله تعالى لا يظلمهم في الجزاء عليه شيئًا، قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف]. «وبيَّن في موضع آخر أن بعض الناس يؤتى هذا الكتاب بيمينه - جعلنا الله وإخواننا المسلمين منهم - وأن من أوتيه بيمينه يحاسب حسابًا يسيرًا، ويرجع إلى أهله مسرورًا، وأنه في عيشة راضية، في جنة عالية، قطوفها دانية، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾ [الانشقاق]، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ

стр. 2696

فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)﴾ [الحاقة]. وبيَّن في موضع آخر أن من أوتيه بشماله يتمنى أنه لم يؤته، وأنه يؤمر به فيصلى الجحيم، ويسلك في سلسلة من سلاسل النار ذرعها سبعون ذراعًا، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢)﴾ [الحاقة]. أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من النار، وما قرب إليها من قول أو عمل. وبيَّن في موضع آخر أن من أُوتي كتابه وراء ظهره، يصلى السعير، ويدعو الثبور، وذلك في قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ [الانشقاق]. وبيَّن في موضع آخر أنه إن أنكر شيئًا من عمله شهدت عليه جوارحه، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ [يس]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١)﴾ [فصلت]. وفي الحديث: «فَيُقَالُ لأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلامِ، قَالَ: فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا،

стр. 2697

فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ» (١) (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2698

الكلمة السادسة والأربعون التوسل المشروع والممنوع الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء]. فأما الآية الأولى: فقد قال إمام المفسرين ابن جرير في تفسيرها: «يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله فيما أخبرهم، ووعد من الثواب وأوعد من العقاب، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾، يقول: أجيبوا الله فيما أمركم ونهاكم بالطاعة له في ذلك ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ يقول: واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه» (١). ونقل الحافظ ابن كثير ﵀ عن ابن عباس ﵄ أن معنى الآية: الوسيلة فيها القربة، ونقل مثل ذلك عن مجاهد والحسن، ونقل عن قتادة قوله فيها: أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه، ثم قال ابن كثير ﵀: «وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه، والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى

стр. 2699

تحصيل المقصود» (١). وأما الآية الثانية، فقد بين الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ مناسبة نزولها التي توضح معناها، فقال: «نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم الجنيون والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون» (٢). قال الحافظ ابن حجر ﵀: «أي استمر الإنس الذين كانوا يعبدون الجن على عبادة الجن، والجن لا يرضون بذلك لكونهم أسلموا، وهم الذين صاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة، وهذا هو المعتمد في تفسير الآية» (٣). «والذي يظهر بعد تتبع ما ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة أن هناك ثلاثة أنواع للتوسل شرعها الله تعالى، وحث عليها، ورد بعضها في القرآن، واستعملها الرسول ﷺ وحض عليها، وليس في هذه الأنواع التوسل بالذوات، أو الجاهات، أو الحقوق، أو المقامات، فدل ذلك على عدم مشروعيته وعدم دخوله في عموم الوسيلة المذكورة في الآيتين السابقتين، أما الأنواع المشار إليها من التوسل المشروع فهي: ١ - التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه الحسنى، أو صفة من صفاته العليا، كأن يقول المسلم في دعائه: اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم، اللطيف الخبير، أن تعافيني،

стр. 2700

أو يقول: أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمني وتغفر لي، ومثله قول القائل: اللهم إني أسألك بحبي لمحمد ﷺ فإن الحب من صفاته تعالى. ودليل مشروعية هذا التوسل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. والمعنى: ادعوا الله تعالى متوسلين إليه بأسمائه الحسنى، ولا شك أن صفاته العليا داخلة في هذا الطلب؛ لأن أسماءه الحسنى سبحانه صفات له، خصت به ﵎. ومن الأدلة أيضًا قول النبي ﷺ في أحد أدعيته الثابتة عنه فيما رواه أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ أنه ﷺ سمع رجلًا يقول في تشهده: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، فَقَالَ: «لَقَدْ سَأَلْتَ اللَّهَ بِالاسْمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (١). ٢ - التوسل إلى الله تعالى بعمل صالح قام به الداعي، كأن يقول المسلم: اللهم بإيماني بك، ومحبتي لك، واتباعي لرسولك، اغفر لي، أو يقول: اللهم إني أسألك بحبي لمحمد ﷺ وإيماني به أن تفرج عني، ومنه أن يذكر الداعي عملًا صالحًا ذا بال، فيه خوفه من الله سبحانه وتقواه إياه، وإيثار مرضاته على كل شيء، وطاعته له جل شأنه، ثم يتوسل به إلى ربه في دعائه ليكون أرجى لقبوله
следующие страницы →