← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)﴾ [الحاقة]. وبيَّن في موضع آخر أن من أوتيه بشماله يتمنى أنه لم يؤته، وأنه يؤمر به فيصلى الجحيم، ويسلك في سلسلة من سلاسل النار ذرعها سبعون ذراعًا، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢)﴾ [الحاقة]. أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من النار، وما قرب إليها من قول أو عمل. وبيَّن في موضع آخر أن من أُوتي كتابه وراء ظهره، يصلى السعير، ويدعو الثبور، وذلك في قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ [الانشقاق]. وبيَّن في موضع آخر أنه إن أنكر شيئًا من عمله شهدت عليه جوارحه، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ [يس]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١)﴾ [فصلت]. وفي الحديث: «فَيُقَالُ لأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلامِ، قَالَ: فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا،

стр. 2697

فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ» (١) (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2698

الكلمة السادسة والأربعون التوسل المشروع والممنوع الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء]. فأما الآية الأولى: فقد قال إمام المفسرين ابن جرير في تفسيرها: «يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله فيما أخبرهم، ووعد من الثواب وأوعد من العقاب، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾، يقول: أجيبوا الله فيما أمركم ونهاكم بالطاعة له في ذلك ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ يقول: واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه» (١). ونقل الحافظ ابن كثير ﵀ عن ابن عباس ﵄ أن معنى الآية: الوسيلة فيها القربة، ونقل مثل ذلك عن مجاهد والحسن، ونقل عن قتادة قوله فيها: أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه، ثم قال ابن كثير ﵀: «وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه، والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى

стр. 2699

تحصيل المقصود» (١). وأما الآية الثانية، فقد بين الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ مناسبة نزولها التي توضح معناها، فقال: «نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم الجنيون والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون» (٢). قال الحافظ ابن حجر ﵀: «أي استمر الإنس الذين كانوا يعبدون الجن على عبادة الجن، والجن لا يرضون بذلك لكونهم أسلموا، وهم الذين صاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة، وهذا هو المعتمد في تفسير الآية» (٣). «والذي يظهر بعد تتبع ما ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة أن هناك ثلاثة أنواع للتوسل شرعها الله تعالى، وحث عليها، ورد بعضها في القرآن، واستعملها الرسول ﷺ وحض عليها، وليس في هذه الأنواع التوسل بالذوات، أو الجاهات، أو الحقوق، أو المقامات، فدل ذلك على عدم مشروعيته وعدم دخوله في عموم الوسيلة المذكورة في الآيتين السابقتين، أما الأنواع المشار إليها من التوسل المشروع فهي: ١ - التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه الحسنى، أو صفة من صفاته العليا، كأن يقول المسلم في دعائه: اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم، اللطيف الخبير، أن تعافيني،

стр. 2700

أو يقول: أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمني وتغفر لي، ومثله قول القائل: اللهم إني أسألك بحبي لمحمد ﷺ فإن الحب من صفاته تعالى. ودليل مشروعية هذا التوسل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. والمعنى: ادعوا الله تعالى متوسلين إليه بأسمائه الحسنى، ولا شك أن صفاته العليا داخلة في هذا الطلب؛ لأن أسماءه الحسنى سبحانه صفات له، خصت به ﵎. ومن الأدلة أيضًا قول النبي ﷺ في أحد أدعيته الثابتة عنه فيما رواه أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ أنه ﷺ سمع رجلًا يقول في تشهده: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، فَقَالَ: «لَقَدْ سَأَلْتَ اللَّهَ بِالاسْمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (١). ٢ - التوسل إلى الله تعالى بعمل صالح قام به الداعي، كأن يقول المسلم: اللهم بإيماني بك، ومحبتي لك، واتباعي لرسولك، اغفر لي، أو يقول: اللهم إني أسألك بحبي لمحمد ﷺ وإيماني به أن تفرج عني، ومنه أن يذكر الداعي عملًا صالحًا ذا بال، فيه خوفه من الله سبحانه وتقواه إياه، وإيثار مرضاته على كل شيء، وطاعته له جل شأنه، ثم يتوسل به إلى ربه في دعائه ليكون أرجى لقبوله

стр. 2701

وإجابته، وهذا توسل جيد وجميل قد شرعه الله تعالى وارتضاه، ويدل على مشروعيته قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران]، وقوله: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران]، وأمثال هذه الآيات الكريمات. ومن الأدلة: حديث قصة أصحاب الغار المشهورة والمخرجة في الصحيحين، فإن كل واحد منهم توسل إلى الله بعمله الصالح، فالأول توسل إلى الله ببره بوالديه، والثاني بعفته عن الزنا بابنة عمه، والثالث بحفاظه على حق أجيره الذي ترك أجرته التي كانت فرقًا من أرز فنماها حتى كانت منها الشاة والبقر والإبل والرقيق (١). ٣ - التوسل إلى الله بدعاء الرجل الصالح، كأن يقع المسلم في ضيق شديد، أو تحل به مصيبة كبيرة، ويعلم من نفسه التفريط في جنب الله تعالى، فيحب أن يأخذ بسبب قوي إلى الله فيذهب إلى رجل يعتقد فيه الصلاح والتقوى، أو الفضل والعلم بالكتاب والسنة، فيطلب منه أن يدعو له ربه ليفرج عنه كربه، ويزيل عنه همه، فهذا نوع آخر من التوسل المشروع دلت عليه الشريعة المطهرة. وقد وردت أمثلة على ذلك، فمن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب ﵁، فقال:

стр. 2702

«اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا ﷺ فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا»، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ (١). وفي رواية: «فقال عمر للعباس ﵄: قم فاستسق وادع ربك» (٢). ومعنى قول عمر: إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، أننا كنا نقصد نبينا ﷺ ونطلب منه أن يدعو لنا، ونتقرب إلى الله بدعائه، والآن وقد انتقل ﷺ إلى الرفيق الأعلى، ولم يعد من الممكن أن يدعو لنا، فإننا نتوجه إلى عم نبينا العباس ونطلب منه أن يدعو لنا، وليس معناه أنهم كانوا يقولون في دعائهم: اللهم بجاه نبيك اسقنا، ثم أصبحوا يقولون بعد وفاته ﷺ : اللهم بجاه العباس اسقنا؛ لأن مثل هذا دعاء مبتدع ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة، ولم يفعله أحد من السلف الصالح رضوان الله عليهم» (٣). النوع الثاني: التوسل الممنوع: «التوسل الممنوع وهو ما يسمى بالتوسل البدعي الذي لا أصل له في الدين، ولا دليل عليه من الكتاب والسنة، ولا من عمل السلف الصالح. فمن ذلك سؤاله ﵎ بجاه أحد من خلقه، كقول أحدهم: اللهم إني أسألك بجاه نبيك، أو بجاه عبدك فلان أن

стр. 2703

ترحمني، وتغفر لي. أو سؤال الله تعالى بحق نبيه، أو بحق أحد من عباده كقولهم: اللهم إني أسألك بحق نبيك عليك، أو بحق فلان عندك أن ترحمني، وتغفر لي» (١). «أو سؤال الله تعالى بحق البيت الحرام مغفرة الذنوب، أو قوله: اللهم بجاه الأولياء والصالحين، ومثل فلان بن فلان، أو بكرامة رجال الله عندك، وبجاه من نحن بحضرته فرج الهم عنا وعن المهمومين، واللهم إنا قد بسطنا إليك أكف الضراعة، متوسلين إليك بصاحب الوسيلة والشفاعة أن تنصر الإسلام والمسلمين» (٢). «أو الإقسام على الله بالمتوسل به كقولهم: اللهم إني أقسم عليك بفلان أن تقضي حاجتي. وغيرها من الأسئلة والتوسلات غير الجائزة والممنوعة شرعًا، وهذا النوع من التوسل لم يرد في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، ولم يرد في فعل الصحابة رضوان الله عليهم الذين نقلوا لنا كل أقوال وأحوال رسول الله ﷺ » (٣). وفي صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال:

стр. 2704

«مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١). وقال ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» (٢). تنبيه: إذا وقع التوسل بمخلوق أو بجاه فلان مهما كانت منزلته مع الاعتقاد أن له شيئًا من الأمر من جلب نفع أو دفع ضر فهذا من الشرك الأكبر المخرج من دائرة الإسلام، بل هو من الشرك في ربوبية الله سبحانه، وأما بدون اعتقاد ذلك فهو ممنوع شرعًا لسد ذريعة الشرك. وكذلك إذا وصل الأمر إلى الدعاء أو النذر أو الذبح لأرواح الأولياء والصالحين، والعكوف حول قبورهم، فلا شك أن هذا كفر أكبر مخرج من دائرة الإسلام، وصاحبه مخلد في النار إن لم يتب منه حتى لو زعم صاحبه أنه من المسلمين وصلى وصام. قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر]. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2705

الكلمة السابعة والأربعون أسباب تفرق المسلمين الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن من ركائز الدين الإسلامي ودعائمه العظام؛ اجتماع الكلمة، ووحدة الصف، ونبذ الفرقة والخلاف. وذكر سبحانه نعمته على المؤمنين باجتماعهم وتآلف قلوبهم، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾ [الأنفال]. قال ابن كثير ﵀: «قوله: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾، أي: لما كان بينهم من العداوة والبغضاء، فإن الأنصار كانت بينهم حروب كثيرة في الجاهلية بين الأوس والخزرج، وأمور يلزم منها التسلسل في الشر حتى قطع الله ذلك بنور الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران]» (١).

стр. 2706

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]. فبرأ الله نبيه من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا، كما نهى عن التفرق والاختلاف، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾ [البينة]. قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي: «وإذا لم يؤمن أهل الكتاب لهذا الرسول ولا ينقادوا له، فليس ذلك ببدع من ضلالهم وعنادهم، فإنهم ما تفرقوا واختلفوا وصاروا أحزابًا ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ التي توجب لأهلها الاجتماع والاتفاق، ولكنهم لرداءتهم ونذالتهم لم يزدهم الهدى إلا ضلالًا، ولا البصيرة إلا عمى، مع أن الكتب كلها جاءت بأصل واحد ودين واحد» (١). وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ لما خطب الأنصار قال: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي»، فَكُلَّمَا قَالَ شَيْئًا، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ (٢). وفي صحيح البخاري من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنا في غزاة -قال سفيان مرة: في جيش- فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: «مَا

стр. 2707

بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟ ! » قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ»، فَسَمِعَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّه بْنُ أُبَيٍّ، فَقَالَ: فَعَلُوهَا، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَامَ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» (١). وفي الصحيحين أن عائشة ﵂ قالت: سألت النبي ﷺ عن الجدر أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قُلْتُ: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: «إنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ». قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: «فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا، وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا، وَلَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِليَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجدر فِي الْبَيْتِ، وَأَنْ ألْصِقَ بَابَهُ فِي الْأَرْضِ» (٢). فهذه الأحاديث السابقة تدل على حرصه ﷺ على تأليف قلوب الناس، وجمع الكلمة، ومراعاة المصالح والمفاسد، بل إن الكذب وهو من كبائر الذنوب أُجيز في حالات معينة، منها تأليف القلوب، وجمع الكلمة، والإصلاح بين الناس، فكما جاء في الحديث: «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا» (٣) قال الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني ﵀: «وانظر في

стр. 2708

حكمة الله ومحبته لاجتماع القلوب كيف حرم النميمة - وهي صدق - لما فيها من إفساد القلوب، وتوليد العداوة والوحشة، وأباح الكذب - وإن كان حرامًا - إذا كان لجمع القلوب وجلب المودة وإذهاب العداوة» (١). ولذلك يجب الدعوة إلى هذه الركيزة العظيمة - أعني اجتماع الكلمة - والتحذير من الأسباب التي توقع في الفرقة والخلاف وهي أسباب كثيرة وفروعها متشعبة، إلا أنها ترجع في نهاية المطاف إلى أمرين اثنين: الأول: عدم توحيد المصدر الصحيح الذي يرجع فيه إلى تطبيق شعائر الدين، وهو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما عليه السلف الصالح، وذلك بكثرة من يفتي وهو غير مؤهل للفتوى، وفي هذا العصر تساهل الناس في تلقي الفتوى، فصار لكل قناة من القنوات الإذاعية مفتٍ أو أكثر، والقنوات الفضائية صار لها مفتٍ أو أكثر، وكذلك الجرائد والمجلات التي تنشر الفسق والفجور لها مفتٍ، والذين يفتون المثقفون والأطباء والصحفيون والمهندسون وغيرهم من الجهال، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّه لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (٢).

стр. 2709

«ولذلك ينبغي لمن ولاه الله أمر المسلمين أن يتصفح أحوال المفتين، فمن كان يصلح للفتوى أقره عليها، ومن لم يكن من أهلها منعه منها. وقد كان الخلفاء من بني أمية ينصبون للفتوى بمكة في أيام الموسم قومًا يعينونهم، ويأمرون بأن لا يُستفتى غيرهم، قال ربيعة بن عبد الرحمن شيخ الإمام مالك: «ولبعض من يفتي ها هنا أحق بالسجن من السراق» (١). وفي السابق كان العلماء يمنعون من ليس من أهل الفتوى من التصدر لها، ويذكر في هذ المقام سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ الذي كان يمنع المتطاولين، ويؤدب المتجاوزين، جاء في كتاب له لأحد المتصدرين للفتيا ممن ليس من أهلها: «الداعي إلى الكتابة لكم أنه تكرر منكم تدخلكم فيما أنتم في غنى عنه، فضلًا عما فيه من التنافي مع ما يقتضيه التقى والورع من وجوب استبراء العبد لدينه وعرضه، وذلك رأيكم في التصديق للعامة بإفتائهم في مسائل الطلاق بما هو خلاف ما عليه الفتوى، وما اشتهر القول به لدى جمهور العلماء، ومرجوحيته ظاهرة لدى المحققين من أهل العلم. فنأمل منك بارك الله فيك الكف عن إرباك العامة بفتاوى شاذة، أو مرجوحة، ومتى تقدم إليكم من يطلب الفتوى فعليك بالإشارة لهم إلى الجهة المختصة بالفتاوى، ونرجو أن يكون

стр. 2710

لديك من أسباب احترامك لنفسك، ما يغنينا من إجراء ما يوقفك عند حدك» (١). ولما أعلن أحدهم إباحة الغناء رد عليه بعض العلماء كالشيخ عبد العزيز آل الشيخ، والشيخ صالح اللحيدان، والشيخ صالح الفوزان» (٢). الثاني: حب النفس وتقديم المصالح الخاصة على المصالح العامة، وقد كان السلف على خلاف ذلك يؤثرون غيرهم على أنفسهم ويقدمون مصالح المسلمين على مصالح أنفسهم. فمن ذلك ما حصل من تنازل الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان، حيث سمي ذلك عام الجماعة، لاجتماع كلمة المسلمين على معاوية، وكان هذا مصداقًا لقول النبي ﷺ : «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» (٣). «قد يقول قائل: إذا كان الاختلاف في الدين منهيًّا عنه، فماذا تقولون في اختلاف الصحابة والأئمة من بعدهم؟ وهل ثمة فرق بين اختلافهم واختلاف غيرهم من المتأخرين؟ الجواب: نعم، هناك فرق كبير بين الاختلافين، ويظهر ذلك

стр. 2711

في شيئين: الأول سببه، والآخر أثره. فأما اختلاف الصحابة، فإنما كان عن ضرورة واختلاف طبيعي منهم في الفهم، لا اختيارًا منهم للخلاف، يضاف إلى ذلك أمور أخرى كانت في زمنهم استلزمت اختلافهم ثم زالت من بعدهم، ومثل هذا الاختلاف لا يمكن الخلاص منه كليًّا، ولا يلحق أهله الذم الوارد في الآيات السابقة وما في معناها، لعدم تحقق شرط المؤاخذة وهو القصد أو الإصرار عليه. وأما الاختلاف القائم بين المقلدة، فلا عذر لهم فيه غالبًا، فإن بعضهم قد تبين له الحجة من الكتاب والسنة، وأنها تؤيد المذهب الآخر الذي لا يتمذهب به عادة فيدعها لا لشيء إلا لأنها خلاف مذهبه، فكأن المذهب عنده هو الأصل، أو هو الدين الذي جاء به محمد ﷺ ، والمذهب الآخر هو دين آخر منسوخ. وآخرون منهم على النقيض من ذلك، فإنهم يرون هذه المذاهب - على ما بينها من اختلاف واسع- كشرائع متعددة؛ كما صرح بذلك بعض متأخريهم (١): لا حرج على المسلم أن يأخذ من أيها شاء، ويدع ما شاء، إذ الكل شرع! وقد يحتج هؤلاء وهؤلاء على بقائهم في الاختلاف بذلك الحديث الباطل: «اختلاف أمتي رحمة»، وكثيرًا ما سمعناهم يستدلون به على ذلك. ويعلل بعضهم هذا الحديث ويوجهونه بقولهم: إن الاختلاف

стр. 2712

إنما كان رحمة؛ لأن فيه توسعة على الأمة! ومع أن هذا التعليل مخالف لصريح الآيات المتقدمة، وفحوى كلمات الأئمة السابقة؛ فقد جاء النص عن بعضهم برده. قال ابن القاسم: «سمعت مالكًا والليث يقولان في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ : ليس كما قال ناس: فيه توسعة ليس كذلك، إنما هو خطأ وصواب» (١). وقال أشهب: «سُئل مالك عمن أخذ بحديث حدثه ثقة عن أصحاب رسول الله ﷺ ؛ أتراه من ذلك في سعة، فقال: لا والله حتى يصيب الحق، ما الحق إلا واحد، قولان مختلفان يكونان صوابًا جميعًا؟ ! ما الحق والصواب إلا واحد» (٢). فثبت أن الخلاف شرٌ كله، وليس رحمة، ولكن منه ما يؤاخذ عليه الإنسان؛ كخلاف المتعصبة للمذاهب، ومنه ما لا يؤاخذ عليه؛ كخلاف الصحابة ومن تابعهم من الأئمة؛ حشرنا الله في زمرتهم، ووفقنا لاتباعهم، فظهر أن اختلاف الصحابة ﵃ هو غير اختلاف المقلدة. وخلاصته: أن الصحابة اختلفوا اضطرارًا، ولكنهم كانوا ينكرون الاختلاف، ويفرون منه ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا، وأما المقلدة - فمع إمكانهم الخلاص منه ولو في قسم كبير منه - فلا يتفقون ولا يسعون إليه؛ بل يقرونه، فشتان إذن بين الاختلافين، ذلك هو الفرق

стр. 2713

من جهة السبب. وأما الفرق من جهة الأثر؛ فهو أوضح، وذلك أن الصحابة ﵃ - مع اختلافهم المعروف في الفروع - كانوا محافظين أشد المحافظة على مظهر الوحدة، بعيدين كل البعد عما يفرق الكلمة، ويصدع الصفوف، فقد كان فيهم مثلًا من يرى مشروعية الجهر بالبسملة، ومن يرى عدم مشروعيته، وكان فيهم من يرى استحباب رفع اليدين، ومن لا يراه، وفيهم من يرى نقض الوضوء بمس المرأة، ومن لا يراه؛ ومع ذلك فقد كانوا يصلون جميعًا وراء إمام واحد، ولا يستنكف أحد منهم عن الصلاة وراء الإمام لخلافٍ مذهبي. وأما المقلدون؛ فاختلافهم على النقيض من ذلك تمامًا، فقد كان من آثاره أن تفرق المسلمون في أعظم ركن بعد الشهادتين؛ ألا وهو الصلاة، فهم يأبون أن يصلوا جميعًا وراء إمام واحد، بحجة أن صلاة الإمام باطلة أو مكروهة على الأقل بالنسبة إلى المخالف له في مذهبه، وقد سمعنا ذلك ورأيناه كما رآه غيرنا (١)، كيف لا وقد نصت كتب بعض المذاهب المشهورة اليوم على الكراهة أو البطلان؟ ! وكان من نتيجة ذلك أن تجد أربعة محاريب في المسجد الجامع، يصلي فيها أئمة أربعة متعاقبين، وتجد أناسًا ينتظرون إمامهم بينما الإمام الآخر قائم يصلي.

стр. 2714

بل لقد وصل الخلاف إلى ما هو أشد من ذلك عند بعض المقلدين، مثاله منع التزاوج بين الحنفي والشافعية، ثم صدرت فتوى من بعض المشهورين عند الحنفية- وهو الملقب بـ «مفتي الثقلين» -فأجاز تزوج الحنفي بالشافعية، وعلل ذلك بقوله: تنزيلًا لها منزلة أهل الكتاب (١)، ومفهوم ذلك- ومفاهيم الكتب معتبرة عندهم - أنه لا يجوز العكس، وهو تزوج الشافعي بالحنفية؛ كما لا يجوز تزوج الكتابي بالمسلمة؟ ! هذان مثالان من أمثلة كثيرة توضح للعاقل الأثر السَّيِّئ الذي كان نتيجة اختلاف المتأخرين وإصرارهم عليه؛ بخلاف اختلاف السلف، فلم يكن له أي أثر سيِّئ في الأمة، ولذلك فهم في منجاة من أن تشملهم آيات النهي عن التفرق في الدين- بخلاف المتأخرين - هدانا الله جميعًا إلى صراطه المستقيم. وليت أن اختلافهم المذكور انحصر ضرره فيما بينهم، ولم يتعده إلى غيرهم من أمة الدعوة؛ إذن لهان الخطب بعض الشيء، ولكنه - ويا للأسف- تجاوزهم إلى غيرهم من الكفار في كثير من البلاد والأقطار، فصدوهم بسبب اختلافهم، عن الدخول في دين الله أفواجًا» (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2715

الكلمة الثامنة والأربعون التشبه بالكفار الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فقد وردت الأدلة من الكتاب والسنة في النهي عن التشبه بالكفار، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)﴾ [الجاثية]. «فأخبر سبحانه أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدين والدنيا، وأنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغيًا من بعضهم على بعض، ثم جعل محمدًا ﷺ على شريعة شرعها له وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وقد دخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته، وأهواؤهم كل ما يهوونه وما هم عليه من الهدى الظاهر الذي هو من موجبات دينهم الباطل، وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه، ولهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين لهم في بعض أمورهم، ويودون لو يبذلون مالًا عظيمًا لتحصيل ذلك، ولو فرض أن الفعل ليس من اتباع أهوائهم فمخالفتهم فيه أحسم لمتابعتهم في أهوائهم، وأعون على حصول مرضاة الله في تركها» (١).

стр. 2716

«ومنها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٩ - ١٥٠]. قال غير واحد من السلف: «معناه: لئلا يحتج اليهود عليكم بالموافقة في القبلة، فيقولون: قد وافقونا في قبلتنا، فيوشك أن يوافقونا في ديننا، فقطع الله بمخالفتهم في القبلة هذه الحجة، فبين سبحانه أن من حكمة تنحي القبلة وتغييرها، مخالفة الناس الكافرين في قبلتهم، ليكون ذلك أقطع لما يطمعون فيه من الباطل، ومعلوم أن هذا المعنى ثابت في كل مخالفة وموافقة، فإن الكافر إذا اتُّبع في شيء من أمره، كان له الحجة مثل ما كان -أو قريب مما كان- لليهود من الحجة في القبلة» (١). روى أبو داود في سننه من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وأقل أحواله يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، فقد يحمل هذا على

стр. 2717

التشبه المطلق، فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك، وقد يحمل على أنه صار منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه، فإن كان كفرًا أو معصية أو شعارًا للكفر أو للمعصية كان حكمه كذلك» (١). وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا ذِرَاعًا، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ؟ » (٢). وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِي بِأَخْذِ القُرُونِ قَبْلَهَا شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ». فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَفَارِسِ وَالرُّومِ؟ فَقَالَ: «وَمَنِ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ» (٣). «ومشابهة بعض طوائف اليهود والنصارى، وفارس والروم، مما ذمه الله ورسوله وهو المطلوب، ولا يقال: فإذا كان الكتاب والسنة قد دلا على وقوع ذلك، فما فائدة النهي عنه؟ لأن الكتاب والسنة - أيضًا - قد دلا على أنه لا يزال في هذه الأمة طائفة متمسكة بالحق الذي بُعث به محمد ﷺ إلى قيام الساعة، وأنها لا تجتمع على ضلالة، ففي النهي عن ذلك تكثير هذه الطائفة المنصورة وتثبيتها، وزيادة إيمانها، فنسَأل الله المجيب أن يجعلنا منها» (٤).أهـ

стр. 2718

وأما الإجماع، فمن ذلك أن أمير المؤمنين عمر ﵁ وكذلك الصحابة والأئمة من بعده وسائر الفقهاء جعلوا في الشروط المشروطة على أهل الذمة من النصارى وغيرهم فيما شرطوه على أنفسهم: أن نوقر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا إن أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من ملابسهم، كسوة أو عمامة، أو نعلين (١) .. إلى آخر الشروط. وروى الحافظ أبو الشيخ الأصفهاني في شروط أهل الذمة بإسناده: أن عمر ﵁ كتب: أن لا تكاتبوا أهل الذمة، فيجري بينكم وبينهم المودة، ولا تُكْنوهم وأذلوهم ولا تظلموهم (٢). ومن ذلك ما ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه قال: «من بنى ببلاد الأعاجم، وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك، حشر معهم يوم القيامة» (٣). وغير

стр. 2719

ذلك من الآثار عن الصحابة ومن بعدهم. «والتشبه بالظاهر يقود إلى التشبه بالباطن؛ لأن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة، وموالاة في الباطن كما. أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة، حتى إن الرجلين إذا كانا من بلد واحد، ثم اجتمعوا في دار غربة كان بينهما من المودة والائتلاف أمر عظيم، وإن كانا في مصرهما لم يكونا متعارفين، أو كانا متهاجرين، وذاك لأن الاشتراك في البلد نوع وصف اختصا به عن بلد الغربة، فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة والموالاة لهم، فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟ فإن اقتضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد، والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١]» (١). بل إن التشبه في الظاهر دليل على التشبه باطنًا، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨]. والحال شاهد على ذلك، فمن تزيا بزي أهل العلم

стр. 2720

والصالحين وجد من نفسه قوة على الاقتداء بهم، والابتعاد عن خلاف ذلك، والعكس أن من تزيا بزي السفهاء وأهل الفسق، سهل على نفسه متابعتهم وتقليدهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين، هم أقل كفرًا من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى هم أقل إيمانًا من غيرهم ممن جرد الإسلام» (١). والتشبه منهي عنه وإن لم يقصده فاعله، فعلى سبيل المثال: لو حلق لحيته ولم يقصد التشبه بالكفار، فإن فعله تشبه لقول النبي ﷺ : «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا اللِّحَى» (٢). كما يحصل التشبه وإن لم يكن من عمل الإنسان، ويمثل ذلك بالتشبيب، قال ﷺ : «إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ» (٣). فالتشبيب من فعل الله وخلقه لا من فعل العبد، ومع ذلك فتركه وعدم تغييره من التشبه المنهي عنه، فما بالك إذن بمن يختار ما عليه أهل الكفر والفسوق على ما عليه أهل الهدى والصلاح. وحين جاء أبو بكر الصديق ﵁ بأبيه أبي قحافة يوم فتح مكة يحمله حتى وضعه بين يدي رسول الله ﷺ ورأى رأسه كأنها

стр. 2721

الثغامة بياضًا، قال: «غَيِّرُوا هَذَا بِشَيءٍ» (١)، وفي رواية: «واجْتَنِبُوا السَّوَادَ» (٢)؛ ولذلك على المسلم أن يغير هذا الشيب بالحناء والكتم، كما ورد بذلك الحديث حتى تحصل المخالفة لليهود والنصارى. أحكام التشبه: قد يصل التشبه بصاحبه إلى الكفر، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. قال الشنقيطي ﵀: «ذُكر في هذه الآية الكريمة أن من تولى اليهود والنصارى من المسلمين، فإنه يكون منهم بتوليه إياهم» (٣). وبين في موضع آخر: «أن محل ذلك فيما إذا لم تكن الموالاة بسبب خوف وتقية، وإن كانت بسبب ذلك فصاحبها معذور، وهو قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آلعمران: ٢٨]، فهذه الآية الكريمة فيها بيان لكل الآيات القاضية بمنع موالاة الكفار مطلقًا، وإيضاح أن محل ذلك في حالة الاختيار، وأما عند الخوف والتقية، فيرخص في موالاتهم بقدر المداراة

стр. 2722

التي يُكتفى بها شرهم، ويشترط في ذلك سلامة الباطن من تلك الموالاة: ومَنْ يَأَتِي الأُمُورَ على اضْطِّرارٍ ... فَلَيْسَ كَمْثِلِ آتَيِهَا اخِتْيارًا ويفهم من ظواهر هذه الآيات أن من تولى الكفار عمدًا اختيارًا رغبة فيهم أنه كافر مثلهم» (١). وقد يصل التشبه إلى البدعة، فكل من جاء بعبادة لم يأت بها الشرع فقد شابه اليهود والنصارى، قال الشيخ عبدالعزيز بن باز ﵀: «وقد ثبت عن أصحاب رسول الله ﷺ وعن السلف الصالح بعدهم التحذير من البدع، والترهيب منها، وما ذاك إلا لأنها زيادة في الدين، وشرع لم يأذن به الله، وتشبه بأعداء الله من اليهود والنصارى في زيادتهم في دينهم وابتداعهم فيه ما لم يأذن به الله، ولأن لازمها التنقص للدين الإسلامي، واتهامه بعدم الكمال، ومعلوم ما في هذا من الفساد العظيم، والمنكر الشنيع، والمصادمة لقول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]» (٢). ومثال ذلك بدعة الاحتفال بالمولد النبوي، وقد تشبه مبتدعوها بالنصارى حذو القذة بالقذة. ومن التشبه ما يكون كبيرة من الكبائر، مثل تهنئة الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم بأعيادهم، لما في ذلك من إعانتهم

стр. 2723

وإقرارهم على ما هم عليه من الفجور والضلال. قال ابن القيم ﵀: «وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به، فحرام بالاتفاق مثل أن تهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثمًا عند الله، وأشد مقتًا من التهنئة بشرب الخمر، وقتل النفس، وارتكاب الفرج الحرام .. ونحوه، وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك وهو لا يدري قبح ما فعل، فمن هنأ عبدًا بمعصية أو بدعة، أو كفر، فقد تعرض لمقت الله وسخطه، وقد كان أهل الورع من أهل العلم يتجنبون تهنئة الظلمة بالولايات، وتهنئة الجهال بمنصب القضاء والتدريس والإفتاء تجنبًا لمقت الله وسقوطهم من عينه» (١).أهـ ومن التشبه ما يدخل به المتشبه في المعصية للَّه ورسوله، وإن كان لا يُستطاع الجزم بوقوعه في الكبيرة، فقد روى الترمذي في سننه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا، لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ، وَلَا بِالنَّصَارَى، فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْيَهُودِ الْإِشَارَةُ بِالْأَصَابِعِ، وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الْإِشَارَةُ بِالْأَكُفِّ» (٢). ومن التشبه ما لا يقطع بتحريمه إلا أن تركه أولى، والآثار

стр. 2724

على ذلك من السلف الصالح كثيرة جدًّا، فقد كره بعضهم الرمي بالقوس الفارسية، وكان بعضهم يكره الشرب في الكأس الذي له ساق، وكان بعضهم يكره الصمت عند الأكل حتى لا يتشبه بالأعاجم .. وغير ذلك كثير. سُئلت اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل: شاع في كثير من بلاد المسلمين لبس البدلة؛ ذلك اللباس المكون من جاكيت وبنطلون، وقد تقتصر الملابس على بنطلون وقميص أو فانيلا بكم أو بنصف كم في الصيف لشدة الحر، فهل لبس هذا اللباس يدخل تحت باب التشبه بغير المسلمين؟ أو لا؟ الجواب: الأصل في أنواع اللباس الإباحة؛ لأنه من أمور العادات، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] ويستثنى من ذلك ما دل الدليل الشرعي على تحريمه أو كراهته كالحرير للرجال، والذي يصف العورة؛ لكونه شفافًا يُرى من ورائه لون الجلد، أو لكونه ضيقًا يحدد العورة؛ لأنه حينئذ في حكم كشفها وكشفها لا يجوز، وكالملابس التي هي من سيما الكفار الخاصة بهم، فلا يجوز لبسها لا للرجال ولا للنساء؛ لنهي النبي ﷺ عن التشبه بهم، وكلبس الرجال ملابس النساء ولبس النساء ملابس الرجال؛ لنهي النبي ﷺ عن تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال. وليس اللباس المسمى بالبنطلون والقميص مما يختص لبسه بالكفار، بل هو لباس عام في المسلمين والكافرين في كثير من البلاد والدول، وإنما تنفر النفوس من لبس ذلك في بعض البلاد لعدم الألف ومخالفة عادة سكانها في اللباس، وإن كان ذلك موافقًا لعادة غيرهم من المسلمين،

стр. 2725

لكن الأولى بالمسلم إذا كان في بلد لم يعتد أهلها ذلك اللباس ألا يلبسه في الصلاة ولا في المجامع العامة ولا في الطرقات» (١). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز ومن مظاهر التشبه بالكفار ما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ وابن عباس ﵄ قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال- وهو كذلك: «لَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا (٢). وفي الصحيحين من حديث عائشة أن أم سلمة وأم حبيبة ﵅ ذكرتا لرسول الله ﷺ كنيسة، رأينها بأرض الحبشة يقال لها: مارية، وذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فقال الرسول ﷺ «أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الْعَبْدُ الصَّالِحُ أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّه» (٣).

стр. 2726

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فهذا التحذير منه واللعن عن مشابهة أهل الكتاب في بناء المساجد على قبر الرجل الصالح صريح في النهي عن المشابهة في هذا، ودليل على الحذر من جنس أعمالهم، حيث لا يؤمن في سائر أعمالهم أن تكون من هذا الجنس، ثم من المعلوم ما قد ابتلي به كثير من هذه الأمة، من بناء المساجد على القبور، واتخاذ القبور مساجد بلا بناء، وكلا الأمرين محرم ملعون فاعله بالمستفيض من السنة» (١). ومن مظاهر التشبه بالكفار ما يحصل من شباب وفتيان المسلمين من التشبه بالكفار في ملابسهم وهيئاتهم ولبس السلاسل، ووصل الشعر، وكذلك قصات الشعر الخاصة بهم، ومشاهدة حياتهم اليومية في الأفلام والمسلسلات، والإعجاب بهم والتحدث بلغتهم من غير حاجة إلى ذلك. روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: رأى رسول الله ﷺ عليَّ ثوبين معصفرين فقال: «إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ، فَلا تَلْبَسْهَا» (٢). «علل النهي عن لبسها بأنها من ثياب الكفار، وسواء أراد أنها مما يستحله الكفار بأنهم يستمتعون بخلاقهم في الدنيا، أو مما يعتاده الكفار لذلك، كما في الحديث قال ﷺ : «لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَا

стр. 2727

تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الآخِرَةِ» (١).ولهذا كان العلماء يجعلون اتخاذ الحرير وأواني الذهب والفضة تشبهًا بالكفار» (٢). ومنها التشبه بالكفار في إقامة الأعياد، فمن الاحتفال بالمولد النبوي، إلى الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، وهذه كلها أحدثت محاكاة للكفار، وكذلك الأعياد الوطنية والقومية، ورأس السنة، وعيد الميلاد، ومن آخرها ما يسمى بعيد الحب، يرتدي فيها الشباب والفتيات الملابس الحمراء، ويتبادلون الورود الحمراء. ومنها الاعتماد في التاريخ على الميلاد والأشهر الإفرنجية، أي ميلاد عيسى ﵇ متابعة للنصارى، ويريدون من المسلمين أن يتركوا التاريخ الهجري، ويعتمدون على التاريخ الميلادي النصراني. ومنها تربية الكلاب واقتناؤها لغير حاجة، ولا شك في حرمة ذلك، إلا كلب الصيد والماشية والحرث، كما وردت بذلك النصوص، بل ويشترون هذه الكلاب بأثمان غالية؛ كل هذا تقليدًا ومحاكاة للكفار. ومنها حلق اللحى، وفيه تشبه بالمشركين والمجوس واليهود والنصارى، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من

стр. 2728

حديث ابن عمر ﵂ أن النبي ﷺ قال: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ» (١). وروى مسلم في صحيحه من حديثه أن النبي ﷺ قال: «جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى، خَالِفُوا الْمَجُوسَ» (٢). ومما يشبه الأمر بمخالفة الكفار، الأمر بمخالفة الشياطين، لما روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لَا يَأْكُلنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبَنَّ بِهَا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِهَا» (٣). فإنه علل النهي عن الأكل والشرب بالشمال، بأن الشيطان يفعل ذلك، فعلم أن مخالفة الشيطان أمر مقصود مأمور به، ونظائره كثيرة (٤). والمظاهر كثيرة، وما ذكرته غيض من فيض، وقليل من كثير، ومن أراد الاستزادة فعليه بمراجعة كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀[اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم]، فإنه كتاب عظيم النفع والفائدة. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2729

الكلمة التاسعة والأربعون التلبيس على الناس الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾ [آل عمران]. قال ابن كثير ﵀: «يقول تعالى ناهيًا لليهود عما كانوا يتعمدونه من تلبيس الحق بالباطل وتمويهه به وكتمانهم الحق وإظهارهم الباطل» (١). أهـ «فوبخهم على لبس الحق بالباطل، وعلى كتمان الحق، لأنهم بهذين الأمرين يضلون من انتسب إليهم، فإن العلماء إذا لبسوا الحق بالباطل، فلم يميزوا بينهما، بل أبقوا الأمر مبهمًا، وكتموا الحق الذي يجب عليهم إظهاره، ترتب على ذلك من خفاء الحق وظهور الباطل ما ترتب، ولم يهتد العوام الذين يريدون الحق لمعرفته حتى يؤثروه، والمقصود من أهل العلم أن يظهروا للناس الحق ويعلنوا به، ويميزوا الحق من الباطل،

стр. 2730

ويظهروا الخبيث من الطيب، والحلال من الحرام، والعقائد الصحيحة من العقائد الفاسدة ليهتدي المهتدون، ويرجع الضالون، وتقوم الحجة على المعاندين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾ [آل عمران]. فمن عمل بما سبق من بيان الحق وتمييزه من الباطل وإقامة الحجة على الخلق، فهو من خلفاء الرسل، وهداة الأمم، ومن لبس الحق بالباطل فلم يميز هذا من هذا مع علمه بذلك، وكتم الحق الذي يعلمه وأُمر بإظهاره، فهو من دعاة جهنم، لأن الناس لا يقتدون في أمر دينهم بغير علمائهم، فاختاروا لأنفسكم إحدى الحالتين» (١). فإن قيل: ما الفرق بين هاتين الصفتين المذمومتين اللتين اتصف بها اليهود وقد نهانا الله عنهما، وهما لبس الحق بالباطل، وكتمان الحق، فيقال: إن الناس منهم العالم والجاهل، واليهود لعنهم الله يسعون لإضلال هؤلاء وهؤلاء، فمن وجدوا لديه علمًا لا يقدرون على كتمانه عنه، اجتهدوا في إضلاله بالتلبيس عليه، إما بإظهار الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق .. أو غير ذلك من صور المكر والدهاء، ومن وجدوه جاهلًا كتموا عنه الحق وحالوا بينه وبين الوصول إليه، إما بمنعه من الاتصال بأهل العلم، أو إخفاء كتب الحق عنه. والمقصود الأعظم من ذكر هذه الصفات تحذير أمة الإسلام

стр. 2731

ممن اتصف بها ممن يدعي الإسلام ويزعم أنه من أهله، يظهر ذلك حين نقرأ قوله ﷺ : «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا ذِرَاعًا، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ؟ » (١). وقد رأينا من أهل الأهوال والبدع ما هو مطابق تمامًا لهذه الصفات المذمومة، فتجد بعضهم لا يذكر النصوص الشرعية التي تخالف مذهبه الباطل، فإن لم يستطع إخفاءها اجتهد في إبطال معناها بالتأويلات الباطلة، فإن وجد ما يوافق هواه طار به كل مطار، وإن كان أوهى من خيوط العنكبوت، فكتاباتهم محشوة بالأحاديث المكذوبة، والأقاويل الواهية، وما كثرة الفرق الضالة في الأمة المحمدية إلا بسبب اتباعهم لهؤلاء واغترارهم بهم. ومن أظهر طرق التلبيس وأعظمها فتنة، وأكثرها انتشارًا في الأمة تتبع رخص العلماء وزلاتهم، قال سليمان التيمي: «لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله» (٢). وقال ابن حزم الأندلسي: «وطبقة أخرى وهم قوم بلغت بهم رقة الدين، وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة من قول كل عالم مقلدين له غير طالبين ما أوجبه النص عن الله وعن رسوله ﷺ » (٣).

стр. 2732

وروى البيهقي عن إسماعيل القاضي قال: دخلت على المعتضد بالله فدفع إليَّ كتابًا فنظرت فيه، فإذا قد جمع له فيه الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل واحد منهم، فقلت: مصنف هذا زنديق، فقال: ألم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر - النبيذ - لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح المسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن أخذ بكل زلل العلماء ذهب دينه، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب (١). وقد شدد العلماء في الإنكار على من تتبع الرخص وزلات العلماء، حيث وصفوه مرة بأنه شر عباد الله كما ذكر ذلك عبدالرزاق عن معمر (٢)، وتارة وصفوه بالفسق كما نص عليه ابن النجار، فقال: يحرم على العامي تتبع الرخص ويفسق به (٣)، وقال الغزالي: «ليس للعامي أن يستقي من المذاهب في كل مسألة أطيبها عنده فيتوسع» (٤). وبعض الناس إذا أراد أن يستفتي يسأل في كل مسألة مَنْ عُرفَ بالتساهل فيها، والإفتاء بغير ما عليه جماهير العلماء، فإذا دُلَّ على العلماء الذين يفتون بالكتاب والسنة قال: إن هؤلاء لا يعرفون إلا

стр. 2733

لغة الحرام، كل شيء عندهم حرام، فهذا وأمثاله اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا، والله تعالى قال لنبيه ﷺ ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]. ولم يقل: كما أردت، قال ابن عبد البر ﵀: «أجمع العلماء على أن العامي لا يجوز له تتبع الرخص» (١). وأما قول بعضهم: ضع بينك وبين النار مطوع، فهذا القول لا يكون صحيحًا إلا بسؤال أهل العلم المعروفين بالتقوى، وأن يكون القصد من السؤال معرفة الحق والعلم الذي يرضي الله تعالى. قد يقول قائل: ما أسباب السلامة من هذا البلاء؟ فأقول: أولًا: الاعتصام بالكتاب والسنة والرجوع إليهما عند الاختلاف، قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية]. روى الحاكم في مستدركه من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: «قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَاب اللَّه، وَسُنَّة نَبِيِّهِ» (٢). ثانيًا: الاقتداء بالسلف، والرجوع إليهم في فهم الكتاب والسنة، وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان وأئمة المسلمين،

стр. 2734

قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء]. روى الإمام أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجه في سننهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّة عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً»، قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّه، قَالَ: «مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي» (١). أي هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي. ثالثًا: الرجوع في النوازل إلى العلماء الربَّانيين العاملين بعلمهم، والاستفادة من مجموع كلامهم، والابتعاد عن شواذ الفتاوى الصادرة عن أنصاف العلماء والمنتسبين إلى طلبة العلم، وهم لم يرسخوا في العلم، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ لَاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (٢). رابعًا: عدم الاستعجال فيما يصدر من فتاوى وأحكام والتأني

стр. 2735

في ذلك، قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [النساء]. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →