ممن اتصف بها ممن يدعي الإسلام ويزعم أنه من أهله، يظهر ذلك حين نقرأ قوله ﷺ : «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا ذِرَاعًا، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ؟ » (١).
وقد رأينا من أهل الأهوال والبدع ما هو مطابق تمامًا لهذه الصفات المذمومة، فتجد بعضهم لا يذكر النصوص الشرعية التي تخالف مذهبه الباطل، فإن لم يستطع إخفاءها اجتهد في إبطال معناها بالتأويلات الباطلة، فإن وجد ما يوافق هواه طار به كل مطار، وإن كان أوهى من خيوط العنكبوت، فكتاباتهم محشوة بالأحاديث المكذوبة، والأقاويل الواهية، وما كثرة الفرق الضالة في الأمة المحمدية إلا بسبب اتباعهم لهؤلاء واغترارهم بهم. ومن أظهر طرق التلبيس وأعظمها فتنة، وأكثرها انتشارًا في الأمة تتبع رخص العلماء وزلاتهم، قال سليمان التيمي: «لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله» (٢).
وقال ابن حزم الأندلسي: «وطبقة أخرى وهم قوم بلغت بهم رقة الدين، وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة من قول كل عالم مقلدين له غير طالبين ما أوجبه النص عن الله وعن رسوله ﷺ » (٣).
стр. 2732
وروى البيهقي عن إسماعيل القاضي قال: دخلت على المعتضد بالله فدفع إليَّ كتابًا فنظرت فيه، فإذا قد جمع له فيه الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل واحد منهم، فقلت: مصنف هذا زنديق، فقال: ألم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر - النبيذ - لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح المسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن أخذ بكل زلل العلماء ذهب دينه، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب (١).
وقد شدد العلماء في الإنكار على من تتبع الرخص وزلات العلماء، حيث وصفوه مرة بأنه شر عباد الله كما ذكر ذلك عبدالرزاق عن معمر (٢)، وتارة وصفوه بالفسق كما نص عليه ابن النجار، فقال: يحرم على العامي تتبع الرخص ويفسق به (٣)، وقال الغزالي: «ليس للعامي أن يستقي من المذاهب في كل مسألة أطيبها عنده فيتوسع» (٤).
وبعض الناس إذا أراد أن يستفتي يسأل في كل مسألة مَنْ عُرفَ بالتساهل فيها، والإفتاء بغير ما عليه جماهير العلماء، فإذا دُلَّ على العلماء الذين يفتون بالكتاب والسنة قال: إن هؤلاء لا يعرفون إلا
стр. 2733
لغة الحرام، كل شيء عندهم حرام، فهذا وأمثاله اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا، والله تعالى قال لنبيه ﷺ ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]. ولم يقل: كما أردت، قال ابن عبد البر ﵀: «أجمع العلماء على أن العامي لا يجوز له تتبع الرخص» (١).
وأما قول بعضهم: ضع بينك وبين النار مطوع، فهذا القول لا يكون صحيحًا إلا بسؤال أهل العلم المعروفين بالتقوى، وأن يكون القصد من السؤال معرفة الحق والعلم الذي يرضي الله تعالى.
قد يقول قائل: ما أسباب السلامة من هذا البلاء؟
فأقول: أولًا: الاعتصام بالكتاب والسنة والرجوع إليهما عند الاختلاف، قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية].
روى الحاكم في مستدركه من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: «قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَاب اللَّه، وَسُنَّة نَبِيِّهِ» (٢).
ثانيًا: الاقتداء بالسلف، والرجوع إليهم في فهم الكتاب والسنة، وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان وأئمة المسلمين،
стр. 2734
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء].
روى الإمام أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجه في سننهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّة عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً»، قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّه، قَالَ: «مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي» (١). أي هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي.
ثالثًا: الرجوع في النوازل إلى العلماء الربَّانيين العاملين بعلمهم، والاستفادة من مجموع كلامهم، والابتعاد عن شواذ الفتاوى الصادرة عن أنصاف العلماء والمنتسبين إلى طلبة العلم، وهم لم يرسخوا في العلم، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ لَاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (٢).
رابعًا: عدم الاستعجال فيما يصدر من فتاوى وأحكام والتأني
стр. 2735
في ذلك، قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [النساء].
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2736
الكلمة الخمسون
الصراط المستقيم والأمة الوسط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فإن هذا الموضوع وما قبله من أهم الموضوعات التي ينبغي العناية والاهتمام بها لما تحتويه على الأصول في العقيدة، وهي رأس الأمور كلها، إضافة إلى التوجيهات المهمة التي يستفيد منها طالب العلم، وعامة الناس، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، قال ابن كثير ﵀: «يقول تعالى: إنما حولناكم إلى قبلة إبراهيم ﵇ واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل، والوسط ها هنا الخيار والأجود كما يقال: [قريش [أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي خيرها.
وكان رسول الله ﷺ وسطًا في قومه، أي أشرفهم نسبًا، ومنه الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات وهي العصر كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولما جعل الله هذه الأمة وسطًا خصها بأكمل الشرائع، وأقوم المناهج، وأوضح المذاهب، كما
стр. 2737
قال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨]» (١).
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ: لِأُمَّتِهِ هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ ، فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ ، فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]» (٢). فذلك قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. والوسط: العدل، وفي التنزيل: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨] أي: أعدلهم وخيرهم.
قال زهير:
هُمْ وَسَطٌ يَرضْىَ الأَناَمُ بِحُكْمِهِمْ ... إذا نَزلَتْ إِحْدى الليَّالي بِمُعْظَمِ
«ولما كان الوسط مجانبًا للغلو والتقصير، كان محمودًا، أي هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم، ولا قصَّروا تقصير اليهود في أنبيائهم» (٣).
стр. 2738
قال عبد الله بن الشخير ﵁: «خير الأمور أوساطها» (١).
وقال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة]. هذا تعليم من ربنا أن نسأله الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو طريق الحق الذي لا اعوجاج فيه، وقد بينه بقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، وأولى الناس بهذا الوصف نبينا محمد ﷺ وأصحابه ﵃، فمن أراد سلوك طريق الاستقامة فليقرأ سيرة نبي الله ﷺ وصحابته الكرام، وليسلك طريقهم، وسيجد أنهم علموا وعملوا، وبذلك نجوا من أن يكونوا كالمغضوب عليهم الذين عرفوا الحق فلم يعملوا به، أو الضالين الذين يعبدون الله على جهل وضلال، فكانوا وسطًا عدولًا خيارًا.
وقد أوضح لنا أن الصراط المستقيم هو الوحي الذي نزله على قلب محمد ﷺ فقال تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)﴾ [يس]. وقد جاء في مواضع كثيرة من كتاب الله ما يبين أن الصراط المستقيم يقع بين طرفي نقيض، فقال تعالى مادحًا عباده: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾ [الإسراء]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾ [الإسراء]. وسلوك هذا المنهج من أعظم العلامات على تعظيم أمر الله ونهيه.
стр. 2739
قال ابن القيم ﵀: «ومن علامات تعظيم الأمر والنهي أن لا يسترسل مع الرخصة إلى حد يكون صاحبه جافيًا غير مستقيم على المنهج الوسط ... فحقيقة التعظيم للأمر والنهي أن لا يُعارضا بترخُّص جاف، ولا يُعرَّضا لتشديد غال، فإن المقصود هو الصراط المستقيم الموصل إلى الله بسالكه.
وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان، إما تقصير وتفريط، وإما إفراط وغلو، فلا يبالي بما ظفر من العبد من الخطيئتين، فإنه يأتي إلى قلب العبد فَيُشَامُّه، فإن وجد فيه تقصيرًا وفتورًا وتوانيًا وترخيصًا أخذه من هذه الخطة، فَثَبَّطَه وأقعده، وضربه بالكسل والتواني والفتور، وفتح له باب التأويلات والرجاء .. وغير ذلك، حتى ربما ترك العبد المأمور جملة. وإن وجد عنده حذرًا وجدًّا، وتشميرًا ونهضة، وأيس أن يأخذه من هذا الباب أمره بالاجتهاد الزائد، وسوَّل له أن هذا لا يكفيك، وهمتك فوق هذا، وينبغي لك أن تزيد على العاملين، وألَاّ ترقد إذا رقدوا، ولا تفطر إذا أفطروا، وألَاّ تفتر إذا فتروا، وإذا غسل أحدهم يديه ووجهه ثلاث مرات فاغتسل أنت سبعًا، وإذا توضأ للصلاة فاغتسل أنت لها .. ونحو ذلك من الإفراط والتعدي، فيحمله على الغلو والمجاوزة وتعدي الصراط المستقيم، كما يحمل الأول على التقصير دونه، وأن لا يقربه.
ومقصوده من الرجلين إخراجهما عن الصراط المستقيم، هذا بأن لا يقربه ولا يدنو منه، وهذا بأن يتجاوزه ويتعداه، وقد فُتن بهذا أكثر الخلق، ولا يُنْجي من ذلك إلا علم راسخ، وإيمان،
стр. 2740
وقوة على محاربته، ولزوم الوسط، والله المستعان» (١).
وأهل السنة والجماعة هم أسعد الناس حظًا، وذلك باختيارهم الطريق الوسط بين الطوائف الضالة المتناقضة، فهم في أسماء الله وصفاته وسط بين النفاة المعطلة وبين الغالين الذين حملوها على التمثيل أو تكلفوا لمدلوها التكييف فهم بين هذا وهذا، يثبتون الأسماء والصفات لله على ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ .
وهم وسط بين الخوارج والمرجئة، فالخوارج يكفرون المسلمين بالكبيرة، ويرون أنه مخلد في النار إذا مات عليها، والمرجئة قالوا: يُسمى مؤمنًا ولا يسمى فاسقًا، وأما أهل السنة والجماعة فيقولون: فاعل الكبيرة مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]. فالله تعالى ما سلب الإيمان عن من فعل الكبيرة فسماهم مؤمنين مع حصول القتال والقتل وهو كبيرة، لكنه مع الإيمان فاسق بهذه الكبيرة.
وهم في القضاء والقدر وسط بين الجبرية والقدرية، فالجبرية يثبتون قضاء الله في أفعال العباد، ويقولون: إنه مجبر لا قدرة له ولا اختيار، والقدرية ينكرون قضاء الله تعالى في أفعال العباد، ويقولون: إن العبد قادر مختار لا يتعلق فعله بقضاء الله، وأهل السنة والجماعة يثبتون قضاء الله في أفعال العباد ويقولون: إن
стр. 2741
له قدرة واختيارًا أودعها فيه متعلقين بقضاء الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر]، وقال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾ [التكوير].
وما ذكرته غيض من فيض، وقليل من كثير، أسأل الله تعالى أن يهدينا إلى صراطه المستقيم، وأن يثبتنا عليه حتى نلقاه وهو راض عنا غير غضبان.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2742
الجزء العاشر
стр. 2743
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب].
أما بعد: فهذا هو الجزء العاشر من كتابي موسوعة الدرر المنتقاة، وقد اشتمل على خمسين كلمة نهجت في إعدادها نفس المنهج الذي سلكته في الكلمات السابقة كما بينت ذلك في مقدمة الجزء الأول من هذه الموسوعة، وقد اشتمل هذا الجزء على موضوعات تتوق النُّفوس إلى معرفتها.
أسأل الله تعالى أن يرزقنا السداد في أقوالنا، والصواب
стр. 2744
في أعمالنا، والإخلاص في نياتنا، وأن يردنا وإخواننا المسلمين إليه ردًا جميلًا، وأن يعز دينه، ويعلي كلمته، وينصر عباده المجاهدين الصادقين، وأن يقينا وإياهم شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المؤلف
الرياض ١٠/ ٨/ ١٤٣٨ هـ
стр. 2745
الكلمة الأولى
صور من تكريم الله لأهل الجنة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد:١٥].
وقال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣)﴾ [الزخرف:٧٠ - ٧٣].
وأول طعام يأكله أهل الجنة زيادة كبد النون، ثم يُنحر لهم ثور الجنة، ثم يشربون عليه من عين تسمى سلسبيلًا.
قال ابن حجر ﵀: «والنون هو الحوت، والزيادة هي القطعة المنفردة المعلقة في الكبد، وهي في غاية اللذة، حتى إنه قيل إنها أهنأ طعام وأمرأه» (١). اهـ
стр. 2746
روى مسلم في صحيحه من حديث ثوبان قال: جاء حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد، وجاء فيه: ثم سأل: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: «زيادة كبد النون»، قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ قال: «ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها»، قال: فما شرابهم عليه؟ قال: «من عين فيها تسمى سلسبيلًا» (١).
قال القرطبي ﵀: «نعيم أهل الجنة وكسوتهم ليس عن دفع ألم اعتراهم، فليس أكلهم عن جوع، ولا شرابهم عن ظمأ، ولا تطيبهم عن نتن، وإنما هي لذات متوالية، ونعم متتابعة» (٢).
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْتَئِسُوا أَبَدًا»، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأعراف:٤٣] (٣).
وفي رواية للبزار: «النَّوْمُ أَخُو المَوْتِ، وَلَا يَنَامُ أَهْلُ
стр. 2747
الْجَنَّةِ» (١).
قال بعض أهل العلم: «أهل الجنة لا يموتون، ولا ينامون لكمال حياتهم، وكثرة لذاتهم، وتوالي نعيمهم ومسراتهم».اهـ
قال تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢)﴾ [الصافات:٤٠ - ٤٢]. وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾ [المعارج:٣٥].
"والإكرام هو التعظيم والتوقير والتبجيل، وهو من أعظم ما تتوق إليه نفوس ذوي الهمم، كما أن الصَّغار والذل من أعظم ما تنفر منه نفوسهم، والإكرام الموعود يحصل لأهل الجنة من كل جهة" (٢)،
قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي: «قد أكرم بعضهم بعضًا، وأكرمتهم الملائكة الكرام، وصاروا يدخلون عليهم من كل باب، ويهنئونهم ببلوغ أهنأ الثواب، وأكرمهم أكرم الإكرام، وجاد عليهم بأنواع الكرامات، من نعيم القلوب، والأرواح، والأبدان» (٣).
١ - ومن صور إكرام الله لأهل الجنة ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم:٨٥].
стр. 2748
قال بعض المفسرين: المتقون هم الذين اتقوا الشرك والمعاصي والبدع، يحشرهم الله إلى موقف القيامة مكرمين مبجلين معظمين، والمقصود بالوفد هم القادمون ركبانًا على نجائب من نور من مراكب الدار الآخرة، وهم قادمون على ربهم إلى دار كرامته ورضوانه (١).
قال ابن عباس ﵄: «ركبانًا يؤتون بنوق من الجنة، عليها رحائل من الذهب، وسروجها وأزمتها من الزبرجد (٢)، فيحشرون عليها» (٣).
قال القرطبي ﵀: «وقيل: إنما قال وفدًا لأن من شأن الوفود عند العرب أن يقدموا بالبشارات، وينتظرون الجوائز، فالمتقون ينتظرون العطاء والثواب» (٤).
٢ - أنهم يساقون على النجائب زمرًا، قال ابن كثير ﵀: «أي جماعة بعد جماعة، المقربون ثم الأبرار ثم الذين يلونهم، كل طائفة مع من يناسبهم، الأنبياء مع الأنبياء، والصديقون مع أشكالهم، والشهداء مع أضرابهم، والعلماء مع أقرانهم، وكل صنف مع صنف، كل زمرة تناسب بعضها بعضًا، حتى إذا وصلوا
стр. 2749
إليها فتحت الأبواب لهم إكرامًا وتعظيمًا، وتلقتهم الملائكة الخزنة بالبشارة والسلام والثناء ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾ [الزمر:٧٣]» (١).
٣ - أن الله يرفع ذرية المؤمن إلى درجته في الجنة وإن لم يبلغوا عمله، إكرامًا له ولتقر عينه بهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ [الطور:٢١].
٤ - تحقيق رغباتهم ولو كانت من أمور الدنيا، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يومًا يحدث: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ، فَقَالَ: أَوَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ، فَأَسْرَعَ وَبَذَرَ، فَتَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ وَتَكْوِيرُهُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ» - أي جمعه. قال الشراح: لم يكن بين البذر ونجاز أمر الزرع كله حتى الجمع إلا قدر لمح البصر، «فيقول الله تعالى: دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ» (٢).
٥ - كلام الرب معهم، ورضاه عنهم، وهو من أعظم مظاهر الإكرام، قال تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس:٥٨]. قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي: وفي هذا كلام الرب تعالى
стр. 2750
لأهل الجنة وسلامه عليهم (١).
وقال تعالى: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة:٨]. «فأهل الجنة راضون بما أعطاهم ربهم - جل وعلا -، حتى إن أدناهم يرى أنه لم يعط أحد مثل عطائه» (٢).
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً رَجُلٌ صَرَفَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ قِبَلَ الجَنَّةِ .. الحديث». وفيه: «فَإِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ، قَالَ اللَّهُ: هُوَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ، فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ زَوْجَتَاهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، فَتَقُولَانِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَاكَ لَنَا وَأَحْيَانَا لَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُعْطِيتُ» (٣).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: ومَا لَنَا لا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالوا: يَا رَبِّ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلَا
стр. 2751
أَسْخَطُ عَلَيْكُم بَعْدَهُ أَبَدًا» (١).
٦ - ومنها أن الله يكرمهم بكشف الحجاب ورؤيتهم له سبحانه، روى مسلم في صحيحه من حديث صهيب أن النبي ﷺ قال: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا، أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ » ... وَزَادَ: ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] (٢).
قال ابن حجر ﵀ تعليقًا على حديث: «وما بين القوم وما بين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه»: «كأن المؤمنين إذا تبوؤا مقاعدهم من الجنة لولا ما عندهم من هيبة ذي الجلال لما حال بينهم وبين الرؤية حائل، فإذا أراد إكرامهم حفهم برأفته، وتفضل عليهم بتقويتهم على النظر إليه سبحانه، ثم وجدت في حديث صهيب المتقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ما يدل على أن المراد برداء الكبرياء في حديث أبي موسى الحجاب المذكور في حديث صهيب، وأنه -سُبْحَانَهُ- يكشفه لأهل الجنة إكرامًا لهم» (٣).
قال ابن كثير ﵀ في تعليقه على حديث: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ
стр. 2752
رَبَّكُمْ عَيَانًا»: «فأرشدهم هذا السياق إلى أن الرؤية تقع في مثل أوقات العبادة، فكأن المريدين من الأخيار يرون الله في مثل طرفي النهار غدوة وعشية، وهذا مقام عال حتى إنهم يرون ربهم وهم على أرائكهم وسررهم، كما يُرى القمر في الدنيا في مثل هذه الأحوال، يرون الله تعالى أيضًا في المجمع الأعم الأشمل وهو في مثل أيام الجمع، حيث يجتمع أهل الجنة في واد أفيح - أي متسع - من مسك أبيض، ويجلسون فيه على قدر منازلهم، فمنهم من يجلس على منابر من نور، ومنهم من يجلس على منابر من ذهب .. وغير ذلك من أنواع الجواهر وغيرها، ثم تفاض عليهم الخلع، وتوضع بين أيديهم الموائد بأنواع الأطعمة والأشربة مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم يُطيبون بأنواع الطيب كذلك، ويباشرون من أنواع الإكرام ما لم يخطر في بال أحد قبل ذلك، ثم يتجلى لهم الحق ﷻ ويخاطبهم واحدًا واحدًا، كما دلت على ذلك الأحاديث» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2753
الكلمة الثانية
شرح حديث: "اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا "
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: رَبِّ! أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهُو أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ» (١).
قوله: «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا»: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «فيه أن الجماد بالنسبة لله يتكلم مع الله ويناجي الله، وهذا ظاهر في القرآن والسنة، ففي القرآن يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾ [فصلت:١١]، وفي السنة كثير» (٢).
стр. 2754
منها قوله ﷺ : «يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ لَهُ عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ، وَأُذُنَانِ تَسْمَعَانِ، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ يَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَكُلِّ مَنْ دَعَا مَعَ اللهِ آخَرَ، وَبِالْمُصَوِّرِينَ» (١).
وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تَحَاجَّتِ النَّارُ وَالْجَنَّةُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: فَمَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَاّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ وَعَجَزُهُمْ، قَالَ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ: إِنَّمَا أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ، فَلا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ رِجْلَهُ فِيهَا، فَتَقُولُ: قَطْ، قَطْ، فَهُنَاكَ تَمْتَلِئُ، وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلا يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الْجَنَّةُ، فَإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا» (٢).
«قوله في الحديث: «أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا» من شدة الحر، وشدة البرد، فأذن الله لها أن تتنفس في الشتاء، وتتنفس في الصيف، نفس في الصيف ليخف عليها الحر، وفي الشتاء ليخف عليها البرد، وعلى هذا فأشد ما تجدون من الحر، يكون من فيح جهنم، وأشد ما يكون من الزمهرير من زمهرير جهنم» (٣).
стр. 2755
وفي الحديث فوائد كثيرة:
١ - أن النار مخلوقة الآن، وكذلك الجنة، قال تعالى عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ [آل عمران:١٣١]. وقال عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران:١٣٣]، وفي حديث النهي عن الصلاة إذا قام قائم الظهيرة؛ عُلل ذلك بأن جهنم تسجر (١)(٢).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ» (٣)، وهذا دليل آخر على وجودها الآن.
٢ - أن في جهنم ألوانًا من العذاب، ففيها البرد الشديد والحر الشديد، قال تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ [ص:٥٧ - ٥٨]، وقال تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥)﴾ [النبأ:٢٤ - ٢٥]. فالحميم الحار الذي قد انتهى حره، وأما الغساق: فهو البارد الذي لا يستطاع من برده، ولا يواجه من نتنه، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاقٍ يُهَرَاقُ فِي الدُّنْيَا، لَأَنْتَنَ أَهْلَ الدُّنْيَا» (٤).
стр. 2756
٣ - شدة حر هذه النار، ولذلك أُذن لها بنفس الصيف والشتاء، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]. أكثر المفسرين على أن المراد بالحجارة حجارة من الكبريت الأسود، توقد بها النار وفيها خمسة أشياء: سرعة الاتقاد، نتن الرائحة، كثرة الدخان، شدة الالتصاق بالأبدان، قوة حرها إذا حَمِيت (١).
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ، قَالُوا: وَاللهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: «فَإِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهَا مِثْلُ حَرِّهَا» (٢).
قال القرطبي ﵀: «وبيان ذلك أنه لو جُمع حطب الدنيا فأوقد كله حتى صار نارًا، لكان الجزء الواحد من أجزاء نار جهنم الذي هو من سبعين جزءًا أشد من حر نار الدنيا، كما بينه في آخر الحديث قوله: قالوا والله إن كانت كافية، أي نار الدنيا، فأجابهم النبي ﷺ بأنها فُضلت عليها بتسعة وستين ضعفًا» (٣).
٤ - قدرة الله العظيمة، أن جعل في النار من ألوان العذاب ما لا يصدقه إلا المؤمنون به، العارفون عظيم قدرته، ففيها الحر
стр. 2757
الشديد، وكذلك البرد الشديد، وفيها الحيَّات، والعقارب، وأنواع الحشرات المؤذية (١)، كما أن فيها شجرة الزقوم التي جعلها الله فتنة للظالمين، قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾ [الصافات: ٦٤]. فهنيئًا لعبد عرف عظمة ربه فآمن به، وسلم له أمره، وقدَّره حق قدره.
٥ - أن على المؤمن أن يستعيذ بالله من النار، وأن يسعى لفكاك نفسه منها، وكان النبي ﷺ كثيرًا ما يستعيذ من النار ويأمر بذلك في الصلاة وغيرها، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال لأصحابه: «تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ»، قَالوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ (٢).
قال أنس ﵁ كما في الصحيحين: كان أكثر دعاء النبي ﷺ : «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (٣).
وروى مسلم في صحيحه من حديث عدي بن حاتم ﵁ أن
стр. 2758
النبي ﷺ قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَاّ سَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2759
الكلمة الثالثة
شرح حديث: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ "
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فقد روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: كَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ : «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ» (١).
هذا الحديث اشتمل على أدعية عظيمة وجامعة لخيري الدنيا والآخرة، والنبي ﷺ أُوتي جوامع الكلم، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم:٣ - ٤].
قوله: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ»: الاستعاذة هي طلب العوذ، قال ابن القيم ﵀: «اعلم أن لفظ عاذ وما تصرف منها تدل على التحرز والتحصن والنجاة، وحقيقة معناها: الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه، ولهذا يسمى
стр. 2760
المستعاذ به: مَعاذًا، كما يسمى ملجأ ووَزَرًا» (١).
«والمستعاذ به هو الذي يُطلب منه العوذ، ويُعتصم به، ويُلتجأ ويُهرب إليه، وهو الله جبار السموات والأرض، فلا يُستعاذ إلا به، ولا يُستعاذ بأحد من خلقه، بل هو الذي يعيذ المستعيذين، ويعصمهم ويمنعهم من شر ما استعاذوا به» (٢).
ونعم الله كثيرة على عباده ومتتابعة بتتابع الليل والنهار، قال تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [أبراهيم:٣٤].
وأعظم نعمة نعمة الهداية لهذا الدين، وهي نعمة لا تعدلها كنوز الأرض كلها، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
وقال تعالى ممتنًّا على نبيه بهذه النعمة: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى:٥٢].
وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ أن
стр. 2761
النبي ﷺ قال للأنصار: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي» (١).
وامتن الله على أهل الجنة بهذه النعمة فقال -سُبْحَانَهُ-: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأعراف:٤٣].
ودوام هذه النعم بالشكر بالقلب والقول والفعل، وزوالها بالمعاصي والذنوب، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم:٧]، وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾ [النحل:١١٢].
قال الشيخ عبد الله البسام ﵀: «قوله: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ»، الأمور كلها بيد الله، فهو المعطي وهو المانع، لا راد لأمره، فالاستعاذة والاعتصام من زوال النعم هي في موضعها وواقعة موقعها، فهو يسأل معطيها أن لا يزيلها، وزوال النعم يكون غالبًا بسبب الذنوب، فهو يسأل ضمنًا العصمة من الذنوب التي هي سبب زوال النعم، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ
стр. 2762
فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١] " (١).
قوله: «وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ»، نعمة العافية من أعظم النعم بعد نعمة الإيمان والإسلام، روى الترمذي في سننه من حديث رفاعة بن رافع، قال: قام أبو بكر الصديق ﵁ على المنبر ثم بكى، فقال: قام رسول الله ﷺ عام الأول على المنبر ثم بكى فقال: «سَلُوا اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ، فَإنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْط بَعْد الْيَقِينِ خَيرًا مِنَ الْعَافِيَةِ» (٢).
قال ابن القيم ﵀ تعليقًا على الحديث المذكور: «فجمع بين عافيتي الدين والدنيا، ولا يتم صلاح العبد في الدارين إلا باليقين والعافية، فاليقين يدفع عنه عقوبات الآخرة، والعافية تدفع عنه أمراض الدنيا في قلبه وبدنه، فجمع أمر الآخرة في كلمة، وأمر الدنيا كله في كلمة (٣).
واستعاذ ﷺ من تحول عافيته سبحانه؛ لأنه إذا كان قد اختصه الله بعافيته، فقد ظفر بخير الدارين، فإن تحولت عنه فقد أصيب بشر الدارين، فإن العافية بها صلاح الدِّين والدنيا كما تقدم» (٤).
стр. 2763
«قوله: «وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ»: الفجاءة هي البغتة التي تأخذ الإنسان من حيث لا يكون عنده سابق إنذار وإخطار وتحذير، فيؤخذ من مأمنه حيثما تفجأه النقمة، ويبغته العذاب، ولات حين مناص ولا مفر، قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف:٩٧ - ٩٩]» (١).
«واستعاذ ﷺ من فجاءة نقمة الله -سُبْحَانَهُ- لأنه إذا انتقم من العبد فقد أحل به من البلاء ما لا يقدر على دفعه، ولا يُستدفع بسائر المخلوقين، وإن اجتمعوا جميعًا» (٢).
قوله: «وَجَمِيعِ سَخَطِكَ»: استعاذ ﷺ من جميع سخطه؛ لأنه -سُبْحَانَهُ- إذا سخط على العبد فقد هلك وخسر، ولو كان السخط في أدنى شيء وبأيسر سبب، ولهذا قال الصادق المصدوق وجميع سخطك وجاء بهذه العبارة شاملة لكل سخط» (٣).
روى الترمذي في سننه من حديث بلال بن الحارث صاحب رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، فَيَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ
стр. 2764
إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ، مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَت، فَيَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ» (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: «فَقَدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَيْلَةً مِنَ الْفِرَاشِ، فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (٢).
قال النووي، قال الخطابي: في هذا معنى لطيف، وذلك أنه استعاذ بالله تعالى وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضاء والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والعقوبة، فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له وهو الله ، استعاذ به منه لا غير، ومعناه الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه (٣). اهـ
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2765
الكلمة الرابعة
الاعتزاز بالدِّين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ٨]. قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: «إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به؛ أذلنا الله» (١).
وروى الترمذي في سننه من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ، بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ»، قَالَ: كَانَ أَحَبَّهُمَا إِليهِ عُمَرُ (٢).
стр. 2766
وقال ابن مسعود ﵁: «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر» (١).
العز خلاف الذل، والعز في الأصل القوة والشدة والغلبة، يقال: عز، يعز بالفتح إذا اشتد، ورجل عزيز: منيع لا يُغلب ولا يُقهر، وعز يعز بالكسر عزًّا وعزة وعزازة وهو عزيز؛ قلَّ حتى لا يوجد (٢).
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة: ٥٤]. أي جانبهم غليظ على الكافرين، لين على المؤمنين.
وأما قوله -سُبْحَانَهُ-: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ [النساء: ١٣٩]. فإن العزة تعني المنعة والقوة، والمعنى: أيطلبون - أي أهل النفاق - عند الكافرين المنعة والقوة باتخاذهم أولياء من دون أهل الإيمان (٣).
﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ أي فإن المنعة والنصرة من عند الله الذي له المنعة، فهلَّا اتخذوا أولياء من المؤمنين حتى يعزهم الله.
«أما العزة المنسوبة لله ورسوله والمؤمنين في قوله
стр. 2767
تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، فإن عزة الله قهره من دونه، وعزة رسوله إظهار دينه على الأديان كلها، وعزة المؤمنين نصر الله إياهم على أعدائهم، وقيل: المعنى: ولله الغلبة والقوة ولرسوله وللمؤمنين، وقيل: المقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جناب الله تعالى، والالتجاء إلى عبوديته، والانتظام في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد» (١).
كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر:١٠]. وبعض الناس تجده يتنازل عن أشياء من دينه لرضى الكفار وبيان تسامح الإسلام، وهذا من الذل وليس من العز، فالمسلم يرفع رأسه بهذا الدين ويفخر به، فهو صالح لكل زمان ومكان، وهو الدِّين الذي أكمله الله فلا يحتاج إلى زيادة، ورضيه لعباده فلا يحتاجون إلى شيء بعده، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وإلى الأمثلة التي تبين اعتزاز الصحابة ومن بعدهم بهذا الدِّين العظيم:
المثال الأول: روى البخاري في صحيحه أن عمر بن الخطاب ﵁ أرسل جيشًا إلى كسرى واستعمل عليهم النعمان
стр. 2768
ابن مقرن، حتى إذا كانوا بأرض العدو، خرج إليهم عامل كسرى في أربعين ألفًا، فقام ترجمان فقال: ليكلمني رجل منكم، فقال المغيرة: سل عما شئت، قال: من أنتم، قال: نحن أناس من العرب، كنا في شقاء شديد، وبلاء شديد، نمص الجلد والنوى من الجوع، ونلبس الوبر والشعر، ونعبد الشجر والحجر، فبينا نحن كذلك، إذ بعث رب السموات ورب الأرضين - تعالى ذكره وجلت عظمته- إلينا نبيًّا من أنفسنا نعرف أباه وأمه، فأمرنا نبينا رسول ربنا ﷺ أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا ﷺ عن رسالة ربنا أنه من قُتل منا صار إلى الجنة في نعيم لم ير مثلها قط، ومن بقي منا ملك رقابكم (١).
المثال الثاني: روى البخاري في صحيحه من حديث عبد الله ابن مسعود ﵁ قال: انطلق سعد بن معاذ معتمرًا، قال: فنزل على أمية بن خلف، وكان أمية إذا انطلق إلى الشام فمر بالمدينة نزل على سعد، فقال أمية لسعد: انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس انطلقت فطفت، فبينما سعد يطوف إذا أبو جهل فقال: من هذا الذي يطوف بالكعبة؟ فقال سعد: أنا سعد، فقال أبو جهل: تطوف بالكعبة آمنًا وقد أويتم محمدًا وأصحابه؟ فقال: نعم، فتلاحيا بينهما، فقال أمية لسعد: لا ترفع صوتك على أبي الحكم، فإنه سيد أهل الوادي، ثم قال سعد: والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن متجرك
стр. 2769
بالشام، قال: فجعل أمية يقول لسعد: لا ترفع صوتك، وجعل يمسكه، فغضب سعد فقال: دعنا عنك، فإني سمعت محمدًا ﷺ يزعم أنه قاتلك، قال: إياي؟ قال: نعم، قال: والله ما يكذب محمد إذا حدَّث، فرجع إلى امرأته فقال: أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي؟ قالت: وما قال؟ قال: زعم أنه سمع محمدًا ﷺ يزعم أنه قاتلي، قالت: فوالله ما يكذب محمد، قال: فلما خرجوا إلى بدر، وجاء الصريخ قالت له امرأته: أما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: فأراد أن لا يخرج، فقال له أبو جهل: إنك من أشراف الوادي، فسر يومًا أو يومين، فسار معهم، فقتله الله (١).
ويظهر في الموقف السابق شجاعة سعد وشدته على الكافرين، واعتزازه بدينه، فمع أنه بمكة لوحده، إلا أنه كان يهدد سادات قريش في عقر دارهم.
المثال الثالث: لما قدم عمر الشام، عرضت له مخاضة فنزل عن بعيره، ونزع موقيه (٢)، فأمسكهما بيده وخاض الماء ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة: قد صنعت اليوم صنيعًا عظيمًا عند أهل الأرض، صنعت كذا وكذا، قال: فصك في صدره، وقال: أَوَّهْ (٣)، لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس،
стр. 2770
وأحقر الناس، وأقل الناس، فأعزكم الله بالإسلام، فمهما تطلبوا العز بغيره يذلكم الله (١).
المثال الرابع: ما حصل في سنة ٦٩٩ هـ، وذلك أن ملك التتر غازان قدم إلى دمشق فخرج إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، واجتمع به وكلمه بغلظة، فكف الله يد غازان عنه، وذلك أنه قال لترجمان الملك غازان، قل له: أنت تزعم أنك مسلم ومعك قاض وإمام وشيخ ومؤذنون على ما بلغنا؛ فغزوتنا، وأبوك وجدك هولاكو كانا كافرين، وما عملا الذي عملت.
عاهدا فوفيا، وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفيت. وجرت له مع غازان وقطلوشاه وبولاي أمور قام فيها كلها لله، وقال الحق ولم يخش إلا الله. وحضر قضاة دمشق وأعيانها إلى مجلس غازان، فقدم إليهم غازان طعامًا فأكلوا إلا ابن تيمية ﵀، فقيل: ألا تأكل؟ فقال: كيف آكل من طعامكم وكله مما نهبتم من أغنام الناس، وطبختموه مما قطعتم من أشجار الناس، ثم إن غازان طلب منه الدعاء، فقال في دعائه: اللَّهم إن كنت تعلم أنه إنما قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وجهادًا في سبيلك فأيده وانصره، وإن كان للملك والدنيا والتكاثر فافعل به واصنع ... يدعو عليه، وغازان يؤمن على دعائه، وقضاة دمشق قد خافوا القتل وجمعوا ثيابهم خوفًا أن يبطش به غازان فيصيبهم من دمه،