← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

وقال ابن مسعود ﵁: «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر» (١). العز خلاف الذل، والعز في الأصل القوة والشدة والغلبة، يقال: عز، يعز بالفتح إذا اشتد، ورجل عزيز: منيع لا يُغلب ولا يُقهر، وعز يعز بالكسر عزًّا وعزة وعزازة وهو عزيز؛ قلَّ حتى لا يوجد (٢). قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة: ٥٤]. أي جانبهم غليظ على الكافرين، لين على المؤمنين. وأما قوله -سُبْحَانَهُ-: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ [النساء: ١٣٩]. فإن العزة تعني المنعة والقوة، والمعنى: أيطلبون - أي أهل النفاق - عند الكافرين المنعة والقوة باتخاذهم أولياء من دون أهل الإيمان (٣). ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ أي فإن المنعة والنصرة من عند الله الذي له المنعة، فهلَّا اتخذوا أولياء من المؤمنين حتى يعزهم الله. «أما العزة المنسوبة لله ورسوله والمؤمنين في قوله

стр. 2767

تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، فإن عزة الله قهره من دونه، وعزة رسوله إظهار دينه على الأديان كلها، وعزة المؤمنين نصر الله إياهم على أعدائهم، وقيل: المعنى: ولله الغلبة والقوة ولرسوله وللمؤمنين، وقيل: المقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جناب الله تعالى، والالتجاء إلى عبوديته، والانتظام في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد» (١). كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر:١٠]. وبعض الناس تجده يتنازل عن أشياء من دينه لرضى الكفار وبيان تسامح الإسلام، وهذا من الذل وليس من العز، فالمسلم يرفع رأسه بهذا الدين ويفخر به، فهو صالح لكل زمان ومكان، وهو الدِّين الذي أكمله الله فلا يحتاج إلى زيادة، ورضيه لعباده فلا يحتاجون إلى شيء بعده، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وإلى الأمثلة التي تبين اعتزاز الصحابة ومن بعدهم بهذا الدِّين العظيم: المثال الأول: روى البخاري في صحيحه أن عمر بن الخطاب ﵁ أرسل جيشًا إلى كسرى واستعمل عليهم النعمان

стр. 2768

ابن مقرن، حتى إذا كانوا بأرض العدو، خرج إليهم عامل كسرى في أربعين ألفًا، فقام ترجمان فقال: ليكلمني رجل منكم، فقال المغيرة: سل عما شئت، قال: من أنتم، قال: نحن أناس من العرب، كنا في شقاء شديد، وبلاء شديد، نمص الجلد والنوى من الجوع، ونلبس الوبر والشعر، ونعبد الشجر والحجر، فبينا نحن كذلك، إذ بعث رب السموات ورب الأرضين - تعالى ذكره وجلت عظمته- إلينا نبيًّا من أنفسنا نعرف أباه وأمه، فأمرنا نبينا رسول ربنا ﷺ أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا ﷺ عن رسالة ربنا أنه من قُتل منا صار إلى الجنة في نعيم لم ير مثلها قط، ومن بقي منا ملك رقابكم (١). المثال الثاني: روى البخاري في صحيحه من حديث عبد الله ابن مسعود ﵁ قال: انطلق سعد بن معاذ معتمرًا، قال: فنزل على أمية بن خلف، وكان أمية إذا انطلق إلى الشام فمر بالمدينة نزل على سعد، فقال أمية لسعد: انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس انطلقت فطفت، فبينما سعد يطوف إذا أبو جهل فقال: من هذا الذي يطوف بالكعبة؟ فقال سعد: أنا سعد، فقال أبو جهل: تطوف بالكعبة آمنًا وقد أويتم محمدًا وأصحابه؟ فقال: نعم، فتلاحيا بينهما، فقال أمية لسعد: لا ترفع صوتك على أبي الحكم، فإنه سيد أهل الوادي، ثم قال سعد: والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن متجرك

стр. 2769

بالشام، قال: فجعل أمية يقول لسعد: لا ترفع صوتك، وجعل يمسكه، فغضب سعد فقال: دعنا عنك، فإني سمعت محمدًا ﷺ يزعم أنه قاتلك، قال: إياي؟ قال: نعم، قال: والله ما يكذب محمد إذا حدَّث، فرجع إلى امرأته فقال: أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي؟ قالت: وما قال؟ قال: زعم أنه سمع محمدًا ﷺ يزعم أنه قاتلي، قالت: فوالله ما يكذب محمد، قال: فلما خرجوا إلى بدر، وجاء الصريخ قالت له امرأته: أما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: فأراد أن لا يخرج، فقال له أبو جهل: إنك من أشراف الوادي، فسر يومًا أو يومين، فسار معهم، فقتله الله (١). ويظهر في الموقف السابق شجاعة سعد وشدته على الكافرين، واعتزازه بدينه، فمع أنه بمكة لوحده، إلا أنه كان يهدد سادات قريش في عقر دارهم. المثال الثالث: لما قدم عمر الشام، عرضت له مخاضة فنزل عن بعيره، ونزع موقيه (٢)، فأمسكهما بيده وخاض الماء ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة: قد صنعت اليوم صنيعًا عظيمًا عند أهل الأرض، صنعت كذا وكذا، قال: فصك في صدره، وقال: أَوَّهْ (٣)، لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس،

стр. 2770

وأحقر الناس، وأقل الناس، فأعزكم الله بالإسلام، فمهما تطلبوا العز بغيره يذلكم الله (١). المثال الرابع: ما حصل في سنة ٦٩٩ هـ، وذلك أن ملك التتر غازان قدم إلى دمشق فخرج إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، واجتمع به وكلمه بغلظة، فكف الله يد غازان عنه، وذلك أنه قال لترجمان الملك غازان، قل له: أنت تزعم أنك مسلم ومعك قاض وإمام وشيخ ومؤذنون على ما بلغنا؛ فغزوتنا، وأبوك وجدك هولاكو كانا كافرين، وما عملا الذي عملت. عاهدا فوفيا، وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفيت. وجرت له مع غازان وقطلوشاه وبولاي أمور قام فيها كلها لله، وقال الحق ولم يخش إلا الله. وحضر قضاة دمشق وأعيانها إلى مجلس غازان، فقدم إليهم غازان طعامًا فأكلوا إلا ابن تيمية ﵀، فقيل: ألا تأكل؟ فقال: كيف آكل من طعامكم وكله مما نهبتم من أغنام الناس، وطبختموه مما قطعتم من أشجار الناس، ثم إن غازان طلب منه الدعاء، فقال في دعائه: اللَّهم إن كنت تعلم أنه إنما قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وجهادًا في سبيلك فأيده وانصره، وإن كان للملك والدنيا والتكاثر فافعل به واصنع ... يدعو عليه، وغازان يؤمن على دعائه، وقضاة دمشق قد خافوا القتل وجمعوا ثيابهم خوفًا أن يبطش به غازان فيصيبهم من دمه،

стр. 2771

فلما خرجوا قال قاضي القضاة ابن الصعري لابن تيمية ﵀: كدت تهلكنا معك، ونحن ما نصحبك من هنا، فقال: ولا أنا أصحبكم (١). المثال الخامس: ما حصل للسلطان عبدالحميد الثاني ﵀ عندما أتى إليه اليهود وعرضوا عليه تسليم فلسطين مقابل مبالغ مالية من الذهب الخالص، فكان جوابه: إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبًا فلن أقبل، إن أرض فلسطين ليست ملكي، إنما هي ملك الأمة الإسلامية، وما حصل عليه المسلمون بدمائهم لا يمكن أن يباع، وربما إذا تفتت امبراطوريتي يومًا يمكنكم أن تحصلوا على فلسطين دون مقابل. فائدة: يقول المستشرق الغربي (شاتلي): إذا أردتم أن تغزوا الإسلام وتكسروا شوكته، وتقضوا على هذه العقيدة التي قضت على كلّ العقائد السابقة واللاحقة لها، والتي كانت السبب الأول والرئيسي لاعتزاز المسلمين وشموخهم، وسبب سيادتهم وغزوهم للعالم، فعليكم أن توجهوا جهود هدمكم إلى نفوس الشباب المسلم، والأمة الإسلامية بإماتة روح الاعتزاز بماضيهم، وكتابهم «القرآن» وتحويلهم عن كلّ ذلك بواسطة نشر ثقافتكم وتاريخكم، ونشر

стр. 2772

روح الإباحية، وتوفير عوامل الهدم المعنوي. اهـ (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2773

الكلمة الخامسة تأملات في سورة الانشقاق الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن الله أنزل هذا القرآن العظيم لتدبره والعمل به، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]. ومن سور القرآن الكريم التي تحتاج منا إلى وقفة تأمل وتدبر سورة الانشقاق، قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥) يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥) فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

стр. 2774

لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾ [الانشقاق]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي رافع قال: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ الْعَتَمَةَ، فَقَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ فَسَجَدَ، فقُلْتُ لَهُ، قَالَ: سَجَدْتُ خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ ، فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ (١). قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾: يخبر تعالى في هذه الآيات ما يكون في يوم القيامة من تغير الأجرام العظام، ومعنى انشقت: أي انفطرت وتمايز بعضها من بعض، وانتثرت نجومها، وخسف بشمسها وقمرها، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾ [الفرقان: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧)﴾ [الرحمن: ٣٧]. قوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢)﴾: أي استمعت لربها وأطاعت أمره فيما أمرها به من الانشقاق، وحقت: أي وحق لها أن تطيع أمره لأنه العظيم الذي لا يمانع ولا يغالب، بل قد قهر كل شيء وذل له كل شيء. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣)﴾: أي رجفت وارتجت ونُسفت عليها جبالها، ودك ما عليها من بناء ومعلم فسويت، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا

стр. 2775

(١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [طه: ١٠٧]. ثم يمدها الله مد الأديم، يعني كمد الجلد كأنما تفرش جلداً، حتى إن الذين عليها - وهم الخلائق - يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، لكن الآن لا ينفذهم البصر، لو امتد الناس على الأرض لوجدت البعيدين منخفضين لا تراهم، لكن يوم القيامة إذا مدت صار أقصاهم مثل أدناهم، كما جاء في الصحيحين: «يَجْمَعُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ» (١). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث سهل ابن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ (٢) كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ»، قَالَ سَهْلٌ أَوْ غَيْره: لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لِأَحَدٍ (٣). قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤)﴾: أي ألقت ما في بطنها من الكنوز والأموات وتخلت منهم، فإنه ينفخ في الصور فتخرج الأموات من القبور إلى وجه الأرض، وتخرج الأرض كنوزها حتى تكون كالأسطوان العظيم يشاهده الخلق، ويتحسرون على ما هم فيه يتنافسون.

стр. 2776

روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تَقِيءُ الأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا أَمْثَالَ الأُسْطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَتَلْتُ، وَيَجِيءُ الْقَاطِعُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِقُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُطِعَتْ يَدِي، ثُمَّ يَدَعُونَهُ فَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا» (١). قوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥)﴾ أذنت: يعني استمعت وأطاعت لربها، وحقت: فبعد أن كانت مدورة فيها المرتفع والنازل صارت كأنها جلد ممتدة امتدادًا واحدًا. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦)﴾ أي ساع إلى ربك سعيًا، وعامل عملًا، ثم إنك ستلقى ما عملت من خير أو شر، ويشهد لذلك ما رواه الحاكم في المستدرك من حديث سهل بن سعد ﵁ قال: «جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَال: يَا مُحَمْد عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ» (٢). قال قتادة: يا ابن آدم إن كدحك لضعيف، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل، ولا قوة إلا بالله.

стр. 2777

قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ أي: سهلاً بلا تعسير، أي لا تحقق عليه جميع دقائق أعماله، فإن من حوسب كذلك يهلك لا محالة. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا هَلَكَ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِنَّمَا ذَلِكِ العَرْضُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الحِسَابَ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا هَلَكَ» (١). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بعض صلاته: «اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا»، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قُلْتُ: يَا نَبي اللهِ، مَا الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ قَالَ: «أَنْ يَنْظُرُ فِي كِتَابِهِ فَيَتَجَاوَزُ عَنْهُ، إِنَّهُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَئِذٍ، يَا عَائِشَةُ، هَلَكَ» (٢). قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠)﴾ أي: بشماله من وراء ظهره، تثنى يده إلى ورائه ويُعطى كتابه بها كذلك، ﴿فَسَوْفَ

стр. 2778

يَدْعُو ثُبُورًا (١١)﴾ أي خساراً وهلاكاً ﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ أي: يصلى النار التي تسعر به، ويكون مخلداً فيها لأنه كافر. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣)﴾ أي: فرحاً لا يفكر في العواقب، ولا يخاف مما أمامه، فأعقبه ذلك الفرح اليسير الحزن الطويل. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)﴾ أي: كان يعتقد أنه لا يرجع إلى الله، ولا يعيده بعد موته، قال ابن عباس ﵄ وغيره: الحور الرجوع. قوله تعالى: ﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)﴾ يعني: بلى سيعيده الله كما بدأه، ويجازيه على أعماله خيرها وشرها، فإنه كان به بصيرًا: أي عليمًا خبيرًا. قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦)﴾ والشفق: هو الحمرة التي تكون بعد غروب الشمس، وإذا غابت هذه الحمرة خرج وقت المغرب، ودخل وقت العشاء، وهذا قول أكثر العلماء. قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾ أي: ما جمع، لأن الليل يجمع الوحوش والهوام وما أشبه ذلك، تجتمع وتخرج وتبرز من جحورها وبيوتها، وكذلك ربما يشير إلى اجتماع الناس بعضهم إلى بعض. قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨)﴾ يعني: إذا اجتمع نوره

стр. 2779

وتم وكمل، وذلك في ليالي الإبدار، وفي الإقسام بهذه الأشياء المختلفة الأحوال تناسب مع جواب القسم، وهو قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ أي حالًا بعد حال، أي لتنتقلن من حال إلى حال، من كونكم نطفًا في الأرحام إلى خروجكم إلى الحياة، ثم موت بعد ذلك، ثم تبعثون فتصيرون إلى ربكم فيجازي كلًّا بعمله. قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾ أي: فما لهؤلاء الكفار لا يؤمنون مع وضوح الآيات! والاستفهام للإنكار والتعجب، والفاء للتقريع: أي إذا علم ما تقدم فأي مانع يمنعهم من الإيمان. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ أي: لا يخضعون له ولا ينقادون لأمره، ولا يصلون، فيركعون ويسجدون، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾ [المرسلات: ٤٨]. قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢)﴾ أي: من سجيتهم التكذيب، والعناد والمخالفة للحق، فإن المكذب بالحق عنادًا لا حيلة فيه. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣)﴾ أي: بما يعملونه وينوونه سرًّا، فالله يعلم سرهم وجهرهم، وسيجازيهم بأعمالهم، ولهذا قال: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤)﴾، وسميت البشارة بشارة لأنها تؤثر في البشرة سرورًا أو غمًّا.

стр. 2780

قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾ أي: لكن الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الأعمال الصالحة - جمعوا بين الإيمان والعمل- فهؤلاء لهم أجر غير ممنون، أي ثواب عظيم غير مقطوع، وهو جنة عرضها السموات والأرض، قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾ [مريم: ٦٢]. مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وختمت السورة الكريمة بوعيد الكافرين ووعد المؤمنين (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2781

الكلمة السادسة تأملات في سورة البيِّنة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فمن سور القرآن الكريم التي تحتاج منا إلى وقفة تأمل وتدبر سورة البينة، قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة]. روى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بن كعب: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾»، قَالَ: وَسَمَّانِي؟

стр. 2782

قَالَ: «نَعَمْ»، فَبَكَى (١). قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾: هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، سموا بذلك لأن صحفهم بقيت إلى أن بعث النبي ﷺ مع ما فيها من التحريف والتبديل والتغيير، فاليهود لهم التوراة، والنصارى لهم الإنجيل. والمشركون هم عبدة الأوثان من كل جنس، من بني إسرائيل ومن غيرهم، ولقد أخبر الله عن أهل الكتاب أنهم كانوا يستفتحون على العرب بمحمد ﷺ قبل أن يبعث، أي يستنصرون به على مشركي العرب ويتحرون ظهوره لما هو مكتوب عندهم في كتبهم، فيتبعونه بزعمهم، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ [البقرة: ٨٩]. كما أخبر الله عن المشركين أنهم يقسمون أنه إذا بعث فيهم رسول أن يتبعوه، قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢)﴾ [فاطر: ٤٢]. قوله تعالى: ﴿مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾: أي تاركين لما هم عليه من الشرك والكفر حتى تأتيهم البينة، ثم فسر البينة بقوله:

стр. 2783

﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢)﴾: يعني: محمدًا ﷺ مما يتلوه من القرآن العظيم الذي هو مكتوب في الملأ الأعلى في صحف مطهرة، كقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس: ١٢ - ١٦]. قوله تعالى: ﴿صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾: أي منزهة من الباطل والتحريف، فالقرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾: قال إمام المفسرين ابن جرير ﵀: «أي: وما تفرق اليهود والنصارى في أمر محمد ﷺ فكذبوا به ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾، يعني: بيان أمر محمد أنه رسول بإرسال الله إياه إلى خلقه، يقول: فلما بعثه الله تفرقوا فيه، فكذب به بعضهم، وآمن بعضهم، وقد كانوا قبل أن يبعث غير مفترقين فيه أنه نبي» (١)، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥].

стр. 2784

قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾: يقول تعالى: وما أمر الله هؤلاء اليهود والنصارى -الذين هم أهل الكتاب- إلا أن يعبدوا الله مخلصين له الدين، أي مفردين له الطاعة، لا يخلطون طاعة ربهم بشرك، فأشركت اليهود بربها بقولهم: إن عزيرًا ابن الله، والنصارى بقولهم في المسيح مثل ذلك، وجحودهم نبوة محمد ﷺ . حنفاء: أي متحنفين (١) عن الشرك إلى التوحيد، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. «وخص الصلاة والزكاة [بالذكر] مع أنهما داخلان في قوله: ﴿لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ لفضلهما وشرفهما، وكونهما العبادتين اللتين من قام بهما قام بجميع شرائع الدين» (٢). قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أي الملة المستقيمة العادلة، وقد استدل كثير من الأئمة كالزهري والشافعي بهذه الآية الكريمة على أن الأعمال داخلة في الإيمان، ولهذا قال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا

стр. 2785

لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «وهذا يقتضي أن اليهود والنصارى كفار حين لم يؤمنوا برسول الله محمد ﷺ وإن قالوا: أنهم مؤمنون بالله واليوم الآخر، ويدعون لموتاهم بالرحمة وما أشبه ذلك من العبادات التي يتزلفون بها، فإنهم كاذبون، إذ لو كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر لآمنوا بمحمد ﷺ بل لآمنوا برسلهم، لأن النبي ﷺ قد وجد وصفه في التوراة والإنجيل، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. بل إن عيسى ﵇ -قال لبني إسرائيل: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦]. فلما جاء هذا الرسول الذي بشر به عيسى بالبينات قالوا: هذا سحر مبين، وكذبوه ولم يتبعوه، إلا نفرًا قليلًا من اليهود والنصارى آمنوا بمحمد ﷺ واتبعوه» (١). روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن

стр. 2786

النبي ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» (١). قوله تعالى: ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾: «وسميت جهنم لبعد قعرها وسوادها، فهو مأخوذ من الجهمة، وقيل: إنه اسم أعجمي عرَّبته العرب، وهو اسم من أسماء النار. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ أي: شر الخليقة لأن البرية هي الخليقة، وعلى هذا فيكون الكفار من بني آدم من اليهود والنصارى والمشركين، شر الخلائق، وقد بين الله ذلك تمامًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥)﴾ [الأنفال: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال: ٢٢ - ٢٣]، وإذا كانوا هم شر البرية، فلن نتوقع منهم إلا كل شر؛ لأن الشرير ينبثق منه الشر، ولا يمكن أبدًا أن نحسن الظن بهم» (٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾ لما ذكر في الآيات السابقة حال الأشقياء من الكفرة

стр. 2787

من المشركين واليهود والنصارى، ذكر حال المؤمنين الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بأبدانهم، فأخبر أنهم خير البرية، وقد استدل بهذه الآية أبو هريرة وطائفة من العلماء على تفضيل المؤمنين من البرية على الملائكة لقوله ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾. قوله تعالى: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ جمعها لاختلاف أنواعها، لأن النبي ﷺ قال عن الجنات: «جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، وَآنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، وَآنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا» (١). وإلى هذا يشير قول الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن:٤٦]، ثم ذكر أوصاف هاتين الجنتين، ثم قال -سُبْحَانَهُ-: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ [الرحمن: ٦٢]. والجنات التي ذكرها جزاء للمؤمنين العاملين الصالحات، هي عبارة عن منازل عظيمة أعدها الله للمؤمنين المتقين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولا يمكن لإنسان في الدنيا أن يتصور كيف نعيم الآخرة أبدًا، لأنه أعلى وأجل مما يتصور، قال ابن عباس ﵄: ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء، لكن الحقائق تختلف اختلافًا عظيمًا. ثم قال : ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ العدن بمعنى الإقامة في المكان وعدم النزوح عنه، ومن تمام نعيم أهل الجنة أن كل واحد منهم

стр. 2788

لا يطلب تحولًا عما هو عليه من النعيم، لأنه لا يرى أن أحدًا أكمل منه، ولا يحس في قلبه أنه في غضاضة بالنسبة لمن هو أرقى منه وأكمل، قال تعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٨]، أي تحولًا عما هم عليه لأن الله قد أقنعهم بما أعطاهم فلا يجدون أحدًا أكمل نعيمًا منهم. ثم قال : ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، قال العلماء: من تحت قصورها وأشجارها، وإلا فهو على سطحها وليس أسفل، إنما هو من تحت هذه القصور والأشجار، والأنهار بيَّنها الله تعالى بقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ١٥]. روى ابن أبي الدنيا من حديث أنس بن مالك ﵁ أنه قال: لعلكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود في الأرض؟ لا والله، إنها لسائحة على وجه الأرض، إحدى حافتيها اللؤلؤ، والأخرى الياقوت، وطينه المسك الأذفر، قال: قلت: ما الأذفر؟ قال: الذي لا خلط له (١). قال عبد الله بن مسعود ﵁: «أنها الجنة تفجر من جبل من

стр. 2789

مسك» (١). وذكر ابن القيم ﵀ في كتابه حادي الأرواح عن سفيان الثوري عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن مسروق في قوله تعالى: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١)﴾ [الواقعة:٣١]، قال: أنهار تجري في غير أخدود (٢). فالآثار السابقة تدل على أن النهر يجري على سطح الأرض يتوجه حيث وجهه الإنسان، ولا يحتاج شق خنادق ولا إلى بناء أخدود تمنع سيلان الماء يمينًا وشمالًا، وفي هذا يقول ابن القيم ﵀ في كتابه النونية: أَنْهَارُهَا مِنْ غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ ... سُبْحَانَ مُمْسِكُهَا عَنِ الفَيَضَانِ قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا، لا يموتون، ولا يمرضون، ولا يهرمون، ولا يبأسون، ولا يألمون، ولا يحزنون، ولا يمسهم فيها نصب، فهم في أكمل النعيم دائمًا وأبدًا أبد الآبدين، كما صحت بذلك الأحاديث. ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وهذا أكمل نعيم أن الله تعالى يرضى عنهم فيحل عليهم رضوانه فلا يسخط بعده أبدًا. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة:٨]، أي ذلك

стр. 2790

الجزاء لمن خشي الله تعالى، والخشية هي خوف الله المقرون بالهيبة والتعظيم، ولا يصدر ذلك إلا من عالم بالله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]، فالخشية أخص من الخوف، والفرق بينهما يتضح بالمثال: إذا خفت من شخص لا تدري هل هو قادر عليك أم لا؟ فهذا خوف، وإذا خفت من شخص تعلم أنه قادر عليك فهذه خشية (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2791

الكلمة السابعة من فضائل يوم عرفة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن يوم عرفة يوم عظيم من أيام الله، يوم تكفر فيه السيئات، وتقال فيه العثرات، وتُجاب فيه الدعوات، وتُسكب فيه العبرات، ويباهي الله تعالى بالحجاج الملائكة، وهو يوم المغفرة والعتق من النار، وما رؤي الشيطان فيه أحقر من ذلك اليوم، قال تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣)﴾ [البروج: ٣]. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال في هذه الآية: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣)﴾ قَالَ: الشَّاهِدُ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَالْمَشْهُودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالْمَوْعُودُ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ (١). قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ

стр. 2792

لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩]. قال ابن كثير ﵀: «﴿ثُمَّ﴾ ها هنا لعطف خبر على خبر، وترتيبه عليه، كأنه تعالى أمر الواقف بعرفات أن يدفع إلى المزدلفة ليذكر الله عند المشعر الحرام، وأمره أن يكون وقوفه مع جمهور الناس بعرفات، كما كان جمهور الناس يصنعون، يقفون بها إلا قريشًا، فإنهم لم يكونوا يخرجون من الحرم فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحل ويقولون: نحن أهل الله في بلدته، وقطَّان بيته. وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَت قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ، وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ، أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ ثُم يَقِفَ بِهَا، ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾» (١). وفي رواية: «فَأَنْزَلَ الله : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾» (٢). وكذا قال ابن عباس ومجاهد وغيرهم، واختاره ابن جرير وحكى عليه الإجماع- ﵏» (٣).

стр. 2793

وقال تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾ [الفجر:٣]. قال ابن عباس ﵄ وعكرمة والضحاك: الوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر (١). قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج:٢٧]. قال ابن عباس ﵄: الأيام المعلومات: أيام عشر ذي الحجة (٢). وأما فضائله في السُّنة فهي كثيرة جدًّا، فمن ذلك: - أنه أحد الأيام العشرة المفضلة في أعمالها على غيرها من أيام السنة، روى البخاري في صحيحه والترمذي في سننه من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَاّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» (٣). - ومنها: أنه يوم المغفرة، وصيامه يكفر سنتين، ويُشرع صيامه لغير الحاج، روى مسلم في صحيحه والترمذي في سننه من حديث أبي قتادة أن النبي ﷺ قال: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، إِنِّي

стр. 2794

أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» (١). وروى المنذري في الترغيب والترهيب عن ابن المبارك عن سفيان الثوري عن الزبير بن عدي عن أنس بن مالك ﵁ قال: وقف النبي ﷺ بعرفات وكادت الشمس أن تؤوب، فقال: «يَا بِلالُ! أَنْصِتِ لِيَ النَّاسَ»، فَقال: «مَعَاشِرَ النَّاسِ، أَتَانِي جِبْرِيلُ آنِفًا، فَأَقْرَانِي مِنْ رَبِّيَ السَّلَامَ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِأَهْلِ عَرَفَاتٍ وَأَهْلِ الْمَشْعَرِ، وَضَمِنَ عَنْهُمُ التَّبِعَاتِ»، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، فَقال: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا لَنَا خَاصَّةً؟ قَالَ: «هَذَا لَكُمْ وَلِمَنْ أَتَى مِنْ بَعْدِكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، فَقَالَ عُمَرُ: كَثُرَ واللهِ خَيْرُ اللهِ وَطَابَ (٢). - ومنها: أنه يوم العيد لأهل الموقف، روى أبو داود في سننه من حديث عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: «يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلَامِ» (٣).

стр. 2795

- ومنها: أنه يوم العتق من النار، روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ» (١). - ومنها: أن الله يباهي بالحجاج الملائكة، فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ كان يقول: «إِنَّ اللَّهَ يُبَاهِي مَلائِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا» (٢). قال ابن عبدالبر ﵀: «وهذا يدل على أنهم مغفور لهم؛ لأنه لا يباهي بأهل الخطايا والذنوب إلا من بعد التوبة والغفران» (٣). - ومنها: أنه ركن الحج الأعظم، فمن فاته الوقوف بعرفة، فقد فاته الحج، فقد روى النسائي في سننه من حديث عبدالرحمن بن يعمر أن النبي ﵁ قال: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» (٤). قال ابن حجر ﵀: «أي معظم الحج وركنه الأكبر» (٥). فإذا وافق يوم عرفة يوم الجمعة كما حصل في عهد النبي ﷺ ،

стр. 2796

فقد اجتمع للمسلمين عيدان، يوم الجمعة، ويوم عرفة، روى البخاري ومسلم من حديث طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب ﵁: أن رجلًا من اليهود قال له: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، قَالَ عُمَرُ ﵁: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ (١). وروى ابن جرير بسنده إلى ابن عباس ﵄ قرأ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدًا، فقال ابن عباس ﵄: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيد، ويوم جمعة (٢). قال ابن القيم ﵀: «إن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم عرفة ويوم النحر أفضل أيام العام، وكذلك ليلة القدر أفضل ليالي العام، وليلة الجمعة أفضل ليالي الأسبوع، وكذلك وقفة عرفة يوم الجمعة لها مزية على سائر الأيام، وتحصل مع دنوه من أهل الموقف ساعة الإجابة التي لا يُرد فيها

стр. 2797

سائلًا يسأل خيرًا، فيقربون منه بدعائه والتضرع إليه في تلك الساعة، ويقرب منهم تعالى نوعين من القرب؛ أحدهما: قرب الإجابة المحققة في تلك الساعة، والثاني قربه الخاص من أهل عرفة ومباهاته بهم ملائكته، فتستشعر قلوب أهل الإيمان هذه الأمور، فتزداد قوة إلى قوتها، وفرحًا وسرورًا وابتهاجًا ورجاءً لفضل ربها وكرمه، فبهذه الوجوه وغيرها فضلت وقفة يوم الجمعة على غيرها. وأما ما استفاض على ألسنة العوام بأن موافقة يوم عرفة ليوم الجمعة تعدل اثنتين وسبعين حجة، فباطل لا أصل له عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أحد من الصحابة والتابعين. والله أعلم» (١). «ويوم عرفة يوم أغر، وهو ملتقى المسلمين المشهود، يوم رجاء، وخشوع، وذل وخضوع، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الحجيج عشية عرفة ينزل على قلوبهم من الإيمان والرحمة والنور والبركة ما لا يمكن التعبير عنه» (٢). وأفضل الدعاء دعاء ذلك اليوم، قال ابن عبد البر ﵀: «دعاء يوم عرفة مجاب كله في الأغلب» (٣).

стр. 2798

والدعاء يوم عرفة عظيم المكانة، رفيع الشأن، وثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ : « ... أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبَلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتىَّ غَابَ الْقُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ خَلْفَهُ» (١). وروى النسائي في سننه من حديث أسامة بن زيد ﵁ قال: «كُنْتُ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو فَمَالَتْ بِهِ نَاقَتُهُ، فَسَقَطَ خِطَامُهَا، قَالَ: فَتَنَاوَلَ الْخِطَامَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَهُ الْأُخْرَى» (٢). وأقرب الحجيج عند الله منزلة أكثرهم له ذكرًا، قال ابن القيم ﵀: «أفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه ذكرًا لله، فأفضل الصوام أكثرهم ذكرًا لله في صومهم، وأفضل المتصدقين أكثرهم ذكرًا لله، وأفضل الحجاج أكثرهم ذكرًا لله ، وهكذا سائر الأعمال» (٣) (٤).

стр. 2799

ويستمر الحاج في الدعاء والتضرع وكثرة الذكر إلى أن تغرب الشمس كما فعل النبي ﷺ (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2800

الكلمة الثامنة من فضائل أيام التشريق الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾ [البقرة: ٢٠٣]. قال ابن عباس ﵄: الأيام المعدودات: أيام التشريق، والأيام المعلومات: أيام العشر، والأيام المعدودات هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهذا قول ابن عمر وأكثر العلماء، وقال آخرون: هي يوم النحر وثلاثة أيام بعده (١). قال ابن كثير ﵀: «والقول الأول هو المشهور، وعليه دل ظاهر الآية الكريمة، حيث قال -سُبْحَانَهُ-: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فدل على ثلاثة أيام بعد النحر» (٢).

стр. 2801

ومن الأدلة أيضًا على قوة القول الأول، ما رواه النسائي في سننه من حديث عبدالرحمن بن يعمر الديلي ﵁ قال: شهدت النبي ﷺ بعرفة وأتاه ناس من نجد، فأمروا رجلًا فسأله عن الحج، فقال: «الحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَقَدْ أَدْرَكَ حَجَّةُ، أَيَّامُ مَنًى ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، مَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ»، ثم أردف رجلًا فجعل يُنادي بها في الناس (١). وهذا الحديث صريح في أنها أيام التشريق، وأفضلها أولها وهو يوم القر، وهو اليوم الأول الذي يستقر الحجاج فيه في منى - يوم الحادي عشر -. روى أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن قرط ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَعْظَمَ الأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ تَعَالى يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ» (٢). وسُميت أيام التشريق؛ لأن الناس يشرقون فيها لحوم الأضاحي والهدايا: أي يقددونها وينشرونها لتجف. ومن فضائل هذه الأيام ما رواه مسلم في صحيحه من حديث نبيشة الهذلي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ

стр. 2802

أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ» (١). «فأيام التشريق يجتمع فيها للمؤمنين نعيم أبدانهم بالأكل والشرب، ونعيم قلوبهم بالذكر والشكر، وبذلك تتم النعم، وكلما أحدثوا شكرًا على النعمة كان شكرهم نعمة أخرى، فيحتاج إلى شكر آخر، ولا ينتهي الشكر أبدًا، قال الشاعر: إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللهِ نِعْمَةً ... عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ... وَإِنْ طَالَتِ الأَيَّامُ وَاتَّصَلَ العُمْرُ وفي قول النبي ﷺ أنها أيام أكل وشرب وذكر لله إشارة إلى أن الأكل في أيام الأعياد والشرب إنما يستعان به على ذكر الله تعالى وطاعته، وذلك من تمام شكر النعمة أن يستعان بها على الطاعات، وقد أمر الله تعالى في كتابه بالأكل من الطيبات والشكر، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة:١٧٢]. قال الشاعر: إِذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَا ... فَإِنَّ المَعَاصِي تُزِيلُ النِّعَمْ وَدَاوِمْ عَلَيْهَا بِشُكْرِ الإِلَهِ ... فَشُكْرُ الإِلَهِ يُزِيلُ النِّقَمْ وقد أباح الله ذبح هذه البهائم المطيعة الذاكرة له لعباده المؤمنين حتى تتقوى بها أبدانهم، وتكمل لذاتهم في

стр. 2803

أكلهم اللحوم، فإنها من أجلِّ الأغذية وألذها، مع أن الأبدان تقوم بغير اللحم من النباتات وغيرها، ولكن لا تكمل القوى والعقل واللذة إلا باللحم، فأباح للمؤمنين قتل هذه البهائم والأكل من لحومها؛ ليكمل بذلك قوة عباده وعقولهم، فيكون ذلك عونًا لهم على علوم نافعة، وأعمال صالحة. قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾ [الحج: ٣٦]» (١). روى الترمذي في سننه من حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» (٢). «ولما أكمل الله تعالى أحكام النسك، أمر بالإكثار من ذكره في الأيام المعدودات، وهي أيام التشريق في قول جمهور المفسرين، وذلك بمزيتها وشرفها، وكون بقية المناسك تُفعل بها، ولكون الناس فيها أضيافًا لله؛ ولهذا حرم صيامها، فالذكر فيها مزية ليست لغيرها؛ ولذلك يُستحب للمؤمن أن يُكثر من ذكر الله فيها، ويدخل في ذلك التسبيح، والتهليل، والتحميد، والتكبير، وقراءة القرآن، والصلاة على النبي ﷺ ، ورمي الجمار، والتكبير عند رميها، والدعاء بين

стр. 2804

الجمرتين، والذبح والتسمية فيه، والصلوات التي تُفعل فيها من فرائض ونوافل، والذكر المقيد بعد الفرائض فيها، وعند كثير من أهل العلم يستحب فيها التكبير المطلق» (١). فالذكر عمومًا من شعائر هذه الأيام، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]. وقد استحب كثير من السلف كثرة الدعاء بهذا في أيام التشريق، قال عكرمة: يستحب أن يُقال في أيام التشريق: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، «وهذا الدعاء من أجمع الأدعية للخير، وكان النبي ﷺ يُكثر منه، روى البخاري ومسلم من حديث أنس ﵁ قال: «أَكْثَرُ دَعْوَةٍ يَدْعُو بِهَا النَّبِيُّ ﷺ : اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّار، قَالَ: وَكَانَ أَنَسٌ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ دَعَا بِهَا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ بدُعَاءٍ دَعَا بِهَا فِيهَا» (٢). قال الحسن: الحسنة في الدنيا: العلم والعبادة، وفي الآخرة: الجنة، وقال سفيان الثوري: الحسنة في الدنيا: العلم والرزق الطيب، وفي الآخرة: الجنة، والدعاء من أفضل أنواع الذكر،

стр. 2805

روى زياد الجصاص عن أبي كنانة القرشي أنه سمع أبا موسى الأشعري يقول في خطبته يوم النحر: بعد يوم النحر ثلاثة أيام التي ذكر الله الأيام المعدودات، لا يرد فيهن الدعاء، فارفعوا رغبتكم إلى الله . وفي الأمر بالذكر عند انقضاء النسك معنى، وهو أن سائر العبادات تنقضي ويفرغ منها، وذكر الله باق لا ينقضي ولا يفرغ منه، بل هو مستمر للمؤمن في الدنيا والآخرة» (١). وقد نُهي عن صيامها إلا لمن لم يجد الهدي، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر وعائشة ﵄ قالا: «لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ» (٢). قال ابن رجب ﵀: «وإنما نُهي عن صيام أيام التشريق لأنها أعياد للمسلمين مع يوم النحر، فلا تُصام بمنى ولا غيرها عند جمهور العلماء، وفي النهي عن صيام هذه الأيام والأمر بالأكل فيها والشرب سرٌّ حسن، وهو أن الله ﵎ لما علم ما يلاقي الوافدون إلى بيته من مشاق السفر وتعب الإحرام، وجهاد النفوس على قضاء المناسك، شرع لهم الاستراحة عقب ذلك بالإقامة بمنى يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وأمرهم بالأكل فيها
следующие страницы →