ومن الأدلة أيضًا على قوة القول الأول، ما رواه النسائي في سننه من حديث عبدالرحمن بن يعمر الديلي ﵁ قال: شهدت النبي ﷺ بعرفة وأتاه ناس من نجد، فأمروا رجلًا فسأله عن الحج، فقال: «الحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَقَدْ أَدْرَكَ حَجَّةُ، أَيَّامُ مَنًى ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، مَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ»، ثم أردف رجلًا فجعل يُنادي بها في الناس (١).
وهذا الحديث صريح في أنها أيام التشريق، وأفضلها أولها وهو يوم القر، وهو اليوم الأول الذي يستقر الحجاج فيه في منى - يوم الحادي عشر -.
روى أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن قرط ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَعْظَمَ الأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ تَعَالى يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ» (٢). وسُميت أيام التشريق؛ لأن الناس يشرقون فيها لحوم الأضاحي والهدايا: أي يقددونها وينشرونها لتجف.
ومن فضائل هذه الأيام ما رواه مسلم في صحيحه من حديث نبيشة الهذلي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ
стр. 2802
أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ» (١).
«فأيام التشريق يجتمع فيها للمؤمنين نعيم أبدانهم بالأكل والشرب، ونعيم قلوبهم بالذكر والشكر، وبذلك تتم النعم، وكلما أحدثوا شكرًا على النعمة كان شكرهم نعمة أخرى، فيحتاج إلى شكر آخر، ولا ينتهي الشكر أبدًا، قال الشاعر:
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللهِ نِعْمَةً ... عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ
فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ... وَإِنْ طَالَتِ الأَيَّامُ وَاتَّصَلَ العُمْرُ
وفي قول النبي ﷺ أنها أيام أكل وشرب وذكر لله إشارة إلى أن الأكل في أيام الأعياد والشرب إنما يستعان به على ذكر الله تعالى وطاعته، وذلك من تمام شكر النعمة أن يستعان بها على الطاعات، وقد أمر الله تعالى في كتابه بالأكل من الطيبات والشكر، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة:١٧٢]. قال الشاعر:
إِذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَا ... فَإِنَّ المَعَاصِي تُزِيلُ النِّعَمْ
وَدَاوِمْ عَلَيْهَا بِشُكْرِ الإِلَهِ ... فَشُكْرُ الإِلَهِ يُزِيلُ النِّقَمْ
وقد أباح الله ذبح هذه البهائم المطيعة الذاكرة له لعباده المؤمنين حتى تتقوى بها أبدانهم، وتكمل لذاتهم في
стр. 2803
أكلهم اللحوم، فإنها من أجلِّ الأغذية وألذها، مع أن الأبدان تقوم بغير اللحم من النباتات وغيرها، ولكن لا تكمل القوى والعقل واللذة إلا باللحم، فأباح للمؤمنين قتل هذه البهائم والأكل من لحومها؛ ليكمل بذلك قوة عباده وعقولهم، فيكون ذلك عونًا لهم على علوم نافعة، وأعمال صالحة.
قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾ [الحج: ٣٦]» (١).
روى الترمذي في سننه من حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» (٢).
«ولما أكمل الله تعالى أحكام النسك، أمر بالإكثار من ذكره في الأيام المعدودات، وهي أيام التشريق في قول جمهور المفسرين، وذلك بمزيتها وشرفها، وكون بقية المناسك تُفعل بها، ولكون الناس فيها أضيافًا لله؛ ولهذا حرم صيامها، فالذكر فيها مزية ليست لغيرها؛ ولذلك يُستحب للمؤمن أن يُكثر من ذكر الله فيها، ويدخل في ذلك التسبيح، والتهليل، والتحميد، والتكبير، وقراءة القرآن، والصلاة على النبي ﷺ ، ورمي الجمار، والتكبير عند رميها، والدعاء بين
стр. 2804
الجمرتين، والذبح والتسمية فيه، والصلوات التي تُفعل فيها من فرائض ونوافل، والذكر المقيد بعد الفرائض فيها، وعند كثير من أهل العلم يستحب فيها التكبير المطلق» (١).
فالذكر عمومًا من شعائر هذه الأيام، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]. وقد استحب كثير من السلف كثرة الدعاء بهذا في أيام التشريق، قال عكرمة: يستحب أن يُقال في أيام التشريق: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، «وهذا الدعاء من أجمع الأدعية للخير، وكان النبي ﷺ يُكثر منه، روى البخاري ومسلم من حديث أنس ﵁ قال: «أَكْثَرُ دَعْوَةٍ يَدْعُو بِهَا النَّبِيُّ ﷺ : اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّار، قَالَ: وَكَانَ أَنَسٌ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ دَعَا بِهَا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ بدُعَاءٍ دَعَا بِهَا فِيهَا» (٢).
قال الحسن: الحسنة في الدنيا: العلم والعبادة، وفي الآخرة: الجنة، وقال سفيان الثوري: الحسنة في الدنيا: العلم والرزق الطيب، وفي الآخرة: الجنة، والدعاء من أفضل أنواع الذكر،
стр. 2805
روى زياد الجصاص عن أبي كنانة القرشي أنه سمع أبا موسى الأشعري يقول في خطبته يوم النحر: بعد يوم النحر ثلاثة أيام التي ذكر الله الأيام المعدودات، لا يرد فيهن الدعاء، فارفعوا رغبتكم إلى الله .
وفي الأمر بالذكر عند انقضاء النسك معنى، وهو أن سائر العبادات تنقضي ويفرغ منها، وذكر الله باق لا ينقضي ولا يفرغ منه، بل هو مستمر للمؤمن في الدنيا والآخرة» (١).
وقد نُهي عن صيامها إلا لمن لم يجد الهدي، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر وعائشة ﵄ قالا: «لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ» (٢).
قال ابن رجب ﵀: «وإنما نُهي عن صيام أيام التشريق لأنها أعياد للمسلمين مع يوم النحر، فلا تُصام بمنى ولا غيرها عند جمهور العلماء، وفي النهي عن صيام هذه الأيام والأمر بالأكل فيها والشرب سرٌّ حسن، وهو أن الله ﵎ لما علم ما يلاقي الوافدون إلى بيته من مشاق السفر وتعب الإحرام، وجهاد النفوس على قضاء المناسك، شرع لهم الاستراحة عقب ذلك بالإقامة بمنى يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وأمرهم بالأكل فيها
стр. 2806
من لحوم نسكهم، فهم في ضيافة الله فيها لطفًا من الله بهم، ورأفة ورحمة، وشاركهم أيضًا أهل الأمصار في ذلك؛ لأن أهل الأمصار شاركوهم في حصول المغفرة والنصب لله والاجتهاد في عشر ذي الحجة بالصوم والذكر والاجتهاد في العبادات، وشاركوهم في حصول المغفرة، وفي التقرب إلى الله تعالى بإراقة دماء الأضاحي، فشاركوهم في أعيادهم، واشترك الجميع في الراحة في أيام الأعياد بالأكل والشرب، كما اشتركوا جميعًا في أيام العشر في الاجتهاد في الطاعة والنصب، وصار المسلمون كلهم في ضيافة الله في هذه الأيام، يأكلون من رزقه ويشكرونه على فضله، ونُهوا عن صيامها لأن الكريم لا يليق به أن يجيع أضيافه، فكأنه قيل للمؤمنين في هذه الأيام: قد فرغ عملكم الذي عملتموه، فما بقي لكم إلا الراحة» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2807
الكلمة التاسعة
من مقاصد الحج وحِكمه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ [الحج: ٢٧].
شرع الله - جل وعلا - الحج لأهداف عظيمة، ومقاصد متنوعة، ومنافع عاجلة وآجلة في الدنيا والآخرة، فمن المنافع الدينية: العبادات البدنية من الصلاة والصوم والطواف والصدقات والزكاة والذكر، ونحر الهدي .. وغيرها، ومن المنافع الدنيوية: البيع والشراء، والأكل من لحوم الهدي، والإهداء.
«قال ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ قال: منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الآخرة فرضوان الله تعالى، وأما منافع الدنيا، فما يصيبون من منافع البُدْن والذبائح والتجارات،
стр. 2808
وكذا قال مجاهد وغير واحد» (١).
«ولا خلاف في أن المراد بقوله ﴿: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، التجارة» (٢).
قال ابن جرير - إمام المفسرين- ﵀: «وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: عنى بذلك: يشهدوا منافع لهم من العمل الذي يرضي الله والتجارة، وذلك أن الله عم منافع لهم جميع ما يشهد له الموسم، ويأتي إلى مكة أيام الموسم من منافع الدنيا والآخرة، ولم يخصص من ذلك شيئًا من منافعهم بخبر ولا عقل، فذلك على العموم في المنافع التي وضعت» (٣).
وأعظم مقاصد الحج: إخلاص العبادة لله، وتوجيه القلوب إليه -سُبْحَانَهُ-، وأنه الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. ولذلك شرع الله للحجاج أن يقولوا في تلبيتهم لبيك لا شريك لك.
стр. 2809
وكان النبي ﷺ يقول: «اللَّهُمَّ حَجَّةٌ لَا رِيَاءَ فِيهَا وَلَا سُمْعَةَ» (١).
ومن مقاصد الحج: أن يتعلم الحجاج دين الله، ويتبصروا به في رحاب البيت العتيق من العلماء والمذكِّرين ما يجهلون من أحكام دينهم، وما يجهلون من أحكام حجهم وعمرتهم حتى يؤدوها على علم وبصيرة، وحتى يعبدوا الله في أرضهم وأينما كانوا على علم وبصيرة.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل:٤٣ - ٤٤]. روى ابن ماجه في سننه من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» (٢).
وقال ﷺ : «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي، لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» (٣).
ومنها: أن يتعارف المسلمون ويتواصوا بالحق ويتناصحوا فيما بينهم، ويساعد بعضهم بعضًا، ويواسي بعضهم بعضًا، فهم
стр. 2810
يأتون من كل فج عميق من غرب الأرض وشرقها، وجنوبها وشمالها، يجتمعون في بيت الله العتيق وفي عرفات، وفي مزدلفة، وفي منى، في وقت واحد وبلباس واحد، لا فرق بين عربي وأعجمي، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات:١٣].
ومن مقاصد الحج: الاستكثار من الصلوات والطواف بالبيت العقيق.
ومن المقاصد أيضًا الإكثار من ذكر الله عند أداء هذه الشعيرة العظيمة، قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج:٢٨]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة:٢٠٠].
أما حِكَم الحج فهي كثيرة، أكتفي ببعضها، فمن ذلك: أن التجرد من المخيط تذكير بلباس الأكفان بعد الرحيل، وإرشاد إلى التواضع، ونبذ الكبرياء.
ومنها: أن سواد الحجر الأسود تذكير للعباد بشؤم المعصية حتى على الجمادات، وعظم أثرها على القلب، قال ﷺ : «نَزَلَ
стр. 2811
الْحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ» (١).
وفي السعي بين الصفا والمروة تذكير بما حصل لأم إسماعيل مع ابنها بواد لا زرع فيه ولا ماء، فسعت في قفر بين جبلين تطلب الماء لها ولصغيرها، حتى أغاثها الله وأنبع لها زمزم أفضل ماء على وجه الأرض.
وفي اجتماع الحجاج في صعيد عرفات على اختلاف أجناسهم وبلدانهم ولغاتهم، الصغير والكبير، والغني والفقير، والذكر والأنثى، تذكير بعرصات يوم القيامة، واجتماع الخلائق لفصل القضاء.
وفي نحر الهدي تذكير بما حصل لأبي الأنبياء إبراهيم الخليل ﵇ حينما أراد أن يذبح ابنه إسماعيل، ففداه الله بذبح عظيم.
وفي رمي الجمرات تذكير بالانقياد للأمر، وإظهار الرق والعبودية، والامتثال من غير حظ النفس (٢).
ويجمع هذه المقاصد والحكم كلها قوله ﷺ : «وَالْحَجُّ
стр. 2812
الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» (١)، وقوله ﷺ : «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2813
الكلمة العاشرة
مِنْ فَضَائِلِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
«فمن الكلمات العظيمة التي وردت النصوص بفضلها وعظم شأنها (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)، وقد وردت نصوص بفضلها لوحدها، وكذلك مضمومة لأذكار أخرى، وأوصى بها النبي ﷺ عددًا من أصحابه، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فكنا إذا علونا كبرنا، فقال النبي ﷺ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلا غَائِبًا، وَلَكِنْ تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا»، ثُمَّ أَتَى عَلَيَّ وَأَنَا أَقُول فِيِ نَفْسِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَقَالَ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ! قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ» (١).
وروى الإمام أحمد ﵀ في مسنده من حديث أبي ذر ﵁
стр. 2814
قال: «أَمَرَنِي خَلِيلِي بِسَبْعٍ: أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي وَلَا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوَقِي، وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَخَافَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ» (١).
قال النووي ﵀: «قال العلماء: سبب ذلك أنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى، واعتراف بالإذعان له، وأنه لا صانع غيره، ولا رادَّ لأمره، وأن العبد لا يملك شيئًا من الأمر، ومعنى الكنز هنا أنه ثواب مدخر في الجنة وهو ثواب نفيس، كما أن الكنز أنفس أموالكم» (٢).
وقال ابن القيم ﵀: «ولمَّا كان الكنز هو المال النفيس المجتمع الذي يخفى على أكثر الناس، وكان هذا شأن هذه الكلمة، كانت كنزًا من كنوز الجنة فأوتيها النبي ﷺ من كنز تحت العرش، وكان قائلها أسلم واستسلم لمن أزمة الأمور بيديه، وفوض أمره إليه» (٣).
стр. 2815
ومعنى: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، قال ابن عباس ﵄: «أي: لا حول بنا على العمل بالطاعة إلا بالله، ولا قوة لنا على ترك المعصية إلا بالله» (١).
«وهذه الكلمة شاملة وعامة، وهي استسلام وتفويض - كما تقدم - وتبرؤ من الحول والقوة إلا بالله، وأن العبد لا يملك من أمره شيئًا وليس له حيلة في دفع شر، ولا قوة في جلب خير إلا بإرادة الله تعالى، فلا تحوُّل للعبد من معصية إلى طاعة، ولا من مرض إلى صحة، ولا من وهن إلى قوة، ولا قوة له على القيام بشأن من شؤونه إلا بالله العظيم، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لا رادَّ لقضائه، ولا معقب لحكمه» (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وقول: ولا حول ولا قوة إلا بالله يوجب الإعانة، ولهذا سنها النبي ﷺ إذا قال المؤذن: حي على الصلاة، فيقول المجيب: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا قال: حي على الفلاح، قال المجيب: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقال المؤمن لصاحبه: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩]، ولهذا يؤمر بهذا من يخاف العين على شيء (٣).
стр. 2816
ومن فضائل (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ): أنها كفارة للذنوب، فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا عَلَى الأَرْضِ رَجُلٌ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللَّهِ، إِلَاّ كُفِّرَتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ، وَلَوْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ» (١).
ومنها: أن النبي ﷺ جعلها مع ما معها من الأذكار الأخرى بدلًا عن القرآن في حق من لا يحسنه، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن أبي أوفى قال: أَتَى رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْنِي شَيْئًا يُجْزِئُنِي مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: «قُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللَّهِ»، قَالَ: فَذَهَبَ، أَوْ قَامَ، أَوْ نَحْوَ ذَا، قَال: هَذَا لِلَّهِ ، فَمَا لِي؟ قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَعَافِنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي - أو: ارْزُقْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي» (٢).
ومنها: أنها كفاية للعبد وحرزًا له من الشيطان، روى أبو داود في سننه من حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «إِذَا
стр. 2817
خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ: فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُ: حَسْبُكَ، قَدْ كُفِيتَ وَهُدِيتَ وَوُقِيتَ، فَيَلْقَى الشَّيْطَانُ شَيْطَانًا آخَرَ فَيَقُولُ لَهُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ كُفِيَ وَهُدِيَ وَوُقِيَ» (١).
ومنها: أنها سبب لإجابة الدعاء، وقبول العبادة، روى البخاري في صحيحه من حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَعَارَّ (٢)
مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَحْدَهُ لَا شَرِيك لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُم اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا؛ اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ» (٣).
ومنها: أنها باب من أبواب الجنة، روى الإمام أحمد من حديث قيس بن سعد بن عبادة أن أباه دفعه إلى النبي ﷺ يخدمه، فأتى عليَّ النبي ﷺ وقد صليت ركعتين، قال: فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ؟» قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» (٤).
стр. 2818
ومنها: أن من داوم عليها وجد قوة في بدنه، قال ابن القيم ﵀، «وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يذكر أثرًا في هذا الباب، وهو: «أن الملائكة لما أُمروا بحمل العرش، قالوا: يا ربنا كيف نحمل عرشك وعليه عظمتك وجلالك؟ فقال: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فلما قالوها حملوه» (١).
وهذه الكلمة لها تأثير عجيب في معاناة الأشغال الصعبة، وتحمل المشاق، والدخول على الملوك، ومن يُخاف، وركوب الأهوال» (٢).
وكان حبيب بن مسلمة يستحب إذا لقي عدوًا، أو ناهض حصنًا يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإنه ناهض يومًا حصنًا فانهزم الروم، فقالها المسلمون وكبروا، فانصدع الحصن (٣).
تنبيه:
بعض الناس ينطق هذه الكلمة بشكل غير صحيح، فيقول: (لَا حَوْلِ اللَّهِ)، وبعضهم يستخدمها في غير موضعها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وذلك أن هذه، أي: (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) هي كلمة استعانة، لا كلمة استرجاع، وكثير من الناس
стр. 2819
يقولها عند المصائب، ويقولها جزعًا لا صبرًا» (١)
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2820
الكلمة الحادية عشرة
الأشهر الحرم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ» (١).
فبيَّن النبي ﷺ الأشهر الحرم وهي: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، ورجب، وقد ورد ذكر هذه الأشهر الحرم في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ [التوبة:٣٦]
стр. 2821
قال ابن كثير ﵀ في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ أي ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان. فإنما أضافه إلى مضر ليبيِّن صحة قولهم في رجب: أنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان، لا كما كانت تظنه ربيعة من أن رجب المحرم هو الشهر الذي بين شعبان وشوال، وهو رمضان اليوم، فبين ﷺ أنه رجب مضر، لا رجب ربيعة، وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة، ثلاثة سرد وواحد فرد، لأجل مناسك الحج والعمرة، فحرم قبل أشهر الحج شهرًا وهو ذو القعدة؛ لأنهم يقعدون فيه عن القتال، وحرم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون فيه بأداء المناسك، وحرم بعده شهر آخر وهو المحرم ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحرم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمنًا» (١).
فيا ترى ما هي خصائص الأشهر الحرم، وفضائلها، والأحكام المتعلقة بها؟
فمن خصائصها أن الذنوب فيها أعظم من غيرها، قال ابن كثير ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي في هذه الأشهر المحرمة؛ لأنها آكد وأبلغ في الإثم من غيرها،
стр. 2822
كما أن المعاصي في البلد الحرام تُضاعف لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ [الحج:٢٥]، وكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام.
وقال قتادة في قوله ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾: «إن الظلم في الأشهر الحرام أعظم خطيئة ووزرًا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء»، وقال: «إن الله اصطفى صفايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رسلًا، ومن الناس رسلًا، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعظِّموا ما عظَّم الله، فإنما تعظيم الأمور بما عظَّمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل» (١).
قال القرطبي ﵀: «خص الله تعالى الأربعة أشهر الحرم بالذكر، ونهى عن الظلم فيها تشريفًا لها، وإن كان منهيًا عنه في كل الزمان، كما قال تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]» (٢).
ومنها: «أنه يحرم فيها ابتداء القتال- ابتداء قتال الأعداء
стр. 2823
على القول الراجح - لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]، ولقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]. وقال بعض أهل العلم: بل إن ابتداء القتال فيها نسخ بتحريمه كما في غيرها، ولكن الراجح أنه محرم - أعني الابتداء - إلا أن يبدأنا الكفار، أو يكون القتال إتمامًا لقتال سابق، فإنه لا بأس به» (١)(٢).
ومن فضائل الأشهر الحرم: أن أعمال الحج كلها تقع في ذي الحجة، قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ قال البخاري: قال ابن عمر: هي شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة (٣). اهـ
وعُمَرُ النبي ﷺ الأربع كانت فيها، كما يقول ابن القيم ﵀: وقد علق على ذلك بقوله: لم يكن الله ليختار لنبيه ﷺ في عمره إلا أَوْلى الأوقات وأحقها بها، وقال: فأولى الأزمنة بها - أي العمرة - أشهر الحج وذو القعدة أوسطها، وهذا مما نستخير الله فيه، فمن كان عنده فضل علم، فليرشد إليه (٤).
وكذلك فيها عشر ذي الحجة التي أقسم الله بها في كتابه، وأخبر النبي ﷺ أنها من أفضل الأيام، وأن العمل الصالح
стр. 2824
فيها أعظم من غيرها، روى البخاري والترمذي من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» (١).
وفي الأشهر الحرم يوم عرفة، ويوم النحر، ويوم القر، وأيام التشريق، وهي من أعظم الأيام عند الله، وعيد أهل الإسلام، روى أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن قرط أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَعْظَمَ الأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ تَعَالى يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ (٢)» (٣).
وفيها أيضًا: صيام شهر الله المحرم، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ» (٤).
وفيها: يوم عاشوراء الذي أخبر النبي ﷺ أن صيامه يكفر
стр. 2825
السنة الماضية (١)، وهو اليوم الذي أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه.
فائدة:
ذكر القرطبي ﵀ في قوله تعالى ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: «بارتكاب الذنوب؛ لأن الله -سُبْحَانَهُ- إذا عظَّم شيئًا من جهة واحدة، صارت له حرمة واحدة، وإذا عظَّمه من جهتين أو جهات صارت حرمته متعددة، فيضاعف فيه العقاب بالعمل السيِّئ كما يضاعف الثواب بالعمل الصالح، فإن من أطاع الله في الشهر الحرام في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام، ومن أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في شهر حلال في بلد حلال.
وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [الأحزاب: ٣٠ - ٣١]» (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2826
الكلمة الثانية عشرة
صفة الصلاة على الجنازة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
«فقد كان هديه ﷺ في الجنائز أكمل الهدي، مخالفًا لهدي سائر الأمم، مشتملًا على الإحسان إلى الميت، ومعاملته بما ينفعه في قبره ويوم معاده، وعلى الإحسان إلى أهله وأقاربه، وعلى إقامة عبودية الحي لله وحده فيما يُعامل به الميت. وكان من هديه في الجنائز إقامة العبودية للرب ﵎ على أكمل الأحوال، والإحسان إلى الميت، وتجهيزه إلى الله على أحسن أحواله وأفضلها، ووقوفه ووقوف أصحابه صفوفًا يحمدون الله ويستغفرون له ويسألون له المغفرة والرحمة والتجاوز عنه، ثم المشي بين يديه إلى أن يودعوه حفرته، ثم يقوم هو وأصحابه بين يديه على قبره سائلين له التثبيت أحوج ما كان إليه، ثم يتعاهده بالزيارة له في قبره والسلام عليه،
стр. 2827
والدعاء له كما يتعاهد الحي صاحبه في دار الدنيا» (١).
وقد وردت النصوص الكثيرة التي تبين فضل الصلاة على الميت، وأنها سبب لثقل الموازين، وشفاعة للميت بدخول الجنة.
فقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّه يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ» (٢). وفي رواية أخرى: «أن ابن عمر ﵄ لما بلغه هذا الحديث ضرب الحصى الذي كان في يده بالأرض، ثم قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة» (٣).
وروى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِئَةً، كُلُهم يَشْفَعُونَ لَهُ إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ» (٤).
وقد جمع بعض أهل العلم بين حديث المئة وحديث الأربعين بأن حديث المئة أولًا، ثم تفضل الله وجعل
стр. 2828
الأربعين يقومون مقام المئة في قبول الشفاعة (١).
والصلاة على الميت فرض كفاية، قال النووي ﵀: «واعلم أن الصلاة على الميت فرض كفاية، وكذلك غسله وتكفينه ودفنه، وهذا كله مجمع عليه» (٢).
وصلاة الجنازة يشترط فيها الشروط التي تُفرض في سائر الصلوات المكتوبة من الطهارة الحقيقية، والطهارة من الحدث الأكبر والأصغر، واستقبال القبلة، وستر العورة ... الخ.
قال النبي ﷺ : «مَنْ صَلَّى عَلَى الْجَنَازَةِ»، «قال البخاري: سماها صلاة، ليس فيها ركوع ولا سجود، ولا يُتكلم فيها، وفيها تكبير وتسليم، وقال الحسن: أدركت الناس، وأحقهم بالصلاة على جنائزهم من رضوهم لفرائضهم، وإذا أحدث يوم العيد أو عند الجنازة يطلب الماء ولا يتيمم، وإذا انتهى إلى الجنازة وهم يصلون يدخل معهم بتكبيرة، قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة:٨٤]. وفيه صفوف وإمام" (٣).
وصفتها: أن يكبر أربع تكبيرات، وأن يقف بعد التكبيرة الرابعة وقبل التسليم قليلًا، وأن يضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره، والالتفات على يمينه في التسليم.
стр. 2829
قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀: «ويكبر عليها -أي الجنازة- أربعًا أو خمسًا إلى تسع تكبيرات، كل ذلك ثبت عن النبي ﷺ ، فأيهما فعل أجزأه، والأولى التنويع، فيفعل هذا تارة وهذا تارة كما هو الشأن في أمثاله، مثل أدعية الاستفتاح، وصيغ التشهد، والصلوات الإبراهيمية .. ونحوها». اهـ
وقال أيضًا: «وإن كان لا بد من التزام نوع واحد منها فهو الأربع؛ لأن الأحاديث فيها] أقوى و [أكثر] والمقتدي يكبر ما كبر الإمام [، وإليك الأحاديث:
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ «أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ» (١).
وروى الطحاوي والبيهقي أن عليًّا ﵁ صلى على أبي قتادة ﵁ فكبر عليه سبعًا - وكان بدريًّا (٢).
وأما التسع، فقد روى الطحاوي في مشكل الآثار من حديث عبد الله بن الزبير أن النبي ﷺ صلى على حمزة فكبر
стр. 2830
عليه تسع تكبيرات (١).
وهذا العدد هو أكثر ما ورد في التكبير على الجنازة، فيوقف عنده ولا يزاد عليه، وله أن ينقص منه إلى الأربع، وهو أقل ما ورد» (٢).
قال ابن القيم ﵀ - بعد ذكر الآثار والأخبار الواردة في ذلك: «وهذه آثار صحيحة فلا موجب للمنع منها، والنبي ﷺ لم يمنع مما زاد على الأربع، بل فعله هو وأصحابه من بعده» (٣).
ويشرع له رفع يديه بعد التكبيرة الأولى لما رواه الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ كبر على جنازة فرفع يديه في أول تكبيرة، ووضع اليمنى على اليسرى (٤)، ثم يقرأ عقب التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب وسورة إن تيسر، لما رواه البخاري في صحيحه والنسائي في سننه من حديث طلحة ابن عبد الله بن عوف ﵁ قال: «صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَلَى جَنَازَةٍ، فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ وَجَهَرَ حَتَّى أَسْمَعَنَا،
стр. 2831
فَلَمَّا فَرَغَ أَخَذْتُ بِيَدِهِ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: سُنَّةٌ وَحَقٌّ» (١).
ثم يكبر التكبيرة الثانية رافعًا يديه حذو منكبيه، أو حذو أذنيه، ثم يردهما على صدره، لما رواه البخاري في صحيحه: أن عبد الله بن عمر كان يرفع يديه - أي في كل تكبيرة على الجنازة (٢).
ثم يصلي على النبي ﷺ كما يصلي في التشهد في صلاة الفريضة، لما رواه البيهقي في سننه، والحاكم في مستدركه من حديث أبي أمامة ﵁: أنه أخبره رجال من أصحاب النبي ﷺ في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يصلي على النبي ﷺ ويخلص الصلاة في التكبيرات الثلاث، ثم يسلم تسليمًا خفيًّا حين ينصرف، والسنة أن يفعل من وراءه مثلما فعل إمامه (٣).
ثم يأتي ببقية التكبيرات ويخلص الدعاء فيها للميت، لحديث: «إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ» (٤).
ومما ورد من الأدعية الثابتة عن النبي ﷺ ما رواه مسلم
стр. 2832
في صحيحه من حديث عوف بن مالك قال: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» (١).
وروى أبو داود
في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِيمَانِ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ» (٢).
وإن كان طفلًا يقول: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا (٣)
وَسَلَفًا وَأَجْرًا» (٤)، ثم يكبر التكبيرة الرابعة ويقف قليلًا ثم يسلم
стр. 2833
تسليمة واحدة عن يمينه قائلًا: «السَّلَامُ عَلَيْكمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ»؛ لأن التسليمة الواحدة ثبتت عن عشرة من أصحاب النبي ﷺ ، فقد كانوا يسلمون في صلاة الجنازة تسليمة واحدة خفيفة عن اليمين (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2834
الكلمة الثالثة عشرة
مسائل تتعلق بصلاة الجنازة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فهذه بعض المسائل المتعلقة بصلاة الجنازة، أشير إليها إشارة سريعة، ومن أراد التوسع فليراجع المسائل في مظانِّها.
١ - المسبوق في صلاة الجنازة يستحب له أن يتم ما فاته من صلاة الجنازة، لقول النبي ﷺ : «فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» (١).
فإذا أدرك الإمام في التكبيرة الثالثة كبر وقرأ الفاتحة، وإذا كبر الإمام الرابعة، كبر بعده وصلى على النبي ﷺ ، فإذا سلم الإمام كبر المأموم المسبوق ودعا للميت موجزًا، ثم يكبر الرابعة ويسلم (٢).
٢ - الصلاة على الشهداء: قال ابن القيم ﵀ وهو يتحدث
стр. 2835
عن الصلاة على الشهداء: «والصواب في المسألة أنه مخير بين الصلاة عليهم وتركها، لمجيء الآثار بكل واحد من الأمرين، وهذه إحدى الروايات عن الإمام أحمد وهي الأليق بأصوله ومذهبه» (١).
٣ - من السنة أن يقف الإمام عند رأس الرجل ووسط المرأة، وإذا كانت جنائز كثيرة يقدم الرجل ثم الطفل الذكر ثم المرأة ثم الطفلة الأنثى، ويصلي عليهم جميعًا، ويجعل رأس الطفل عند رأس الرجل، ووسط المرأة عند رأس الرجل، وكذلك الطفلة؛ عملًا بالسُّنة» (٢).
٤ - «وكان من هديه ﷺ إذا فاتته الصلاة على الجنازة صلى على القبر (٣)، فصلى مرة على قبر بعد ليلة، ومرة بعد ثلاث، ومرة بعد شهر، ولم يُوقت في ذلك وقتًا» (٤).
٥ - وكان من هديه ﷺ الصلاة على الطفل، فروى الإمام أحمد في مسنده من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الرَّاكِبِ يَسِيرُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالْمَاشِي يَمْشِي خَلْفَهَا وَأَمَامَهَا وَيَمِينَهَا وشِمَالَهَا قَرِيبًا، وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى
стр. 2836
لِوَالِدَيْهِ بِالْعَافِيَةِ وَالرَّحْمَةِ» (١). وثبت في صحيح مسلم والنسائي أن النبي ﷺ صلى على صبي من الأنصار (٢).
«والظاهر أن السقط إنما يُصلى عليه إذا كان قد نُفخت فيه الروح، وذلك إذا استكمل أربعة أشهر ثم مات، فأما إذا سقط قبل ذلك فلا» (٣).
٦ - «ولم يكن من هديه وسنته ﷺ الصلاة على كل ميت غائب، فقد مات خلق كثير من المسلمين وهم غيب فلم يصل عليهم، وصح عنه أنه صلى على النجاشي صلاته على الميت» (٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الصواب أن الغائب إن مات ببلد لم يُصل عليه فيه، صُلي عليه صلاة الغائب كما صلى النبي ﷺ على النجاشي، لأنه مات بين الكفار ولم يُصل عليه، وإن صلي عليه حيث مات لم يُصل عليه صلاة الغائب؛ لأن الغرض قد سقط بصلاة المسلمين عليه، والنبي ﷺ صلى على الغائب، وتركه، وفعله وتركه سنة، وهذا له موضع، وهذا
стр. 2837
له موضع .. والله أعلم (١).
٧ - يُصلى على الجنازة في أي وقت إلا في ثلاثة أوقات كما ورد في صحيح مسلم من حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ (٢) حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ (٣).
٨ - وكان من هديه ﷺ أنه لا يصلي على الغالِّ، ولا صاحب الدَّين، ولا من قتل نفسه (٤).
روى الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه من حديث جابر ﵁ قال: مَاتَ رَجُلٌ، فَغَسَّلْنَاهُ، وَكَفَّنَّاهُ، وَحَنَّطْنَاهُ،
стр. 2838
وَوَضَعْنَاهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حَيْثُ تُوضَعُ الْجَنَائِزُ عِنْدَ مَقَامِ جِبْرِيلَ، ثُمَّ آذَنَّا رَسُولَ اللهِ ﷺ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ، فَجَاءَ مَعَنَا خُطًى، ثُمَّ قَالَ: «لَعَلَّ عَلَى صَاحِبِكُمْ دَيْنًا؟»، قَالُوا: نَعَمْ، دِينَارَانِ، فَتَخَلَّفَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ أَبُو قَتَادَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُمَا عَلَيَّ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «هُمَا عَلَيْكَ وَفِي مَالِكَ وَالْمَيِّتُ مِنْهُمَا بَرِيءٌ»، فَقَالَ: نَعَمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا لَقِيَ أَبَا قَتَادَةَ، يَقُولُ: «مَا صَنَعَتِ الدِّينَارَانِ؟»، حَتَّى كَانَ آخِرَ ذَلِكَ، قَالَ: قَدْ قَضَيْتُهُمَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «الآنَ حِينَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ» (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث جابر بن سمرة ﵁ قال: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ» (٢).
سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن الصلاة على الميت الذي كان لا يصلي، هل لأحد فيها أجر أم لا؟ وهل عليه إثم إذا تركها مع علمه أنه كان لا يصلي؟ وكذلك الذي يشرب الخمر وما كان يصلي، هل يجوز لمن كان يعلم حاله أن يصلي عليه أم لا؟
فأجاب ﵀: "أما من كان مظهرًا للإسلام فإنه يجري عليه
стр. 2839
أحكام الإسلام الظاهرة من المناكحة، والموارثة، وتغسيله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين .. ونحو ذلك، لكن من علم منه النفاق والزندقة، فإنه لا يجوز لمن علم ذلك منه الصلاة عليه، وإن كان مظهرًا للإسلام، فإن الله نهى نبيه عن الصلاة على المنافقين، فقال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ [التوبة: ٨٤]، وقال تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦)﴾ [المنافقون: ٦]، وأما من كان مظهرًا للفسق مع ما فيه من الإيمان كأهل الكبائر، فهؤلاء لا بد أن يُصلي عليهم بعض المسلمين، ومن امتنع من الصلاة على أحدهم زجرًا لأمثاله عن مثل ما فعله، كما امتنع النبي ﷺ عن الصلاة على قاتل نفسه، وعلى الغال، وعلى المدين الذي لا وفاء له، وكما كان كثير من السلف يمتنعون من الصلاة على أهل البدع - كان عمله بهذه السُّنة حسنًا -. فإذا كان في هذا الهجر مصلحة راجحة كان حسنًا، ومن صلى على أحدهم يرجو له رحمة الله، ولم يكن في امتناعه مصلحة راجحة كان ذلك حسنًا، ولو امتنع في الظاهر ودعا له بالباطن ليجمع بين المصلحتين كان تحصيل المصلحتين أولى من تفويت إحداهما، وكل من لم يعلم منه النفاق وهو مسلم يجوز الاستغفار له والصلاة عليه، بل يشرع
стр. 2840
ذلك ويؤمر به، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وكل من أظهر الكبائر فإنه تسوغ عقوبته بالهجر وغيره حتى ممن في هجره مصلحة له راجحة، فتحصل المصالح الشرعية في ذلك بحسب الإمكان .. والله أعلم. اهـ (١)
٩ - «ولم يكن من هديه ﷺ الراتب الصلاة على الجنازة في المسجد، وإنما كان يصلي على الجنازة خارج المسجد، وربما كان يصلي أحيانًا على الميت في المسجد كما صلى على سهيل ابن بيضاء وأخيه في المسجد (٢)، وكلا الأمرين جائز، والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد. والله أعلم» (٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.