← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

لِوَالِدَيْهِ بِالْعَافِيَةِ وَالرَّحْمَةِ» (١). وثبت في صحيح مسلم والنسائي أن النبي ﷺ صلى على صبي من الأنصار (٢). «والظاهر أن السقط إنما يُصلى عليه إذا كان قد نُفخت فيه الروح، وذلك إذا استكمل أربعة أشهر ثم مات، فأما إذا سقط قبل ذلك فلا» (٣). ٦ - «ولم يكن من هديه وسنته ﷺ الصلاة على كل ميت غائب، فقد مات خلق كثير من المسلمين وهم غيب فلم يصل عليهم، وصح عنه أنه صلى على النجاشي صلاته على الميت» (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الصواب أن الغائب إن مات ببلد لم يُصل عليه فيه، صُلي عليه صلاة الغائب كما صلى النبي ﷺ على النجاشي، لأنه مات بين الكفار ولم يُصل عليه، وإن صلي عليه حيث مات لم يُصل عليه صلاة الغائب؛ لأن الغرض قد سقط بصلاة المسلمين عليه، والنبي ﷺ صلى على الغائب، وتركه، وفعله وتركه سنة، وهذا له موضع، وهذا

стр. 2837

له موضع .. والله أعلم (١). ٧ - يُصلى على الجنازة في أي وقت إلا في ثلاثة أوقات كما ورد في صحيح مسلم من حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ (٢) حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ (٣). ٨ - وكان من هديه ﷺ أنه لا يصلي على الغالِّ، ولا صاحب الدَّين، ولا من قتل نفسه (٤). روى الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه من حديث جابر ﵁ قال: مَاتَ رَجُلٌ، فَغَسَّلْنَاهُ، وَكَفَّنَّاهُ، وَحَنَّطْنَاهُ،

стр. 2838

وَوَضَعْنَاهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حَيْثُ تُوضَعُ الْجَنَائِزُ عِنْدَ مَقَامِ جِبْرِيلَ، ثُمَّ آذَنَّا رَسُولَ اللهِ ﷺ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ، فَجَاءَ مَعَنَا خُطًى، ثُمَّ قَالَ: «لَعَلَّ عَلَى صَاحِبِكُمْ دَيْنًا؟»، قَالُوا: نَعَمْ، دِينَارَانِ، فَتَخَلَّفَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ أَبُو قَتَادَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُمَا عَلَيَّ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «هُمَا عَلَيْكَ وَفِي مَالِكَ وَالْمَيِّتُ مِنْهُمَا بَرِيءٌ»، فَقَالَ: نَعَمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا لَقِيَ أَبَا قَتَادَةَ، يَقُولُ: «مَا صَنَعَتِ الدِّينَارَانِ؟»، حَتَّى كَانَ آخِرَ ذَلِكَ، قَالَ: قَدْ قَضَيْتُهُمَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «الآنَ حِينَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ» (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث جابر بن سمرة ﵁ قال: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ» (٢). سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن الصلاة على الميت الذي كان لا يصلي، هل لأحد فيها أجر أم لا؟ وهل عليه إثم إذا تركها مع علمه أنه كان لا يصلي؟ وكذلك الذي يشرب الخمر وما كان يصلي، هل يجوز لمن كان يعلم حاله أن يصلي عليه أم لا؟ فأجاب ﵀: "أما من كان مظهرًا للإسلام فإنه يجري عليه

стр. 2839

أحكام الإسلام الظاهرة من المناكحة، والموارثة، وتغسيله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين .. ونحو ذلك، لكن من علم منه النفاق والزندقة، فإنه لا يجوز لمن علم ذلك منه الصلاة عليه، وإن كان مظهرًا للإسلام، فإن الله نهى نبيه عن الصلاة على المنافقين، فقال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ [التوبة: ٨٤]، وقال تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦)﴾ [المنافقون: ٦]، وأما من كان مظهرًا للفسق مع ما فيه من الإيمان كأهل الكبائر، فهؤلاء لا بد أن يُصلي عليهم بعض المسلمين، ومن امتنع من الصلاة على أحدهم زجرًا لأمثاله عن مثل ما فعله، كما امتنع النبي ﷺ عن الصلاة على قاتل نفسه، وعلى الغال، وعلى المدين الذي لا وفاء له، وكما كان كثير من السلف يمتنعون من الصلاة على أهل البدع - كان عمله بهذه السُّنة حسنًا -. فإذا كان في هذا الهجر مصلحة راجحة كان حسنًا، ومن صلى على أحدهم يرجو له رحمة الله، ولم يكن في امتناعه مصلحة راجحة كان ذلك حسنًا، ولو امتنع في الظاهر ودعا له بالباطن ليجمع بين المصلحتين كان تحصيل المصلحتين أولى من تفويت إحداهما، وكل من لم يعلم منه النفاق وهو مسلم يجوز الاستغفار له والصلاة عليه، بل يشرع

стр. 2840

ذلك ويؤمر به، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وكل من أظهر الكبائر فإنه تسوغ عقوبته بالهجر وغيره حتى ممن في هجره مصلحة له راجحة، فتحصل المصالح الشرعية في ذلك بحسب الإمكان .. والله أعلم. اهـ (١) ٩ - «ولم يكن من هديه ﷺ الراتب الصلاة على الجنازة في المسجد، وإنما كان يصلي على الجنازة خارج المسجد، وربما كان يصلي أحيانًا على الميت في المسجد كما صلى على سهيل ابن بيضاء وأخيه في المسجد (٢)، وكلا الأمرين جائز، والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد. والله أعلم» (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2841

الكلمة الرابعة عشرة تأملات في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ... ﴾ الآيات الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن الله أنزل هذا القرآن العظيم لتدبره والعمل به، فقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد:٢٤]، ومن الآيات التي تحتاج منا إلى وقفة تأمل وتدبر قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ

стр. 2842

دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥) لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ٢٠٠]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث كريب مولى عبد الله بن عباس أن عبد الله بن عباس ﵄ أخبره أنه بات عند ميمونة زوج النبي ﷺ وهي خالته قال: فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي. الحديث (١).

стр. 2843

وروى ابن حبان في صحيحه من حديث عبيد بن عمير أنه سأل أم المؤمنين عائشة ﵂ قال: أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله ﷺ ، فسكتت ثم قالت: لما كان ليلة من الليالي قال: «يَا عَاِئشَةُ، ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ اللَّيْلَةَ لِرَبِّي»، قُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ وَأُحِبُّ مَا يَسُرُّكَ. قَالَتْ: فَقَامَ فَتَطَهَّرَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَتْ: فَلَمْ يَزلْ يَبْكِيِ حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزلْ يَبْكِيِ حَتَّى بَلَّ لِحيَتَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزلْ يَبْكِيِ حَتَّى بَلَّ الأَرْضَ، فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤذِنَهُ بالصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَأَىهُ يَبْكِي، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! لِمَ تَبْكِي، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟ لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَاتٌ وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... ﴾ الآية كلها» (١). قال الشيخ الألباني ﵀: «وفي الحديث فضل النبي ﷺ وكثرة خشيته وخوفه من ربِّه، وإكثاره من عبادته مع أنه تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهو المنتهى في الكمال البشري، ولا جرم في ذلك فهو سيد البشر ﷺ » (٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي هذه في

стр. 2844

ارتفاعها واتساعها، وهذه في انخفاضها وكثافتها، وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة: كواكب سيارات وثوابت، وبحار، وجبال، وقفار، وأشجار، ونبات، وزروع، وثمار، وحيوان، ومعادن، ومنافع مختلفة الألوان والطعوم والروائح والخواص. ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: تعاقبهما وتقارضهما الطول والقصر، فتارة يطول هذا ويقصر هذا، ثم يعتدلان، ثم يأخذ هذا من هذا فيطول الذي كان قصيرًا، ويقصر الذي كان طويلًا، كل هذا تقدير العزيز الحكيم، ولهذا قال تعالى: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: العقول التامة الزكية، التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها، وليسوا كالصم البكم الذين لا يعقلون، الذين قال الله فيهم ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٥ - ١٠٦]. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ روى البخاري في صحيحه من حديث عمران بن حصين ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (١). أي: لا يقطعون ذكره في جميع أحوالهم، بسرائرهم، وضمائرهم، وألسنتهم.

стр. 2845

قوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ قال أبو سليمان الداراني: «إني لأخرج من منزلي، فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله علي فيه نعمة، ولي فيه عبرة»، وقال الحسن البصري: «تفكُّر ساعة خير من قيام ليلة». قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ أي: ما خلقت هذا الخلق عبثًا، بل بالحق ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، ثم نزهوه عن العبث وخلق الباطل فقالوا ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: عن أن تخلق شيئًا باطلًا ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ أي: يا من خلق الخلق بالحق والعدل، يا من هو منزه عن النقائص، والعيب، والعبث، قنا من عذاب النار بحولك وقوتك، وقيضنا لأعمال ترضى بها عنا، ووفقنا لعمل صالح تهدنا به إلى جنات النعيم، وتجيرنا به من عذاب الأليم. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ أي: أهنته، وأظهرت خزيه لأهل النار ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أي: يوم القيامة لا مجير لهم منك، ولا محيد لهم عما أردت بهم. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ أي: داعيًا يدعو إلى الإيمان وهو الرسول ﷺ ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ أي يقول: آمنوا بربكم، فآمنا، أي فاستجبنا له واتبعناه ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ أي: بإيماننا واتباعنا نبيك فاغفر لنا

стр. 2846

ذنوبنا، أي: استرها ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ أي: فيما بيننا وبينك ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ أي ألحقنا بالصالحين ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ قيل: معناه على الإيمان برسلك، وقيل معناه على ألسنة رسلك .. وهذا أظهر. ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي على رؤوس الخلائق، ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ أي: لابد من الميعاد الذي أخبرت عنه رسلك، وهو القيام يوم القيامة بين يديك. قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي: فأجابهم ربهم، كما قال الشاعر: وَدَاعٍ دَعَا: يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النِّدَا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ روى سعيد بن منصور من حديث أم سلمة ﵂ أنها قالت: يَا رَسُولَ اللهِ! لا أَسْمَعُ اللَّهَ ذَكَرَ النِّسَاءَ فِي الْهِجْرَةِ بِشَيْءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ، وَقَالَتِ الأَنْصَارُ: هِيَ أَوَّلُ ظَعِينَةٍ قَدِمَتْ عَلَيْنَا (١). ومعنى الآية: أن المؤمنين ذوي الألباب لما سألوا ما سألوا - مما تقدم ذكره - فاستجاب لهم ربهم عقَّب ذلك

стр. 2847

بفاء التعقيب، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة:١٨٦]. قوله تعالى: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ هذا تفسير للإجابة، أي: قال لهم مخبرًا أنه لا يضيع عمل عامل منكم لديه، بل يوفى كل عامل بقسط عمله من ذكر أو أنثى. وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: جميعكم في ثوابي سواء، ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ أي تركوا دار الشرك، وأتوا إلى دار الإيمان، وفارقوا الأحباب، والخلان والجيران ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ أي: ضايقهم المشركون بالأذى حتى ألجئوهم إلى الخروج من بين أظهرهم؛ ولهذا قال: ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ أي: إنما كان ذنبهم إلى الناس أنهم آمنوا بالله وحده، كما قال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة:١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ [البروج:٨]. قوله تعالى: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ وهذا أعلى المقامات أن يقاتل في سبيل الله، فيعقر جواده ويعفر وجهه بدمه وترابه، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي قتادة أن رجلًا قال: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأَنْتَ

стр. 2848

صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كَيْفَ قُلْتَ؟»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «نَعَمْ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، إِلَّا الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ لِي ذَلِكَ» (١). ولهذا قال تعالى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: تجري في خلالها الأنهار من أنواع المشارب: من لبن، وعسل، وخمر، وماء غير آسن .. وغير ذلك مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثوابًا من عند الله، أضافه إليه، ونسبه إليه ليدل على أنه عظيم؛ لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جزيلًا كثيرًا، كما قال الشاعر: إِنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَرَامًا وَإِنْ يُعْـ ... ـطِ جَزِيلًا فَإِنَّهُ لَا يُبَالِي ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ أي: عنده حسن الجزاء لمن عمل صالحًا. قوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ يقول تعالى: لا تنظر إلى ما هؤلاء الكفار مترفون فيه من النعمة، والغبطة والسرور،

стр. 2849

فعمَّا قليل يزول هذا كله عنهم، ويصبحون مرتهنين بأعمالهم السيئة، فإنما نمد لهم فيما هم فيه استدراجًا وجميع ما هم فيه ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥]. وأما المتقون لربهم المؤمنون، فمع ما يحصل لهم من عز الدنيا ونعيمها ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ فلو قدر أنهم في دار الدنيا قد حصل لهم كل بؤس وشدة وعناء ومشقة، لكان هذا بالنسبة إلى النعيم المقيم والعيش السليم والسرور والحبور نزرًا يسيرًا، ومنحة في صورة محنة، ولهذا قال: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ وهم الذين برت قلوبهم، فبرت أقوالهم وأفعالهم، فأثابهم البر الرحيم من بِرِّه أجرًا عظيمًا، وعطاءً جسيمًا، وفوزًا دائمًا. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يخبر تعالى عن طائفة من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالله حق الإيمان، ويؤمنون بما أُنزل على محمد مع ما هم مؤمنون به من الكتب المتقدمة، أنهم خاشعون لله: أي مطيعون له، خاضعون متذللون بين يديه ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا

стр. 2850

قَلِيلًا﴾ أي: لا يكتمون ما بأيديهم من البشارة بمحمد ﷺ ، وذكر صفته، ونعته، ومبعثه، وصفة أمته، وهؤلاء خيرة أهل الكتاب وصفوتهم، سواء كانوا هودًا أو نصارى. قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾ [آل عمران:١١٣]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ [الأعراف:١٥٩]، وهذه الصفات توجد في اليهود، ولكن قليلًا كما وجد في عبد الله بن سلام وأمثاله ممن آمن من أحبار اليهود ولم يبلغوا عشرة أنفس، وأما النصارى فكثير منهم يهتدون وينقادون للحق، كما قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢]. وثبت في الحديث أن جعفر بن أبي طالب ﵁ لما قرأ سورة مريم: ﴿كهيعص (١)﴾ [مريم:١] بحضرة النجاشي ملك الحبشة، وعنده البطاركة والقساوسة، بكى وبكوا معه، حتى أخضبوا لحاهم (١). وثبت في الصحيحين أن النجاشي لما مات نعاه النبي ﷺ

стр. 2851

إلى أصحابه وقال: «إِنَّ أَخًا لَكُمْ قَدْ مَاتَ فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ» (١) يعني: النجاشي. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ حض المؤمنين على ما يوصلهم إلى الفلاح، وهو الفوز والسعادة والنجاح، وأن الطريق الموصل إلى ذلك لزوم الصبر الذي هو حبس النفس على ما تكرهه من ترك المعاصي، ومن الصبر على المصائب، وعلى الأوامر الثقيلة على النفوس، فأمرهم بالصبر على جميع ذلك، والمصابرة أي الملازمة والاستمرار على ذلك على الدوام، ومقاومة الأعداء في جميع الأحوال. والمرابطة وهي لزوم المحل الذي يخاف من وصول العدو منه، وأن يراقبوا أعداءهم ويمنعوهم من الوصول إلى مقاصدهم ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: تفوزون بالمحبوب الديني والدنيوي والأخروي، وتنجون من المكروه كذلك، فعلم من هذا أنه لا سبيل إلى الفلاح بدون الصبر والمصابرة والمرابطة المذكورات، فلم يفلح من أفلح إلا بها، ولم يفت أحدًا الفلاح إلا بالإخلال بها أو ببعضها (٢).

стр. 2852

والله الموفق، ولا حول ولا قوة إلا بالله. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2853

الكلمة الخامسة عشرة من خصائص أمة محمد ﷺ (١) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن الله خص أمة محمد ﷺ بخصائص عظيمة لم تكن لغيرها من الأمم، فجعلها خير أمة، ورسولها أفضل الرسل، ودينها أحسن الأديان، فمن تلك الخصائص: ١ - أن اللَّه اختصها بالخيرية: قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. روى ابن ماجه في سننه من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «نُكْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعِينَ أُمَّةً، نَحْنُ آخِرُهَا وَخَيْرُهَا» (١)، وفي رواية: «أَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ» (٢).

стр. 2854

٢ - أنها أول الأمم تدخل الجنة: روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فَهَدَانَا اللَّهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ هَدَانَا اللَّهُ لَهُ»، قَالَ: «يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فَالْيَوْمَ لَنَا، وَغَدًا لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى» (١). ٣ - اختصاصها أنها أمة الوسط والشهادة على الناس: قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. ومعنى وسطًا أي: عدولًا خيارًا (٢)، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالى: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، أَي رَبِّ! فَيَقُولُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: لَا مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ، فَيَقُولُ لِنُوحٍ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ قَالَ: فَيَقُول: مُحَمَّدٌ ﷺ وَأُمَّتُهُ، فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَهُو قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾».

стр. 2855

٤ - أنها أكثر الأمم من أهل الجنة: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن مسعود ﵄ قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي قُبَّةٍ فَقَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟» قُلْنَا: نَعَمْ، فَقَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟» فَقُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟» قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمد بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَذَاكَ أَنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ، إِلَّا كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ» (١). ٥ - أن صفوفها كصفوف الملائكة: روى مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده من حديث حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَتُربَتُهَا طَهُورًا، وَأُعْطِيتُ هَذِهِ الآيَاتِ مِنْ آخِرِ الْبَقَرَةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ لَمْ يُعْطِهَا نَبيٌّ قَبْلِي» (٢). ٦ - اختصاصها بصلاة العشاء: روى أبو داود في سننه من حديث

стр. 2856

معاذ بن جبل ﵁ قال: «أبْقَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فِي صَلَاةِ الْعَتَمَةِ، فَأَخَّرَ حَتَّى ظَنَّ الظَّانُّ أَنَّه لَيْسَ بِخَارِجٍ، وَالقَائِلُ مِنَّا يَقُولُ: صَلَّى، فَإِنَّا لَكَذَلِكَ حَتَّى خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالُوا لَهُ كَمَا قَالُوا، فَقَالَ لَهُمْ: «أَعْتِمُوا بِهَذِهِ الصَّلَاةِ فَإِنَّكُمْ قَدْ فُضِّلْتُمْ بِهَا عَلَى سَائِرِ الأُمَمِ، وَلَمْ يُصَلِّهَا أُمَّةٌ قَبْلَكُمْ» (١). ٧ - أن سبعين ألفًا منهم يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب: روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ والنَّبِيَّانِ يَمُرُونَ مَعَهُمُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، قُلتُ: مَا هَذَا؟ أُمَّتِي هَذِهِ؟ قِيل: بَلْ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، قِيلَ: انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ، فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلَأُ الأُفُقَ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ هَاهُنَا، وَهَاهُنَا - فِي آفَاقِ السَّمَاءِ- فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلَأَ اَلأُفُقَ، قِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ» (٢). ٨ - أن أمته تأتي يوم القيامة وهم غرٌّ من السجود، محجَّلون من الوضوء: روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁

стр. 2857

أن النبي ﷺ قال: «تَرِدُ عَلَيَّ أُمَّتِي الْحَوْضَ، وَأَنَا أَذُودُ النَّاسَ عَنْهُ كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ إِبِلَ الرَّجُلِ عَنْ إِبِلِهِ»، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ أَتَعْرِفُنَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، لَكُم سِيمَا لَيسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرَكُمْ تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ ... الحديث» (١). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن بسر المازني عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَا مِنْ أُمَّتِي مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَأَنَا أَعْرِفُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، قَالُوا: وَكَيْفَ تَعْرِفُهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ فِي كَثْرَةِ الْخَلائِقِ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ دَخَلْتَ صِيرَةً فِيهَا خَيْلٌ دُهْمٌ بُهْمٌ، وَفِيهَا فَرَسٌ أَغَرُّ مُحَجَّلٌ، مَا كُنْتَ تَعْرِفُهُ مِنْهَ؟!» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَإنَّ أُمَّتِي يَوْمَئِذٍ غُرٌّ مِنَ السُّجُودِ، مُحَجَّلُونَ مِنَ الْوُضُوءِ» (٢). ٩ - اختصاصها بيوم الجمعة، وأنهم أول من يُقضى لهم يوم القيامة أي الحساب: روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة وأبي حذيفة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : «أَضَلَّ اللَّهُ عَنِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الأَحَدِ، فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا فَهَدَانَا اللَّهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ وَالأَحَدَ، وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالأَوَّلُونَ

стр. 2858

يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ» (١). وروى ابن ماجه في سننه من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «نَحْنُ آخِرُ الأُمَمِ وَأَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبُ، يُقَالُ: أَيْنَ الأُمَّةُ الأُمِّيَّةُ وَنَبِيُّهَا؟ فَنَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ» (٢). ١٠ - أن اللَّه قبض رسولها قبلها: روى مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ ﵄ إِذَا أَرَادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ مِنْ عِبَادِهِ، قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا، فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطًا (٣) وَسَلَفًا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَإِذَا أَرَادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ، عَذَّبَهَا وَنَبِيُّهَا حَيٌّ، فَأَهْلَكَهَا وَهُوَ يَنْظُرُ، فَأَقَرَّ عَيْنَهُ بِهَلَكَتِهَا حِينَ كَذَّبُوهُ، وَعَصَوْا أَمْرَهُ» (٤). ١١ - أنها أقل عملًا وأكثر أجرًا: روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غَدْوَةٍ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلاةِ الْعَصْرِ

стр. 2859

عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ صَلاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيرَاطَيْنِ؟ فَأَنْتُمْ هُمْ، فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالُوا: مَا لَنَا أَكَثْرُ عَمَلًا وَأقَلُّ عَطَاءً؟ قَالَ: هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ» (١). ١٢ - أن اللَّه وضع عنهم الإصر والأغلال التي كانت على الأمم قبلهم: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ١٣ - أن اللَّه وضع عنهم الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه: روى ابن ماجه في سننه من حديث أبي ذر الغفاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (٢). ١٤ - أنها أول الأمم إجازة على الصراط: روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: « ... وَيُضْرَبُ

стр. 2860

الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ ... الحديث» (١) (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2861

الكلمة السادسة عشرة من خصائص أمة محمد ﷺ (٢) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فلا زال الحديث عن خصائص أمة محمد ﷺ ، فمن ذلك: ١ - أنها كالغيث لا يُدرى أوله خير أم آخره: روى الترمذي في سننه من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ، لا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَوْ آخِرُهُ» (١). ٢ - أن اللَّه جعل لها التيمم عند عدم وجود الماء: وهذا يدل على تفضيل الله لهذه الأمة على من سبقها من الأمم؛ لأنه لم يشرع في حقهم التيمم، ويدل على سعة ﵀ بهذه الأمة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ

стр. 2862

أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة:٦]. روى أبو داود في سننه من حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ» (١). ٣ - أن اللَّه أحل لها الغنائم: قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي، نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» (٢)، وفي رواية: «ثُمَّ أَحلَّ اللهُ لَنَا الْغَنَائِمَ، رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا» (٣). ٤ - أن اللَّه أحل لها بعض الأطعمة: روى الإمام أحمد في

стр. 2863

مسنده من حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» (١). ٥ - أن اللَّه يورثهم منازل اليهود والنصارى في الجنة: روى مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَيَقُولُ: هَذَا فِكَاكُكَ مِنَ النَّارِ» (٢)، وفي رواية أخرى: «لا يَمُوتُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلَّا أَدْخَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ النَّارَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» (٣). ٦ - ومن خصائص أمته ﷺ أن اللَّه خصَّها بكثرة أنواع الشهادة: روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، قَالَ ﷺ : «إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ»، قَالُوا: فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ» (٤).

стр. 2864

٧ - أن عيسى ﵇ -يصلي خلف إمامهم في آخر الزمان: روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ، ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ: فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ ، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ، تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الأُمَّةَ» (١). والذي يظهر أن الذي يصلي عيسى خلفه هو المهدي، لما رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده من حديث جابر ابن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمُ المَهْدِيُّ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَهُمْ أَمِيرُ بَعْضٍ، تَكْرِمَةُ اللهِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ» (٢). ٨ - ومن خصائص أمة محمد ﷺ بقاء طائفة منهم على الحق حتى تقوم الساعة: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث المغيرة بن شعبة وثوبان ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ،

стр. 2865

حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» (١). قال الإمام البخاري في صحيحه: «هم أهل العلم» (٢)، وقال الإمام أحمد ﵀: «إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم» (٣). قال النووي ﵀: «ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدِّثون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض» (٤). ٩ - أن اللَّه خصهم بالتأمين، واستقبال الكعبة في الصلاة: روى الإمام أحمد في مسنده عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّهُمْ - أَي: اليَهُودَ- لَا يَحْسُدُونَا عَلَى شَيْءٍ كَمَا يَحْسُدُونَا عَلىَ يَومِ الْجُمُعَةِ الَّتِي هَدَانَا اللهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلى الْقِبْلَةِ الَّتِي هَدَانَا اللهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلَى قَوْلِنَا خَلْفَ الإِمَامِ: آمِينَ» (٥). ١٠ - إن اللَّه لا يهلكها -أمة محمد ﷺ بجوع ولا بغرق، ولا

стр. 2866

يعذبهم بعذاب عذب به من قبلهم، ولا يسلط عليهم عدوًّا من غيرهم فيستبيح بيضتهم: روى مسلم في صحيحه من حديث ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ زَوَى (١) لِيَ الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ (٢) الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أُعْطِيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ (٣) عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ (٤)، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا - أَوْ قَالَ: مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا - حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا» (٥). ١١ - أن اللَّه خصها بعيد الأضحى وعيد الفطر: روى أبو داود في سننه وأحمد في مسنده من حديث أنس ﵁ قال: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: «مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟» قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ

стр. 2867

رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ» (١). ١٢ - ومن خصائص أمته ﷺ أن اللَّه وعدها بالتمكين في الأرض: قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ [النور:٥٥]. قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره: «هذا وعد من الله لرسوله ﷺ بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، وليُبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمنًا وحكمًا فيهم، وقد فعل ﵎ ذلك وللهِ الحمد والمنة، فإنه لم يمت رسول الله ﷺ حتى فتح الله عليه مكة، وخيبر، والبحرين، وسائر جزيرة العرب، وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم، وصاحب مصر والاسكندرية - وهو المقوقس- وملوك عُمان، والنجاشي ملك الحبشة، الذي تملك بعد أصحمة ﵀ وأكرمه» (٢).

стр. 2868

روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أُبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بَشِّرْ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ (١) وَالرِّفْعَةِ، وَالدِّينِ، وَالتَّمْكِينِ فِي الأَرْضِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الآخِرَةِ نَصِيبٌ» (٢). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث تميم بن أوس الداري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَاَ بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، ولا يترك اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ ولَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّه هَذَا الدِّيْنَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ، أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإِسْلَامَ، وَذَلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ». وكان تميم الداري ﵁ يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير، والشرف، والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافرًا الذل والصغار والجزية (٣) (٤). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2869

الكلمة السابعة عشرة من خصائص الأنبياء ﵈ - الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن الله ﵎ خصَّ أنبياءه ورسله بخصائص لم يخصَّ بها سائر الناس، ومن تلك الخصائص: ١ - الوحي: وهو أعظم خصائص الأنبياء- ﵈، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣)﴾ [النساء:١٦٣]. وهذا الذي يميز الأنبياء عن غيرهم من الناس، أن دعوتهم وتبليغهم وحي من الله -سُبْحَانَهُ- وهم معصومون في ذلك. ٢ - عصمتهم من الكبائر: وهم معصومون منها، فلا تصدر منهم أبدًا - قبل أو بعد بعثتهم، قال القاضي عياض: «أجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر الموبقات» (١).

стр. 2870

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف، بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول، وأما صغائر الذنوب فذهب أكثر أهل العلم إلى أن الأنبياء ليسوا معصومين منها، وإذا وقعت منهم فإنهم لا يُقرون عليها، بل ينبههم اللهِ عليها، فيبادرون بالتوبة منها» (١). وقال بعض أهل العلم أنهم معصومون من الصغائر المشتملة على الدنايا وسفاسف الأمور، وهذا قول حسن تعظيمًا لمقام النُّبوة، وتكريمًا لأصحاب الرسالات. ٣ - أنها تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم: روى الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي سلمة بن عبدالرحمن أنه سأل عائشة ﵂: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ قالت: مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلا غَيْرِهِ عَنْ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكْعَات فَلا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاثًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ ﷺ : «تَنَامُ عَيْنِي وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» (٢). قال النووي ﵀: «هذا من خصائص الأنبياء صلوات الله

стр. 2871

وسلامه عليهم» (١). قال السندي: قوله ﷺ : «وَلا يَنَامُ قَلْبِي» أي: لا يغفل عما عليه من الإقبال على الله، وتلقي الوحي من الملَكِ وغيره؛ ولهذا رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وحي (٢). روى البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ في حديث الإسراء، وفيه: « ... وَالنَّبِيُّ ﷺ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ» (٣). ٤ - ومن ذلك أن ما تركوه بعد وفاتهم صدقة: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما وأحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّا مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ مَئُونَةِ عَامِلِي، وَنَفَقَةِ نِسَائِي؛ صَدَقَةٌ» (٤). قال النووي ﵀: «جمهور العلماء على أن جميع الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لا يُورثون» (٥). قال ابن الملقن ﵀: «والحكمة من كون الأنبياء عليهم

стр. 2872

الصلاة والسلام لا يورثون، أمور منها: لئلا يتمنى قريبهم موتهم فيهلك بذلك، ومنها لئلا ينفر الناس عنهم ويظنوا فيهم الرغبة في الدنيا وجمعها لوارثهم، ومنها لئلا يفتن بعض الذين أسلموا وتابعوهم بظنهم فيهم الرغبة والجمع لوارثهم» (١). قال تعالى: ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَاءِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾ [مريم:١ - ٦]. قال القرطبي ﵀ في تفسيره: «فلم يسل زكريا ﵁ من يرث ماله؛ لأن الأنبياء لا تورث، وهذا هو الصحيح في تأويل الآية، وإنه ﵊ أراد وراثة العلم والنبوة لا وراثة المال، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّا مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» (٢). وروى أبو داود في سننه وأحمد في مسنده من حديث أبي الدرداء أن النبي ﵁ قال: «إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ

стр. 2873

أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» (١). ٥ - ومنها أنهم لا يتعاملون بخائنة الأعين: روى أبو داود في سننه من حديث سعد، قال: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ، إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَسَمَّاهُم، وَابْنَ أَبِي سَرْحٍ، فذكر الحديث، قال: وَأَمَّا ابْنُ أَبِي سَرْحٍ فَإِنَّهُ اخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَلَمَّا دَعَا رَسُول اللهِ ﷺ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ، جَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ! بَايِعْ عَبْدَ اللهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى، فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَأَىنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ؟» فَقَالُوا: مَا نَدْرِي يَا رَسُولَ اللهِ مَا فِي نَفْسِكَ، أَلَا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ، قَالَ: «إِنَّهُ لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ» (٢). ٦ - ومنها أنهم إذا لبسوا اللأمة (٣) لا ينزعوها حتى يقاتلوا: روى الإمام أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ» (٤).

стр. 2874

وهذا الحديث قاله رسول الله ﷺ في غزوة أُحد، عندما استشار رسول الله ﷺ أصحابه في الخروج إلى الكفار، فوافق على الخروج بناء على رأي شباب الصحابة، وكان رأيه أن يبقى في المدينة، فلما دخل بيته ولبس درعه تردد شباب الصحابة بالخروج، فلما خرج عليهم، قالوا: نبقى في المدينة، فقال رسول الله ﷺ ... الحديث (١). ٧ - ومنها أن الأنبياء ﵈ يدفنون حيث قبضوا: روى الإمام الترمذي في سننه من حديث عائشة ﵂ قالت: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اخْتَلَفُوا فِي دَفْنِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْئًا مَا نَسِيتُهُ، قَالَ: «مَا قَبَضَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ، ادْفِنُوهُ فِي مَوْضِعِ فِرَاشِهِ» (٢). ٨ - ومنها أن الأرض لا تأكل أجسادهم بعد وفاتهم: روى النسائي في سننه من حديث أوس بن أوس ﵁ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ - أَيْ يَقُولُونَ: قَدْ بَلِيتَ؟

стр. 2875

قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ ﵈» (١). ٩ - ومنها أنهم يصلون في قبورهم: روى أبو يعلى في مسنده عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «الأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ» (٢). وروى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ» (٣). قال الشيخ الألباني ﵀: «ثم اعلم أن الحياة التي أثبتها هذا الحديث للأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما هي حياة برزخية، وليست من حياة الدنيا في شيء، ولذلك وجب الإيمان بها دون ضرب الأمثال لها، ومحاولة تكييفها وتشبيهها لما هو المعروف عندنا في حياة الدنيا، فهي حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا الله » (٤). ١٠ - إن زيادة توعكهم ليزداد لهم الأجر: روى الإمام أحمد في مسنده وابن ماجه في سننه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁
следующие страницы →