وسلامه عليهم» (١).
قال السندي: قوله ﷺ : «وَلا يَنَامُ قَلْبِي» أي: لا يغفل عما عليه من الإقبال على الله، وتلقي الوحي من الملَكِ وغيره؛ ولهذا رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وحي (٢).
روى البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ في حديث الإسراء، وفيه: « ... وَالنَّبِيُّ ﷺ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ» (٣).
٤ - ومن ذلك أن ما تركوه بعد وفاتهم صدقة: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما وأحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّا مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ مَئُونَةِ عَامِلِي، وَنَفَقَةِ نِسَائِي؛ صَدَقَةٌ» (٤).
قال النووي ﵀: «جمهور العلماء على أن جميع الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لا يُورثون» (٥).
قال ابن الملقن ﵀: «والحكمة من كون الأنبياء عليهم
стр. 2872
الصلاة والسلام لا يورثون، أمور منها: لئلا يتمنى قريبهم موتهم فيهلك بذلك، ومنها لئلا ينفر الناس عنهم ويظنوا فيهم الرغبة في الدنيا وجمعها لوارثهم، ومنها لئلا يفتن بعض الذين أسلموا وتابعوهم بظنهم فيهم الرغبة والجمع لوارثهم» (١).
قال تعالى: ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَاءِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾ [مريم:١ - ٦].
قال القرطبي ﵀ في تفسيره: «فلم يسل زكريا ﵁ من يرث ماله؛ لأن الأنبياء لا تورث، وهذا هو الصحيح في تأويل الآية، وإنه ﵊ أراد وراثة العلم والنبوة لا وراثة المال، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّا مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» (٢).
وروى أبو داود في سننه وأحمد في مسنده من حديث أبي الدرداء أن النبي ﵁ قال: «إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ
стр. 2873
أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» (١).
٥ - ومنها أنهم لا يتعاملون بخائنة الأعين: روى أبو داود في سننه من حديث سعد، قال: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ، إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَسَمَّاهُم، وَابْنَ أَبِي سَرْحٍ، فذكر الحديث، قال: وَأَمَّا ابْنُ أَبِي سَرْحٍ فَإِنَّهُ اخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَلَمَّا دَعَا رَسُول اللهِ ﷺ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ، جَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ! بَايِعْ عَبْدَ اللهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى، فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَأَىنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ؟» فَقَالُوا: مَا نَدْرِي يَا رَسُولَ اللهِ مَا فِي نَفْسِكَ، أَلَا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ، قَالَ: «إِنَّهُ لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ» (٢).
٦ - ومنها أنهم إذا لبسوا اللأمة (٣) لا ينزعوها حتى يقاتلوا: روى الإمام أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ» (٤).
стр. 2874
وهذا الحديث قاله رسول الله ﷺ في غزوة أُحد، عندما استشار رسول الله ﷺ أصحابه في الخروج إلى الكفار، فوافق على الخروج بناء على رأي شباب الصحابة، وكان رأيه أن يبقى في المدينة، فلما دخل بيته ولبس درعه تردد شباب الصحابة بالخروج، فلما خرج عليهم، قالوا: نبقى في المدينة، فقال رسول الله ﷺ ... الحديث (١).
٧ - ومنها أن الأنبياء ﵈ يدفنون حيث قبضوا: روى الإمام الترمذي في سننه من حديث عائشة ﵂ قالت: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اخْتَلَفُوا فِي دَفْنِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْئًا مَا نَسِيتُهُ، قَالَ: «مَا قَبَضَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ، ادْفِنُوهُ فِي مَوْضِعِ فِرَاشِهِ» (٢).
٨ - ومنها أن الأرض لا تأكل أجسادهم بعد وفاتهم: روى النسائي في سننه من حديث أوس بن أوس ﵁ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ - أَيْ يَقُولُونَ: قَدْ بَلِيتَ؟
стр. 2875
قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ ﵈» (١).
٩ - ومنها أنهم يصلون في قبورهم: روى أبو يعلى في مسنده عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «الأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ» (٢).
وروى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ» (٣). قال الشيخ الألباني ﵀: «ثم اعلم أن الحياة التي أثبتها هذا الحديث للأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما هي حياة برزخية، وليست من حياة الدنيا في شيء، ولذلك وجب الإيمان بها دون ضرب الأمثال لها، ومحاولة تكييفها وتشبيهها لما هو المعروف عندنا في حياة الدنيا، فهي حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا الله » (٤).
١٠ - إن زيادة توعكهم ليزداد لهم الأجر: روى الإمام أحمد في مسنده وابن ماجه في سننه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁
стр. 2876
قال: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَيْهِ، فَوَجَدْتُ حَرَّهُ بَيْنَ يَدَيَّ فَوْقَ اللِّحَافِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا أَشَدَّهَا عَلَيْكَ، قَالَ: «إِنَّا (١)
كَذَلِكَ يُضَعَّفُ لَنَا الْبَلاءُ وَيُضَعَّفُ لَنَا الأَجْرُ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ الصَّالِحُونَ، إِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيُبْتَلَى بِالْفَقْرِ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُهُمْ إِلَّا الْعَبَاءَةَ يَجُوبُهَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيَفْرَحُ بِالْبَلَاءِ كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِالرَّخَاءِ» (٢).
وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ»، فَقُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَجَلْ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى: مَرَضٌ فَمَا سِوَاهُ، إِلَّا حَطَّ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا» (٣).
قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀: «وفي هذه الأحاديث دلالة صريحة على أن المؤمن كلما كان أقوى إيمانًا ازداد ابتلاءً وامتحانًا، والعكس بالعكس، ففيها رد على
стр. 2877
ضعفاء العقول والأحلام الذين يظنون أن المؤمن إذا أُصيب ببلاء كالحبس، أو الطرد، أو الإقالة من الوظيفة .. ونحوها، أن ذلك دليل على أن المؤمن غير مرضي عند الله تعالى! وهو ظن باطل، فهذا رسول الله ﷺ وهو أفضل البشر، كان أشد الناس - حتى الأنبياء - بلاء، فالبلاء غالبًا دليل خير وليس نذير شرٍّ، كما يدل على ذلك أيضًا الحديث السابق" (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2878
الكلمة الثامنة عشرة
من خصائص النبي ﷺ في القرآن الكريم والسنة النبوية (١)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ...
«فإن معرفة ما خص الله به نبينا محمد ﷺ من الأخلاق والفضائل مما يزيد الإيمان به ومحبته وتعظيمه، وذلك موجب لكمال الانقياد له والاتباع، ولن يؤمن عبد حتى يكون النبي ﷺ أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين، وعلامة حب العبد للرسول ﷺ أن ينزله المنزلة التي أنزله الله إياها، فيعظم أقواله، ويقدمها على قول كل أحد، ويقدم طاعته على هوى نفسه وشهواتها" (١).
ومن خصائص النبي ﷺ في القرآن الكريم:
١ - أن الله أخذ الميثاق على النبيين أن يؤمنوا به وينصروه: قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ
стр. 2879
ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران:٨١].
قال ابن كثير ﵀: «فالرسول محمد ﷺ خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين، وهو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر لكان هو واجب الطاعة، المقدم على الأنبياء كلهم؛ ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء، لما اجتمعوا ببيت المقدس، وكذلك هو الشفيع في المحشر في إتيان الربِّ ﷻ لفصل القضاء بين عباده، وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلا له، والذي يحيد عنه أولو العزم من الأنبياء والمرسلين، حتى تنتهي النوبة إليه، فيكون هو المخصوص صلوات الله وسلامه عليه» (١). وفي الحديث: «لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي» (٢).
٢ - أن التوراة والانجيل بشَّرتا به وبأصحابه: قال اللهُ تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ
стр. 2880
الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف:١٥٧].
قال الحافظ ابن كثير ﵀: «وهذه صفة محمد ﷺ في كتب الأنبياء، بشَّروا أممهم ببعثه، وأمروهم بمتابعته، ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم» (١).
روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث عطاء بن يسار قال: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ، قَالَ: أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ: يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا (٢) لِلْأُمِّيِّينَ (٣)، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ (٤)
فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ (٥) بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا» (٦).
стр. 2881
وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح:٢٩].
قال القرطبي ﵀ في تفسيره هذه الآية: «هذا مثل ضربه الله تعالى لأصحاب النبي ﷺ ، يعني أنهم يكونون قليلًا ثم يزدادون ويكثرون، فكان النبي ﷺ حين بدأ بالدعاء إلى دينه ضعيفًا، فأجابه الواحد بعد الواحد حتى قوي أمره، كالزرع يبدو بعد البذر ضعيفًا، فيقوى حالًا بعد حال حتى يغلظ ساقه وأفراخه، فكان هذا من أصح مثل، وأوضح بيان» (١).
٣ - أن اللَّه حجب الشياطين عن السموات لبعثه: قال تعالى عن لسان الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ [الجن:٨ - ٩].
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس ﵄ قال: «كان الجن يسمعون الوحي فيستمعون الكلمة فيزيدون فيها عشرًا، فيكون ما سمعوا حقًّا، وما زادوه باطلًا، وكانت النجوم لا يُرمى بها قبل ذلك، فلما بُعث النبي ﷺ كان أحدهم
стр. 2882
لا يأتي مقعده إلَّا رمي بشهاب يحرق ما أصاب، فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ما هذا إلا من أمر قد حدث، فبث جنوده، فإذا هم بالنبي ﷺ يصلي بين جبلي نخلة، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض» (١).
٤ - أن اللَّه أراه جبريل ﵇ في صورته التي خُلق عليها: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ [التكوير: ٢٣].
روى الإمام مسلم من حديث مسروق قال: كنت عند عائشة ﵂، قال: قلت: أَلَيس اللهُ يَقُولُ: ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ وَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾، قَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الأُمَّةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ، سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ» (٢).
قال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ يعني: ولقد رأى محمدٌ جبريلَ ﵁ الذي يأتيه بالرسالة عن الله على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء وهي المذكورة في قوله تعالى في سورة النجم: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ
стр. 2883
أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم: ٥ - ١٠].
والدليل أن المراد بذلك جبريل ﵇ والظاهر - والله أعلم - أن هذه السورة نزلت قبل ليلة الإسراء؛ لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤية وهي الأولى، وأما الثانية، وهي المذكورة في قوله: ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ [النجم: ١٣ - ١٦]. فتلك إنما ذُكرت في سورة النجم، وقد نزلت بعد الإسراء (١).
٥ - ومن خصائصه رحلة الإسراء والمعراج: وما حصل فيها من أحداث، وكذلك إمامته بالأنبياء في بيت المقدس، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].
قال ابن كثير ﵀: «يمجد تعالى نفسه، ويعظم شأنه، لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه، فلا إله غيره، ولا ربَّ سواه، فقد أسرى بعبده محمدٍ صلوات الله وسلامه عليه في جنح الليل من المسجد الحرام وهو مسجد مكة، إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس الذي [بإيلياء] معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل ﵇؛ ولهذا جُمعوا له هنالك كلهم، فأمهم في محلتهم ودارهم، فدل على أنه هو الإمام الأعظم، والرئيس
стр. 2884
المقدَّم، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين" (١).
روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : « ... وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا مُوسَى ﵁ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ (٢) جَعْدٌ (٣)، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ (٤)، وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيمَ ﵁ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ ﵁ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ، يَعْنِي: نَفْسَهُ، فَحَانَتِ الصَّلاةُ، فَأَمَمْتُهُمْ ... » (٥).
٦ - ومن خصائصه القرآن الكريم الذي نزل عليه مفرقًا في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع والأحداث: قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢].
روى الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث
стр. 2885
أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ، إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ (١)، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢).
قال النووي ﵀: «معناه أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم، ولم يشاهدها إلا من حضرها بحضرتهم، ومعجزة نبينا ﷺ القرآن المستمر إلى يوم القيامة مع خرق العادة في أسلوبه وبلاغته، وإخباره بالمغيبات، وعجز الجن والإنس عن أن يأتوا بسورة من مثله مجتمعين أو متفرقين في جميع الأعصار، مع اعتنائهم بمعارضته، فلم يقدروا وهم أفصح القرون، مع غير ذلك من وجوه إعجازه المعروفة» (٣).
٧ - ومن خصائصه أنه خاتم النبيين وآخر النبيين بعثًا: قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠].
قال ابن كثير ﵀: «هذه الآية نص في أنه لا نبي بعده ﷺ ،
стр. 2886
وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بعده بطريق الأولى والأحرى؛ لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي، ولا ينعكس» (١).
روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ، أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ» (٢).
٨ - ومن خصائصه أن شرعه مؤبد إلى يوم القيامة، وناسخ لجميع الشرائع قبله: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]. قال السيوطي: «استدل بهذه الآية على أن شرعه ﷺ ناسخ لكل شرع قبله» (٣).
روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ
стр. 2887
بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» (١).
والخصائص كثيرة، وإنما ذكرت بعضًا منها للتذكير، ومن أراد التوسع فليراجع الكتب التي كُتبت في ذلك (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2888
الكلمة التاسعة عشرة
من خصائص النبي ﷺ في القرآن الكريم والسنة النبوية (٢)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فإن الله قد أكرم نبيه بخصائص لم تكن لغيره من الأنبياء.
فمن خصائصه: أنه أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، ويُعطى لواء الحمد، وأول من يدخل الجنة، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُ عَنْهُ الأَرْضُ ... » (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ» (٢).
стр. 2889
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنِّي لَأَوَّلُ النَّاسِ تَنْشَقُّ الأَرْضُ عَنْ جُمْجُمَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرُ، وَأُعْطَى لِوَاءَ الْحَمْدِ وَلَا فَخْرُ، وَأَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرُ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرُ» (١).
وروى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ، لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ» (٢).
ومنها أنه أُعطي الشفاعة العظمى، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]. قال ابن جرير ﵀: «قال أكثر أهل التأويل: ذلك هو المقام الذي يقومه ﷺ يوم القيامة للشفاعة للناس، ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم» (٣).
وروى البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي، فذكر منها .. وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ» (٤).
стр. 2890
قال ابن كثير ﵀: «يعني بذلك الشفاعة العظمى التي يشفع فيها عند الله ليأتي لفصل القضاء، وهي التي يرغب إليه فيها الخلق كلهم، حتى الخليل إبراهيم ﵇ وموسى الكليم ﵇، وسائر النبيين والمرسلين والمؤمنين، ويعترف بها الأولون والآخرون، فهذه هي الشفاعة التي اختُص بها دون غيره» (١).
ومنها: أنه غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)﴾ [الفتح: ٢].
قال ابن كثير ﵀: «هذا من خصائصه - صلوات الله وسلامه عليه - التي لا يشاركه فيها غيره، وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغيره أنه غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهذا فيه تشريف عظيم لرسول الله ﷺ ، وهو - صلوات الله وسلامه عليه - في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة التي لم ينلها بشر سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين، وهو أكمل البشر على الإطلاق، وسيدهم في الدنيا والآخرة» (٢).
ومن خصائصه: أنه أُعطي نهر الكوثر، وأن حوضه أعظم حياض الأنبياء، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكوثر: ١].
стр. 2891
روى مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده من حيث أنس بن مالك ﵁ قال: أغفى رسول الله ﷺ إغفاة، فرفع رأسه متبسمًا، إما قال لهم، وإما قالوا له: لِمَ ضَحِكْتَ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّهُ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ»، فَقَرَأَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، حَتَّى خَتَمَهَا، قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «هُو نَهْرٌ أَعْطانِيه رَبِّي فِي الْجَنَّةِ، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ الْكَوَاكِبِ» (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ، وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ الْوَرِقِ (٢)، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَكِيزَانُهُ (٣) كَنُجُومِ السَّمَاءِ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَا يَظْمَأُ بَعْدَهُ أَبَدًا» (٤).
وروى الترمذي في سننه من حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا، وَإنَّهُم يَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ وَارِدَةً، وَإِنِّي أرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ وَارِدَةً» (٥).
стр. 2892
قال الحافظ ابن حجر ﵀: «إن ثبت، فالمختص بنبينا ﷺ الكوثر الذي يصب من مائه في حوضه، فإنه لم ينقل نظيره لغيره، ووقع الامتنان عليه به في سورة الكوثر» (١).
ومن خصائصه: إقسام الله تعالى بحياته في القرآن، قال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ [الحجر: ٧٢]، قال ابن جرير ﵀: «يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ : وحياتك يا محمد، إن قومك من قريش ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾، يقول: لفي ضلالتهم وجهلهم يترددون» (٢).
قال ابن كثير ﵀: «أقسم تعالى بحياة نبيه ﷺ ، وفي هذا شرف عظيم، ومقام رفيع، وجاه عريض» (٣).
قال ابن عباس ﵄: «ما خلق الله، وما ذرأ (٤)، وما برأ (٥) نفسًا أكرم عليه من محمد ﷺ ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ [الحجر: ٧٢]» (٦).
ومنها: أن الميت يُسأل عنه في قبره، روى الإمام أحمد في
стр. 2893
مسنده من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: « ... فَأَمَّا فِتْنَةُ الْقَبْرِ، فَبِي تُفْتَنُونَ، وَعَنِّي تُسْأَلُونَ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أُجْلِسَ فِي قَبْرِهِ غَيْرَ فَزِعٍ، وَلَا مَشْعُوفٍ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: فِيمَ كُنْتَ؟ فَيَقُولُ: فِي الإِسْلَامِ؟ فَيُقَالُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، فَصَدَّقْنَاهُ ... الحديث» (١).
ومنها: أنه رحمة للعالمين حتى للكفار بتأخير العذاب، ولم يعاجلوا بالعقوبة كسائر الأمم السابقة، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
قال ابن كثير ﵀: «يخبر تعالى أن الله جعل محمدًا ﷺ رحمة للعالمين، أي: أرسله رحمة لهم كلهم، فمن قَبِلَ هذه الرحمة وشكر هذه النعمة، سعد في الدنيا والآخرة، ومن ردها وجحدها خسر في الدنيا والآخرة» (٢).
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي موسى الأشعري قال: «أمانان كانا على عهد رسول الله ﷺ ، رفع أحدهما وبقي الآخر: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ
стр. 2894
وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: ٣٣]» (١).
ومن خصائصه: تحريم نكاح أزواجه من بعده أبدًا، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ [الأحزاب: ٥٣].
قال ابن كثير ﵀: «أجمع العلماء قاطبة على أن من توفي عنها رسول الله ﷺ من أزواجه أنه يحرم على غيره أن يتزوجها من بعده، لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة وأمهات المؤمنين» (٢).
روى ابن حبان في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: «أن رسول الله ﷺ قال لها: «أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي زَوْجَتِي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؟» قُلْتُ: بَلَى واللهِ، قَالَ: «فَأَنْتِ زَوْجَتِي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» (٣).
ومن خصائصه: أن الله أطلعه على الجنة والنار: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما وابن حبان في صحيحه من حديث أسامة بن زيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «نَظَرْتُ إِلَى الْجَنَّةِ، فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا الْمَسَاكِينُ، وَنَظَرْتُ فِي النَّارِ، فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، وَإِذَا أَهْلُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ، وَإِذَا الْكُفَّارُ قَدْ أُمِرَ
стр. 2895
بِهِمْ إِلَى النَّارِ» (١).
قال ابن حبان في صحيحه: «اطلاعه ﷺ إلى الجنة والنار معًا كان بجسمه، ونظره العيان تفضلًا من الله - جل وعلا - عليه، وفرقًا فرق به بينه وبين سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام» (٢).
ومن خصائصه: إيتاؤه جوامع الكلم، ومفاتيح خزائن الأرض: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي» (٣). قال أبو هريرة ﵁: فذهب رسول الله ﷺ وأنتم تنتشلونها (٤).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: «جوامع الكلم التي خص بها رسول الله ﷺ أنه كان يتكلم بالقول الموجز القليل اللفظ الكثير المعاني» (٥).
قال: «قوله ﷺ : أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي: يحتمل أن يكون هذا إشارة إ
لى ما فتح لأمته وجنوده من
стр. 2896
الخزائن، كخزائن كسرى وقيصر، ويحتمل أن يكون المراد منه معادن الأرض التي فيها كالذهب والفضة، أي ستفتح البلدان التي فيها هذه المعادن والخزائن فتكون لأمته ﷺ » (١).
روى الإمام مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده من حيث ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ زَوَى (٢)
لِيَ الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ مُلْكَ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مَا زَوَى لِي مِنْهَا، وَإِنِّي أُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ (٣)» (٤)(٥).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2897
الكلمة العشرون
من خصائص جزيرة العرب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فإن جزيرة العرب من أفضل البلاد وأشرفها، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، ولهذه الجزيرة جملة أسماء، كلها مضافة إلى العرب لا غير، منها (جزيرة العرب) و (أرض العرب) و (بلاد العرب) و (ديار العرب) و (الجزيرة العربية) و (شبه الجزيرة العربية).
ومما يدل على شرفها أيضًا كثرة ما صنف فيها، كما أن شبه جزيرة العرب أكبر شبه جزيرة في العالم، فقد حماها الله تعالى بثلاثة أبحر من جهاتها الثلاث، غربًا وجنوبًا وشرقًا، فيحدها غربًا بحر القُلزم، و (القُلْزُم) مدينة على طرفه الشمالي، ويُقال بحر الحبشة، وهو المعروف الآن باسم (البحر الأحمر)، ويحدها جنوبًا بحر العرب، ويقال: بحر اليمن، وشرقًا خليج البصرة (الخليج العربي)، والتحديد من هذه الجهات الثلاث بالأبحر المذكورة محل اتفاق بين المحدثين، والفقهاء،
стр. 2898
والمؤرخين، والجغرافيين وغيرهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وتبعه في ذلك بعض أهل اللغة: «جزيرة العرب هي من بحر القُلْزُم (١) إلى بحر البصرة (٢)، ومن أقصى حجر باليمن إلى أوائل الشام، بحيث كانت تدخل اليمن في دارهم، ولا تدخل فيها الشام، وفي هذه الأرض كانت العرب حين البعث وقبله» (٣).
ومن خصائص هذه الجزيرة:
أولًا: أنها حرم الإسلام، ومعلمه الأول، وداره الأولى، فمنها انطلق الإسلام ليعم أرجاء المعمورة.
ثانيًا: إن الشيطان قد يئس من اجتماع أهل الجزيرة على الشرك بالله تعالى، روى مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونُ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» (٤).
ومنذ أن بعث الله النبي ﷺ إلى يومنا هذا، والجزيرة دار
стр. 2899
إسلام ولله الحمد، ولم يُعرف الشرك فيها إلا جزئيًا على فترات في فرد أو أفراد، ثم يُهيئ الله على مدى الأزمان من يردهم إلى دينهم الحق.
ثالثًا: أن جزيرة العرب وقف في الإسلام على أهل الإسلام؛ على من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وقام بحقهما، فهي دار طيبة لا يقطنها إلَّا طيب، ولما كان المشرك خبيثًا بشركه حرمت عليه جزيرة العرب.
وقد وردت النصوص بذلك، روى مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا» (١).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة ﵂ قالت: «آخر ما عهد رسول الله ﷺ : لا يترك بجزيرة العرب دينان» (٢).
وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ أوصى عند موته بثلاث، منها: «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» (٣).
وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي عبيدة ﵁ قال:
стр. 2900
آخر ما تكلم به النبي ﷺ : «أَخْرِجُوا يَهُودَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ شِرَارَ النَّاسِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (١).
وبناء على ذلك:
١ - فليس لكافر دخول جزيرة العرب للاستيطان بها.
٢ - ليس للإمام عقد الذمة لكافر، بشرط الإقامة لكافر بها، فإن عقده فهو باطل.
٣ - أنه ليس للكافر اتخاذ شيء من جزيرة العرب دارًا، بتملك أرضٍ أو بناء عليها.
٤ - لا تدفن جيفة كافر بها، فإن مات على أرض الجزيرة، نقل عنها إلا للضرورة كالتعفن، فتغيب جيفته في عماء من الأرض لا في مقبرة تعد لهم.
٥ - أجمع العلماء على تحريم بناء المعابد الكفرية مثل الكنائس في بلاد المسلمين، وأنه لا يجوز اجتماع قبلتين في بلد واحد من بلاد المسلمين، ولا أن يظهر فيها شيء من شعائر الكفر، لا كنائس ولا معابد ولا غيرها، وقد صدرت فتوى من اللجنة الدائمة بشأن المعابد الكفرية
стр. 2901
مثل الكنائس، هذا نصها: «الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ... وبعد: فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من عدد من المستفتين المقيدة استفتاءاتهم في الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (٨٦) وتاريخ ٥/ ١/ ١٤٢١ هـ، ورقم (١٣٢٦ - ١٣٢٧ - ١٣٢٨) وتاريخ ٢/ ٣/١٤٢١ هـ، بشأن حكم بناء المعابد الكفرية في جزيرة العرب مثل: بناء الكنائس للنصارى، والمعابد لليهود وغيرهم من الكفرة، أو أن يخصص صاحب شركة أو مؤسسة مكانًا للعمالة الكافرة لديه يؤدون فيه عباداتهم الكفرية ... الخ.
وبعد دراسة اللجنة لهذه الاستفتاءات أجابت بما يلي: كل دين غير دين الإسلام فهو كفر وضلال، وكل مكان يُعد للعبادة على غير دين الإسلام فهو بيت كفر وضلال، إذ لا تجوز عبادة الله إلا بما شرع -سُبْحَانَهُ- في الإسلام، وشريعة الإسلام خاتمة الشرائع، عامة للثقلين الجن والإنس وناسخة لما قبلها، وهذا مجمع عليه بحمد الله تعالى.
ومن زعم أن اليهود على حق، أو النصارى على حق، سواء كان منهم أو من غيرهم فهو مكذب لكتاب الله تعالى وسنة رسوله محمد ﷺ وإجماع الأمة، وهو مرتد عن الإسلام إن كان يدَّعي
стр. 2902
الإسلام بعد إقامة الحجة عليه إن كان مثله ممن يخفى عليه ذلك. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]. وقال عز شأنه: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقال -سُبْحَانَهُ-: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. وقال - جل وعلا -: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. وقال -سُبْحَانَهُ-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ [البينة: ٦].
وثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: «كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» (١). ولهذا صار من ضروريات الدِّين: تحريم الكفر الذي يقتضي تحريم التعبد لله على خلاف ما جاء في شريعة الإسلام، ومنه تحريم بناء معابد وفق شرائع منسوخة يهودية أو نصرانية أو غيرها؛ لأن تلك المعابد سواء كانت كنيسة أو غيرها تعتبر معابد كفرية، لأن العبادات التي تؤدى فيها على خلاف شريعة الإسلام الناسخة لجميع الشرائع قبلها والمبطلة لها، والله تعالى يقول عن الكفار وأعمالهم: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].
ولهذا أجمع العلماء على تحريم بناء المعابد الكفرية
стр. 2903
مثل: الكنائس في بلاد المسلمين، وأنه لا يجوز اجتماع قبلتين في بلد واحد من بلاد الإسلام، وألَّا يكون فيها شيء من شعائر الكفار لا كنائس ولا غيرها، وأجمعوا على وجوب هدم الكنائس وغيرها من المعابد الكفرية إذا أُحدثت في أرض الإسلام، ولا تجوز معارضة ولي الأمر في هدمها بل تجب طاعته.
وأجمع العلماء - رحمهم الله تعالى - على أن بناء المعابد الكفرية ومنها: الكنائس في جزيرة العرب أشد إثمًا وأعظم جرمًا، للأحاديث الصحيحة الصريحة بخصوص النهي عن اجتماع دينين في جزيرة العرب، منها قول النبي ﷺ : «لا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» (١). رواه الإمام مالك وغيره وأصله في الصحيحين.
فجزيرة العرب: حرم الإسلام، وقاعدته التي لا يجوز السماح أو الإذن لكافر لاختراقها، ولا التجنس بجنسيتها، ولا التملك فيها، فضلًا عن إقامة كنيسة فيها لعبَّاد الصليب، فلا يجتمع فيها دينان إلا دينًا واحدًا هو دين الإسلام الذي بعث الله به نبيه ورسوله محمدًا ﷺ ، ولا يكون فيها قبلتان إلا قبلة واحدة هي قبلة المسلمين إلى البيت العتيق، والحمد لله الذي وفَّق ولاة أمر هذه البلاد إلى صد هذه المعابد الكفرية عن هذه
стр. 2904
الأرض الإسلامية الطاهرة.
وإلى الله المشتكى مما جلبه أعداء الإسلام من المعابد الكفرية من الكنائس وغيرها في كثير من بلاد المسلمين .. نسأل الله أن يحفظ الإسلام عن كيدهم ومكرهم.
وبهذا يعلم أن السماح والرضا بإنشاء المعابد الكفرية مثل الكنائس أو تخصيص مكان لها في أي بلد من بلاد الإسلام من أعظم الإعانة على الكفر وإظهار شعائره، والله عزَّ شأنه يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «من اعتقد أن الكنائس بيوت الله، وأن الله يُعبد فيها، أو أن ما يفعله اليهود والنصارى عبادة لله وطاعة لرسوله، أو أنه يحب ذلك أو يرضاه، أو أعانهم على فتحها وإقامة دينهم، وأن ذلك قربة أو طاعة؛ فهو كافر، وقال أيضًا: من اعتقد أن زيارة أهل الذمة كنائسهم قربة إلى الله فهو مرتد، وإن جهل أن ذلك محرم عرّف ذلك فإن أصرَّ صار مرتدًا» (١) انتهى.
عائذين بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلالة بعد الهداية، وليحذر المسلم أن يكون له نصيب من قول الله تعالى:
стр. 2905
﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ [محمد:٢٥ - ٢٨]. وبالله التوفيق (١).
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
عضو الرئيس
عبد الله بن عبدالرحمن الغديان عبدالعزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ ... عضو ... عضو
بكر بن عبد الله أبو زيد ... صالح بن فوزان الفوزان
لما سُئل الشيخ عبدالعزيز بن باز ﵀: عن استقدام النصارى من العمالة والخدم إلى جزيرة العرب، أجاب بقوله: «يجب أن يُعلم أنه لا يجوز استقدام الكفرة إلى هذه الجزيرة لا من النصارى ولا من غير النصارى؛ لأن رسول الله ﷺ أمر بإخراج الكفرة من هذه الجزيرة، وأوصى عند موته ﷺ بإخراجهم من هذه الجزيرة، وهي المملكة العربية السعودية، واليمن، ودول الخليج، كل هذه الدول داخلة في الجزيرة العربية، فالواجب
стр. 2906
ألَّا يُقر فيها الكفرة من اليهود، والنصارى، والبوذيين، والشيوعيين، والوثنيين، وجميع من يحكم الإسلام بأنه كافر لا يجوز بقاؤه ولا إقراره في هذه الجزيرة، ولا استقدامه إليها إلَّا عند الضرورة القصوى التي يراها ولي الأمر، كالضرورة لأمر عارض ثم يرجع إلى بلده ممن تدعو الضرورة إلى مجيئه أو الحاجة الشديدة إلى هذه المملكة وشبهها كاليمن ودول الخليج، أما استقدامهم ليقيموا فيها فلا يجوز، بل يجب أن يُكتفى بالمسلمين في كل مكان، وأن تكون المادة التي تُصرف لهؤلاء الكفار تُصرف للمسلمين، وأن يُنتقى من المسلمين من يُعرف بالاستقامة والقوة على القيام بالأعمال حسب الطاقة والإمكان، وأن يُختار أيضًا من المسلمين من هم أبعد عن البدع والمعاصي الظاهرة، وألا يُستخدم إلا من هو طيب ينفع البلاد ولا يضرها، هذا هو الواجب، لكن من ابتلي باستقدام أحد من هؤلاء الكفرة كالنصارى وغيرهم، فإن عليه أن يبادر بالتخلص منهم وردهم إلى بلادهم بأسرع وقت» (١).
٦ - أنه لا يجوز إقرار ساكن بها وهو على الكفر: فإن وجد بها كفار فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف؛ ولذلك لا تثبت الجزية في رقابهم مع الإقامة بها.
٧ - بما أن جزيرة العرب دار إسلام أبدًا، فهي جميعًا
стр. 2907
أرض عشر، لا تكون خراجية أبدًا؛ لأن الخراج بمنزلة الجزية، فكما لا تثبت في رقابهم مع الإقامة بها، لا تثبت في أرض تملكوها ظلمًا بها، لكنه الإسلام، أو السيف، أو الجلاء.
رابعًا: من خصائصها: أن الإسلام حين يضطهد في دياره خارجها فإنه ينحاز إلى هذه الجزيرة، ويأوي إليها فيجد كرم الوفادة بعد الغربة وطول المحنة، روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِنّ الإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا» (١).
تنبيه:
ما ورد في فضائل مكة أو المدينة وهما من جزيرة العرب، فقد أفردت لكلٍّ منهما كلمة خاصة (٢)(٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2908
الكلمة الواحدة والعشرون
الهدية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فقد وردت النصوص الكثيرة التي تبين فضل الهدية وفوائدها:
قال ابن قدامة ﵀: «الهبة والصدقة والهدية والعطية معانيها متقاربة، وكلها تمليك في الحياة بغير عوض، واسم العطية شامل لجميعها، وكذلك الهبة. والصدقة والهدية متغايران، فإن النبي ﷺ كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة» (١).
والهدية مستحبة عند أهل العلم (٢)،
وقد ورد ذكر الهدية في القرآن الكريم، قال تعالى عن ملكة سبأ بلقيس في قصة سليمان: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾ [النمل: ٣٥]. وقد امتنع سليمان عن قبولها؛ لأنه شعر أن ملكة سبأ بعثت بهديتها
стр. 2909
إغراء له لكي ينصرف عنها وعن قومها.
روى البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها" (١). ومعنى يثيب عليها: أي يجازي المهدي بهدية أخرى.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ، أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ؟ فَإِنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ، قَالَ لِأَصْحَابِهِ: «كُلُوا» وَلَمْ يَأكُلْ، وَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ، ضَرَبَ بِيَدِهِ ﷺ ، فَأَكَلَ مَعَهُمْ (٢).
وروى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَحْمٍ، فَقِيلَ: تُصُدِّقَ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ» (٣).
وكان الأنصار يهدون رسول الله ﷺ ، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂ أنها قالت لعروة ابن أختها: إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ نَارٌ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فقُلْتُ: يَا خَالَةُ، وَمَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتْ: الأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالمَاءُ، إِلَّا أَنَّه قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ،
стр. 2910
وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَلبَانِهَا، فَيَسْقِينَا (١).
وحث النبي ﷺ أمته على الهدية لما فيها من إفشاء المحبة وتوثيق أواصر الود بين المسلمين، وذهاب ما في النفوس من العداوة والبغضاء، فروى البخاري في الأدب المفرد من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» (٢).
بل إنه ﵊ حث على الهدية ولو كانت شيئًا يسيرًا جدًّا لما فيها من إدخال السرور على المسلم، فروى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ (٣) شَاةٍ» (٤).
وكان النبي ﷺ يقبل قليل الهدية وكثيرها، فروى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ (٥)
لَأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ» (٦).
قال ابن حجر ﵀: «وخص الذراع والكراع بالذكر