قال سماحة الشيخ الإِمام العلامة ابن باز ﵀: الواجب على جميع القادرين من العلماء وحكام المسلمين والدعاة الدعوة إلى الله، حتى يصل البلاغ إلى العالم كافة في جميع أنحاء المعمورة، وهذا هو البلاغ الذي أمر الله به، قال الله تعالى لنبيه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧].
فالرسول عليه البلاغ، وهكذا الرسل جميعًا عليهم البلاغ وعلى أتباع الرسل أن يبلغوا.
روى البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو ﵄: أن النبي ﷺ قال: «بَلِّغُوْا عَنِّي وَلَو آيَةً» (١).
وليس بخافٍ على كل من له أدنى علم أو بصيرة أن العالم الإِسلامي اليوم، بل العالم كله في أشد الحاجة إلى الدعوة الإِسلامية الصحيحة، التي تشرح للناس حقيقة الإِسلام، وتوضح لهم أحكامه ومحاسنه، وبذلك يتضِّح لكل طالب علم أن الدعوة إلى الله من أهم المهمات، وأن الأمة في كل زمان ومكان في أشد الحاجة إليها؛ بل في أشد الضرورة إلى ذلك، فالواجب على أهل العلم أينما كانوا أن يبلغوادعوة الله؛ وأن يصبروا على ذلك، وأن تكون دعوتهم نابعة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ الصحيحة، وعلى طريقة الرسول وأصحابه ومنهج السلف الصالح ﵃ (٢).
وقال أيضًا: فعند قلة الدعاة وكثرة المنكرات وغلبة الجهل كحالنا
стр. 317
اليوم تكون الدعوة فرض عين على كل واحد بحسب طاقته وإذا كان في محل محدود كقرية ومدينة ونحو ذلك ووجد فيها من تولى هذا الأمر وقام به وبلغ أمر الله كفى وصار التبليغ في حق غيره سنة؛ لأنه قد أقيمت الحجة على يد غيره، ولكن بالنسبة إلى بقية أرض الله وإلى بقية الناس يجب على العلماء حسب طاقتهم وعلى ولاة الأمر حسب طاقتهم أن يبلغوا أمر الله بكل ما يستطيعون وهذا فرض عين عليهم على حسب الطاقة والقدرة، وبهذا يعلم أن كونها فرض عين وكونها فرض كفاية أمر نسبي يختلف فقد تكون الدعوة فرض عين بالنسبة إلى أقوام وإلى أشخاص وسنة بالنسبة إلى أشخاص وإلى أقوام لأنه وجد في محلهم وفي مكانهم من قام بالأمر وكفى عنهم (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 318
الكلمة الثالثة والستون: تربية الأبناء
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فإن من أكبر الأمانات، وأعظم المسؤوليات تربية الأولاد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
قال علي بن أبي طالب ﵁: أدبوهم وعلموهم الخير، وعلى الأب أن يراعي في التربية الأمور التالية.
أولاً: اختيار الزوجة الصالحة، وهي أول خطوة من خطوات التربية، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو ﵄: أن النبي ﷺ قال: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» (٢).
ثانيًا: الإِخلاص لله في التربية واحتساب الأجر على الله فيما يبذل فيها من جهد أو مال، لا ليقال إنه أحسن فيها، أو يشار إليه بالبنان، قال
стр. 319
تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عمر بن الخطاب ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (١).
فالتربية عبادة من أَجَلِّ العبادات، لما يترتب عليها من منافع خاصة وعامة، ولما فيها من المشقة والعناء.
ثالثًا: تعويد الأولاد على العبادات وحثِّهم عليها بالرفق والحسنى منذ الصغر؛ ليألفوها ويحبوها، قال تعالى: ﴿وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] الآية.
روى أبو داود في سننه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» (٢).
وفي رواية: «عَلِّمُوْا الْصَّبِيَّ الصَّلَاةَ ابْنَ سَبْعِ سِنِيْنَ، وَاضْرِبُوْهُ عَلَيْهَا ابْنَ عَشْرٍ» (٣).
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: ومن كان عنده صغير، أو مملوك، أو يتيم، فلم يأمره بالصلاة فإنه يُعاقب الكبير إذا لم يأمر الصغير، ويعزر الكبير تعزيرًا بليغًا؛ لأنه عصى الله ورسوله (٤). اهـ.
وقال ابن القيم ﵀: فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى فقد أساء غاية الإِساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء،
стр. 320
وإهمالهم، وترك تعليمهم فرائض الدِّين وسننه، فأضاعوهم صغارًا، فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كبارًا (١). اهـ.
رابعًا: تجنيبهم المحرمات والمنكرات، وتحذيرهم منها، وغرس بغضها في قلوبهم لما تجره عليهم من ويلات في الدنيا والآخرة، وبعض الآباء لا يهتم بهذا، بحجة أنهم صغار وغير مكلفين، وهذا خلاف ما كان عليه المعلم الناصح ﷺ .
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: أخذ الحسن بن علي ﵄ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال النبي ﷺ : «كِخٍ، كِخٍ» لِيَطْرَحَهَا، ثُمَّ قَالَ: «أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَاكُلُ الصَّدَقَةَ؟ ! » (٢).
خامسًا: القدوة الحسنة، وهي من ضروريات التربية، فمعلوم أن الابن يعجب بأبيه ويحب تقليده والاقتداء به، فيجب على الآباء والأمهات والمربين أن لا تخالف أقوالهم أفعالهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢].
وقال تعالى عن نبي الله شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَاّ الإِصْلَاحَ﴾ [هود: ٨٨].
قال الشاعر:
لَا تَنْهَ عَن خُلُقٍ وَتَاتِيَ مِثلَهُ ... عَارٌ عَلَيكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
سادسًا: إبعادهم عن جلساء السوء، وتوجيههم إلى مصاحبة الأخيار والصالحين.
روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ
стр. 321
قال: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» (١).
وبعض الآباء هدانا الله وإياه لا يعرف أين يذهب أبناؤه، ولا من يصاحبون، ولا كيف يقضون أوقاتهم، وربما جعل هذه المهمة خاصة بالأم، ومعلوم أن الأم لاتستطيع متابعتهم في أكثر الأحوال، وأعظم وأقبح من ذلك تولية الخدم والسائقين تربية الأولاد وتوجيههم فإلى الله المشتكى.
سابعًا: إلحاق الابن بحلقات تحفيظ القرآن الكريم المنتشرة في المساجد.
روى البخاري في صحيحه من حديث عثمان بن عفان ﵁: أن النبي ﷺ قال: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (٢).
ثامنًا: حماية الأبناء من وسائل الإِعلام السيئة، فمن العوامل التي تؤدِّي إلى انحراف الأولاد وتدفعهم إلى ارتكاب الجريمة والسير في مهاوي الرذيلة، ما يشاهدونه في القنوات الفضائية وعلى شاشة التلفاز، من أفلام خليعة، وتمثيليات هابطة، وكذلك أفلام الكرتون السيئة التي تحتوي على كثير من المخالفات الشرعية في العقيدة والسلوك، مع تساهل كثير من الناس بها، وغفلتهم عما تحتويه من الشرور العظيمة.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث معقل بن يسار ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ
стр. 322
يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَاّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (١).
ومن الغش: إدخال هذه الأجهزة التي تفسد عليهم دينهم وأخلاقهم.
تاسعًا: تعليمهم أمور الإِسلام والإِيمان وغرس تعظيم الله في قلوبهم، وحبهم له، وتحبيب النبي ﷺ إليهم وبيان فضله وفضل الاقتداء به، وتعليمهم الآداب الحسنة والأخلاق الكريمة كآداب اللباس، والمسجد، والطعام والشراب وأذكار الصباح والمساء، واحترام الكبير، والأدب مع الزملاء والأصدقاء، وتعويدهم على الكلام الحسن وتجنيبهم الألفاظ القبيحة، والنظافة في البدن والثياب، وغير ذلك من جميل الآداب وكريم الخصال.
عاشرًا: تعويدهم على النوم مبكرًا والاستيقاظ مبكرًا وشغل أوقاتهم بما ينفعهم والإِذن لهم في اللعب المباح في أوقات محددة حتى لا يملوا.
الحادي عشر: أن يكون الأب رفيقًا في تعامله معهم.
روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَاّ زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَاّ شَانَهُ» (٢)، وأَن يعدل بينهم في كل شيء، في كلامه وسلامه، ونفقته، وعطاياه، وغيرها مما يحتاجون إليه حتى لا تقع الغيرة بينهم.
روى مسلم في صحيحه من حديث النعمان بن بشير ﵁: أن النبي ﷺ قال: «اتَّقُوا اللهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» (٣).
стр. 323
الثاني عشر: أن يعلم الأب أن الهداية بيد الله يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله، وإنما عليه هداية الدلالة والإِرشاد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦].
وعليه أن يكثر من الدعاء لهم بالصلاح والهداية، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤].
وليحذر من الدعاء عليهم. روى مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ» (١)(٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 324
الكلمة الرابعة والستون: خطورة الاستهزاء بالدِّين
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فإن من الذنوب العظيمة التي تخرج فاعلها من دائرة الإِسلام وتوجب له الخلود في نار جهنم الاستهزاء بالله أو رسوله أو كتابه أو المؤمنين، وحيث إن الموضوع واسع المجال لمن أراد أن يتكلَّم فيه، رأيت إيجاز القول في العناصر التالية:
١ - تعريف الاستهزاء وذكر أمثلة لذلك.
٢ - حكم الاستهزاء وبيان الأدلة على كفر المستهزئين وأقوال أهل العلم في ذلك.
٣ - حكم توبة المستهزئ وهل تُقبل أم لا؟
٤ - صور من الاستهزاء في وقتنا المعاصر.
أما تعريفه: فإن الاستهزاء لغة: مصدر من قولهم استهزأ يستهزئ، وهو مأخوذ من مادة (هـ - ز - أ) التي تدل على السخرية، أو على مزح في خفية، أو على السخرية واللعب (١). اهـ.
قال بعض أهل العلم: ينقسم الاستهزاء إلى قسمين - الاستهزاء الصريح، كالذي نزلت الآية فيه، وهو قولهم: ما رأينا مثل قُرّائنا هؤلاء،
стр. 325
أرغب بطونًا، أو نحو ذلك من أقوال المستهزئين، وقول بعضهم: دينكم هذا دين خامس. وقول الآخر: دينكم أخرق، وقول الآخر إذا رأى الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر: جاءكم أهل الدِّيك، من باب السخرية بهم، وما أشبه ذلك مما لا يُحصى، إلا بكلفة مما هو أعظم من قول الذين نزلت فيهم الآية (١).
قال الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله -: ومثل هذا ما يقوله بعضهم: إن الإِسلام لا يصلح للقرن العشرين، وإِنَّما يصلح للقرون الوسطى، وإِنَّه تأخر ورجعية، وأَن فيه قسوة ووحشية في عقوبات الحدود والتعازير، وأنه ظلم المرأة حقها حيث أباح الطلاق وتعدد الزوجات، وقولهم: الحكم بالقوانين الوضعية أحسن للناس من الحكم بالإِسلام، ويقولون في الذي يدعو إلى التوحيد وينكر عبادة القبور والأضرحة: هذا متطرِّف، أو يريد أن يفرق جماعة المسلمين، أوهذا وهابي، أو مذهب خامس أو الدين ليس في الشعر استهزاء بإعفاء اللحية، وما أشبه هذه الأقوال التي كلها سب للدين وأهله واستهزاء بالعقيدة الصحيحة (٢). اهـ.
٢ - الاستهزاء غير الصريح، وهو البحر الذي لا ساحل له مثل الغمز بالعين، وإِخراج اللسان، ومد الشفة، والغمز باليد عند تلاوة كتاب الله، أو سنة رسوله ﷺ ، أو عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٣).
أما حكم الاستهزاء فإنه كفر، وهو من نواقض الإِسلام العشرة كما ذكر ذلك أهل العلم، وهو من أعظم صفات المنافقين والأدلة على ذلك كثيرة، قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ
стр. 326
وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٢].
وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥].
وسبب نزول هذه الآية عن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة: دخل حديث بعضهم في بعض، أن رجلاً كان مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، فقال: «مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قُرَّائِنَا هَؤُلَاءِ أَرْغَبَ بُطُونًا، وَلَا أَكْذَبَ أَلْسُنًا، وَلَا أَجْبَنَ عِنْدَ اللِّقَاءِ» وهو يعني بقوله هذا: النبي ﷺ وأصحابه القراء ﵃، فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ، فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله: إنما كنا نخوض ونلعب ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق، قال ابن عمر: فكأني أنظر إليه متعلقًا بنسعة ناقة رسول الله ﷺ وإن الحجارة لتنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فقال له رسول الله ﷺ : «﴿أَبِاللهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥]، مَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَمَا يَزِيْدُ عَلَيْهِ» (١).
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه (٢).
стр. 327
قال الإِمام النووي ﵀: ولو قال وهو يتعاطى قدح الخمر، أو يقدم على الزنا: بسم الله استخفافًا بالله تعالى كفر (١).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتابه «التوحيد»: باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول، وفيه مسائل:
الأولى وهي العظيمة: أن من هزل بهذا كافر (٢).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد ابن عبد الوهاب: أجمع العلماء على كفر من فعل شيئًا من ذلك، فمن استهزأ بالله أو بكتابه أو برسوله أو بدينه كفر، ولو هازلاً، لم يقصد حقيقة الاستهزاء إجماعًا (٣). اهـ.
وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى: «الذي يبغض اللحية ويقول وساخة، هل هو مرتد؟
فأجاب: إن كان يعلم أنه ثابت عن الرسول الله ﷺ ، فهذا استهزاء بما جاء به الرسول ﷺ ، فحريٌّ أن يحكم عليه بذلك» (٤).
وإن من الردة عن دين الله: ما يتلفظ به بعض أبناء المسلمين من كلمات كفرية، يخرجون بها من دين الإِسلام وهم لا يشعرون.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا (٥) يَهْوِي
стр. 328
بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» (١).
أما عن توبة المستهزئ، فقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في كتابه «القول المفيد في شرح كتاب التوحيد»: وقد اختلف أهل العلم فيمن سب الله أو رسوله أو كتابه، هل تقبل توبته أم لا؟ على قولين:
الأول: أنها لا تقبل توبته، بل يقتل كافرًا ولا يُصلى عليه ولا يدعى له بالرحمة، وهو المشهور عند الحنابلة.
الثانية: أنها تُقبل توبته إذا علمنا صدقه وأقر على نفسه بالخطأ، ووصف الله تعالى بما يستحق من صفات التعظيم (٢).
ومن صور الاستهزاء التي نرى ونسمع وللأسف في هذه الأيام، هذه المقالات السيئة والرسوم الساخرة، التي تكتب في الجرائد والمجلات والكتب، ويزعمون أنها للتسلية وفيها الكفر والردة عن الدِّين.
أحدهم رسم ديكًا تتبعه أربع دجاجات يقصد السخرية من تعدد الزوجات، وآخر كتب مقالاً تهجم فيه على الحجاب، وزعم أنه تخلف ورجعية، وآخر سوَّل له الشيطان سوء عمله فجعل القرآن شعرًا يتغنى به على أنغام الموسيقى. نسأل الله السلامة والعافية.
وينبغي أن يعلم أنه يجب الإِنكار على هؤلاء المستهزئين وتنبيههم على عظيم جرمهم وخطورته، فإن لم يستجيبوا فلا يجوز الجلوس معهم في مجلس واحد، قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ وَالكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠].
стр. 329
سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ عن الصحف والمجلات والكتب التي تنشر المقالات الإلحادية والصور الخليعة وتشيد بالكفار والفجار وأهل الفن، وهل يجوز شرائها أو بيعها أو الترويج لها؟ فأجاب: الصحف التي هذا شأنها يجب أن تقاطع وأن لا تشترى ويجب على الدولة إذا كانت إسلامية أن تمنعها لأن هذه تضر المجتمع وتضر المسلمين فالواجب على المسلم أن لا يشتريها وأن لا يروجها وأن يدعو إلى تركها، وعلى المسؤولين الذين يستطيعون منعها أن يمنعوها (١). أ. هـ.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 330
الكلمة الخامسة والستون: وقفة مع حديث شريف
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
روى الحاكم في المستدرك من حديث سهل بن سعد ﵁ قال: جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : «فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحْبِبْ مَنْ أَحبَبْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجزِيٌّ بِهِ. ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَعِزُّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ» (١).
هذا الحديث الشريف اشتمل على وصايا عظيمة وجمل نافعة، من هذا الملك الكريم جبريلَ ﵇، ينبغي أن نقف عندها وقفة تأمُّل وتدبُّر.
فقوله: عش ما شئت: أي مهما طال عمرك في هذه الحياة فإن الموت نهاية كل حي ومصيره، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَاّ مَتَاعُ الغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ
стр. 331
تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣٠ - ٣١].
قال كعب بن زهير:
كُلُّ ابن أُنثىَ وإن طالَت سَلامتُهُ ... يَومًا على آلةٍ حَدباءَ مَحمُولُ
وقال آخر:
المَوتُ بابٌ وكُلُّ النَّاسِ داخِلُهُ ... فَلَيتَ شِعرِي بَعدَ المَوتِ مَا الدَّارُ
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى ﵇، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ (١)، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ. قَالَ: أَيْ رَبِّ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ، قَالَ: فَالآنَ (٢). فَسَأَلَ اللهَ أَن يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ»، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ».
ومن فوائد قوله: «عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ»: أن يعلم المؤمن أن الموت قد يأتيه بغتة وهو في غفلة عنه، قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١٠ - ١١].
فينبغي للمؤمن أن يكون على استعداد للقاء ربه ولا يغتر بالحياة الدنيا. قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥].
стр. 332
وقال تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥].
وقوله: «وَأَحْبِبْ مَنْ أَحبَبْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ» أي أحبب من شئت من زوجة، وأولاد، ومال ومنصب، وجاه، وغيرها، من متاع الدُّنيا فإنّك عما قريب ستفارقها.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ، يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ» (١).
ومن فوائد الجملة السابقة: الاستعداد لفراق الأحبة، حتى إذا وقع يكون المؤمن قد تأهب لذلك فيخف وقعه عليه.
ومنها: أن يهتم المؤمن للرفيق الذي لا يفارقه في الدنيا والآخرة، وهو عمله الصالح.
قوله: «وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجزِيٌّ بِهِ». قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].
وقال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣].
وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
وقد ذكّر الله بذلك فأعظم الذكر، فانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا
стр. 333
يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١].
قوله: «وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ» فيه إشارة إلى تعويض المؤمن عما يفوته من شرف الدنيا المنهي عن الحرص عليه، فيرتفع ذكره ويشرف قدره بقيام الليل، قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧].
وقال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨].
روى الترمذي في سننه من حديث أبي أمامة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «عَلَيْكُم بِقِيَامِ الْلَّيْلِ، فَإِنَّهُ دَابُ الصَّالِحِيْنَ قَبْلَكُم، وَقُرْبَةٌ إِلَى رَبِّكُم، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ عَنِ الإِثْمِ» (١).
وقوله: «وَعِزُّهُ استِغنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ»، العزة مطلب لكل نفس أبية، وإن من أعظم أسباب نيل العزة: التعلق بمن العزة بيده سبحانه، وترك التعلق بمن دونه ممن لا يزيد التعلق بهم إلَاّ ذلاًّ وهوانًا.
قال تعالى: ﴿وَللهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨].
وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَللهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠].
وقال تعالى: ﴿بَشِّرِ المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ للهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٨ - ١٣٩].
стр. 334
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده، فقال: «مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» (١).
وروى الطبراني في معجمه الكبير من حديث ابن عباس ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «اسْتَغْنُوْا عَنِ النَّاسِ وَلَو بِشَوْصِ السِّوَاكِ» (٢).
قال الشاعر:
لا تَسأَلَنَّ بُنَيَّ آدمَ حَاجَةً ... وَسَلِ الَّذِي أَبوَابُهُ لَا تُحْجَبُ
اللهُ يَغْضَبُ إِن تَرَكْتَ سُؤَالَهُ ... وَبُنَيَّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغضَبُ
وقال عمر ﵁: إِنَّ الطَّمَعَ فَقْرٌ، وَإِنَّ الْيَاسَ غِنَى، إِنَّهُ مَنْ يَيْأَسْ عَمَّا فِيْ أَيْدِي النَّاسِ اسْتَغْنَى عَنْهُمْ (٣).
وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ يَبُلُّ الْخُبْزَ الْيَابِسَ بِالْمَاءِ وَيَاكُلُ، وَيَقُوْلُ: مَنْ قَنِعَ بِهَذَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَحَدٍ (٤).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 335
الكلمة السادسة والستون: زكاة الفطر
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فمن العبادات التي أوجبها الله على المسلمين في هذا الشهر المبارك زكاة الفطر وقد شرعها الله للصائمين تطهيرًا للنفس من أدران الشح، وتطهيرًا للصائم مما قد يؤثر فيه، وينقص ثوابه من اللغو والرفث، ومواساة للفقراء والمساكين، وإظهارًا لشكر نعمة الله تعالى على العبد بإتمام صيام شهر رمضان وقيامه، وفعل ما تيسر من الأعمال الصالحة فيه.
روى أبو داود في سننه من حديث ابن عباس ﵄ قال: فَرَضَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلمَسَاكِيْنِ (١). وتجب زكاة الفطر على كل مسلم ذكرًا كان أو أنثى حرًا كان أو عبدًا، إذا ملك المسلم صاعًا زائدًا عن حاجته وأهل بيته في يوم العيد وليلته.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر ﵄ قال: فَرَضَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ «زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى الْعَبْدِ، وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ، وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ
стр. 336
بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ» (١). وإن أخرجها عن الحمل تطوعًا فلا بأس بذلك.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ» (٢)، وفي رواية عنه: «وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالأَقِطُ وَالتَّمْرُ» (٣).
وينبغي للمسلم أن يخرج أطيب هذه الأصناف وأنفعها للفقراء والمساكين فلا يخرج الرديء.
قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٢].
وذهب بعض أهل العلم أمثال شيخ الإِسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله إلى أنه يجزئ عن المسلم أن يخرج زكاة الفطر من غير الأصناف المذكورة في حديث أبي سعيد الخدري، ما دامت هذه الأصناف من جنس ما يقتات به أهل البلد مثل الأرز وغيره (٤).
والمراد بالصاع الوارد في زكاة الفطر أربعة أمداد، والمدُّ، أي: ملء كفي الرجل المتوسط اليدين من البُرِّ الجيد ونحوه، وهو ما يساوي ثلاثة كيلو تقريبًا (٥).
стр. 337
ولإِخراج زكاة الفطر وقتان:
الأول: وقت يبدأ من غروب الشمس ليلة العيد، وأفضله ما بين صلاة الفجر وصلاة العيد.
فعن ابن عمر ﵄ قال: فَرَضَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ .... الحديث وفيه قَالَ: وَأَمَرَ بِهَا أَن تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوْجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاة (١).
الثاني: وقت إجزاء، وهو قبل العيد بيوم أو بيومين، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُعْطِيهَا الَّذِيْنَ يَقْبَلُوْنَهَا، وَكَانُوْا يُعْطُوْن قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَو يَوْمَيْنِ (٢).
عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» (٣).
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: إن أخَّرها بعد صلاة العيد فهي قضاء، ولا تسقط بخروج الوقت، وهو يأثم بذلك (٤).
وتعطى هذه الزكاة للفقراء والمساكين، ففي حديث ابن عباس ﵄: «طُعمَةً لِلمَسَاكِينِ»، ويجوز أن يعطي الجماعة أو أهل بيت زكاتهم لمسكين واحد، وأن تقسم صدقة الواحد على أكثر من مسكين للحاجة لذلك.
ولا يجوز إخراج زكاة الفطر نقودًا، لنص النبي ﷺ على أنواع
стр. 338
الأطعمة مع وجود قيمتها، فلو كانت القيمة مجزئة لبين ذلك النبي ﷺ ، فإنَّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا يعلم أن أحدًا من أصحاب النبي ﷺ أخرج زكاة الفطر نقودًا مع إمكان ذلك في زمانهم، وأيضًا إخراج القيمة يؤدِّي إلى خفاء هذه الشعيرة العظيمة وجهل الناس بأحكامها.
والأصل أن الشخص يدفع زكاة فطره لفقراء البلد الذي يدركه عيد الفطر وهو فيه، ويجوز نقلها إلى بلد آخر فيه فقراء أشد من البلد الذي فيه المزكي، وهذا ما تفتي به اللجنة الدائمة (١).
أما كون الشخص يوكل أهله أن يخرجوا الزكاة في بلدهم وهو في بلد آخر فليس من هذا الباب، وهو جائز.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 339
الكلمة السابعة والستون: سورة العصر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وأَشهد أن لا إِله إلا الله وحده لا شريك له، وأَشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
قال تعالى: ﴿وَالعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَاّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ * إِلَاّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣].
أقسم سبحانه بالعصر وهو الزمن كله، ولله أن يقسم بما يشاء من خلقه، أما العباد فليس لهم أن يقسموا إلا بالله تعالى. وإقسامه بالعصر لما يجري فيه من الحوادث والمتغيرات، ولأنه مستودع أعمال العباد خيرها وشرها، وأَقسم ليؤكد للعباد بأن كل إنسان في خيبة وخسارة مهما كثر ماله وولده. وعظم قدره وشرفه إلا من جمع هذه الأوصاف الأربعة.
أولًا: الإِيمان وهو قول باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح.
ثانيًا: العمل الصالح: وهو كل قول أو فعل يقرب إلى الله بأن يكون فاعله لله مخلصًا ولمحمد ﷺ متبعًا، وعطف العمل الصالح على الإِيمان وإن كان داخلاً فيه من أجل الاهتمام به، والتأكيد على أن تصديق القلب لا ينفع بدون عمل.
ثالثًا: التواصي بالحق، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
стр. 340
والدعوة إلى الله على بصيرة وحكمة، وتعليم الجاهل، وتذكير الغافل فلا يكفي أن الإِنسان يقتصر على إصلاح نفسه، بل لابد أن يعمل على إصلاح غيره، وهذا يدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يعد تدخلًا في أمور الناس كما يزعم بعض السفهاء، بل إن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر يريدون الخير والنجاة للناس، وإنقاذهم من عذاب الله، وبهذه الخصلة ثبتت لهذه الأمة الخيرية التي فضلت بها على الأمم. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
رابعًا: التواصي بالصبر، لما كان الداعي إلى الله تعالى، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لابد أن يلحقه أذى الناس، أمر تعالى بالصبر على أذاهم، وتحمل ما يناله من الأذى؛ وفي وصية لقمان لابنه قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَامُرْ بِالمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧].
وقال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ... [آل عمران: ١٨٦].
قال الشافعي ﵀: (لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم) (١).
وهذه السورة مع وجازة ألفاظها فقد جمعت أسباب السعادة كلها، فكفى بها حجة على الخلق، وقد اشتملت على فوائد كثيرة أذكر منها:
أولاً: إقسام الله تعالى بشيء يدل على عظمته وأهميته، ففي هذا
стр. 341
القسم ينبه جل وعلا الخلق إلى قيمة الوقت وما ينبغي عليهم من الاعتناء به والحرص عليه، وقد أقسم سبحانه بإجزاء الوقت في مواضع أخرى، فقال: ﴿وَالفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٢].
وقال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: ١ - ٢].
وقال تعالى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ١ - ٢].
وهو مع ذلك من أفضل نعم الله على عباده.
روى البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» (١).
ثانيًا: القسم من الله تعالى يدل على عظمة المقسم عليه وهو هذه الخصال الأربع التي لا ينال الفوز والفلاح إلا بها.
ثالثًا: فضل الإِيمان ومنزلته العظيمة، حيث بدأ به وجعله أول واجب على الخلق.
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَ لَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» (٢).
رابعًا: أن الإِيمان بالقلب لا يكفي؛ بل لابد من العمل الصالح، وفيه رد على من يقول: إن الإِيمان بالقلب، وهو مع ذلك تارك للفرائض ومرتكب للمحرمات، معتد على حدود الله تعالى.
خامسًا: أَن العمل لا يقبل إلا أن يكون صالحًا ولا يكون صالحًا حتى يكون صاحبه مخلصًا لله فيه، وموافقًا لهدي النبي ﷺ .
стр. 342
سادسًا: أن التواصي يكون بالحق لا بغيره، والحق هنا هو الإِيمان بالله تعالى، والعمل الصالح، ومجانبة ما يناقضهما.
سابعًا: دل الاستثناء على أن أهل هذه الصفات هم قليل، وقد قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَاّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤].
ثامنًا: فضل الصبر، حيث جعله سبحانه أحد الخصال التي لا ينال الفوز إلا بها، وفي هذا الحث على الدعوة إلى الله تعالى مهما لحق الدَّاعي من المشقة والأذى، عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 343
الكلمة الثامنة والستون: الطلاق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وأَشهد أن لا إِله إلا الله وحده لا شريك له، وأَشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فمن الظواهر الاجتماعية السيئة التي انتشرت بين الناس في هذه الأيام كثرة حالات الطلاق، ففي إحصائية لمعدل حالات الطلاق في مدينة الرياض فقط وصل العدد إلى اثنين وثلاثين وأربعمئة حالة شهريًا، وهذا رقم مرتفع جدًّا يدل على خطورة الأمر، إِن لم يتدارك.
ولذلك وجب على العلماء والدعاة وطلبة العلم تحذير الناس من هذا الأمر، وبيان خطورته، لما يترتب عليه من مفاسد من تشتت الأسر، وضياع الأولاد، وتقطع وشائج الأصدقاء والأرحام وغير ذلك، وقد رغّب الشارع في الإِبقاء على الحياة الزوجية، ونهى عن كل ما يعرضها للزوال، فأَمر بالمعاشرة بالمعروف، ولو مع الكراهة، قال تعالى: ... ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرً﴾ [النساء: ١٩].
وأمر النبي ﷺ بالصبر على النساء، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِن ضِلَعٍ أَعْوَجَ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ
стр. 344
أَعْلَاهُ، فَإِن ذَهَبْتَ تُقِيْمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَم يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» (١).
وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيْءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ يَجِيْءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ» قَالَ الأَعْمَشُ: أُرَاهُ قَالَ: «فَيَلْتَزِمُهُ» (٢).
ودور المرأة في حدوث حالات الطلاق أكبر من الرجل، فهي تتحمل ما نسبته ٦٥ % من حالات الطلاق تقريبًا، وذلك لعدم الصبر والتحمل والاحتساب عند غالبيتهن، فيقارن أنفسهن بمن هن أحسن منهن حالاً في المعيشة، فيدعوهن ذلك إلى التمرد على أزواجهن، سواء باختيارهن أو بتحريض من الآخرين كالفضائيات، أو بعض وسائل الإِعلام المختلفة، ولجوء هذه الوسائل إلى إفهام الزوجة بين الفينة والأخرى إلى أن الزوج متسلط وظالم، وقد سلبها حقوقها وحريتها، ولم يجعلها تواكب العصر، ومطالبتهم لمن هذه حالها بالتمرد على زوجها ومجتمعها، ودينها، بأساليب خبيثة، فتبدأ بعدم الاستجابة لمطالبه التي أوجبها الله عليها، وتضجره وتشغله بالمشاكل حتى يضيق بها ذرعًا، ويلجأ إلى التخلص من هذه المشاكل بالطلاق.
أما الأسباب الأخرى التي عرفتها بعد السؤال والتحرِّي فهي كالآتي:
أولاً: أن بعض حالات الطلاق في السنة الأولى من الزواج
стр. 345
لعدم المعرفة بين الزوجين من قبل، وذلك لعدم الرؤية الشرعية، أو لإِخفاء العمر أو إخفاء بعض العيوب، أو التسرع في اتخاذ قرار الطلاق وعدم التروي فيه، أو لعدم سؤال أحدهما عن الآخر، فعندما تتكشف الأمور يلجأ أحدهما إلى الانفصال، ولذلك شرع التحري لكل من الزوجين والسؤال عن خلقه ودينه.
ثانيًا: أن يُصاب الزوجان أو أحدهما بالسحر أو بالعين فيصير أحدهما لا يحتمل الآخر ولا يطيق النظر إليه، وفي هذه الحالة ينبغي أن يلجأ كل منهما إلى الله تعالى بإخلاص الدعاء، والمحافظة على الرقى الشرعية والأدعية النبوية.
ثالثًا: أن بعض الشباب المتزوجين في مقتبل العمر، لا يحسون بالمسؤولية لأنهم لم يتحملوا تكاليف الزواج، ولذلك يتسرعون في اتخاذ قرار الطلاق، ولذلك ينبغي على ولي المرأة أن يتحرى عن حال الخاطب قبل الزواج.
رابعًا: تخلي بعض الأزواج عن مسؤولية أولادهم، ورمي الحمل على الزوجات، أو الغياب المتكرر عن المنزل، أو السهر إلى أوقات متأخرة من الليل، أو الانحراف، أو عدم الإِنفاق أو الاضطهاد، فتضطر الزوجة إلى طلب الطلاق أو العكس عندما يكون ذلك من الزوجة.
خامسًا: تدخلات الوالدين أو الأقارب في مشاكل الزوجين، فيفسدون حياتهما بحسن أو بسوء نية.
سادسًا: تحميل الزوجة لزوجها فوق طاقته، وعدم قناعتها بالنفقة والسكن، أو مطالبته بالتغاضي عن مخالفتها، كالخروج من بيته بدون إذنه، أو عدم القيام بواجباتها الشرعية نحوه.
стр. 346
سابعًا: اضطرار بعض المتزوجين بأكثر من زوجة إلى الطلاق لطلب الزوجة الأولى أو أهلها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فبعض وسائل الإِعلام تُحرِّض الزوجة على ترك بيتها عندما يلجأ زوجها إلى التعدد، وتعتبر أن ذلك خيانة زوجية وظلم لها ولأولادها حتى لو كان الزوج عادلًا.
ثامنًا: استيلاء بعض الأزواج على رواتب زوجاتهم العاملات، فيؤدِّي ذلك إلى إثارة المشاكل، وبالتالي إلى الطلاق، وهذا لا يجوز.
عن أبي حرة الرقاشي عن عمه ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَاّ بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» (١).
ومما ينبغي التنبيه عليه أن الزوج إذا اضطر إلى الطلاق، فعليه أن يراعي الأمور التالية:
أولاً: أن يستخير الله تعالى، ويستشير الصالحين الناصحين من أقاربه وإخوانه، ولا يقدم على الطلاق إلَا لأسباب واضحة توجب ذلك.
ثانيًا: أن يكون الطلاق في حال طهر لم يجامعها فيه أو حاملاً.
ثالثًا: عليه ألا يزيد في الطلاق على واحدة اتباعًا للسنة.
رابعًا: ألا تخرج المرأة من بيتها، ولا يخرجها زوجها ما دامت في العدة.
فربما كان ذلك سببًا في صلاح حالهما، ومراجعة أحدهما للآخر
стр. 347
كما أشار إلى ذلك بقوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١].
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 348
الكلمة التاسعة والستون: لذة العبادة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وأَشهد أن لا إِله إلا الله وحده لا شريك له، وأَشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فإن من منح الله لعباده، منحة التلذذ بالعبادة، وأعني بها ما يجده المسلم من راحة النفس وسعادة القلب، وانشراح الصدر عند القيام بعبادة من العبادات، وهذه اللذة تتفاوت من شخص لآخر حسب قوة الإِيمان وضعفه.
قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
ويجدر بالمسلم أن يسعى جاهدًا إلى تحصيل لذة العبادة، فالنبي ﷺ كان يقول لبلال: «قُمْ فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ» (١) لما يجده فيها من اللذة والسعادة القلبية، وإطالته ﷺ لصلاة الليل دليل على ما يجده في الصلاة من الأنس والسرور بمناجاة ربه، وتصديق ذلك في كتاب الله، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَاّ عَلَى الخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].
وبكى معاذ بن جبل عند موته فقيل له في ذلك قال: إنما أبكي على ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر.
стр. 349
ويقول ابن تيمية ﵀: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة (١).
ويقول أحد السلف: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله تعالى ومعرفته وذكره أو نحو هذا (٢).
وبيَّن النبي ﷺ أن للطاعة حلاوة يجدها المؤمن.
روى البخاري ومسلم من حديث أنس ﵁، أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَاّ لِلهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (٣).
وفي رواية: «مَن كَانَ أَن يُلقَى فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» (٤).
وإن لتحصيل لذة العبادة أسبابًا منها:
أولاً: مجاهدة النفس على طاعة الله تعالى حتى تألفها وتعتادها، وقد تنفر النفس في بداية طريق المجاهدة، ولكن إذا شمر صاحبها عن ساعد الجد، وكانت عنده تلك الإِرادة والعزيمة القوية، فسينالها بإذن الله، فالأمر يتطلب مصابرة وقوة تحمل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
стр. 350
وقال تعالى: ﴿وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢].
عن فضالة بن عبيد الله ﵁: أن النبي ﷺ قال: «المُجَاهِدُ مَن جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي اللهِ» (١).
قال أحد السلف: «ما زلت أسوق نفسي إلى الله وهي تبكي حتى سقتها وهي تضحك».
وقال ابن رجب: (واعلم أن نفسك بمنزلة دابتك، إن عرفت منك الجد جدت، وإن عرفت منك الكسل طمعت فيك وطلبت منك حظوظها وشهواتها) (٢).
قال الشاعر:
لأستسهلن الصعب أو أُدرك المنى ... فما انقادت الآمال إلا لصابر
ثانيًا: البعد عن الذنوب صغيرها وكبيرها، فإن المعاصي حجاب تمنع من الشعور بلذة العبادة لما يورثه من قسوة وغلظة وجفاء، قال بعض السلف: (ما ضرب الله عبدًا بعقوبة أعظم من قسوة القلب).
قال ابن القيم ﵀: (وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة، وأمرُّ العيش عيش المستوحشين الخائفين، وأطيب العيش عيش المستأنسين، فلو نظر العاقل ووازن لذة المعصية، وما توقعه من الخوف والوحشة، لعلم سوء حاله وعظيم غبنه، إذا باع أنس الطاعة وأمنها وحلاوتها بوحشة المعصية وما توجبه من الخوف والضرر
стр. 351
الداعي له) (١). اهـ.
وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: (إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحًا في صدرك فاتهمه، فإن الرب تعالى شكور، يعني أنه لابد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه، وقوة وانشراح صدر وقرة عين، فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول) (٢).
قال سفيان الثوري: (حرمت قيام الليل بسبب ذنب أذنبته) (٣).
وسئل وهيب بن الورد فقيل له: (متى يفقد العبد لذة العبادة؟ إذا وقع في المعصية، أو إذا فرغ منها؟ قال: يفقد لذة العبادة إذا هم بالمعصية).
ثالثًا: ترك فضول الطعام والشراب والكلام والنظر، فيكفي المسلم أن يقتصر في طعامه وشرابه على ما يعينه على أداء عبادته وعمله، فلا يسرف في الأكل قال تعالى: ... ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].
عن المقدام بن معدي كرب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» (٤).
قال أحد السلف: راحة القلب في قلة الآثام، وراحة البطن في قلة الطعام، وراحة اللسان في قلة الكلام.
стр. 352
وأختم بكلام ابن القيم ﵀ قال: (ولا تظن أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤] مختص بيوم المعاد فقط، بل هؤلاء في نعيم في دورهم الثلاثة، وهؤلاء في جحيم في دورهم الثلاثة، وأي لذة ونعيم في الدنيا أطيب من بر القلب وسلامة الصدر، ومعرفة الرب تعالى ومحبته، والعمل على موافقته وهل العيش في الحقيقة إلا عيش القلب السليم، وقد أثنى على خليله إبراهيم ﵇ بسلامة قلبه، فقال: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣ - ٨٤].
وقال حاكيًا عنه: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩].
والقلب السليم هو الذي سلم من الشرك والغل والحقد والحسد والشح والكبر وحب الدنيا والرياسة، فسلم من كل آفة تبعده عن الله، وسلم من كل شبهة تعارض خبره، ومن كل شهوة تعارض أمره، وسلم من كل إرادة تزاحم مراده، وسلم من كل قاطع يقطع عن الله، فهذا القلب السليم في جنة معجلة في الدنيا، وفي جنة في البرزخ وفي جنة يوم المعاد (١).
رابعًا: أن يستحضر العبد أن هذه العبادة التي يقوم بها من صلاة أو صيام أو حج أو صدقة إنما هي طاعة لله وابتغاء مرضاته، وأن هذه العبادة يحبها الله ويرضى عنه بها وهي التي تقربه من ربه سبحانه.
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ
стр. 353
حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (١).
خامسًا: أن يستحضر العبد أن هذه العبادات لا تضيع ولا تفنى كما تفنى كنوز الدنيا وأموالها ومناصبها ولذاتها بل يجدها العبد أحوج ما يكون إليها، بل إنه ليجد ثمراتها في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة مما هو أجل وأعظم؛ فمن استحضر ذلك لم يبالِ بما فاته من الدنيا وسُرَّ بهذه العبادات ووجد حلاوتها ولذتها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]. روى مسلم في صحيحه من حديث العباس بن عبد المطلب: أن النبي ﷺ قال: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا وَبِالإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً» (٢) وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللهِ! هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ» (٣) الحديث.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 354
الكلمة السبعون: أسباب الثبات على الدين
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فإن حاجة المسلم اليوم لأسباب الثبات على الدين والتمسك به عظيمة جدًّا، لانتشار الفتن، وقلة الناصر، وغربة الدِّين، ومن تلك الأسباب:
أولاً: الإِقبال على القرآن العظيم حفظًا وتلاوة وعملاً، فهو حبل الله المتين، وصراطه المستقيم، من تمسك به عصمه الله، ومن أعرض عنه ضل وغوى، أخبر تعالى أن الغاية التي من أجلها أنزل هذا القرآن مفرقًا هي التثبيت، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ [الفرقان: ٣٢].
ثانيًا: الإِيمان بالله والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
قال قتادة: أما الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح، وفي الآخرة في القبر.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ... [النساء: ٦٦].
стр. 355
وكان النبي ﷺ يداوم على الأعمال الصالحة، وَكَانَ أَحَبُّ العَمَلِ إِلَيْهِ أَدْوَمَهُ وَإِنْ قَلَّ. وكان أصحابه إذا عملوا عملاً أثبتوه.
ثالثًا: تدبر قصص الأنبياء ودراستها للتأسي والعمل، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠].
فالآيات تنزل لتثبت فؤاد النبي ﷺ وأفئدة المؤمنين معه مثل قصة إبراهيم، وموسى، ومؤمن آل فرعون وغيرها.
رابعًا: الدعاء، فإن من صفات عباد الله المؤمنين أنهم يتوجهون إلى الله بالدُّعاء أن يثبتهم كما علمنا سبحانه أن نقول: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]. و «قُلُوبُ بَنِي آدَمَ كُلُّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ» (١).
كما أخبر بذلك النبي ﷺ عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يكثر أن يقول: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ وَطَاعَتِكَ» (٢).
خامسًا: ذكر الله، وهو من أعظم أسباب التثبيت، وتأمل في هذا الاقتران في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]، فجعله من أعظم ما يعين على الثبات في الجهاد.
سادسًا: الدعوة إلى الله ، وهي وظيفة الرسل وأتباعهم.
قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي