← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

ألَّا يُقر فيها الكفرة من اليهود، والنصارى، والبوذيين، والشيوعيين، والوثنيين، وجميع من يحكم الإسلام بأنه كافر لا يجوز بقاؤه ولا إقراره في هذه الجزيرة، ولا استقدامه إليها إلَّا عند الضرورة القصوى التي يراها ولي الأمر، كالضرورة لأمر عارض ثم يرجع إلى بلده ممن تدعو الضرورة إلى مجيئه أو الحاجة الشديدة إلى هذه المملكة وشبهها كاليمن ودول الخليج، أما استقدامهم ليقيموا فيها فلا يجوز، بل يجب أن يُكتفى بالمسلمين في كل مكان، وأن تكون المادة التي تُصرف لهؤلاء الكفار تُصرف للمسلمين، وأن يُنتقى من المسلمين من يُعرف بالاستقامة والقوة على القيام بالأعمال حسب الطاقة والإمكان، وأن يُختار أيضًا من المسلمين من هم أبعد عن البدع والمعاصي الظاهرة، وألا يُستخدم إلا من هو طيب ينفع البلاد ولا يضرها، هذا هو الواجب، لكن من ابتلي باستقدام أحد من هؤلاء الكفرة كالنصارى وغيرهم، فإن عليه أن يبادر بالتخلص منهم وردهم إلى بلادهم بأسرع وقت» (١). ٦ - أنه لا يجوز إقرار ساكن بها وهو على الكفر: فإن وجد بها كفار فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف؛ ولذلك لا تثبت الجزية في رقابهم مع الإقامة بها. ٧ - بما أن جزيرة العرب دار إسلام أبدًا، فهي جميعًا

стр. 2907

أرض عشر، لا تكون خراجية أبدًا؛ لأن الخراج بمنزلة الجزية، فكما لا تثبت في رقابهم مع الإقامة بها، لا تثبت في أرض تملكوها ظلمًا بها، لكنه الإسلام، أو السيف، أو الجلاء. رابعًا: من خصائصها: أن الإسلام حين يضطهد في دياره خارجها فإنه ينحاز إلى هذه الجزيرة، ويأوي إليها فيجد كرم الوفادة بعد الغربة وطول المحنة، روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِنّ الإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا» (١). تنبيه: ما ورد في فضائل مكة أو المدينة وهما من جزيرة العرب، فقد أفردت لكلٍّ منهما كلمة خاصة (٢) (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2908

الكلمة الواحدة والعشرون الهدية الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فقد وردت النصوص الكثيرة التي تبين فضل الهدية وفوائدها: قال ابن قدامة ﵀: «الهبة والصدقة والهدية والعطية معانيها متقاربة، وكلها تمليك في الحياة بغير عوض، واسم العطية شامل لجميعها، وكذلك الهبة. والصدقة والهدية متغايران، فإن النبي ﷺ كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة» (١). والهدية مستحبة عند أهل العلم (٢)، وقد ورد ذكر الهدية في القرآن الكريم، قال تعالى عن ملكة سبأ بلقيس في قصة سليمان: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾ [النمل: ٣٥]. وقد امتنع سليمان عن قبولها؛ لأنه شعر أن ملكة سبأ بعثت بهديتها

стр. 2909

إغراء له لكي ينصرف عنها وعن قومها. روى البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها" (١). ومعنى يثيب عليها: أي يجازي المهدي بهدية أخرى. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ، أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ؟ فَإِنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ، قَالَ لِأَصْحَابِهِ: «كُلُوا» وَلَمْ يَأكُلْ، وَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ، ضَرَبَ بِيَدِهِ ﷺ ، فَأَكَلَ مَعَهُمْ (٢). وروى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَحْمٍ، فَقِيلَ: تُصُدِّقَ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ» (٣). وكان الأنصار يهدون رسول الله ﷺ ، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂ أنها قالت لعروة ابن أختها: إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ نَارٌ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فقُلْتُ: يَا خَالَةُ، وَمَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتْ: الأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالمَاءُ، إِلَّا أَنَّه قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ،

стр. 2910

وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَلبَانِهَا، فَيَسْقِينَا (١). وحث النبي ﷺ أمته على الهدية لما فيها من إفشاء المحبة وتوثيق أواصر الود بين المسلمين، وذهاب ما في النفوس من العداوة والبغضاء، فروى البخاري في الأدب المفرد من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» (٢). بل إنه ﵊ حث على الهدية ولو كانت شيئًا يسيرًا جدًّا لما فيها من إدخال السرور على المسلم، فروى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ (٣) شَاةٍ» (٤). وكان النبي ﷺ يقبل قليل الهدية وكثيرها، فروى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ (٥) لَأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ» (٦). قال ابن حجر ﵀: «وخص الذراع والكراع بالذكر

стр. 2911

ليجمع بين الحقير والخطير؛ لأن الذراع كانت أحب إليه من غيرها، والكراع لا قيمة له» (١). وقد ورد النهي عن رد الهدية إلا إذا كان هناك سبب يدعو إلى ذلك، فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَجِيبُوا الدَّاعِيَ، وَلَا تَرُدُّوا الْهَدِيَّةَ، وَلَا تَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ» (٢). وروى البخاري ومسلم من حديث الصعب بن جثامة ﵁ أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارًا وحشيًا وهو بالأبواء أو بودان، فردَّه عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: «أَمَا إِنَّهُ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» (٣). قال ابن حجر ﵀: «وفيه أنه لا يجوز قبول ما لا يحل من الهدية» (٤). وروى أبو داود في سننه من حديث عائشة ﵂ قالت: قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ حِلْيَةٌ مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ أَهْدَاهَا لَهُ، فِيهَا خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ فَصٌّ حَبَشِيٌّ، قَالَتْ: فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِعُودٍ مُعْرِضًا عَنْهُ أَوْ بِبَعْضِ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ دَعَا أُمَامَةَ ابْنَةَ أَبِي

стр. 2912

الْعَاصِ ابْنَةَ ابْنَتِهِ زَينَبَ، فَقَالَ: «تَحَلِّيْ بِهَذَا يَا بُنَيَّةُ» (١). ويُهدى للأقرب من القرابة أو النسب، أو المكان، روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس ﵄ أن ميمونة زوج النبي ﷺ أعتقت وليدة لها، فقال لها: «وَلَوْ وَصَلْتِ بَعْضَ أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ» (٢). وروى البخاري في صحيحه من حديث طلحة بن عبد الله رجل من بني تميم بن مرة عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يَا رَسُولَ الله! إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: «إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا» (٣). وهناك هدايا لا ترد، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ (٤). وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ فَلَا يَرُدُّهُ، فَإِنَّهُ خَفِيفُ الْمَحْمِلِ، طَيِّبُ الرِّيحِ» (٥).

стр. 2913

بعض الأحكام المتعلقة بالهدية: ١ - لا يجوز الرجوع في الهدية: فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ، كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ» (١). وروى البخاري ومسلم من حديث عمر بن الخطاب ﵁ يقول: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ، وَظَنَنتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ النَّبيَّ ﷺ ، فَقَالَ: «لَا تَشْتَرِهِ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» (٢). وقد استثنى بعض الفقهاء من ذلك رجوع الوالد عن هبته، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، إلا أن يتعلق به حق الغير (٣)، واستدلوا بقوله ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُعْطِي عَطِيَّةً، ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ» (٤). ٢ - هل تقبل الهدية من النساء؟ كان النبي ﷺ يقبل الهدية

стр. 2914

من النساء، ففي الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ قال: أَهْدَتْ أَمُّ حُفَيْدٍ خَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَقِطًا وَسَمْنًا وَأَضُبًّا، فَأَكَلَ النَّبِيُّ مِنَ الأَقِطِ والسَّمْنِ وَتَرَكَ الضَّبَّ تَقَذُّرًا (١). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن بسر ﵁ قال: «كانت أختي تبعثني إلى رسول الله ﷺ بالهدية فيقبلها» (٢). لكن محل هذا الجواز إذا أمنت الفتنة. ٣ - أن المرأة إذا أهدت إلى زوجها شيئًا من الصداق فلا حرج على الزوج في قبوله والأكل منه: قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]. ٤ - إن كانت الهدية بمثابة الرشوة لإبطال الحق، وإثبات الباطل: فلا تقبل، كالهدية للقضاه والشرط، ومن عينهم الولاة من العمال والموظفين وغيرهم؛ ليعطوا صاحبها حقًّا ليس له، أو يسقطوا حقًّا لزمه. روى البخاري ومسلم من حديث أبي حميد الساعدي ﵁ قال: اسْتَعْمَلَ النَّبيُّ ﷺ رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ، يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، قَالَ: «فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟ وَالَّذِي

стр. 2915

نَفْسِي بِيَدِهِ! لَا يَأخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا، إِلَّاجَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعِرُ»، ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ، «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ .. ثَلاثًا» (١). ٥ - يجوز الإهداء لغير المسلم تأليفًا لقلبه وترغيبًا له في الإسلام: ويدل على ذلك عمومات الأحاديث في الهدية، روى البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها» (٢) يعني: يرد بمثلها أو أحسن منها. وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عمر بن الخطاب ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَاءَتْهُ حُلَلٌ، فَأَعْطَى عُمَرَ مِنْهَا حُلَّةً، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ كَسَوْتَنِيهَا، وَقَدْ قُلْتَ فيِ حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا»، فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ (٣). لكن يحرم إهداء الكافر بمناسبة عيده الديني، نص على ذلك أهل العلم لأن فيه موافقة وإقرارًا وإعانة لما هم فيه من الضلال. وقال الحجاوي: ويحرم شهود عيد اليهود والنصارى

стр. 2916

والبيع لهم فيه، ومهاداتهم لعيدهم (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فأما بيع المسلم لهم في أعيادهم ما يستعينون به على عيدهم من الطعام، واللباس، والريحان، ونحو ذلك، أو إهداء ذلك لهم فهذا فيه نوع إعانة على إقامة عيدهم المحرم، وهو مبني على أصل وهو أنه لا يجوز أن يبيع الكفار عنبًا أو عصيرًا يتخذونه خمرًا، وكذلك لا يجوز أن يبيعهم سلاحًا يقاتلون به مسلمًا» (٢). ٦ - يجوز قبول هدية الكافر سواء كان كتابيًّا أو غير ذلك، تأليفًا وترغيبًا له في الإسلام، فقد قبل النبي ﷺ هدايا بعض الكفار، كهدية المقوقس وملك أيلة وغيرهم» (٣). روى البخاري في صحيحه من حديث أبي حميد الساعدي قال: أهدى ملك أيلة للنبي ﷺ بغلة بيضاء وكساه بردًا وكتب إليه ببحرهم (٤) - يعني بلدهم- (٥). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث

стр. 2917

أنس ﵁: أن أُكيدر دومة الجندل أهدى النبي ﷺ حلة (١). وروى البخاري في صحيحه: أن يهودية أهدت إلى رسول الله ﷺ شاة مسمومة (٢). وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها، وهو عام في كل هدية (٣). فيجوز قبول هداياهم التي يهدونها بسبب عيدهم ما لم تشتمل على محاذير أخرى كذبح لغير الله، أو خمر ونحو ذلك، ويجازيهم بهدية مثلها أو أحسن منها. وقد ثبت عن بعض الصحابة ﵃ مثل ذلك، روى ابن أبي شيبة أن امرأة سألت عائشة ﵂ قالت: إن لنا أظارًا (٤) من المجوس وأنه يكون لهم العيد فيهدون لنا، فقالت: أما ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا، ولكن كلوا من أشجارهم (٥).

стр. 2918

وروى ابن أبي شيبة عن أبي برزة ﵁: أنه كان له سكان مجوس، فكانوا يهدون له في النيروز والمهرجان، فكان يقول لأهله: ما كان من فاكهة فكلوه، وما كان من غير ذلك فردوه (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد ذكر الآثار عن الصحابة: «فهذا كله يدل على أنه لا تأثير للعيد في المنع من قبول هديتهم، بل حكمها في العيد وغيره سواء، لأنه ليس في ذلك إعانة لهم على شعائر كفرهم» (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2919

الكلمة الثانية والعشرون الإيثار الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فقد وردت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة التي تحث على الإيثار، قال القرطبي: «الإيثار: هو تقديم الغير على النفس في حظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة» (١). «والأثرة عكس الإيثار، وهو استئثاره عن أخيه بما هو محتاج إليه، وهي المرتبة التي قال فيها رسول الله ﷺ : «إِنَّكُم سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ» (٢). والأنصار هم الذين وصفهم الله بالإيثار في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ

стр. 2920

نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩]. فوصفهم بأعلى مراتب السخاء، وكان ذلك فيهم معروفًا" (١). روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ، فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلَّا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ يَضُمُّ، أَوْ يُضِيفُ هَذَا؟» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتٌ صِبْيَانِي، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي (٢) سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: «ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيلَةَ، أَوْ: عَجِبَ مِنْ فَعَالِكُمَا»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾» (٣). وروى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا، فَأَطْعَمْتُهَا ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا

стр. 2921

تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا، فَاسْتَطْعَمَتَاهَا ابْنَتَاهَا، فَشَقَّتِ التَّمْرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا فَأَعْجَبَنِي شَأنُهَا، فَذَكَرْتُ الَّذِي صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ، أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ» (١). وحثَّ النبي ﷺ أمته على الإيثار، فروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ» (٢). وكان الصحابة ﵃ يأخذون بهذا التوجيه النبوي الكريم، فروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَآخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ، وَعِنْدَ الأنْصَارِيِّ امْرَأتَانِ، فَعَرَضَ عَلَيهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ، فَأَتَى السُّوقَ، فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ، وَشَيْئًا مِنْ سَمْنٍ، فَرَأَىهُ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ ﷺ : «مَهْيَمْ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ»، فَقَال: تَزَوَّجْتُ أَنْصَارِيَّةً، قَالَ: «فَمَا سُقْتَ إِلَيْهَا؟» قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ.

стр. 2922

قَالَ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا (٢) فِي الْغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوه بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُم» (٣). وروى البخاري في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب ﵁: أنه لما طُعن في مرضه الذي مات فيه، قال لابنه عبد الله: «يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂، فَقُلْ: يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلَامَ، ثُمَّ سَلْهَا أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ، قَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي، فَلأُوثِرَنَّهُ اليَوْمَ عَلَى نَفْسِي، فَلَمَّا أَقْبَلَ قَالَ لَهُ: مَا لَدَيْكَ؟ قَالَ: أَذِنَتْ لَكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قَالَ: مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ المَضْجَعِ ... الحديث» (٤). وكان النبي ﷺ أعظم الناس إيثارًا، فروى البخاري في صحيحه من حديث سهل بن سعد ﵁ قال: جَاءَتِ امْرَأَةٌ

стр. 2923

إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِبُرْدَةٍ، فَقَالَ سَهْلٌ لِلْقَوْمِ: أَتَدْرُونَ مَا البُرْدَةُ؟ فَقَالَ القَوْمُ: هِيَ الشَّمْلَةُ، فَقَالَ سَهْلٌ: هِيَ شَمْلَةٌ مَنْسُوجَةٌ فِيهَا حَاشِيَتُهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكْسُوكَ هَذِهِ، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا فَلَبِسَهَا، فَرَأَىهَا عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَحْسَنَ هَذِهِ، فَاكْسُنِيهَا، فَقَالَ: «نَعَمْ»، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ لَامَهُ أَصْحَابُهُ، قَالُوا: مَا أَحْسَنْتَ حِينَ رَأَيْتَ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَهَا مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ إِيَّاهَا، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ شَيْئًا فَيَمْنَعَهُ، فَقَالَ: رَجَوْتُ بَرَكَتَهَا حِينَ لَبِسَهَا النَّبِيُّ ﷺ ، لَعَلِّي أُكَفَّنُ فِيهَا (١). «والإيثار على درجات: الأولى: أن تؤثر الخلق على نفسك فيما لا يَخْرِمُ عليك دِينًا، ولا يقطع عليك طريقًا، ولا يفسد عليك وقتًا، يعني أن تقدمهم على نفسك في مصالحهم، مثل أن تطعمهم وتجوع، وتكسوهم وتعرى، وتسقيهم وتظمأ، بحيث لا يؤدي ذلك إلى ارتكاب إتلاف لا يجوز في الدِّين ... وكل سبب يعود عليك بصلاح قلبك ووقتك وحالك مع الله فلا تؤثر به أحدًا، فإن آثرت به فإنما تؤثر الشيطان على الله وأنت لا تعلم. الثانية: إيثار رضا الله على رضا غيره، وإن عظمت فيه المحن،

стр. 2924

وثقلت فيه المؤن، وضعف عنه الطول والبدن. وإيثار رضا الله على غيره: هو أن يريد ويفعل ما فيه مرضاته، ولو أغضب الخلق، وهي درجة الأنبياء وأعلاها للرسل عليهم صلوات الله وسلامه، وأعلاها لأولي العزم منهم، وأعلاها لنبينا ﷺ ، فإنه قاوم العالم كله وتجرد للدعوة إلى الله، واحتمل عداوة البعيد والقريب في الله تعالى، وآثر رضا الله على رضا الخلق من كل وجه، ولم يأخذه في إيثار رضاه لومة لائم، بل كان همه وعزمه وسعيه كله مقصورًا على إيثار مرضاة الله، وتبليغ رسالاته ... فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين من ربه، فلم ينل أحد من درجة هذا الإيثار ما نال صلوات الله وسلامه عليه. هذا، وقد جرت سنة الله - التي لا تبديل لها - أنَّ من آثر مرضاة الخلق على مرضاته، أن يُسخط عليه من آثر رضاه، ويخذله من جهته، ويجعل محنته على يديه، فيعود حامده ذامًّا، ومن آثر مرضاته ساخطًا، فلا على مقصوده منهم حصل، ولا إلى ثواب مرضات ربه وصل، وهذا أعجز الخلق وأحمقهم. قال الشافعي ﵀: «رضا الناس غاية لا تدرك، فعليك بما فيه صلاح نفسك فالزمه». ومعلوم أنه لا صلاح للنفس إلا بإيثار رضا ربها ومولاها على غيره، ولقد أحسن من قال: فَلَيْتَكَ تَحْلُو وَالحَيَاةُ مَرِيَرةٌ ... وَلَيْتَكَ تَرْضَى وَالأَنَامُ غِضَابُ وَلَيْتَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ عَاِمرٌ ... وَبَيْنِي وَبَيْنَ العَالَمِيْنَ خَرَابُ

стр. 2925

إِذَا صَحَّ مِنْكَ الْوُدُّ فَالْكُلُّ هَيِّنٌ ... وَكُلُّ الَّذِي فَوْقَ التُّرَابِ تُرَابُ الثالثة: أن تنسب إيثارك إلى الله دون نفسك، وأنه هو الذي تفرد بالإيثار لا أنت، فكأنك سلمت الإيثار إليه، فإذا آثرت غيرك بشيءٍ، فإن الذي آثره هو الحق لا أنت، فهو المؤثر على الحقيقة، إذ هو المعطي حقيقة. من الأسباب التي تعين على الإيثار: ١ - تعظيم الحقوق: فإن من عظمت الحقوق عنده قام بواجبها ورعاها حق رعايتها، واستعظم إضاعتها وعلم أنه إن لم يبلغ درجة الإيثار لم يؤديها كما ينبغي، فيجعل إيثاره احتياطًا لأدائها. ٢ - مقت الشح: فإنه إذا مقته وأبغضه التزم الإيثار، فإنه يرى أنه لا خلاص له من هذا المقت البغيض إلا بالإيثار. ٣ - الرغبة في مكارم الأخلاق: وبحسب رغبته فيها، يكون إيثاره؛ لأن الإيثار أفضل درجات مكارم الأخلاق. ويستطاع الإيثار بثلاثة أشياء: طيب العود، وحسن الإسلام، وقوة الصبر. من المعلوم أن المؤثر لرضى الله متصدٍّ لمعاداة الخلق، وأذاهم، وسعيهم في إتلافه، ولابد، هذه سنة الله في خلقه، وإلا فما ذنب الأنبياء والرسل، والذين يأمرون بالقسط من الناس،

стр. 2926

والقائمين بدين الله، الذابين عن كتابه وسنة رسوله عندهم؟ فمن آثر رضى الله فلا بد أن يعاديه رذالة العالم، وسقطهم، وغرثاهم (١)، وجهالهم، وأهل البدع والفجور منهم، وأهل الرياسات الباطلة، وكل من يخالف هديُهُ هديَهُ، فما يقدم على معاداة هؤلاء إلا طالب الرجوع إلى الله، عامل على سماع خطاب ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)﴾ [الفجر:٢٧ - ٢٨]. ومن إسلامه صلب كامل لا تزعزعه الرجال، ولا تقلقله الجبال، ومن عقد عزيمة صبره محكم لا تحله المحن والشدائد والمخاوف. وملاك ذلك أمران: الزهد في الحياة والثناء، فما ضعف من ضعف، وتأخر من تأخر إلا بحبه للحياة والبقاء، وثناء الناس عليه، ونفرته من ذمهم له، فإذا زهد في هذين الشيئين، تأخرت عنه العوارض كلها، وانغمس حينئذ في العساكر، وملاك هذين الشيئين بشيئين: صحة اليقين، وقوة المحبة، وملاك هذين بشيئين أيضًا: بصدق اللجأ والطلب، والتصدي للأسباب الموصلة إليهما، فإلى هاهنا تنتهي معرفة الخلق وقدرتهم، والتوفيق بعد بيد من أزمة الأمور كلها بيده» (٢). والفرق بين الإيثار، والسخاء، والجود: أن السخاء أعلى

стр. 2927

مراتب العطاء والبذل، وهذه المراتب هي: «الأولى: أن لا ينقصه البذل ولا يصعب عليه العطاء، وهذه مرتبة السخاء. والثانية: أن يُعطي الأكثر، ويبقي له شيئًا، أو يُبقي مثل ما أعطى، وهذا هو الجود. والثالثة: أن يؤثر غيره بالشيء مع حاجته إليه، وهذه مرتبة الإيثار» (١). «من فوائد الإيثار: دليل على كمال الإيمان وحسن الإسلام. دليل على علو الهمة، والبعد عن صفة الأثرة الذميمة. أنه طريق موصل إلى الفلاح؛ لأنه يقي الإنسان من داء الشح. دليل على المحبة والرحمة بالآخرين» (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2928

الكلمة الثالثة والعشرون أسماء النبي ﷺ - الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن من خصائص النبي ﷺ التي أكرمه الله بها كثرة الأسماء التي يُسمَّى بها، قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. «وأسماؤه ﵊ كلها نعوت ليست أعلامًا محضة لمجرد التعريف، بل أسماء مشتقة من صفات قائمة به توجب له المدح والكمال» (١). روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جبير ابن مطعم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا الْعَاقِبُ» (٢). قال السندي: «وكثرة الأسماء تدل على عِظَمِ المُسَمَّى،

стр. 2929

فلذا يقال عند التحقير: هذا شيء لا يُعرف له اسم .. ونحوه، وقد جاء أنه ﷺ له أسماء أخر، فلعله خص هذه لشهرتها» (١). قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح: «والذي يظهر أنه ﷺ أراد أن لي خمسة أسماء أختص بها لم يُسم بها أحد قبلي، أو معظمة أو مشهورة في الأمم الماضية، لا أنه أراد الحصر فيها» (٢). روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَمِّي لَنَا نَفْسَهُ أَسْمَاءً، فَقَالَ: «أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْمُقَفِّي، وَالْحَاشِرُ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ» (٣). «قوله في الحديث: محمد، هو اسم مفعول من حمد، إذا كان كثير الخصال التي يُحمد عليها، وأما أحمد فهو أحمد الناس لربه، وأما قوله الماحي والحاشر والمقفي والعاقب، فقد فسرت في حديث جبير بن مطعم، فالماحي: هو الذي محا الله به الكفر، ولم يمح الكفر بأحد من الخلق ما محي بالنبي ﷺ ، فإنه بعث وأهل الأرض كلهم كفار إلا بقايا من أهل الكتاب، وهم ما بين عباد أوثان، ويهود مغضوب عليهم،

стр. 2930

ونصارى ضالين، وصابئة دهرية لا يعرفون ربًّا ولا معادًا، وبين عباد الكواكب، وعباد النار، وفلاسفة لا يعرفون شرائع الأنبياء، ولا يقرون بها، فمحا الله -سُبْحَانَهُ- برسوله ذلك حتى ظهر دين الله على كل دين، وبلغ دينه ما بلغ الليل والنهار، وسارت دعوته مسير الشمس في الأقطار، وأما الحاشر: فالحشر هو الضم والجمع، فهو الذي يحشر الناس على قدمه، فكأنه بُعث ليحشر الناس، والعاقب: الذي جاء عقب الأنبياء، فليس بعده نبي، فإن العاقب هو الآخر، فهو بمنزلة الخاتم، ولهذا سمي العاقب على الإطلاق، أي عقب الأنبياء، جاء بعقبهم. وأما المقفي: فكذلك هو الذي قفَّى على آثار من تقدمه، فالمقفي الذي قفى من قبله من الرسل، فكان خاتمهم وآخرهم. وأما اسمه المتوكل: ففي صحيح البخاري من حديث عطاء ابن يسار قال: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العاصِ ﵄، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ، قَالَ: أَجَلْ، واللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب:٤٥] وَحِرْزًا لِلأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيُفْتَحَ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا

стр. 2931

صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا (١). وأما نبي التوبة: فهو الذي فتح الله به باب التوبة على أهل الأرض، فتاب الله عليهم توبة لم يحصل مثلها لأهل الأرض قبله، وكان ﷺ أكثر الناس استغفارًا وتوبة، حتى كانوا يعدون له في المجلس الواحد مئة مرة: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَابُ الرَّحِيمُ» (٢). وكذلك توبة أمته أكمل من توبة سائر الأمم، وأسرع قبولًا، وأسهل تناولًا، وكانت توبة من قبلهم من أصعب الأشياء حتى كان من توبة بني إسرائيل من عبادة العجل قتل أنفسهم، وأما هذه الأمة فلكرامتها على الله تعالى جعل توبتها الندم والإقلاع. وأما نبي الملحمة: فهو الذي بعث لجهاد أعداء الله فلم يجاهد نبي وأمته قط ما جاهد رسول الله ﷺ وأمته، والملاحم الكبار التي وقعت وتقع بين أمته وبين الكفار لم يعهد مثلها قط، فإن أمته يقتلون الكفار في أقطار الأرض على تعاقب الأعصار، وقد أوقعوا بهم من الملاحم ما لم تفعله أمة سواهم. وأما نبي الرحمة: فهو الذي أرسله الله رحمة للعالمين، فرحم به أهل الأرض كلهم مؤمنهم وكافرهم، أما المؤمنون فنالوا

стр. 2932

النصيب الأوفر من الرحمة، وأما الكفار، فأهل الكتاب منهم عاشوا في ظله، وتحت حبله وعهده، وأما من قتله منهم هو وأمته فإنهم عجلوا به إلى النار، وأراحوه من الحياة الطويلة التي لا يزداد بها إلا شدة العذاب في الآخرة. وأما الفاتح: فهو الذي فتح الله به باب الهدى بعد أن كان مرتجًا، وفتح به الأعين العمي، والآذان الصم، والقلوب الغلف، وفتح الله به أمصار الكفار، وفتح به أبواب الجنة، وفتح به طرق العلم النافع والعمل الصالح، ففتح به الدنيا والآخرة، والقلوب، والأسماع، والأبصار، والأمصار. وأما الأمين: فهو أحق العالمين بهذا الاسم، فهو أمين الله على وحيه ودينه، وهو أمين من في السماء، وأمين من في الأرض، ولهذا كانوا يسمونه قبل النبوة الأمين. وأما الضحوك القتال: فاسمان مزدوجان لا يفرد أحدهما عن الآخر، فإنه ضحوك في وجوه المؤمنين غير عابس، ولا مقطب، ولا غضوب، ولا فظ، قتَّال لأعداء الله لا تأخذه فيهم لومة لائم. وأما البشير: فهو المبشر لمن أطاعه بالثواب، والنذير المنذر لمن عصاه بالعقاب، وقد سماه الله، عبده في مواضع من كتابه، منها قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن:١٩]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ

стр. 2933

الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١]، وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم: ١٠]، وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]. وثبت عنه في الصحيح أنه قال: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ» (١). وسماه الله سراجًا منيرًا، وسمى الشمس سراجًا وهاجًا، والمنير هو الذي ينير من غير إحراق، بخلاف الوهاج: فإن فيه نوع إحراق وتوهج (٢). وقد اختلف العلماء في أسماء كثيرة، هل تصح نسبتها إلى النبي ﷺ أو لا؟ فأدى ذلك إلى اختلافهم في تعداد هذه الأسماء. وقد كان من أهم أسباب الخلاف، أن بعض العلماء رأى كل وصف وصف به النبي ﷺ في القرآن الكريم من أسمائه، فعد من أسمائه مثلًا: الشاهد، المبشر، النذير، الداعي، السراج المنير، وذلك لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ [الأحزاب:٤٦ - ٤٥] كما تقدم في كلام ابن القيم ﵀: «في حين قال آخرون من أهل العلم: إن هذه أوصاف وليست أسماء أعلام».

стр. 2934

قال النووي ﵀: «بعض هذه المذكورات صفات، فإطلاقهم الأسماء عليها مجاز» (١). اهـ وقال السيوطي ﵀: «وأكثرها صفات» (٢). قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد ﵀ بعدما ذكر خلاف العلماء في عدد أسماء النبي ﷺ : «وفي هذه الأعداد كثير من المبالغات، والصحيح أن أسماءه ﷺ أقل من ذلك بكثير، ولا يجوز اعتبار كل وصف ثبت له في الكتاب والسنة من أسمائه الأعلام، فضلًا عن أن أسماءه توقيفية، لا يجوز الزيادة عليها بما لم يرد في الكتاب والسنة الصحيحة. والذي له أصل في النصوص: إما اسم وهو القليل، أو وصف وهو أكثر، وما سوى ذلك فلا أصل له، فلا يطلق على النبي ﷺ حماية من الإفراط والغلو، ويشتد النهي إذا كانت هذه الأسماء والصفات التي لا أصل لها فيها غلو وإطراء» (٣). وقال العلامة اللغوي ابن الطيب الفاسي: «وصف النبي ﷺ بما وصفه الله تعالى به في القرآن العظيم من كونه خاتم النبيين، سيرًا على جادة الأدب؛ لأن وصفه بما وصفه الله به، مع ما فيه من المتابعة التي لا يرضى ﷺ بسواها، فيه اعتراف بالعجز عن

стр. 2935

ابتداع وصف من الواصف، يبلغ به حقيقة مدحه ﵊؛ ولذا نجد الأكابر يقتصرون في ذكره ﵇ على ما وردت به الشريعة الطاهرة كتابًا وسنة، دون اختراع عبادات من عندهم في الغالب» (١). اهـ فائدة «أسماؤه ﷺ نوعان: أحدهما خاص: لا يشاركه فيه غيره من الرسل، كمحمد، وأحمد، والعاقب، والحاشر، والمُقَفِّي، ونبي الملحمة. والثاني: ما يشاركه في معناه غيره من الرسل: ولكن له منه كماله، فهو مختص بكماله دون أصله، كرسول الله، ونبيه، وعبده، والشاهد، والمبشر، والنذير، ونبي الرحمة، ونبي التوبة» (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2936

الكلمة الرابعة والعشرون صفات النبي ﷺ الخَلْقِية الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فقد تقدم الكلام في كلمة سابقة عن أخلاق النبي ﷺ والحديث في هذه الكلمة عن صفات النبي ﷺ الخَلْقِية. فقد كان النبي ﷺ قمة في الكمال والجمال في خلقه، فكم من رجل دخل في الإسلام لمجرد رؤيته رسول الهدى ﷺ ومشاهدة نور وجهه الشريف، فهذا عبد الله بن سلام حبر اليهود وأعلمهم بالتوراة، يقول: «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل (١) الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله ﷺ ، فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استبنت عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب» (٢). قال حسان بن ثابت يمدح النبي ﷺ : وَأَحْسَنُ مِنْكَ لَمْ تَرَ قَطُّ عَيْنِي ... وَأَجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ خُلِقْتَ مُبِرَّءًا مِنْ كُلِّ عَيْبٍ ... كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ

стр. 2937

«فرسولنا ﷺ كان أحسن الناس، وأجمل الناس، لم يصفه واصف قط إلا شبهه بالقمر ليلة البدر، ولقد كان يقول قائلهم: لربما نظرنا إلى القمر ليلة البدر فنقول: هو أحسن في أعيننا من القمر، أحسن الناس وجهًا، وأنورهم لونًا يتلألأ تلألؤ الكواكب، ولقد وصفه أبو بكر الصديق ﵁ فقال: أَمِينٌ مُصْطَفًى لِلْخَيْرِ يَدْعُو ... كَضَوْءِ الْبَدْرِ زَايَلَهُ الظَّلَامُ» (١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وكان خَلقُه ﷺ وصورته من أكمل الصور، وأتمها، وأجمعها للمحاسن الدالة على كماله، فأكرمه الله بخُلق حسن، وصورة جميلة، واجتمعت فيه المحاسن» (٢). وقد وردت أحاديث كثيرة تتضمن صفات خلقية عديدة للنبي ﷺ أذكر بعضًا منها: ١ - فعن البراء بن عازب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ رجلًا مربوعًا (٣)، بعيد ما بين المنكبين (٤)، عظيم الجمة (٥) إلى شحمة أذنيه، عليه حلة حمراء ما رأيت شيئًا قط أحسن منه (٦). ٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ

стр. 2938

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي جَبْهَتِهِ (١)، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ فِي مِشْيَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَأَنَّمَا الأَرْضَ تُطْوَى (٢) لَهُ، إنَّا لَنُجْهِدُ أَنْفُسَنَا (٣)، وَإِنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ (٤) (٥). ٣ - وعن جابر بن سمرة ﵄ قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فِي لَيْلَةٍ إِضْحِيَانٍ (٦)، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَإِلَى الْقَمَرِ، فَلَهُوَ عِنْدِي أَحْسَنُ مِنَ الْقَمَرِ (٧). وكان رسول الله ﷺ أزهر اللون، وهو الأبيض المستنير الناصع

стр. 2939

البياض وهو أحسن الألوان، فلم يكن بالأبيض الأمهق الشديد البياض (١)، ولم يكن بالآدم الشديد السمرة، وكان بياضه ﷺ مشربًا بحمرة. حتى كان الصحابة ﵃ كثيرًا ما يتمثلون بنعت عمه أبي طالب إياه في لونه حيث يقول: وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالُ اليَتَامَى (٢) عِصْمَةٌ لِلأَرَامِلِ ويقول كل من سمع ذلك: هكذا كان النبي ﷺ . وهذه طائفة مختارة من وصف الواصفين ونعت الناعتين لرسول الله ﷺ ممن حضره وعاصره تؤكد وتؤيد ما ذُكر: - عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يصف النبي ﷺ قال: كان ربعة (٣) من القوم، ليس بالطويل ولا بالقصير، أزهر (٤) اللون، ليس بأبيض أمهق ولا آدم (٥)، ليس بجعد (٦) قطط (٧) ولا سبط (٨) رجل (٩).

стр. 2940

وعن الجريري عن أبي الطفيل ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ وما على وجه الأرض رجل رآه غيري، قال: فقلت له: فكيف رأيته؟ قال: كان أبيض مليحًا مُقصدًا (١) (٢). وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه وصف النبي ﷺ فقال: كان عظيم الهامة (٣)، أبيض، مُشربًا حمرة، عظيم اللحية، ضخم الكراديس (٤)، شثن الكفين والقدمين (٥)، طويل المسربة (٦)، كثير شعر الرأس رجله (٧)، يتكفأ في مشيته كأنما ينحدر في صبب (٨)، لا طويل، ولا قصير، لم أر مثله قبله ولا بعده ﷺ (٩).

стр. 2941

وعن أنس بن مالك ﵁ قال: كان شعر رسول الله ﷺ إلى أنصاف أُذنيه (١)، وتارة يضرب منكبيه (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أبيض، كأنما صيغ من فضة، رجل الشعر (٣). وعن مُحرشٍ الكعبي ﵁: أن النبي ﷺ خرج من الجعرانة ليلًا فاعتمر ثم رجع فأصبح بها كبائتٍ، فنظرت إلى ظهره كأنه سبيكة (٤) فضة (٥). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2942

الكلمة الخامسة والعشرون المزاح - مشروعيته وآثاره الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فمن الأمور التي أباحها الشرع الحنيف، وفيها متعة وانبساط، مزاح المسلم مع إخوانه، وإدخال السرور عليهم، قال الزبيدي: «المزاح هو المباسطة إلى الغير على جهة التلطف والاستعطاف، وقد قال الأئمة: الإكثار منه والخروج عن الحد مخل بالمروءة والوقار، والتنزه عنه بالمرة والتقبض مخل بالسُّنة، والسيرة النبوية المأمور باتباعها، والاقتداء، وخير الأمور أوسطها» (١). ومن الأدلة على مشروعيته ما رواه البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ- قَالَ: أَحْسِبُهُ فَطِيمًا، وَكَانَ إِذَا

стр. 2943

جَاءَ قَالَ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ! مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ (١)؟». نغر كان يلعب به (٢). قال ابن حجر ﵀: «وفيه جواز الممازحة وتكرير المزح، وأنها إباحة سنة لا رخصة، وأن ممازحة الصبي الذي لم يميز جائزة، وتكرير زيارة الممزوح معه، وفيه ترك التكبر والترفع، والفرق بين كون الكبير في الطريق فيتواقر أو في البيت فيمزح» (٣). وروى الترمذي في سننه من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «يَا ذَا الأُذُنَيْنِ» (٤). قال أبو أسامة: يعني يمازحه. وروى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قالوا: يا رسول الله إنك تداعبنا - أي تمازحنا -، قال: «إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا» (٥). وروى أبو داود من حديث أنس بن مالك ﵁: أن رجلًا

стр. 2944

أتى النَّبِيَّ ﷺ فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ! احْملنِي، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّا حَامِلُوكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ»، قَالَ: وَمَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَهَلْ تَلِدُ الإِبِلَ إِلَّا النُّوقُ؟» (١). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس ﵁: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ كَانَ اسْمُهُ زَاهِرًا كَانَ يُهْدِي لِلنَّبِيِّ ﷺ الْهَدِيَّةَ مِنَ الْبَادِيَةِ، فَيُجَهِّزُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ زَاهِرًا بَادِيَتُنَا وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ»، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّهُ، وَكَانَ رَجُلًا دَمِيمًا، قَالَ: فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ، فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ، وَلَا يُبْصِرُهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ: أَرْسِلْنِي، مَنْ هَذَا؟ فَالْتَفَتَ فَعَرَفَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَجَعَلَ لَا يَأْلُو مَا أَلْزَقَ ظَهْرَهُ بِصَدْرِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ عَرَفَهُ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ؟»، فَقَالَ زَاهِرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذًا وَاللَّهِ! تَجِدُنِي كَاسِدًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ»، أَوْ قَالَ: «وَلَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ غَالٍ» (٢). وروى الترمذي في الشمائل المحمدية: أن عجوزًا أتت إلى النبي ﷺ فقالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ، فَقَالَ: «يَا أُمَّ فُلَانٍ، إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ»، قَالَ: فَوَلَّتْ

стр. 2945

تَبْكِي، فَقَالَ: «أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٧]» (١). قال بكر بن عبد الله: «كان أصحاب النبي ﷺ يتبادحون - أي يترامون - بالبطيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال» (٢). قال ابن حبان ﵀: «الواجب على العاقل أن يستميل قلوب الناس إليه بالمزاح وترك التعبس، والمزاح على ضربين: مزاح محمود، ومزاح مذموم، فأما المزاح المحمود، فهو الذي لا يشوبه ما كره الله ، ولا يكون بإثم ولا قطيعة رحم، وأما المزاح المذموم، فالذي يثير العداوة، ويذهب البهاء، ويقطع الصداقة، ويجرئ الدنيء عليه، ويُحقد الشريف به» (٣). والمزاح له ضوابط، فمن ذلك: ١ - أن لا يكون فيه شيء من الاستهزاء بالدِّين، فإن الاستهزاء بالدِّين من نواقض الإسلام، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥)﴾ [التوبة: ٦٥]. قال ابن تيمية ﵀:
следующие страницы →