وعن أنس بن مالك ﵁ قال: كان شعر رسول الله ﷺ إلى أنصاف أُذنيه (١)، وتارة يضرب منكبيه (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أبيض، كأنما صيغ من فضة، رجل الشعر (٣).
وعن مُحرشٍ الكعبي ﵁: أن النبي ﷺ خرج من الجعرانة ليلًا فاعتمر ثم رجع فأصبح بها كبائتٍ، فنظرت إلى ظهره كأنه سبيكة (٤) فضة (٥).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2942
الكلمة الخامسة والعشرون
المزاح - مشروعيته وآثاره
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فمن الأمور التي أباحها الشرع الحنيف، وفيها متعة وانبساط، مزاح المسلم مع إخوانه، وإدخال السرور عليهم، قال الزبيدي: «المزاح هو المباسطة إلى الغير على جهة التلطف والاستعطاف، وقد قال الأئمة: الإكثار منه والخروج عن الحد مخل بالمروءة والوقار، والتنزه عنه بالمرة والتقبض مخل بالسُّنة، والسيرة النبوية المأمور باتباعها، والاقتداء، وخير الأمور أوسطها» (١).
ومن الأدلة على مشروعيته ما رواه البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ- قَالَ: أَحْسِبُهُ فَطِيمًا، وَكَانَ إِذَا
стр. 2943
جَاءَ قَالَ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ! مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ (١)؟». نغر كان يلعب به (٢).
قال ابن حجر ﵀: «وفيه جواز الممازحة وتكرير المزح، وأنها إباحة سنة لا رخصة، وأن ممازحة الصبي الذي لم يميز جائزة، وتكرير زيارة الممزوح معه، وفيه ترك التكبر والترفع، والفرق بين كون الكبير في الطريق فيتواقر أو في البيت فيمزح» (٣).
وروى الترمذي في سننه من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «يَا ذَا الأُذُنَيْنِ» (٤). قال أبو أسامة: يعني يمازحه.
وروى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قالوا: يا رسول الله إنك تداعبنا - أي تمازحنا -، قال: «إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا» (٥).
وروى أبو داود من حديث أنس بن مالك ﵁: أن رجلًا
تَبْكِي، فَقَالَ: «أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٧]» (١).
قال بكر بن عبد الله: «كان أصحاب النبي ﷺ يتبادحون - أي يترامون - بالبطيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال» (٢).
قال ابن حبان ﵀: «الواجب على العاقل أن يستميل قلوب الناس إليه بالمزاح وترك التعبس، والمزاح على ضربين: مزاح محمود، ومزاح مذموم، فأما المزاح المحمود، فهو الذي لا يشوبه ما كره الله ، ولا يكون بإثم ولا قطيعة رحم، وأما المزاح المذموم، فالذي يثير العداوة، ويذهب البهاء، ويقطع الصداقة، ويجرئ الدنيء عليه، ويُحقد الشريف به» (٣).
والمزاح له ضوابط، فمن ذلك:
١ - أن لا يكون فيه شيء من الاستهزاء بالدِّين، فإن الاستهزاء بالدِّين من نواقض الإسلام، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥)﴾ [التوبة: ٦٥]. قال ابن تيمية ﵀:
стр. 2946
«الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه» (١).
مثل الاستهزاء باللحية أو الثوب القصير، أو السواك، أو الحجاب، أو الصلاة، أو غيرها من السنن أو الواجبات.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «فجانب الربوبية والرسالة والوحي والدِّين جانب محترم لا يجوز لأحد أن يعبث فيه، لا باستهزاء بإضحاك ولا سخرية، فإن فعل فإنه كافر؛ لأنه يدل على استهانته بالله ورسله وكتبه وشرعه، وعلى من فعل هذا أن يتوب إلى الله مما صنع، لأن هذا النفاق، فعليه أن يتوب إلى الله ويستغفر ويصلح عمله، ويجعل في قلبه خشية من الله وتعظيمه، وخوفه، ومحبته، والله ولي التوفيق» (٢).
٢ - أن لا يكون المزاح إلا صدقًا، فقد روى الترمذي في سننه من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ فَيَكْذِبُ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ» (٣).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ يُضْحِكُ بِهَا
стр. 2947
جُلَسَاءَهُ، يَهْوِي بِهَا مِنْ أَبْعَدَ مِنَ الثُّرَيَّا» (١).
٣ - ألا يكون المزاح فيه ترويع للمسلم، روى أبو داود في سننه من حديث: عبدالرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد ﷺ : أَنَّهُم كَانُوا يَسِيرُون مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى نَبْلٍ مَعَهُ فَأَخَذَهُ، فَفَزِعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا» (٢).
وروى أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن السائب عن أبيه عن جده ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لَا يَأْخُذْ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لَاعِبًا وَلَا جَادًّا» (٣).
٤ - ألا يكون المزاح فيه سخرية واستهزاء بالآخرين، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١]. قال ابن كثير ﵀: "المراد من ذلك احتقارهم واستصغارهم والاستهزاء بهم، ويعد من صفات المنافقين" (٤).
стр. 2948
٥ - ألا يكثر منه فيصبح ديدنه، وإنما يكون المزاح بمقدار الملح في الطعام، قال النووي ﵀: قال العلماء: «المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط، ويُداوم عليه، فإنه يورث الضحك وقسوة القلب، ويشغل عن ذكر الله، ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، ويُورث الأحقاد، ويسقط المهابة والوقار، فأما من سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله ﷺ يفعله، فإنه ﷺ إنما كان يفعله في نادر من الأحوال لمصلحة وتطييب نفس المخاطب ومؤانسته، وهذا لا منع منه قطعًا بل هو سنة مستحبة إذا كان بهذه الصفة، فاعتمد ما نقلناه عن العلماء وحققناه في هذه الأحاديث، وبيان أحكامها، فإنه مما يعظم الاحتياج إليه. وبالله التوفيق» (١).
٦ - أن ينزل الناس منازلهم، فلا يصلح أن يمزح مع جميع الناس، فالكبير له قدره، وللعالم منزلته، فلا يمازح السفيه ولا الأحمق ولا من لا يعرفه، قال سعيد بن العاص: «اقتصد في مزاحك، فإن الإفراط فيه يذهب البهاء، ويجرئ عليك السفهاء» (٢).
قال ابن حبان ﵀: «من مازح رجلًا من غير جنسه، هان عليه واجترأ عليه، وإن كان المزاح حقًّا؛ لأن كل شيء لا يجب
стр. 2949
أن يسلك به غير مسلكه، ولا يظهر إلا عند أهله» (١).
٧ - اختيار الوقت المناسب، فلكل مقام مقال، قال رجل لسفيان بن عيينة ﵀: المزاح سبة، فأجابه قائلًا: بل هو سنة، ولكن لمن يحسنه ويضعه في موضعه (٢).
ومن فوائد المزاح:
١ - أن فيه منفعة، وانبساط مع الآخرين، وإدخال السرور عليهم، وتطييب لخواطرهم، روى الترمذي من حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وَتَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ» (٣). قال سفيان بن عيينة: إنما كان ﷺ يمزح؛ لأن الناس مأمورون بالتأسي به والاقتداء بهديه، فلو ترك الطلاقة والبشاشة، ولزم العبوس والقطوب لأخذ الناس أنفسهم بذلك، على ما في مخالفة الغريزة من المشقة والعناء؛ فمزح ليمزحوا» (٤).
٢ - أن فيه تأليف للقلوب، وطرد للسأم والملل الذي يعتري كل إنسان.
٣ - التخلص من الهموم والأحزان، وإبدالها بالسرور
стр. 2950
والانبساط، ولذلك لما جاء عمر ﵁ إلى النبي ﷺ وكان قد اعتزل نساءه في مشربة له، فقال: يا رسول الله! طَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَيَّ فَقَالَ: «لَا»، ثُمَّ قُلْتُ- وَأَنَا قَائِمٌ أَسْتَأْنِسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ رَأَيْتَنِي وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى قَوْمٍ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَذَكَرَهُ، فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ قُلْتُ: لَوْ رَأَيْتَنِي وَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْضَأَ مِنْكِ، وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ عَائِشَةَ- فَتَبَسَّمَ أُخْرَى (١).
٤ - قال ابن حبان وهو يتحدث عن المزاح: «وإذا كان من غير معصية فإنه يسلي الهم، ويرفع الخلة (٢)، ويحيي النفوس، ويذهب الحِشمة، فالواجب على العاقل أن يستعمل من المزاح ما يتسبب بفعله إلى الحلاوة، ولا ينوي به أذى أحد ولا سرور أحد بمساءة أحد» (٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2951
الكلمة السادسة والعشرون
المحرمات في النكاح
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فهذه كلمة مختصرة عما يحرم نكاحه من النساء أردت بها التنبيه، وإلا فلا بد من الرجوع إلى كتب الفقه لمعرفة تفاصيل هذه المسائل.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾ [النساء:٢٢]، وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ [النساء:٢٣].
стр. 2952
فبينت الآيتين الكريمتين المحرمات من النساء وهن على قسمين:
القسم الأول: اللاتي يحرم نكاحهن تحريمًا مؤبدًا، وهن أربع عشرة امرأة: سبع يحرمن بالنسب - أي القرابة - وسبع يحرمن بالسبب.
أولًا: اللاتي يحرمن بالنسب: أي القرابة: وهن كالآتي:
١ - الأم والجدة (١) وإن علت، لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. ويعبر عنهن بأصول الإنسان.
٢ - البنت، وبنت الابن، وبنت البنت، وبنت بنت الابن وإن سفلت؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾، ويعبر عنهن بفروع الإنسان.
٣ - الأخت، شقيقة كانت أو لأب أو لأم، لقوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾، ويعبر عنهن بفروع الأبوين.
٤ - بنت الأخت (٢)، وبنت ابنها، وبنت بنتها وإن نزلت؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾.
стр. 2953
٥ - بنت الأخ (١)، وبنت بنت الأخ، وبنت ابنه وإن سفلت؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾.
٦ - العمة: وهي أخت الأب، وعمة الأب، وعمة الأم، ويعبر عنهن بفروع الجدين من جهة الأب.
٧ - والخالة: وهي أخت الأم، وخالة الأم، وخالة الأب، ويعبر عنهن بفروع الجدين من جهة الأم.
ثانيًا: اللاتي يحرمن بالسبب: وهن كالآتي:
١ - الملاعنة على الملاعن: لما روى أبو داود في سننه من حديث سهل بن سعد في هذا الخبر، قال: فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله ﷺ ، فأنفذه رسول الله ﷺ ، وكان ما صنع عند النبي ﷺ سنة، قال سهل: حضرت هذا عند رسول الله ﷺ ، فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدًا (٢).
وروى مسلم في صحيحه من حديث سهل بن سعد، وذكر قصة تلاعن رجل من الأنصار مع امرأته، وأنه طلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ ، ففارقها عند النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ :
стр. 2954
«ذَاكُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلَاعِنَيْنِ» (١).
قال النووي ﵀: «وأما قوله ﷺ : ذاكم التفريق بين كل متلاعنين، فمعناه عند مالك والشافعي والجمهور بيان أن الفرقة تحصل بنفس اللعان بين كل متلاعنين، وقيل: معناه تحريمها على التأبيد كما قال جمهور العلماء» (٢).
٢ - الرضاع: وسيأتي الكلام عليه في كلمة مستقلة (٣).
٣ - المحرمات بسبب المصاهرة: وهي القرابة الناشئة بسبب الزواج وهي كالآتي:
- زوجة الأب ومثلها زوجة الجد أب الأب وإن علا، وزوجة الجد أب الأم وإن علا، ويعبر عنهن بزوجات الأصول، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾ [النساء:٢٢].
- زوجة الابن، وزوجة ابن الابن، وابن البنت أيضًا، وهكذا زوجات الفروع دون بنت زوجة الأب: وهي ربيبة الأب، فهذه حلال ويجوز الزواج منها.
стр. 2955
- أم الزوجة، ومثل أمها جميع أصولها من النساء، كأم أم الزوجة وإن علت، لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. وهؤلاء الثلاث يحرمن بمجرد العقد، سواء دخل بها أو لم يدخل.
- بنت الزوجة: وهي المسماة بالربيبة، فهي حرام على زوج أمها، لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾. ولا يشترط في التحريم أن تكون الربيبة تربت في حجر زوج أمها، وإنما ذكر قيد الحجر لبيان الغالب، فهذه البنت تحرم على الرجل إذا دخل بأمها، فإن لم يدخل بها كأن طلق الأم، أو ماتت قبل الدخول، فإنه يجوز له نكاح ابنتها، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.
القسم الثاني: ما كان تحريمه منهن مؤقتًا:
الأول: ما يحرم من أجل الجمع:
الجمع بين الأختين، سواء كانتا من النسب أو من الرضاع، وسواء عقد عليهما معًا أو متفرقًا، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾.
الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، وبين المرأة وبنت أختها أو بنت أخيها، أو بنت ابنها، أو بنت ابنته، والقاعدة
стр. 2956
هنا: أن الجمع بين كل امرأتين، لو فرضت إحداهما ذكرًا لما جاز له أن يتزوج الأخرى، ودليل ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا»، وحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا الْعَمَّةُ عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا، وَلَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا، وَلَا الْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أُخْتِهَا، وَلَا تُنْكَحُ الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى، وَلَا الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى» (١). وذلك لما يكون بين الضرائر من الغيرة، فإذا كانت إحداهما من أقارب الأخرى حصلت القطيعة بينهما، فإذا طلقت المرأة وانتهت عدتها، حلت أختها، وعمتها، وخالتها لانتفاء المحذور.
لا يجوز أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة، لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣]. وقد أمر النبي ﷺ من تحته أكثر من أربع أن يفارق ما زاد عن أربع (٢).
الثاني: ما كان تحريمه لعارض يزول:
١ - يحرم تزوج المعتدة من الغير، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
стр. 2957
ومن الحكمة في ذلك أنه لا يؤمن أن تكون حاملًا فيفضي ذلك إلى اختلاط المياه، واشتباه الأنساب.
٢ - يحرم تزوج من طلقها ثلاثًا حتى يطأها زوج غيره بنكاح صحيح، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠].
٣ - يحرم تزوج الزانية إذا علم زناها حتى تتوب وتنقضي عدتها، لقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [النور:٣].
٤ - يحرم تزوج المحرمة حتى تحل من إحرامها، للحديث الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَ لَا يُنْكَحُ، وَلَا يَخْطُبُ» (١).
٥ - يحرم تزوج الكافر بالمرأة المسلمة، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١].
٦ - يحرم تزوج المسلم بالمرأة الكافرة، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:١٠]. إلا
стр. 2958
الحرة الكتابية المحصنة، فيجوز للمسلم أن يتزوجها، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. وتكون الآية مخصصة لعموم الآيتين السابقتين في تحريم نكاح المسلمين للكافرات، وعلى ذلك جمهور أهل العلم (١).
٧ - يحرم على الحر المسلم أن يتزوج الأمة المسلمة؛ لأن ذلك يفضي إلى استرقاق أولاده منها، إلا إذا خاف على نفسه من الزنى ولم يقدر على مهر الحرة أو ثمن الأمة، فيجوز له حينئذ تزوج الأمة المسلمة، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ... ﴾ إلى قوله: ذَلِكَ ﴿ ... لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥].
٨ - يحرم على العبد أن يتزوج سيدته، فقد أجمع العلماء على حرمة ذلك؛ ولأنه يتنافى بين كونها سيدته، وفي نفس الوقت زوجًا لها.
٩ - يحرم على السيد أن يتزوج مملوكته؛ لأن عقد الملك أقوى من عقد النكاح، ولا يجتمع عقد مع ما هو أضعف منه.
стр. 2959
١٠ - الوطء بملك اليمين، حكمه حكم الوطء في العقد فيما سبق إلى أمد، فمن حرم وطؤها بعقد كالمعتدة، والمحرمة، والزانية، والمطلقة ثلاثًا، حرم وطؤها بملك اليمين؛ لأن العقد إذا حرم لكونه طريقًا إلى الوطء فلأن يحرم الوطء من باب أولى (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2960
الكلمة السابعة والعشرون
من أحكام الرضاع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فهذه كلمة مختصرة عما يحرم نكاحه من النساء بسبب الرضاع، أردت بها التنبيه على ما سواها، ومن أراد التفصيل فعليه الرجوع إلى كتب الفقهاء.
قال تعالى في سياق المحرمات من النساء: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء:٢٣]. وفي الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (١). وروى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ في ابنة حمزة: «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي، إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّحِمِ» (٢).
стр. 2961
«والرضاع حكمه حكم النسب في النكاح والخلوة المحرمة، وجواز النظر، وتثبت هذه الأحكام بشرطين:
الشرط الأول: أن تكون خمس رضعات فأكثر؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِن الْقُرْآن: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُنَّ مِمَّا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ (١)، وهذا من نسخ التلاوة دون الحكم.
الشرط الثاني: أن تكون الخمس رضعات في الحولين، لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣]. فدلت الآية الكريمة على أن الرضاع المعتبر ما كان في الحولين، لقوله ﷺ : «إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ» (٢)،
ولقوله ﷺ : «لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ إِلَّا مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ فِي الثَّدْيِ، وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ» (٣).
ومعناه: أنه لا يحرم من الرضاع إلا ما وصل إلى الأمعاء ووسعها، فلا يحرم القليل الذي لم ينفذ إليها ويوسعها، ولا يحرم إلا ما كان قبل الفطام، أي ما كان في زمن الصغر، وقام
стр. 2962
مقام الغذاء» (١).
«قوله: في الحولين هذا شرط آخر، يعني: أن تكون الرضعات الخمس كلها في الحولين من ولادة الطفل، فإذا ولد في الواحد من محرم عام عشرين، فينتهي وقت الرضاع في الواحد من محرم عام اثنين وعشرين، فما دام في الحولين فالرضاع مؤثر، وإذا انتهت الحولان فالرضاع غير مؤثر، والدليل قول الله ﵎: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣]. فقالوا: تمام الرضاعة في حولين، وما زاد فهو خارج، وما دونهما ناقص عن تمام الرضاعة؛ ولأن الحولين حدٌّ فاصل بيِّن قاطع، فكان أولى بالاعتبار من سواه.
وظاهر كلام المؤلف: أن الرضاع في الحولين مؤثر، سواء فطم الصبي أم لم يفطم، حتى لو فرض أنه فطم في سنة، وفي السنة الثانية كان يأكل الخبز والجبن وكل شيء ورضع فالرضاع يؤثر، ولو كان لا يتغذى باللبن، فإنه ما دام في الحولين فرضاعه مؤثر.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن العبرة بالفطام، فما كان قبل الفطام فهو مؤثر ولو كان بعد الحولين، وما كان
стр. 2963
بعد الفطام فليس بمؤثر ولو في الحولين، واستدل ﵀ بالأثر والنظر، أما الأثر فالحديث المعروف: «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ» (١)،
ولم يقل: وكان قبل الحولين، وأما النظر فلأنه إذا كان يتغذى بغير اللبن - يعني بالطعام المعروف - فأي فرق بين من كان في الحولين ومن بعد الحولين؟! فكلا الطفلين لا يحتاج إلى اللبن، ولو رضع أربع مرات إلى صباح ثلاثين من ذي الحجة من السنة الثانية، ولما هلَّ محرم رضع الخامسة، فهو يؤثر أو لا يؤثر على قول من يرى أن العبرة بالحولين؟ لا يؤثر، فأي فرق بين هذه وبين قبل ساعة؟! ثم أي فرق بين طفل فطم للحول الأول، وصار يأكل الطعام وآخر يأكل الطعام في السنة الثالثة؟! لا فرق.
فالقول الراجح أن العبرة بالفطام، سواء كان قبل الحولين أو بعد الحولين، فلو فرض أن هذا الطفل نموه ضعيف، وصار يتغذى باللبن حتى تم له ثلاث سنوات، ففي السنة الثالثة رضاعه مؤثر على القول الراجح، وأما على قول من قال: العبرة بالحولين فرضاعه غير مؤثر، ولو فرضنا أن طفلًا فطم لأول سنة، وصار يأكل الطعام وأرضعناه في السنة الثانية، فهل الرضاع محرِّم أو غير محرم؟ على القول بأنه لا يؤثر إلا في الحولين فهو مؤثر، وعلى القول الثاني الذي رجحناه غير مؤثر،
стр. 2964
المهم يشترط في الرضاع المحرم أن يكون في وقت معين، إما في الحولين على ما مشى عليه المؤلف، وإما قبل الفطام على القول الراجح» (١). اهـ
«ولكن يبقى النظر ما هي خمس الرضعات؟ أهي خمس مصات؟ أو خمسة أنفاس؟ أو خمس وجبات؟
بعضهم قال: خمس مصات لقوله ﷺ : «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ، وَلَا الْمَصَّتَانِ» (٢)، فعلق الحكم بالمص، وعلى هذا يمكن أن يثبت الرضاع في خلال ثلاث دقائق؛ لأنه إذا مص ثم بلع، ثم مص ثم بلع، ثم مص، خمس مرات ثبت الرضاع.
وبعضهم يقول: بل خمسة أنفاس، لقوله ﷺ : «لَا تُحَرِّمُ الإِمْلَاجَةُ وَالإِمْلَاجَتَانِ» (٣)،
والإملاج إدخال الثدي في فم الصبي، فما دام الثدي في فمه فلو مص مئة مرة فهو واحدة، وعلى هذا إذا مص ثم بلع ثم مص ثم بلع ثم مص ثم بلع في نفس واحد ثم أطلق الثدي ثم عاد، تكون الثانية هي الرضعة الثانية.
وبعضهم يقول: خمس وجبات، كما يقول: خمس أكلات، فلا بد من زمن يقطع اتصال الثانية بالأولى، أما ما دام في حجر
стр. 2965
المرأة فإنها رضعة واحدة، كما تقول: هذه أكلة، هذا غداء، هذا عشاء، وما أشبه ذلك، فالعشاء ليس كل لقمة ترفعها إلى فمك، بل مجموع اللقم، وكذلك الغداء فليس كل تمرة تبلعها تكون غداء، إنما الغداء مجموع الأكل، وعليه فالمراد بالرضعة الفعلة من الرضاع التي تنفصل عن الأخرى، وأما مجرد فصل الثدي فهذا لا يعتبر رضعة في الحقيقة، فمثلًا لو أرضعته أول النهار الساعة الثامنة، ثم الساعة التاسعة، ثم الساعة العاشرة، ثم الحادية عشرة، ثم الثانية عشرة، فهذه خمس رضعات، فلو أرضعته في مكان واحد، وامتص الثدي ثم أطلقه يتنفس، ثم عاد ورضع، ثم أطلقه ليتنفس، ثم عاد خمس مرات لكنها في جلسة واحدة فلا يؤثر على هذا القول.
فإذا قال قائل: أيهما أرجح؟ قلنا: الأصل عدم التأثير، ولا نتيقن التأثير إلا بخمس وجبات؛ لأن الأصل أنه لا يؤثر، فنأخذ بالاحتياط، والاحتياط ألا يؤثر إلا خمس وجبات، لا خمس مصات، ولا خمس أنفاس، وهذا اختيار شيخنا عبدالرحمن بن سعدي ﵀، وهو ظاهر اختيار ابن القيم.
فإذا قال قائل: لماذا لا نجعل المصَّات هي الأحوط؟ قلنا: هذا مشكل؛ لأننا إذا احتطنا من جهة، أهملنا من جهة أخرى، فمثلًا هذه طفلة رضعت خمس مصات، فإذا احتطنا، وقلنا: إن بنت المرضعة تكون أختًا للراضع يحرم عليه نكاحها،
стр. 2966
أتانا أمر آخر ضد هذا الاحتياط، وهي أننا إذا قلنا: إنها أخته لزم من ذلك أن يخلو بها، ويسافر بها، وتكشف وجهها له، والاحتياط ألا تفعل، وهي لا تفعل هذا إلا إذا قلنا: إن الرضاع مؤثر، فكذلك لا تحتاط من جهة إلا أهملت من جهة أخرى، فنرجع إلى الأصل وهو عدم التأثير، ولذلك كان هذا القول هو المتمشي على القواعد والأصول» (١).
«ولو وصل اللبن إلى جوف الطفل بغير الرضاع، فحكمه حكم الرضاع، كما لو قطر في فمه أو أنفه أو شربه من إناء ونحوه، أخذ ذلك حكم الرضاع؛ لأنه يحصل به ما يحصل بالرضاع من التغذية، بشرط أن يحصل من ذلك خمس مرات.
وأما ما ينشره الرضاع من الحرمة، فمتى أرضعت امرأة طفلًا دون الحولين خمس رضعات فأكثر، صار المرتضع ولدها في تحريم نكاحها عليه، وفي إباحة نظره إليها وخلوته بها، ويكون محرمًا لها، لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. ولا يكون ولدًا لها في بقية الأحكام، فلا تجب نفقتها عليه، ولا توارث بينهما، ولا يعقل عنها، ولا يكون وليًّا لها؛ لأن النسب أقوى من الرضاع، فلا يساويه إلا فيما ورد فيه النص وهو التحريم، وما يتفرع عليه من المحرمية والخلوة.
стр. 2967
ويصير المرتضع ولدًا لمن ينسب لبنها إليه بسبب حملها منه، أو سبب وطئه لها بنكاح أو شبهه، للحوق نسب الحمل به في تلك الأحوال، والرضاع فرع عنه، فيكون المرتضع ولدًا له في الأحكام المذكورة في حق المرضعة فقط، وهي تحريم النكاح، وجواز النظر والخلوة والمحرمية دون بقية الأحكام.
ويكون محارم من نسب إليه اللبن، كآبائه، وأولاده، وأمهاته، وأجداده، وجداته، وإخوانه، وأخواته، وأولادهم، وأعمامه، وعماته، وأخواله وخالاته -يكونون محارم للمرتضع، ويكون محارم المرضعة - كآبائها وأولادها وأمهاتها وأخواتها وأعمامها ونحوهم، محارم للمرتضع.
وكما تثبت الحرمة على المرتضع تنتشر كذلك على فروعه من أولاده، وأولاد أولاده دون أصوله وحواشيه، فلا تنتشر الحرمة على من هو أعلى منه من آبائه وأمهاته وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته، كما لا تنتشر إلى من هو في درجته من حواشيه وهو إخوانه وأخواته» (١).
ومثاله: لو ارتضع زيد من خديجة، فإن أبا زيد وإخوان زيد وأعمام زيد لا علاقة لهم بأمه من الرضاع، إنما الذين لهم علاقة هم أبناؤه فقط، وعلى ذلك تباح المرضعة لأبي
стр. 2968
المرتضع وأخيه من النسب، يعني أخو المرتضع من النسب وأبو المرتضع من النسب تباح لهم أمه من الرضاعة، وكذلك أمه وأخته من النسب لأبيه وأخيه -يعني من الرضاع، فيجوز لأبيه من الرضاع أن يتزوج بأمه وأن يتزوج بأخته من النسب، وهذا الحكم محل إجماع على عدم انتشار المحرمية في أصول الرضيع؛ لأن الحديث قصر المحرمية على الرضيع فقط، ومن رضع من لبن امرأة موطوءة بعقد باطل أو بزنى، صار ولدًا للمرضعة فقط؛ لأنه لما لم تثبت الأبوة من النسب لم تثبت من الرضاع وهو فرعها.
ولبن البهيمة لا يحرم، فلو ارتضع طفلان من بهيمة لم ينشر الحرمة بينهما، واختلف في لبن المرأة إذا در لها لبن بدون حمل وبدون وطء تقدم، ورضع منه طفل.
فقيل: لا ينشر الحرمة؛ لأنه ليس بلبن حقيقة، بل رطوبة متولدة؛ ولأن اللبن ما أنشز العظم، وأنبت اللحم، وهذا ليس كذلك.
القول الثاني: أنه ينشر الحرمة، واختاره الموفق وغيره، وهذا ما تفتي به اللجنة الدائمة، سُئلت اللجنة: يقول السائل: لو أن شابة لم تتزوج ولم يُعقد عليها أرضعت طفلًا في السنتين الأُوليين من عمره رضاعًا مشبعًا تجاوز الخمس رضعات، هل
стр. 2969
يُحرم حليبها وتصبح أمًّا له، أم أنه يشترط العقد الشرعي على المرضعة قبل الإرضاع؟
الجواب: إذا درت على الطفل لبنًا، ورضع الطفل خمس رضعات فأكثر في الحولين، فبذلك تصير أمًا له من الرضاع، ولو لم تتزوج، على الصحيح من قولي العلماء» (١).
«ويثبت الرضاع بشهادة امرأة مرضية في دينها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إذا كانت معروفة بالصدق، وذكرت أنها أرضعت طفلًا خمس رضعات، فإنه يقبل قولها على الصحيح، ويفرق بينهما إذا تزوجها» (٢).
روى البخاري في صحيحه من حديث عقبة بن الحارث: أن النبي ﷺ أمر عقبة ابن الحارث أن يفارق امرأته لما ذكرت الأمة السوداء أنها أرضعته (٣).
وإن شك في وجود الرضاع، أو شك في كماله خمس رضعات وليس هناك بينة، فلا تحرم، لأن الأصل عدم الرضاع (٤).
стр. 2970
«مسائل في الرضاع:
المسألة الأولى: هل يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة، أو من النسب فقط؟
المحرمات بالمصاهرة من جهة الرضاع أربعة: أم الزوجة، وبنت الزوجة، وأب الزوج، وابن الزوج من الرضاع، يعني أب الزوج من الرضاع، وأم الزوجة من الرضاع، وبنت الزوجة من الرضاع، هذه الأربع نساءهن فقط المحرمات بالمصاهرة، فهل يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب والمصاهرة، أو ما يحرم من النسب فقط؟
المسألة فيها خلاف، مثال للمسألة: هل يحرم على أب الإنسان من الرضاع زوجته، أو هل تحرم زوجة الإنسان على أبيه من الرضاع أو لا تحرم؟
ذهب جمهور أهل العلم وحكى إجماعًا أنه يحرم، واستدلوا بالعمومات كقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. فإن أم الزوجة من الرضاع أم فتحرم، فتدخل في التحريم.
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم إلى أنها لا تحرم، واستدلوا على هذا بأن النبي ﷺ قال: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا
стр. 2971
يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (١). فلا تدخل في ذلك المصاهرة. والأحوط القول الأول.
المسألة الثانية: رضاع الكبير، والمقصود بالكبير من تجاوز السنتين، اختلف العلماء في تأثير رضاع الكبير على ثلاثة أقوال:
١ - القول الأول: وهو مذهب الجماهير، أنه لا يؤثر مهما كانت الظروف.
٢ - القول الثاني: أن رضاع الكبير يؤثر مطلقًا.
٣ - القول الثالث: أن رضاع الكبير يؤثر عند الحاجة الماسة، وإذا دعت إليه الضرورة، وهو مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، واستدلوا على ذلك بالقصة المشهورة: أن سالمًا مولى أبي حذيفة لما كبر شق على أبي حذيفة أن يدخل بيته، فاستفتوا النبي ﷺ ، وقال النبي ﷺ : «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ» (٢). فدل هذا الحديث على أنه إذا دعت الحاجة كما في حديث سالم، فإنه يجوز أن يرضع الكبير ويؤثر.
والراجح القول الأول، وأن الحديث خاص بسالم مولى أبي
стр. 2972
حذيفة وسهلة بنت سهيل، وليس عامًّا للأمة، وهذا ما قاله غالب أزواج النبي ﷺ ورجحه جمهور أهل العلم» (١)(٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2973
الكلمة الثامنة والعشرون
الرقابة الذاتية في الوقت المعاصر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
ففي وقتنا المعاصر ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، والإعلام بأنواعه المختلفة، المقروء، والمسموع، والمرئي، أصبح المؤمن يتعرض للفتن ليلًا ونهارًا، صباحًا ومساءً؛ ولذلك لا بد للمؤمن أن يجعل مراقبة الله دائمًا بين عينيه، والمقصود بالمراقبة كما قال ابن القيم ﵀: «دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق على ظاهره وباطنه» (١)، قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس:٦١].
"فأخبر تعالى نبيه ﷺ أنه يعلم جميع أحواله وأحوال أمته،
стр. 2974
وجميع الخلائق في كل ساعة وآن ولحظة، وأنه لا يعزب عن علمه وبصره مثقال ذرة في حقارتها وصغرها في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر منها ولا أكبر إلا في كتاب مبين، لقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام:٥٩]. فإذا كان هذا علمه بحركات الجمادات، فكيف بعلمه بحركات المكلفين المأمورين بالعبادة» (١).
«وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾ [المجادلة:٧]. أي: يطلع عليهم ويسمع كلامهم وسرهم ونجواهم، ورسله أيضًا مع ذلك تكتب ما يتناجون به، مع علم الله به وسمعه لهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾ [التوبة:٧٨]. ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معية علم الله تعالى، ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضًا مع علمه محيط بهم، وبصره نافذ فيهم، فهو -سُبْحَانَهُ- مطلع على خلقه، لا يغيب عنه
стр. 2975
من أمورهم شيء» (١).
روى ابن ماجه في سننه من حديث ثوبان ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ هَبَاءً مَنْثُورًا»، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا» (٢).
قال بعضهم: «أجمع العارفون بالله بأن ذنوب الخلوات هي أصل الانتكاسات، وأن عبادات الخفاء هي أعظم أسباب الثبات».
وقال ابن رجب ﵀: «خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس» (٣).
قال الشاعر:
وَإِذَا خَلَوْتَ بِرِيبَةٍ فِي ظُلْمَةٍ ... وَالنَّفْسُ دَاعِيَةٌ إِلَى الطُّغْيَانِ
فَاَسْتَحْيِ مِنْ نَظَرِ الإِلَهِ وَقُلْ لَهَا ... إِنَّ الَّذِي خَلَقَ الظَّلَامَ يَرَانِي
ومن الأسباب المعينة على مراقبة اللَّه تعالى في الخلوة:
أن يستحضر العبد اطلاع الله عليه وإحاطته به لكي يخاف
стр. 2976
ويستحي منه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق:١٦]، وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر: ١٩]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء:٣٦]. روى الإمام أحمد في كتابه (الزهد)، والبيهقي في (شعب الإيمان) من حديث سعيد بن زيد: أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ : أوصني، قال: «أُوصِيكَ أَنْ تَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ كَمَا تِسْتَحِي رَجُلًا مِنْ صَالِحِي قَوْمِكَ» (١).
٢ - أن يتذكر العبد شهادة الجوارح عليه يوم القيامة، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١)﴾ [فصلت:٢٠ - ٢١]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ [يس:٦٥]. روى مسلم في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فضحك، فقال: «هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ»؟ قَالَ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ، أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قَالَ: يَقُولُ: بَلَى. قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي.
стр. 2977
قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا. قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي. قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ. قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ، قَالَ: فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ» (١).
٣ - أن يتذكر العبد الأجر العظيم لمن راقب الله في خلوته، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢]. قال ابن كثير ﵀: «يقول تعالى مخبرًا عمن يخاف مقام ربه فيما بينه وبينه إذا كان غائبًا عن الناس، فينكف عن المعاصي ويقوم بالطاعات، حيث لا يراه أحد إلا الله تعالى: بأن له مغفرة وأجرًا كبيرًا، أي: يكفر عنه ذنوبه ويجازى بالثواب الجزيل» (٢).
كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النَبِيَّ ﷺ قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى في ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ، فذكر منهم: رَجُلًا دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلًا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلًا ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» (٣).
وروى أبو داود في سننه من حديث عقبة بن عامر أن النبي ﷺ
стр. 2978
قال: «يَعْجَبُ ربُّكَ من راعِي غَنَمٍ، في رأسِ شَظِيَّةٍ بجبلٍ، يُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ : انْظَرُوا إِلَى عَبْدِي هذا يُؤَذِّنُ و يُقِيمُ الصَّلَاةَ يَخافُ مِنِّي، قد غَفَرْتُ لعَبْدِي، وأَدْخَلْتُهُ الجنةَ» (١).
وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري قال: قيل يا رسول الله! أي الناس أفضل، فقال رسول الله ﷺ : «مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ»، قالوا: ثم من؟ قال: «مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ» (٢).
٤ - أن يتذكر العبد أنه إذا ترك هذا الحرام في خلوته لله، فإن الله يعوضه بالحلال خيرًا منه، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي قتادة وأبي الدهماء: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلَّهِ، إلَّا بَدَّلَكَ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ» (٣).
قال قتادة السدوسي: «لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله ، إلا أبدله الله به في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير من ذلك».
стр. 2979
تنبيه:
بنبغي للأب أن يزرع في قلوب أبنائه مخافة الله، وتعظيم أوامره ونواهيه، خاصة وأن أجهزة الإعلام وشبكات التواصل قد انتشرت في بيوت المسلمين، وأصبحت في متناول الصغير والكبير، والذكر والأنثى، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث معقل بن يسار: أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2980
الكلمة التاسعة والعشرون
الإسراء والمعراج
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
«فمن أعظم المعجزات والكرامات العظيمة التي منَّ الله بها على نبينا محمد ﷺ معجزة الإسراء والمعراج، وتأتي هذه المعجزة تكريمًا وتثبيتًا للنبي ﷺ بعد وفاة عمه الذي كان يحميه، وزوجته التي كانت تواسيه، وبعد ما أصابه في الطائف ومكة ما أصابه من الأذى، فهي بعد العام العاشر من البعثة» (١).
«واختلف العلماء في تحديد زمانها، فأكثر أهل العلم على أن الإسراء والمعراج وقعا قبل الهجرة بسنة، وبعضهم قال: سنة إلا شهرًا، وقال آخرون: سنة إلا شهرين، وما اشتهر عند المؤرخين وأصحاب السير أنه وقع في رجب في ليلة سبع وعشرين فليس عليه دليل، والمحققون من المحدثين والفقهاء يقولون: وقع قبل الهجرة بسنة، ومعلوم أن الهجرة كانت في