← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

ويستحي منه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق:١٦]، وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر: ١٩]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء:٣٦]. روى الإمام أحمد في كتابه (الزهد)، والبيهقي في (شعب الإيمان) من حديث سعيد بن زيد: أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ : أوصني، قال: «أُوصِيكَ أَنْ تَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ كَمَا تِسْتَحِي رَجُلًا مِنْ صَالِحِي قَوْمِكَ» (١). ٢ - أن يتذكر العبد شهادة الجوارح عليه يوم القيامة، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١)﴾ [فصلت:٢٠ - ٢١]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ [يس:٦٥]. روى مسلم في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فضحك، فقال: «هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ»؟ قَالَ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ، أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قَالَ: يَقُولُ: بَلَى. قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي.

стр. 2977

قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا. قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي. قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ. قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ، قَالَ: فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ» (١). ٣ - أن يتذكر العبد الأجر العظيم لمن راقب الله في خلوته، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢]. قال ابن كثير ﵀: «يقول تعالى مخبرًا عمن يخاف مقام ربه فيما بينه وبينه إذا كان غائبًا عن الناس، فينكف عن المعاصي ويقوم بالطاعات، حيث لا يراه أحد إلا الله تعالى: بأن له مغفرة وأجرًا كبيرًا، أي: يكفر عنه ذنوبه ويجازى بالثواب الجزيل» (٢). كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النَبِيَّ ﷺ قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى في ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ، فذكر منهم: رَجُلًا دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلًا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلًا ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» (٣). وروى أبو داود في سننه من حديث عقبة بن عامر أن النبي ﷺ

стр. 2978

قال: «يَعْجَبُ ربُّكَ من راعِي غَنَمٍ، في رأسِ شَظِيَّةٍ بجبلٍ، يُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ : انْظَرُوا إِلَى عَبْدِي هذا يُؤَذِّنُ و يُقِيمُ الصَّلَاةَ يَخافُ مِنِّي، قد غَفَرْتُ لعَبْدِي، وأَدْخَلْتُهُ الجنةَ» (١). وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري قال: قيل يا رسول الله! أي الناس أفضل، فقال رسول الله ﷺ : «مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ»، قالوا: ثم من؟ قال: «مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ» (٢). ٤ - أن يتذكر العبد أنه إذا ترك هذا الحرام في خلوته لله، فإن الله يعوضه بالحلال خيرًا منه، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي قتادة وأبي الدهماء: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلَّهِ، إلَّا بَدَّلَكَ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ» (٣). قال قتادة السدوسي: «لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله ، إلا أبدله الله به في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير من ذلك».

стр. 2979

تنبيه: بنبغي للأب أن يزرع في قلوب أبنائه مخافة الله، وتعظيم أوامره ونواهيه، خاصة وأن أجهزة الإعلام وشبكات التواصل قد انتشرت في بيوت المسلمين، وأصبحت في متناول الصغير والكبير، والذكر والأنثى، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث معقل بن يسار: أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2980

الكلمة التاسعة والعشرون الإسراء والمعراج الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. «فمن أعظم المعجزات والكرامات العظيمة التي منَّ الله بها على نبينا محمد ﷺ معجزة الإسراء والمعراج، وتأتي هذه المعجزة تكريمًا وتثبيتًا للنبي ﷺ بعد وفاة عمه الذي كان يحميه، وزوجته التي كانت تواسيه، وبعد ما أصابه في الطائف ومكة ما أصابه من الأذى، فهي بعد العام العاشر من البعثة» (١). «واختلف العلماء في تحديد زمانها، فأكثر أهل العلم على أن الإسراء والمعراج وقعا قبل الهجرة بسنة، وبعضهم قال: سنة إلا شهرًا، وقال آخرون: سنة إلا شهرين، وما اشتهر عند المؤرخين وأصحاب السير أنه وقع في رجب في ليلة سبع وعشرين فليس عليه دليل، والمحققون من المحدثين والفقهاء يقولون: وقع قبل الهجرة بسنة، ومعلوم أن الهجرة كانت في

стр. 2981

شهر ربيع الأول، وإذا كان كذلك فقولهم: قبله بسنة يعني أن الإسراء والمعراج لم يقعا في رجب» (١). وقد ذكر الله الإسراء بنبيه ﷺ من مكة إلى بيت المقدس، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١]. وذكر المعراج في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٣ - ١٨]. وقد وردت عدة أحاديث في الإسراء والمعراج، أسوقها ثم أذكر الفوائد المتعلقة بها: روى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁، عن مالك بن صعصعة ﵄، أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أُسري به، قال: «بَيْنَمَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ - وَرُبَّمَا قَالَ: فِي الْحِجْرِ - مُضْطَجِعًا إِذْ أَتَانِي آتٍ فَقَدَّ - قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: فَشَقَّ - مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ - فَقُلْتُ لِلْجَارُودِ وَهُوَ إِلَى جَنْبِي: مَا يَعْنِي بِهِ؟ قَالَ: مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مِنْ قَصِّهِ إِلَى شِعْرَتِهِ - فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي، ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ

стр. 2982

إِيمَانًا، فَغُسِلَ قَلْبِي، ثُمَّ حُشِيَ، ثُمَّ أُعِيدَ، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ، وَفَوْقَ الْحِمَارِ أَبْيَضَ - فَقَالَ لَهُ الْجَارُودُ: هُوَ الْبُرَاقُ يَا أَبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ أَنَسٌ: نَعَمْ - يَضَعُ خَطْوَهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ، فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ. فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَفَتَحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا فِيهَا آدَمُ، فَقَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَفَتَحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يَحْيَى وَعِيسَى، وَهُمَا ابْنَا الْخَالَةِ، قَالَ: هَذَا يَحْيَى وَعِيسَى، فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا. فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّا، ثُمَّ قَالَا: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يُوسُفُ، قَالَ: هَذَا يُوسُفُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَسَلَّمْتُ

стр. 2983

عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: أَوَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِلَى إِدْرِيسَ، قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ . قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا هَارُونُ، قَالَ: هَذَا هَارُونُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ السَّادِسَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا مُوسَى، قَالَ: هَذَا مُوسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. فَلَمَّا تَجَاوَزْتُ بَكَى، قِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَبْكِي؛ لِأَنَّ غُلَامًا بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مَنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي.

стр. 2984

ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: هَذَا أَبُوكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ. قَالَ: مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ رُفِعَتْ إِلَيَّ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى فَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ، وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ. قَالَ: هَذِهِ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، وَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ؛ نَهْرَانِ بَاطِنَانِ، وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ. فَقُلْتُ: مَا هَذَانِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ، وَالْفُرَاتُ. ثُمَّ رُفِعَ لِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ: هِيَ الْفِطْرَةُ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا وَأُمَّتُكَ. ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَوَاتُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ، فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟ قَالَ: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ. فَرَجَعْتُ، فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ، فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ، فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ، فَأُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ،

стр. 2985

فَرَجَعْتُ، فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ، فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ. قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ، وَلَكِنْ أَرْضَى وَأُسَلِّمُ. قَالَ: فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَى مُنَادٍ: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي» (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث ثابت البُناني، عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ، وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، قَالَ: فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. قَالَ: فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ. قَالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ ﵇ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ ﵇: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ» (٢). وذكر مثل الحديث الذي قبله (٣). وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال:

стр. 2986

قال رسول الله ﷺ : «لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ، وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ، فَسَأَلَتْنِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا (١)، قَالَ: فَكُرِبْتُ كَرْبًا مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ (٢). قَالَ: فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ (٣) كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ - يَعْنِي نَفْسَهُ ﷺ فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ لِي قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ! هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَبَدَأَنِي بِالسَّلَامِ» (٤). وروى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، إِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الْأَرْضِ فَيُقْبَضُ مِنْهَا، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا فَيُقْبَضُ مِنْهَا، قَالَ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾، قَالَ: فِرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: فَأُعْطِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثًا: أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَأُعْطِيَ

стр. 2987

خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكُ بِاللَّهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا، المُقْحِمَاتُ (١)» (٢). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث مسروق قال: قلت لعائشة ﵂: يا أمتاه، هل رأى محمد ﷺ ربه؟ فقالت: لقد قف شعري (٣) مما قلت! أين أنت من ثلاث، من حدثكهن فقد كذب: من حدثك أن محمدًا ﷺ رأى ربه؛ فقد كذب، ثم قرأت: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١]، ومن حدثك أنه يعلم ما في غدٍ؛ فقد كذب، ثم قرأت: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان:٣٤]، ومن حدثك أنه كتم؛ فقد كذب، ثم قرأت: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] الآية، ولكنه رأى جبريل ﵇ في صورته مرتين (٤). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث زر بن حُبيشٍ في قول الله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم: ٩ - ١٠]. قال: حدثنا ابن مسعود ﵁:

стр. 2988

أنه رأى جبريل ﵇ له ستمائة جناح (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ : هل رأيت ربك؟ قال: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ (٢)» (٣). من فوائد قصة الإسراء والمعراج: قال الحافظ ﵀ في الفتح: وفي حديث الإسراء والمعراج من الفوائد: ١ - أن للسماء أبوابًا حقيقيةً وحفظةً موكلين بها. ٢ - إثبات الاستئذان. ٣ - أنه ينبغي لمن يستأذن أن يقول: أنا فلان، ولا يقتصر على: أنا؛ لأنه يُنافي مطلوب الاستفهام. ٤ - أن المار يُسلم على القاعد، وإن كان المار أفضل من القاعد. ٥ - استحباب تلقي أهل الفضل بالبشر، والترحيب، والثناء، والدعاء. ٦ - جواز مدح الإنسان المأمون عليه الافتتان في وجهه.

стр. 2989

٧ - جواز الاستناد إلى القبلة بالظهر وغيره، مأخوذ من استناد إبراهيم ﵇ إلى البيت المعمور، وهو كالكعبة في أنه قبلةٌ من كل جهة. ٨ - جواز نسخ الحُكم قبل وقوع الفعل. ٩ - فضل السير بالليل على السير بالنهار لما وقع من الإسراء بالليل؛ ولذلك كانت أكثر عبادته ﷺ بالليل، وكان أكثر سفره ﷺ بالليل، وقال ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود: «عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ (١)، فَإِنَّ الأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ» (٢). ١٠ - أن التجربة أقوى في تحصيل المطلوب من المعرفة الكثيرة، يُستفاد ذلك من قول موسى ﵇ للنبي ﷺ أنه عالج الناس قبله وجربهم، ويُستفاد منه تحكيم العادة، والتنبيه بالأعلى على الأدنى؛ لأن من سلف من الأمم كانوا أقوى أبدانًا من هذه الأمة، وقد قال موسى ﵇ في كلامه أنه عالجهم على أقل من ذلك فما وافقوه، ويُستفاد منه أن مقام الخُلة مقام الرضا والتسليم، ومقام التكليم مقام الإدلال والانبساط، ومن ثم استبد موسى ﵇ بأمر الرسول ﷺ بطلب التخفيف دون إبراهيم ﵇، مع أن للنبي ﷺ من

стр. 2990

الاختصاص بإبراهيم ﵇ -أزيد مما له من موسى ﵇ لمقام الأبوة، ورفعة المنزلة، والاتباع في الملة. ١١ - أن الجنة والنار قد خُلقتا؛ لقوله ﷺ : «عُرِضَتْ عَلَيَّ الَجَنَّةُ وَالنَّارُ» (١). ١٢ - استحباب الإكثار من سؤال الله تعالى، وتكثير الشفاعة عنده، لما وقع منه ﷺ في إجابته مشورة موسى ﵇ في سؤال التخفيف. ١٣ - فضيلة الاستحياء. ١٤ - بذل النصيحة لمن يحتاج إليها، وإن لم يُستشر الناصح في ذلك (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2991

الكلمة الثلاثون دعاء القنوت الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. روى أبو داود في سننه من حديث الحسن بن علي ﵄ قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ» (١). زاد ابن خزيمة: «لَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ» (٢). ويشرع القنوت قبل الركوع وبعده، ففي الصحيحين من حديث أنس ﵁ أنه سُئل: أقنت النبي ﷺ في الصبح؟ قال: نعم، فقيل له: أَوَقنت قبل الركوع؟ قال: بعد الركوع يسيرًا (٣).

стр. 2992

وروى ابن أبي شيبة من حديث إبراهيم عن علقمة، أن ابن مسعود وأصحاب النبي ﷺ كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وأما فقهاء أهل الحديث كأحمد وغيره فيجوزون كلا الأمرين - أي القنوت قبل الركوع وبعده - لمجيء السُّنة الصحيحة بهما، وإن اختاروا القنوت بعده؛ لأنه أكثر وأقيس، فإن سماع الدعاء مناسب لقول العبد: سمع الله لمن حمده، فإنه يشرع الثناء على الله قبل دعائه» (٢). والسُّنة في القنوت في الوتر أنه يفعله أحيانًا، ويتركه أحيانًا، فقد كان ﷺ يقنت في ركعة الوتر (٣)، ويجعله قبل الركوع (٤). قال الشيخ الألباني ﵀: «وإنما قلنا أحيانًا لأن الصحابة الذي رووا الوتر لم يذكروا القنوت فيه، فلو كان ﷺ يفعله دائمًا لنقلوه جميعًا عنه، نعم رواه عنه أُبي بن كعب وحده، فدل على أنه كان يفعله أحيانًا، ففيه دليل على أنه غير واجب،

стр. 2993

وهو مذهب جمهور العلماء» (١). روى ابن خزيمة في صحيحه من حديث عبدالرحمن القاريء - وكان في عهد عمر بن الخطاب مع عبد الله بن الأرقم على بيت المال -: أن عمر خرج ليلة في رمضان، فخرج معه عبدالرحمن القاريء، فطاف بالمسجد وأهل المسجد أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: والله إني أظن لو جمعنا هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم على ذلك، وأمر أُبي بن كعب أن يقوم لهم في رمضان، فخرج عمر عليهم والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر ﵁: نِعْمَ البدعة هي، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون - يريد آخر الليل -، فكان الناس يقومون أوله، وكانوا يلعنون الكفرة في النصف: «اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك، وخالف بين كلمتهم، وألق عليهم رجزك وعذابك إله الحق، ثم يصلي على النبي ﷺ ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير، ثم يستغفر للمؤمنين، قال: وكان يقول إذا فرغ من لعنه الكفرة وصلاته على النبي ﷺ ، واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات، ومسألته، قال: اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك ربنا،

стр. 2994

ونخاف عذابك، إن عذابك لمن عاديت ملحق، ثم يكبر ويهوي ساجدًا» (١). وروى البيهقي بسنده إلى عبيد بن عمير أن عمر ﵁ قنت بعد الركوع فقال: «اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك، اللهم خالف بين كلمتهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين، بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، ولك نسعى ونحفد، نخشى عذابك، ونرجو رحمتك، إن عذابك بالكافرين ملحق» (٢). وروى البيهقي كذلك بسنده إلى عبدالرحمن بن أبزى عن أبيه قال: «صليت خلف عمر بن الخطاب ﵁ صلاة الصبح فسمعته يقول بعد القراءة قبل الركوع: اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى

стр. 2995

عذابك، إن عذابك بالكافرين ملحق، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونؤمن بك، ونخضع لك، ونخلع من يكفرك» (١). «تنبيهات فيما يُجتنب في دعاء القنوت: التلحين والتطريب والتغني في طلب الدعاء مما ينافي الضراعة والابتهال إلى الله، ويخشى على من فعل ذلك أن يقع في الرياء والعجب. يُجتنب أدعية مخترعة لا أصل لها، فيها غرابة في مفرداتها، حتى إن الإمام ليتكلف في حفظها. يجتنب التزام أدعية وردت في روايات لا تصح عن النبي ﷺ ؛ لأن في سندها كذابًا أو متهمًا بالكذب أو ضعيفًا لا يقبل حديثه. منها ما يروى عن أنس مرفوعًا: أن النبي ﷺ مر بأعرابي وهو يدعو في صلاته وهو يقول: يا من لا تراه العيون، ولا تخالطه الظنون، إلى أن قال: يعلم مثاقيل الجبال، ومكاييل البحار .. الحديث. أخرجه الطبراني في الأوسط بسند فرد فيه من لا يعرف، وهو شيخ الطبراني،

стр. 2996

وتدليس أحد رواته مع ثقته. ويجتنب قصد السجع في الدعاء، والبحث عن غرائب الأدعية المسجوعة على حرف واحد، روى البخاري في صحيحه من حديث عكرمة عن ابن عباس ﵄ أنه قال له: «فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك- يعني: لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب» (١). ومن الأدعية المخترعة المسجوعة: اللهم ارحمنا فوق الأرض، وارحمنا تحت الأرض، وارحمنا يوم العرض. ويجتنب اختراع أدعية فيها تفصيل أو تشقيق في العبارة لما تحدثه من تحريك العواطف، والبكاء، والضجيج، ومنه تضمين الاستعاذة بالله من عذاب القبر ومن أهوال يوم القيامة أوصافًا وتفصيلات يخرج عن مقصود الاستعاذة والدعاء إلى الوعظ، والتخويف، والترهيب، كقول بعضهم وارحمنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه تحت الجنادل وحدنا، وفارقنا الأحباب، والأصحاب، وربما كان له حكم الكلام المتعمد غير المشروع في الصلاة فيبطلها. ويجتنب التطويل بما يشق على المأمومين، وخاصة إن كثيرًا من الأدعية تتكرر، فينبغي الاختصار والحرص على جوامع الأدعية.

стр. 2997

٧ - أن يبتعد عن التكلف بالدعاء والاعتداء فيه، فعلى سبيل المثال: بعضهم إذا دعا يقول: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، ثم يبدأ بالحاضرين من المصلين والحاضرات من المصليات، ثم من بنى المسجد وأشرف عليه، ثم مرضى المسلمين، ثم جيران المسجد، ثم المشايخ والعلماء ... وهكذا إلى سلسلة لا تنتهي، وكان يكفيه أن يقول: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، واشف مرضى المسلمين، وأصلح أحوالهم. أن يبتعد في دعائه عن أساليب الصحافة والإعلام، فيقول بعض الداعين للأمة الإسلامية .. وهي ترفل في ثوب الصحة والعافية، فمادة رفل مدارها على التبختر والخيلاء. كما في الحديث المرفوع عن النبي ﷺ : «مَثَلُ الرَّافِلَةِ فِي الزِّينَةِ فِي غَيْرِ أَهْلِهَا، كَمَثَلِ ظُلْمَةِ يَوْمِ القِيَامَةِ لَا نُورَ لَهَا». رواه الترمذي (١)، والرافلة أي المتبخترة. أن يأتي الإمام بأدعية ليس لها صفة العموم، بل تكون خاصة بحال ضر أو نصرة .. أو نحو ذلك، مثل الدعاء بدعاء نبي الله موسى ﵇: واجعل لي وزيرًا من أهلي .. إلى آخر الآيات، ومنه دعاء الإمام بمن معه: اللهم أحينا ما كانت الحياة خيرًا

стр. 2998

لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيرًا لنا، لما ثبت في الصحيحين من حديث أنس قال: قال النبي ﷺ : «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي .. الحديث» (١). وترجم النووي ﵀ في كتابه الأذكار بقوله: باب كراهية تمني الموت لضر نزل بالإنسان، وجوازه إذا خاف فتنة في دينه (٢). هناك بعض الضوابط للدعاء المشروع في قنوت الوتر ، فمن ذلك: أن على الإمام أن يتقيد في دعاء القنوت باللفظ الوارد عن النبي ﷺ الذي علمه سبطه الحسن بن علي وسبق ذكره، ثم يصلي على النبي ﷺ كما ثبت عن بعض الصحابة في آخر قنوت الوتر، منهم أُبي بن كعب، ومعاذ الأنصاري .. وغيرهم. أن يحرص الإمام على أداء الدعاء بالكيفية الشرعية بضراعة وابتهال، وصوت يبعد عن التلحين، والتطريب. إن زاد على اللفظ المذكور، فعليه مراعاة خمسة أمور: أن تكون الزيادة من جنس المدعو به في دعاء القنوت المذكور. أن تكون الزيادة من الأدعية العامة في القرآن والسُّنة.

стр. 2999

أن تكون الزيادة بعد القنوت الوارد في حديث الحسن. أن لا يتخذ الزيادة فيه شعارًا يداوم عليه. أن لا يطيل إطالة تشق على المأمومين. قد يحصل من الأمور العارضة ما يأتي لها الداعي من إمام وغيره بدعاء مناسب لها، كالاستغاثة حال الجدب، لكن لا يجعله راتبًا لا يتغير بحال» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3000

الكلمة الواحدة والثلاثون الغناء (٢) والشِّيلات والمؤثِّرات الصَّوتية الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦)﴾ [لقمان: ٦]. صح عن ابن مسعود وابن عباس ﵃ أنهما فسرا ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ بالغناء، وحلف ابن مسعود ﵁ ثلاث مرات فقال: «والله الذي لا إله إلا هو ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ هو الغناء» (١). وقال أيضًا: الغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع (٢). قال ابن القيم ﵀ معلقًا على تفسير ابن مسعود ﵁ وغيره للآية السابقة بأن المراد بها الغناء: «فلا ريب أنه أولى بالقبول من تفسير من بعدهم، فهم أعلم الأمة بمراد الله من كتابه، فعليهم نزل وهم أول من خوطب به من الأمة، وقد

стр. 3001

شاهدوا تفسيره من الرسول ﷺ علمًا وعملًا، وهم العرب الفصحاء على الحقيقة، فلا يعدل عن تفسيرهم ما وجد إليه سبيل» (١). الغناء ينقسم إلى قسمين: غناء مع آلات المعازف، وهذا محرم باتفاق الأئمة الأربعة، وقد تقدم الكلام عليه في كلمة سابقة (٢). القسم الثاني: الغناء بدون آلة، وهو موضوع هذه الكلمة، كما أنه هناك موضوع ثالث سيكون موضوع الكلمة الثانية والثلاثون (٣)، وهو ما يسمى قديمًا التغبير، ويسمى اليوم الأناشيد الإسلامية. «لقد كان الغناء قديمًا في الفرس والروم، ولم يكن للعرب قبل ذلك إلا الحُداء والنشيد، وأول من نقل الغناء العجمي إلى العربي من أهل مكة سعيد بن مسجح، وذلك أنه مر بالفرس وهم يبنون المسجد الحرام في أيام عبد الله بن الزبير، فسمع غناءهم بالفارسية، فقلبه في شعر عربي، ثم رحل إلى الشام فأخذ ألحان الروم وغيرهم، وانقلب إلى فارس فأخذ غناءً

стр. 3002

كثيرًا وتعلم الضرب، ثم قدم إلى الحجاز، وقد أخذ محاسن تلك النغم، وألقى منها ما استقبحه من النبرات والنغم، فكان أول من فعل ذلك وتبعه الناس بعد» (١). قال الشاطبي ﵀: «لكن العرب لم يكن لها من تحسين النغمات ما يجري مجرى ما الناس عليه اليوم، بل كانوا ينشدون الشعر مطلقًا من غير أن يتعلموا هذه الترجيعات التي حدثت بعدهم، بل كانوا يرققون الصوت، ويمططونه على وجه يليق بأمية العرب الذين لم يعرفوا صنائع الموسيقى، فلم يكن فيه إلذاذ ولا إطراب يلهي» (٢). «وكلام الشاطبي يدل على أن الأحوال التي رخص فيها الشارع من غناء الأعراس، والأعياد، والغناء للقادم من السفر، إنما هو من نوع النصب، وليس من الغناء بالألحان المطربة» (٣). وقد اختلف العلماء في حكم الغناء بدون آلة، ولابد من تعريف الغناء قبل الدخول في الخلاف: الغناء لغة: يدل على الصوت، فكل من رفع صوته ووالاه،

стр. 3003

فصوته عند العرب غناء (١)، والغناء من الصوت ما طُرِّب به (٢). والطرب: هو خفة وهزة تثير النفس لفرحٍ أو حزن أو ارتياح، يقال: طرب أي: تغنى، وطرب في صوته: رجعه ومده وحسنه (٣). قال في المعجم الوسيط: «الغناء هو التطريب، والترنم بالكلام الموزون وغيره، يكون مصحوبًا بالموسيقى وغير مصحوب» (٤). قال القرطبي ﵀: «ما يطلق عليه غناء على ضربين: أحدهما: ضرب جرت عادة الناس باستعماله عند محاولتهم أعمالهم وحملهم أثقالهم، وقطع مفاوز أسفارهم، يسلون بذلك نفوسهم، وينشطون به على مشقات أعمالهم، ويستعينون بذلك على شاق أشغالهم، كحداء الأعراب بإبلهم وغناء النساء لتسكين صغارهن، ولعب الجواري بلعبهن، وما شاكل ذلك، فهذا النحو إذا سلم المغني به من ذكر الفواحش والمحرمات، كوصف الخمور والفتيات، فلا شك في جوازه، ولا يختلف فيه، بل ربما يندب إليه إذا حصل منه ما ينشط على أعمال البر،

стр. 3004

ويرغب في تحصيل الخير، كالحداء في الحج، والغزو، كما كان الصحابة يرتجزون في غزوهم. الضرب الثاني: غناء ينتحله المغنون العارفون لصيغة الغناء، المختارون لما رق من غزل الشعر، الملحنون له بالتلحينات الأنيقة، المقطعون على النغمات الرقيقة التي تهيج النفوس، وتطربها، فهذا هو الغناء المختلف فيه» (١). وقد استدل القائلون بتحريم الغناء -وهو قول أكثر العلماء- بأدلة كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان:٦]، فسرها جمع من الصحابة بالغناء، فقد توعد -سُبْحَانَهُ- في هذه الآية من يشتري لهو الحديث بالعذاب الأليم، فدل ذلك على تحريم الغناء. ومما استدلوا به أيضًا قوله تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)﴾ [النجم: ٥٩ - ٦١]. قال ابن عباس ﵄: هو الغناء، وهي يمانية، يقولون: اسمد لنا: تغن لنا. ووجه الدلالة: أن الله ذم المشركين الذين أعرضوا عن القرآن واشتغلوا عنه بالأغاني واللهو، وأنكر عليهم تعجبهم في حالة كونهم سامدين، فدل ذلك على تحريم الغناء.

стр. 3005

القائلون بالكراهة: وهو الأظهر عند الشافعي ﵀، والمعتمد من القولين عند الإمام أحمد (١). أدلتهم: ١ - ما أخرجه الإمام أحمد، والنسائي من حديث السائب ابن يزيد ﵁: أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقال: «يَا عَائِشَةُ! أَتعْرِفِينَ هَذِهِ؟» قالت: لا يا نبي الله، فقال: هذه قينة (٢) بني فلان، تحبين أن تغنيك؟ قالت: نعم، فأعطاها طبقًا فغنتها، فقال النبي ﷺ : «قَدْ نَفَخَ الشَّيْطَانُ فِي مِنْخَرَيْهَا» (٣). وجه الاستدلال: لما أذن لها ﷺ بسماع الغناء ثم ذمه بقوله ﷺ : «قد نفخ الشيطان في منخريها» علمنا أن الذم على جهة الكراهة، لا على جهة التحريم؛ لأنه لا يجتمع إباحة وتحريم في نفس الحديث. وقال القرطبي ﵀ في بيان وجه الاستدلال: «أنه ﷺ

стр. 3006

أقرها على الغناء، فكان غير ممنوع، ثم نسبه إلى الشيطان، فكان ممنوعًا، لكن على جهة التنزيه» (١). «وقال السندي في شرحه على المسند: قوله: (قينة بني فلان) أي جاريتهم المغنية (أن تغنيك) بالتشديد، وفيه جواز ذلك على قلةٍ من غير عرس وعيد، كما يجوز فيهما، ويحتمل أنها كانت أيام عيد. (قد نفخ) أي فلذلك اتخذت ذلك عادة، وأما التغني أحيانًا فجائز، فلا منافاة بين هذا وبين الإذن السابق الدال على الجواز، وفيه حسن المعاشرة مع الأهل» (٢). ٢ - روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ وعندي جاريتان تغنيان في أيام منى تدففان وتضربان، والنبي ﷺ متغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي ﷺ عن وجهه، فقال: «دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ»، وتلك الأيام أيام منى (٣). وجه الاستدلال: كونه ﷺ أعرض عن غناء الجاريتين في بيت عائشة ﵂، ولم يأمرهما بالتوقف، يدل على أنه من باب سماع اللهو الذي يعرض عنه.

стр. 3007

القائلون بالإباحة: وممن قال بذلك الإمام ابن حزم الظاهري (١)، والغزالي من فقهاء الشافعية، وبعض فقهاء الحنفية، وهو رواية عن أحمد وبعض فقهاء الحنابلة كالإمام أبي بكر الخلّال، وهو مذهب عامة أهل الظاهر والمتصوفة (٢). وقد طُعن في صحة نقل الإباحة عن الإمام أحمد بن حنبل، وبعض أصحابه؛ بأنه محمول على ما كان في زمانهم من القصائد الزهديات (٣). أدلتهم: ١ - قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧]. وجه الاستدلال: أن الله قد أباح عموم الطيبات في الآية، والغناء من الطيبات المستلذة للنفس، ولم يرد دليل يدل على تحريم الغناء، وكوننا نقول إنه حرام معناه أن الله يعاقب عليه، وهذا أمر لا يُعرف بمجرد العقل، بل بالسمع، فإن امتنع بقي

стр. 3008

الفعل مباحًا لا حرج فيه (١). مناقشة الاستدلال: إن هذه الآية لا تعد دليلًا على إباحة الغناء، وخاصة الفاحش، ولو كان كل طيب مستلذ غير نافع مباحًا لأبحنا كثيرًا من المستلذات، ومنها الخمر وأشباهها. أما القول بأنه لا دليل على الحرمة لا يُسلم به؛ بل وردت نصوص تفيد النهي عن الغناء - كما سبق ذكرها - كما وردت أحاديث ضعيفة كثيرة في النهي عن الغناء وهي بمجموعها صالحة للاحتجاج بها. ٢ - ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار، تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بُعاث - قالت: وليستا بمغنيتين - فقال أبو بكر: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ وذلك في يوم عيد - فقال رسول الله ﷺ : «يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا» (٢). وجه الاستدلال: هذا نص صريح أن الغناء واللعب ليس بحرام. قال القسطلاني: «واستدل به على جواز سماع صوت

стр. 3009

الجارية بالغناء، ولو لم تكن مملوكة؛ لأنه ﷺ لم ينكر على أبي بكر سماعه، بل أنكر إنكاره» (١). مناقشة الاستدلال: أ- أن هذا الحديث عليهم وليس لهم، كما قال ابن القيم ﵀: «هذا الحديث من أكبر الحجج عليك - أي على المستدل به لإباحة الغناء - فإن الصِّدِّيق سمى الغناء مزمور الشيطان، ولم ينكر عليه النبي ﷺ هذه التسمية» (٢). ب- قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ليس في حديث الجاريتين أن النبي ﷺ استمع إلى ذلك، والأمر والنهي إنما يتعلق بالاستماع لا بمجرد السماع» (٣). ج- أن الرخصة استثناء من الحكم العام، وقد جاءت هنا الرخصة في قوله ﷺ : «يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وهَذَا عِيدُنَا». ٣ - ما أخرجه الترمذي وغيره من حديث محمد بن

стр. 3010

حاطب ﵁، عن النبي ﷺ قال: «فَصْلُ مَا بَيْنَ الحَلَالِ والحَرَامِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ» (١) (٢). الترجيح: «الراجح في حكم الغناء بالألحان المطربة - بدون آلة - أنه يدور بين التحريم والكراهة والإباحة جمعًا بين الأدلة المختلفة في حكم الغناء وسماعه، فيحرم الغناء بالألحان المطربة - بدون آلة - في المواضع التي دل النص أو الإجماع على تحريمه فيها، وهذه المواضع هي: أولًا: إذا قُصد من الغناء أمر محرم كالإضلال عن سبيل الله، والسخرية بالمؤمنين، فمن النهي الأول قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان:٦]، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)﴾ [النجم: ٥٩ - ٦١]. ويُقاس على هذين المقصدين المحرمين للغناء، كل مقصود محرم.

стр. 3011

ثانيًا: إذا اقترن بالغناء أمر محرم كشرب الخمر في مجلس الغناء، كالذي جاء التحذير منه في حديث أبي موسى الأشعري: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ والخَمْرَ وَالمَعَازِفَ» (١). ثالثًا: الغناء الفاحش الذي يدعو إلى معصية، سواء كان ذلك الفحش في ألحان الغناء، أو في مقصده، أو كلماته؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النحل: ٩٠]. رابعًا: إذا اشتمل الغناء على كلمات مخالفة للشرع، مثل الغزل الفاحش، والهجاء المحرم. خامسًا: إذا أدى استماع الغناء إلى فعل محرم، أو ترك واجب. سادسًا: احتراف الغناء والاشتغال به في كل حين ووقت، وقد عدَّه أهل العلم من السفه الذي ترد به الشهادة (٢). * ويكره الغناء بالألحان المطربة - بدون آلة - إذا كان مجردًا عن مواضع المحرمات المذكورة آنفًا. وقد دل على ذلك عموم حديث عقبة بن عامر ﵁، عن النبي ﷺ قال: «كُلُّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ بَاطِلٌ، إِلَّا رَمْيَةَ الرَّجُلِ بِقَوْسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ

стр. 3012

فَرَسَهِ، وَمُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتِهِ، فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقِّ» (١). قال ابن القيم ﵀: «ومعلوم أن الباطل من الأعمال هو ما ليس فيه منفعة، فهذا يُرخص في بعضه أحيانًا للنفوس التي لا تصبر على الحق المحض» (٢). * ويكون الغناء بالألحان المطربة مباحًا للنساء في المواضع التي جاء النص بإباحته فيها، وبالقدر الذي وردت الرخصة به، وهي: الأول: في يوم العيد: كما جاء في حديث عائشة ﵂: «وعندي جاريتان تغنيان ... وذلك يوم عيد ... الحديث» (٣). الثاني: في العرس: لحديث محمد بن حاطب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «فَصْلُ مَا بَيْنَ الحَلَالِ والحَرَامِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ» (٤). الثالث: حين قدوم الغائب المجاهد الذي له مكانة ومنزلة عند قومه، جاز أن يُضرب له بالدف تحية لقدومه سالمًا، كما جاء في حديث الجارية التي نذرت أن تضرب

стр. 3013

بالدف إن عاد النبي ﷺ سالمًا من إحدى الغزوات، وقال لها النبي ﷺ : «إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي، وَإِلَّا فَلَا» (١). الرابع: في الختان لتلهية الطفل المختون عن إحساسه بالألم، كما صح عن عائشة ﵂ الرخصة بذلك، فعن أم علقمة مولاة عائشة ﵂ قالت: «إن بنات أخي عائشة خُتنَّ، فقيل لعائشة: ألا ندعو لهن من يلهيهن؟ قالت: بلى، فأرسلت إلى عدي (٢) فأتاهن، فمرت عائشة في البيت فرأته يتغنى، ويحرك رأسه طربًا - وكان ذا شعر كثير - فقالت: أف، شيطان أخرجوه، أخرجوه» (٣). والغناء في هذه المواضع الأربعة مقيد بالصفة التي وردت الرخصة بها كما جاءت في هذه النصوص، وهي كالتالي: أن يكون اللهو والغناء في هذه المناسبات دون غيرها من الأوقات. أن يُقتصر في ألحانه على الترجيع والتطريب اليسيرين، دون

стр. 3014

ترجيع وتطريب أهل الغناء، والفسق، والمجون، المشتمل على التكسر، والتهييج، والمجون، ويؤخذ هذا القيد من قول عائشة ﵂: «عندي جاريتان تغنيان، وليستا بمغنيتين»، وفعلها مع المغني الذي رأته يتغنى ويحرك رأسه طربًا فقالت: «أف، شيطان أخرجوه، أخرجوه» لما علمت أن غناءه من جنس غناء أهل الطرب والمجون. أن تشتمل كلمات الغناء على اللهو المباح لا المحرم، كنحو ما جاء في الحديث: أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ فَحَيُّونَا نُحِيِّيكُمْ أن لا تشتمل كلماته على معنى مخالف للشرع. أن يُقتصر على الغناء بالدف دون غيره من الآلات، فإن جميع الأحاديث الواردة في إباحة الغناء في هذه المواضع لم يذكر فيها سوى الغناء بالدف للنساء فقط. أن لا يكون مقترنًا بمحرم كنحو الاختلاط، أو وجود الخمر في مجلس الغناء، وفي حديث أبي موسى ﵁ تنبيه إلى تحريم هذا النوع من الغناء (١)» (٢).

стр. 3015

ويلحق بما سبق ما يسمى بالمؤثرات الصوتية، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبيَّ ﷺ قال: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» (١)، وقوله ﷺ : «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا وَبَاعُوهَا» (٢). وجه الاستدلال: أولًا: هذا الحديث صريح في تحريم التحايل على شرع الله كما فعلت اليهود، وفي استعمال الإيقاعات المشابهة لصوت المعازف بحجة أنها لا تدخل في المعازف تحايل على الشرع. ثانيًا: أن الشرع لا يفرق بين المتماثلات، فلا يليق أن يُنسب إلى الشرع الحكيم أنه يحرم صوتًا ثم يُبيح صوتًا مماثلًا له، فالتفريق بين المتماثلات ممتنع شرعًا. قال ابن القيم ﵀: «وإذا تأملت أسرار هذه الشريعة الكاملة وجدتها في غاية الحكمة ورعاية المصالح لا تفرق بين متماثلين ألبتة، ولا تسوي بين مختلفين، ولا تحرم شيئًا لمفسدة، وتبيح ما مفسدته مساوية لما حرمته أو رجحته عليه، ولا تُبيح شيئًا لمصلحة، وتُحرم ما مصلحته مساوية لما أباحته
следующие страницы →