← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

ثانيًا: إذا اقترن بالغناء أمر محرم كشرب الخمر في مجلس الغناء، كالذي جاء التحذير منه في حديث أبي موسى الأشعري: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ والخَمْرَ وَالمَعَازِفَ» (١). ثالثًا: الغناء الفاحش الذي يدعو إلى معصية، سواء كان ذلك الفحش في ألحان الغناء، أو في مقصده، أو كلماته؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النحل: ٩٠]. رابعًا: إذا اشتمل الغناء على كلمات مخالفة للشرع، مثل الغزل الفاحش، والهجاء المحرم. خامسًا: إذا أدى استماع الغناء إلى فعل محرم، أو ترك واجب. سادسًا: احتراف الغناء والاشتغال به في كل حين ووقت، وقد عدَّه أهل العلم من السفه الذي ترد به الشهادة (٢). * ويكره الغناء بالألحان المطربة - بدون آلة - إذا كان مجردًا عن مواضع المحرمات المذكورة آنفًا. وقد دل على ذلك عموم حديث عقبة بن عامر ﵁، عن النبي ﷺ قال: «كُلُّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ بَاطِلٌ، إِلَّا رَمْيَةَ الرَّجُلِ بِقَوْسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ

стр. 3012

فَرَسَهِ، وَمُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتِهِ، فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقِّ» (١). قال ابن القيم ﵀: «ومعلوم أن الباطل من الأعمال هو ما ليس فيه منفعة، فهذا يُرخص في بعضه أحيانًا للنفوس التي لا تصبر على الحق المحض» (٢). * ويكون الغناء بالألحان المطربة مباحًا للنساء في المواضع التي جاء النص بإباحته فيها، وبالقدر الذي وردت الرخصة به، وهي: الأول: في يوم العيد: كما جاء في حديث عائشة ﵂: «وعندي جاريتان تغنيان ... وذلك يوم عيد ... الحديث» (٣). الثاني: في العرس: لحديث محمد بن حاطب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «فَصْلُ مَا بَيْنَ الحَلَالِ والحَرَامِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ» (٤). الثالث: حين قدوم الغائب المجاهد الذي له مكانة ومنزلة عند قومه، جاز أن يُضرب له بالدف تحية لقدومه سالمًا، كما جاء في حديث الجارية التي نذرت أن تضرب

стр. 3013

بالدف إن عاد النبي ﷺ سالمًا من إحدى الغزوات، وقال لها النبي ﷺ : «إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي، وَإِلَّا فَلَا» (١). الرابع: في الختان لتلهية الطفل المختون عن إحساسه بالألم، كما صح عن عائشة ﵂ الرخصة بذلك، فعن أم علقمة مولاة عائشة ﵂ قالت: «إن بنات أخي عائشة خُتنَّ، فقيل لعائشة: ألا ندعو لهن من يلهيهن؟ قالت: بلى، فأرسلت إلى عدي (٢) فأتاهن، فمرت عائشة في البيت فرأته يتغنى، ويحرك رأسه طربًا - وكان ذا شعر كثير - فقالت: أف، شيطان أخرجوه، أخرجوه» (٣). والغناء في هذه المواضع الأربعة مقيد بالصفة التي وردت الرخصة بها كما جاءت في هذه النصوص، وهي كالتالي: أن يكون اللهو والغناء في هذه المناسبات دون غيرها من الأوقات. أن يُقتصر في ألحانه على الترجيع والتطريب اليسيرين، دون

стр. 3014

ترجيع وتطريب أهل الغناء، والفسق، والمجون، المشتمل على التكسر، والتهييج، والمجون، ويؤخذ هذا القيد من قول عائشة ﵂: «عندي جاريتان تغنيان، وليستا بمغنيتين»، وفعلها مع المغني الذي رأته يتغنى ويحرك رأسه طربًا فقالت: «أف، شيطان أخرجوه، أخرجوه» لما علمت أن غناءه من جنس غناء أهل الطرب والمجون. أن تشتمل كلمات الغناء على اللهو المباح لا المحرم، كنحو ما جاء في الحديث: أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ فَحَيُّونَا نُحِيِّيكُمْ أن لا تشتمل كلماته على معنى مخالف للشرع. أن يُقتصر على الغناء بالدف دون غيره من الآلات، فإن جميع الأحاديث الواردة في إباحة الغناء في هذه المواضع لم يذكر فيها سوى الغناء بالدف للنساء فقط. أن لا يكون مقترنًا بمحرم كنحو الاختلاط، أو وجود الخمر في مجلس الغناء، وفي حديث أبي موسى ﵁ تنبيه إلى تحريم هذا النوع من الغناء (١)» (٢).

стр. 3015

ويلحق بما سبق ما يسمى بالمؤثرات الصوتية، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبيَّ ﷺ قال: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» (١)، وقوله ﷺ : «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا وَبَاعُوهَا» (٢). وجه الاستدلال: أولًا: هذا الحديث صريح في تحريم التحايل على شرع الله كما فعلت اليهود، وفي استعمال الإيقاعات المشابهة لصوت المعازف بحجة أنها لا تدخل في المعازف تحايل على الشرع. ثانيًا: أن الشرع لا يفرق بين المتماثلات، فلا يليق أن يُنسب إلى الشرع الحكيم أنه يحرم صوتًا ثم يُبيح صوتًا مماثلًا له، فالتفريق بين المتماثلات ممتنع شرعًا. قال ابن القيم ﵀: «وإذا تأملت أسرار هذه الشريعة الكاملة وجدتها في غاية الحكمة ورعاية المصالح لا تفرق بين متماثلين ألبتة، ولا تسوي بين مختلفين، ولا تحرم شيئًا لمفسدة، وتبيح ما مفسدته مساوية لما حرمته أو رجحته عليه، ولا تُبيح شيئًا لمصلحة، وتُحرم ما مصلحته مساوية لما أباحته

стр. 3016

ألبتة، ولا يوجد فيما جاء به الرسول ﷺ شيء من ذلك ألبتة» (١). ثالثًا: أن تحريم المعازف إنما هو لما يصدر عنها من أصوات، ولما يحصل بها من الطرب، والإيقاعات الصوتية لها صوت وأثر في النفس مثل المعازف؛ بل قد يكون أبلغ فوجب إلحاقها بها بهذا الجامع. قال ابن القيم ﵀: «وإذا كان الزمر، الذي هو أخف آلات اللهو حرامًا، فكيف بما هو أشد منه؟ كالعود، والطنبور، واليراع، ولا ينبغي لمن شم رائحة العلم أن يتوقف في تحريم ذلك، فأقل ما فيه: أنه من شعار الفسَّاق وشاربي الخمور» (٢). رابعًا: أن المعازف تتطور وتتغير من زمان لآخر، ولا يمكن قصر مفهومها على الآلات الموجودة في صدر الإسلام؛ بل تشمل آلات اللهو كلها بلا خلاف في ذلك عند أهل اللغة وعند الفقهاء - كما مر في تعريف المعازف - وعليه فإن كل آلة تستخدم لإصدار الأصوات الموسيقية هي من المعازف الداخلة في التحريم وإن تغيرت الأسماء والأشكال، ويُشبه هذا ما بوب به البخاري فقال: (باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويُسميه بغير اسمه)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وفي هذا الحديث وعيدٌ شديد على من يتحيل في تحليل ما يحرم بتغيير اسمه،

стр. 3017

وأن الحكم يدور مع العلة، والعلة في تحريم الخمر الإسكار، فمهما وُجد الإسكار وُجد التحريم ولو لم يستمر الاسم. قال ابن العربي: هو أصل في أن الأحكام تتعلق بمعاني الأسماء لا بألقابها؛ ردًّا على من حمله على اللفظ» (١). وعليه فإن الأجهزة التي تُحيل الأصوات إلى أصوات شبيهة بأصوات آلات العزف تلحق بها في الحكم؛ لأنها قامت مقامها، واشتركت في الناتج منها، وما قارب الشيء أخذ حكمه. والله أعلم. خامسًا: أن صوت تلك الإيقاعات ونحوها نظير الصوت الصادر من المعازف، والمعازف من الباطل، والإجماع منعقد على أن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل، قال ابن القيم ﵀ نقلًا عن المزني: "وأجمعوا بأن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل" (٢) (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3018

الكلمة الثانية والثلاثون الأناشيد الإسلامية الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فهذا هو الجزء الثاني من الكلام على مسألة الغناء، وهو ما يسمى قديمًا التغبير، ويسمى اليوم الأناشيد الإسلامية. «النشيد لغة: رفع الصوت، وكذلك المعرِّف يرفع صوته بالتعريف، فيسمَّى منشدًا، ومن هذا إنشاد الشعر إنما هو رفع الصوت، وأنشد الشعر، وتناشدوا، أنشد بعضهم بعضًا، والنشيد: الشعر المتناشد بين القوم ينشد بعضهم بعضًا» (١). والنشيد اصطلاحًا: «هو رفع الصوت بشعر، أو رجز، أو نثر، بنوع فيه ترجيع وترقيق وتنغيم؛ لأجل إثارة الحماس، والعواطف، والغيرة الدينية في أوقات وأماكن متنوعة، فردًا أو جماعة» (٢).

стр. 3019

لقد بدأ النشيد الإسلامي في أوائل السبعينات، وكان إنشادًا عاديًّا عن طريق فرد واحد، أو اثنين ينشدون في المناسبات، ثم استعمل الضرب على الألواح أو الأخشاب مع الإنشاد في الأعياد، أو الأفراح، ثم استعمل الضرب على الدف مع الإنشاد للرجال. وذكر الشيخ الألباني ﵀ بداية النشيد في دمشق - قبل هجرته إلى عمان بسنتين -: «أن بعض الشباب المسلم بدأ يتغنى ببعض الأناشيد سليمة المعنى، قاصدًا بذلك معارضة غناء الصوفية بمثل قصائد البوصيري وغيرها، وسجل ذلك في شريط، فلم يلبث إلا قليلًا حتى قُرن معه الضرب على الدف، ثم استعملوه في أول الأمر في حفلات الأعراس، على أساس أن الدف جائز فيها، ثم شاع الشريط واستنسخت منه نسخ، وانتشر استعماله في كثير من البيوت وأخذوا يستمعون إليه ليلًا ونهارًا، بمناسبة وبغير مناسبة، وصار ذلك سلواهم وهجيراهم» (١). «وبعد أن راجت مثل هذه الأشرطة، بدأ البحث عن المحسنات، فأُدخل على الشريط خدمة الاستريو، وما يعرف بصدى الصوت، فخرج الصوت أجمل وأوقع في النفس، ثم جُربت الأطفال والصبية في الإنشاد، فوُجد أن أصواتهم وأصواتهن أعذب وأسرع إلى الفؤاد المهموم، فسُجلت

стр. 3020

الأناشيد بتلك الأصوات العذبة في كلمات رقيقة، فوجدت رواجًا أكثر، فأضيف إليها تغريد العصافير، وهدير الماء، مع نوع تمثيل وجماعة من الأطفال فتيات وفتيان، فلاقت رواجًا وقبولًا لم يحصل من قبل، ودخلت عامة بيوت المسلمين، ولم يسلم منها إلا القليل. ثم تطور الأمر إلى نشأة فرق متخصصة للإنشاد الجماعي في عدد من الدول العربية كالكويت وقطر، وأدخلوا بعض المحسنات الصوتية حتى سُمِع في إنشادهم صوت الطبل والناي، وانتشرت كذلك بين قطاع عريض من الشباب، وتطور الأمر إلى تمثيل المناسبات الدينية عن طريق الإنشاد. واتسع الخرق، وعظم الخطب، فصور كل هذا على أشرطة فيديو أصبحت حديث المجالس للقاصي والداني، وامتلأت محلات بيع الأشرطة بالمئات، بل الألوف من الأسماء ما بين مسموع ومرئي، ثم اتسع الأمر باستخدام فتيات جميلات - دون البلوغ - في الأناشيد، وقد كُشفت مواضع فاتنة من أجسادهن، على شاطئ البحر مع الصبية فيُنشدون بأناشيد - زعموها - إسلامية. وسرى هذا الأمر في رياض الأطفال، والمراحل الأولى من التعليم؛ بل حتى المراحل العليا، وتداولته حلقات تحفيظ القرآن في بعض الأماكن من باب الدعوة إلى جذب الشباب، ناهيك عن الاستراحات، والمراكز الصيفية، وأنشطة المدارس،

стр. 3021

فضلًا عن امتلاء كثير من البيوت بمثل هذه الصوتيات والمرئيات من الأناشيد. ولم يقف الأمر عند هذا، بل تطور في الوقت الحاضر، فأصبحت الأناشيد مشابهة لأغاني الفسَّاق من حيث ترقيق الصوت، ووضع صورة المُنشد على غلاف الشريط، وعمل (الفيديو كليب) معها، والذي يحوي مخالفات من حيث وجود النساء والفسَّاق، ومن حيث استعمال المعازف والآلات الموسيقية، وأحسنهم حالًا من يستعمل المؤثرات التي تُشبه في صوتها وأثرها الآلات الموسيقية، ويُسمونها (إيقاعات بأصوات بشرية)، ولم يعد للمعاني أي اعتبار؛ بل يُبحث عن اللحن والمؤثرات. وقد طغت الأناشيد على غيرها من المواد المسموعة العلمية والنافعة، وكثرت الفرق الإنشادية في العالم الإسلامي، ولم تتردد تلك الفرق في نشر صور فريقها في الجرائد والمجلات بلباس موحد، ووجوه يُعلن كثير منها مخالفة هدي النبي ﷺ بحلق لحاهم وإسبال ثيابهم» (١). «وبعض العلماء يرجعون النشيد الإسلامي إلى النشيد الصوفي الذي نشأ في القرن الثاني الهجري في بغداد، وكانوا

стр. 3022

يُسمونه (التغبير)، وخاصة عندما تُجعل على شكل أناشيد جماعية، وتُسمى (إسلامية) فهذا ليس له أصل في الدِّين، وممن قال بذلك الشيخ صالح بن فوزان الفوزان - عضو هيئة كبار العلماء - (١). «وبالنسبة للمقاصد فإن المتتبع لأحوال المنشدين، ومقابلاتهم يجد أنهم يتخذون النشيد وسيلة من وسائل الدعوة في هذا العصر ويعتبرونه بديلًا عن الغناء المحرم؛ بل ويطلبون من الله التوفيق في إخراجه على الصورة المرضية، مما يجعل هذا النشيد بهذا المقصد موافق للسماع الصوفي في التعبد والتقرب، خاصة وقد أدخلوا الإيقاع المؤثر على النشيد فلم يعد بينهما فرق يُذكر. والله المستعان. تعقيب العلماء على وصف النشيد بـ (الإسلامي) هذا الوصف للنشيد بأنه (إسلامي) جاء من قبل المنشدين والمروجين للأناشيد، من باب إعطائها صفة المشروعية، وأنها ليست مثل الغناء المحرم، ولكن كثيرًا من العلماء اعترضوا على هذا الاسم، ومن هؤلاء العلماء» (٢): - الشيخ حمود بن عبد الله التويجري ﵀، حيث قال: «وأما

стр. 3023

تسمية الأناشيد الجماعية الملحنة بألحان الغناء باسم الأناشيد الإسلامية فهو خطأ؛ لأن الأناشيد الجماعية الملحنة بألحان الغناء من المحدثات، والمحدثات ليست من الأمور الإسلامية، وإنما هي من الأعمال التي يجب ردها والمنع منها، عملًا بقول النبي ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِيْ أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهَ فَهُوَ رَدٌّ» (١) (٢). وقال أيضًا: «إن تسمية الأناشيد الملحنة بألحان الغناء باسم الأناشيد الإسلامية يلزم عليها لوازم سيئة جدًّا وخطيرة: منها: جعل هذه البدعة من أمور الإسلام ومكملاته، وهذا يتضمن الاستدراك على الشريعة الإسلامية، ويتضمن القول بأنه لم تكن كاملة في عهد النبي ﷺ . ومنها: معارضة قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]. ففي هذه الآية الكريمة النص على إكمال الدين لهذه الآية، والقول بأن الأناشيد الملحنة أناشيد إسلامية يتضمن معارضة هذا النص، وذلك بإضافة الأناشيد التي ليست من دين الإسلام إلى دين الإسلام، وجعلها جزءًا منه. ومنها: نسبة الرسول ﷺ وأصحابه إلى إهمال أمر من أمور الإسلام، وترك العمل به.

стр. 3024

ومنها: استحسان بدعة الأناشيد الملحنة بألحان الغناء، وإدخالها في أمور الإسلام» (١). وقد ذكر الشاطبي في كتاب (الاعتصام) ما رواه ابن حبيب، عن ابن الماجشون قال: «سمعت مالكًا يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة؛ زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾؛ فما لم يكن يومئذ دينًا، فلا يكون اليوم دينًا» (٢). - وكذلك اعترض الشيخ صالح بن فوزان الفوزان على هذه التسمية في عدة مواضع، فقال: «وتسمية هذه الأناشيد بأنها أناشيد إسلامية تسمية خاطئة؛ لأن الإسلام ليس فيه أناشيد إسلامية، وإنما فيه ذكر الله، وتلاوة القرآن، وتعلم العلم النافع» (٣). وقال في موضع آخر: «هذه التسمية - أناشيد إسلامية - غير صحيحة، وهي تسمية حادثة، فليس هناك ما يُسمى بالأناشيد الإسلامية في كتب السلف ومن يعتد بقولهم من أهل العلم، والمعروف أن الصوفية هم الذين يتخذون الأناشيد

стр. 3025

دينًا، وهو ما يسمونه بالسماع، وفي وقتنا لما كثرت الأحزاب والجماعات صار لكل حزب أو جماعة أناشيد حماسية، قد يُسمونها بالأناشيد الإسلامية، وهذه التسمية لا صحة لها» (١). القائلون بالتحريم: وقد ذهب إلى ذلك الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ في القول الجديد له، والشيخ صالح بن فوزان الفوزان، وكذلك الشيخ ابن عثيمين ﵀ في القول الآخر له، وغيرهم من الفقهاء والمحدثين من علماء العصر، وذلك إلحاقًا له بالسماع الصوفي، أو الغناء المحرم. أقوال العلماء: - قال الشيخ الألباني ﵀ بعد أن بين حكم الغناء الصوفي وأدلة تحريمه: «من أجل ذلك حرم العلماء الغناء الصوفي، واشتد إنكارهم على مستحِّليه، فإذا استحضر القارئ في باله هذه الأصول القوية تبين له بكل وضوح أنه لا فرق من حيث الحكم بين الغناء الصوفي، والأناشيد الدينية؛ بل قد تكون في هذه آفة أخرى، وهي أنها قد تلحن على ألحان الأغاني الماجنة، وتوقع على القوانين الموسيقية الشرقية أو الغربية

стр. 3026

التي تطرب السامعين وترقصهم، وتُخرجهم عن طورهم، فيكون المقصود هو اللحن والطرب، وليس النشيد بالذات، وهذه مخالفة جديدة وهي التشبه بالكفار والمُجَّان، وقد ينتج من وراء ذلك مخالفة أخرى وهي التشبه بهم في إعراضهم عن القرآن، وهجرهم إياه، فيدخلون في عموم شكوى النبي ﷺ من قومه، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ [الفرقان:٣٠]» (١). - وقال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: «ومما ينبغي التنبيه عليه: ما كثر تداوله بين الشباب المتديِّن من أشرطة مسجلة عليها أناشيد بأصوات جماعية يسمونها (الأناشيد الإسلامية) وهي نوع من الأغاني، وربما تكون بأصوات فاتنة، وتباع في معارض التسجيلات مع أشرطة تسجيل القرآن الكريم والمحاضرات الدينية .. أما الأناشيد فهي من دين الصوفية المبتدعة، الذين اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، واتخاذ الأناشيد من الدِّين فيه تشبه بالنصارى الذين جعلوا دينهم بالترانيم الجماعية والنغمات المطربة. فالواجب الحذر من هذه الأناشيد، ومنع بيعها وتداولها، علاوة على ذلك ما قد تشتمل هذه الأناشيد من تهييج الفتنة بالحماس المتهور، والتحريش بين المسلمين» (٢).

стр. 3027

- وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «الإنشاد الإسلامي إنشاد مبتدع مما ابتدعته الصوفية، ولهذا ينبغي العدول عنه إلى مواعظ القرآن والسنة، اللَّهم إلا أن يكون في مواطن الحرب ليستعان به على الإقدام والجهاد في سبيل الله تعالى فهذا حسن، وإذا اجتمع معه دف كان أبعد عن الصواب» (١). أدلة القائلين بالتحريم: استدل القائلون على تحريم الأناشيد بما يلي: «أولًا: أن النشيد نوع من أنواع الغناء، وقد جاءت الأدلة الصحيحة بتحريم الغناء، ولا يُستثنى من التحريم إلا ما صح الدليل على تخصيصه كالحُداء، فيقتصر عليه قدرًا ووقتًا وكيفية، ولا يُقاس عليه غيره؛ إذ أن من شروط القياس أن لا يكون المقيس عليه مشتقًّا من أصل عام، والحُداء مستثنى من أصل تحريم الغناء، فلا يُقاس عليه النشيد أو غيره، فيبقى النشيد على الأصل - وهو تحريم الغناء - حتى يأتي دليل يخصصه، ولا دليل» (٢). «ثانيًا: أن النشيد من الأمور المحدثة، ولم يكن يُعرف عند

стр. 3028

السلف اجتماع على سماع غير سماع القرآن الكريم، وما سواه فهو سماع مُحدث مذموم» (١)، والنشيد أشبه بسماع المتصوفة البدعي، ووجه المشابهة بينهما ظاهر في أمور، منها: ١ - أن كلًّا من النشيد والسماع الصوفي محدث لم يعرفه سلف هذه الأمة: وَكُلُّ خَيْرٍ فِي اتِّبَاعٍ مَنْ سَلَفٍ ... وَكُلُّ شَرٍّ فِي ابْتِدَاعٍ مِنْ خَلَفٍ ٢ - من حيث المقصد، فإن النشيد مما يتقرب به إلى الله - مثل السماع الصوفي- وهذا مأخوذ من قولهم: «إنها - أي الأناشيد - تلهب الحماس، وتوقد في النفس جذوة الإيمان» (٢)، ومن المعلوم أن البدعة أشد من المعصية. قال شيخ الإسلام ﵀: «فأما سماع القاصدين لصلاح القلوب في الاجتماع على ذلك إما نشيد مجرد، ... وإما بالتصفيق ونحو ذلك فهو السماع المحدث في الإسلام، فإنه أحدث بعد ذهاب القرون الثلاثة الذين أثنى عليهم النبي ﷺ ... » (٣). ٣ - ومن حيث الأداء فكلًّا من النشيد والسماع الصوفي

стр. 3029

يُؤديان بأصوات ملحنة ناعمة جماعية فاتنة، بل إن السماع الصوفي يُؤدى بالآلات الموسيقية، وقد تطور النشيد اليوم حتى أصبح يُشابه السماع الصوفي في الأداء لحنًا وآلة. ثالثًا: أن الأناشيد لا تخلو من محظور شرعي؛ إما فيها أو مصاحبًا لها، ومن هذه المخالفات الشرعية: ١ - التلحين الغنائي المطرب بنغمات مناسبة لضرب العود والموسيقى معها. ٢ - الصوت الجماعي بتلحين. ٣ - استخدام الأصوات الناعمة في هذه الأناشيد لإطراب السامعين. ٤ - اتخاذه عادة والاستمرار عليها، والمطالبة بإفراده بالعناية والإخراج. ٥ - اتخاذه أسلوبًا من أساليب الدعوة. ٦ - اتخاذه للتأثير في السامعين أكثر من استعمال القرآن والحديث لذلك. ٧ - الأناشيد المتضمنة لحماس لم يُبن على أسس سليمة (١).

стр. 3030

الترجيح: من خلال النظر في أدلة القولين ومناقشتها من جهة، والنظر في حقيقة النشيد من جهة أخرى، يتبين أن ما يُعرف اليوم بالنشيد الإسلامي أنواع متباينة ومختلفة؛ من جهة اللحن، والكلمات، والمقاصد، وطريقة الإنشاد، والاستماع تتنازعه أصول ثلاثة: الحُداء والنصب أصل، والغناء أصل، والسماع الصوفي أصل، فما وافق من الأناشيد أحد هذه الأصول، وشابهه في الصفة أُلحق به في الحكم بناءً على القاعدة القياسية في الفرع الذي يتنازعه أكثر من أصل، فإنه يُلحق بأكثرها شبهًا (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3031

الكلمة الثالثة والثلاثون وصايا لقمان الحكيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٣ - ١٩]. هذه وصايا نافعة قد حكاها الله تعالى عن لقمان الحكيم ليمتثلها الناس ويقتدوا بها، واختلف السلف في لقمان عليه

стр. 3032

السلام، هل كان نبيًا، أو عبدًا صالحًا من غير نبوة؟ على قولين، والأكثر على الثاني. يقول تعالى مخبرًا عن وصية لقمان لولده، وهو لقمان بن عنقاء بن سدون، واسم ابنه ثاران في قول حكاه السهيلي، وقد ذكره تعالى بأحسن الذكر فإنه آتاه الحكمة، والحكمة هي العلم] بالحق [على وجهه وحكمته، فهي العلم بالأحكام ومعرفة ما فيها من الأسرار والإحكام، فقد يكون الإنسان عالمًا ولا يكون حكيمًا، وأما الحكمة فهي مستلزمة للعلم، بل وللعمل، ولهذا فسرت الحكمة بالعلم النافع، والعمل الصالح. ولقمان الحكيم يوصي ولده الذي هو أشفق الناس عليه وأحبهم إليه، فهو حقيق أن يمنحه أفضل ما يعرف، ولهذا أوصاه أولًا بأن يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا، ثم قال محذرًا له: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله ﵁ قال: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ ، وقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال رسول الله ﷺ : «إِنَّهُ لَيْسَ بِذَاكَ، أَلَا تَسْمَعُونَ إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾» (١).

стр. 3033

ووجه كون الشرك عظيمًا أنه لا أفظع وأبشع ممن سوَّى المخلوق من تراب، لمالك الرقاب، وسوَّى الذي لا يملك من الأمر شيئًا بمن له الأمر كله، وسوَّى الناقص الفقير من جميع الوجوه بالرب الكامل الغني من جميع الوجوه، وسوَّى من لم يُنعم بمثقال ذرة من النعم بالذي ما بالخلق من نعمة في دينهم ودنياهم وأخراهم وقلوبهم وأبدانهم إلا منه، ولا يصرف السوء إلا هو، فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟ وهل هناك أعظم ظلمًا ممن خلقه الله لعبادته وتوحيده فذهب بنفسه الشريفة [فجعلها في أخس المراتب]؛ جعلها عابدة لمن لا يسوى شيئًا، فظلم نفسه ظلمًا كبيرًا. ثم قرن بوصيته إياه بعبادة الله وحده البر بالوالدين، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣]. وكثيرًا ما يقرن تعالى بين ذلك في القرآن، فقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ أي عهدنا إليه وجعلناها وصية عنده، سنسأله عن القيام بها، وهل حفظها أم لا؟ فوصيناه (بوالديه) وقلنا له: (اشكر لي) بالقيام بعبوديتي، وأداء حقوقي، وأن لا تستعين بنعمتي على معصيتي، ولوالديك بالإحسان إليهما بالقول اللين، والكلام اللطيف، والفعل الجميل، والتواضع لهما] وإكرامهما [وإجلالهما، والقيام بمؤونتهما، واجتناب الإساءة إليهما من كل وجه بالقول والفعل.

стр. 3034

ثم ذكر السبب الموجب لبر الوالدين في الأم، فقال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ أي مشقة على مشقة، فلا تزال تلاقي المشاق من حين يكون نطفة من الوحم والمرض والضعف والثقل وتغير الحال، ثم وجع الولادة ذلك الوجع الشديد. قوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ أي تربيته وإرضاعه بعد وضعه في عامين، كما قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣]. ومن ها هنا استنبط ابن عباس ﵄ وغيره من الأئمة أن أقل مدة الحمل ستة أشهر؛ لأنه قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥]. وإنما يذكر تعالى تربية الوالدة وتعبها ومشقتها في سهرها ليلًا ونهارًا ليذكر الولد بإحسانها المتقدم إليه، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٤]. ولهذا قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤]، أي فإني سأجزيك على ذلك أوفر الجزاء. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ أي: إن حرصا عليك كل الحرص على أن تتابعهما على دينهما، فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعنك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفًا، أي: محسنًا إليهما ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ يعني المؤمنين ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

стр. 3035

روى مسلم في صحيحه من حديث مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ أنه نزلت فيه آيات من القرآن الكريم قال: حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبدًا حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا، قال: مكثت ثلاثًا حتى غُشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يُقال له (عمارة) فسقاها فجعلت تدعو على سعدٍ، فأنزل الله في القرآن هذه الآية: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (١). وفي رواية أنه قال: «يا أمه: تعلمين والله لو كانت لك مئة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني هذا، فإن شئت فكلي، وإن شئت لا تأكلي، فأكلت» (٢). قوله تعالى: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾، قوله: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾: أي إن المظلمة أو الخطيئة لو كانت مثقال حبة خردل ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾: أي أحضرها الله يوم القيامة حين يضع الموازين القسط وجازى عليها، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، ولو كانت تلك الذرة محصنة محجبة في داخل صخرة صماء أو غائبة ذاهبة في

стр. 3036

أرجاء السموات أو الأرض فإن الله يأتي بها؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أي لطيف العلم، فلا تخفى عليه الأشياء وإن دقت ولطفت وتضاءلت ﴿خَبِيرٌ﴾ بدبيب النمل في الليل البهيم، والمقصود من هذا الحث على مراقبة الله، والعمل بطاعته مهما أمكن، والترهيب من عمل القبيح قل أو كثر. ثم قال: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ أي بحدودها وفروضها وأوقاتها، وخصها لأنها أكبر العبادات البدنية، ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ أي بحسب طاقتك وجهدك، ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ علم أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يناله من الناس أذى، فأمره بالصبر وذلك يستلزم كونه فاعلًا لما يأمر به، كافًّا لما ينهى عنه، فتضمن هذا تكميل نفسه بفعل الخير، وترك الشر، وتكميل غيره بذلك بأمره ونهيه. وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي أن الصبر على أذى الناس لمن عزم الأمور، أي من الأمور التي يعزم عليها ويهتم بها، ولا يُوفق لها إلا أهل العزائم. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ يقول: لا تعرض بوجهك عن الناس إذا كلمتهم أو كلموك، احتقارًا منك لهم، واستكبارًا عليهم، ولكن أَلِنْ جانبك، وابسط وجهك إليهم كما

стр. 3037

جاء في الحديث: «وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ» (١). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ أي جذلًا متكبرًا جبارًا عنيدًا، لا تفعل ذلك فيبغضك الله، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي مختال معجب في نفسه فخور، أي على غيره، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧)﴾ [الإسراء: ٣٧]. قوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أي امش مشيًا مقتصدًا ليس بالبطيء المثبط، ولا بالسريع المفرط، بل عدلًا وسطًا بين بين. قوله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ أي لا تبالغ في الكلام، ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾، قال مجاهد وغير واحد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير، أي غاية من رفع صوته أنه يشبه بالحمير في علوه ورفعه، ومع هذا هو بغيض إلى الله تعالى، وهذا التشبيه بالحمير يقضي تحريمه وذمه غاية الذم؛ لأن رسول الله ﷺ قال: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ، لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ» (٢). وهذه الوصايا التي وصى بها لقمان الحكيم لابنه تجمع

стр. 3038

أمهات الحكم، وتستلزم ما لم يذكر منها، وكل وصية يقرن بها ما يدعو إلى فعلها إن كانت أمرًا، وإلى تركها إن كانت نهيًا (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3039

الكلمة الرابعة والثلاثون التمثيل الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. «فإن التمثيل أصبح في الوقت المعاصر (فنًّا) له رواده ومدارسه، بمسلسلاته ومسرحياته على اختلاف وسائل نشره في الإذاعة، والتلفاز، وعلى خشبات المسارح، وردهات النوادي، فصار بهذا يشغل حيزًا كبيرًا في حياة المسلمين، وفُتن به كثير من الناس» (١). لذا كان من الواجب بيان الحكم الشرعي فيه، وهل هو محرم لذاته، فيشمل جميع أقسامه سواء في العبادات، أو العادات، أم أن أصله الإباحة، والحكم عليه بحسب موضوعه؟ فيتنزل الحكم التكليفي عليه حسب موضوعه؟ وقبل أن أبدأ في الحديث عن حكمه لا بد من تعريف التمثيل حتى يُعرف ما يدخل فيه وما لا يدخل، وقد عُرف

стр. 3040

التمثيل بأنه: «عمل فني منثور أو منظوم، يؤلف على قواعد خاصة ليمثل حادثًا حقيقيًّا، أو مُخْتَلقًا قصدًا للعبرة» (١). ويمكن أن يعرف التمثيل بأنه: «محاكاة شخص لآخر حقيقي أو خيالي قصدًا للعبرة، بتنظيم مسبق أمام جمهور من الناس حضروا لرؤيته (٢). والممثل هو القائم بأعمال التمثيل أمام الجمهور من الناس». «ومن المعلوم أن الأعمال، إما عبادات، أو عادات، فالأصل في العبادات لا يشرع منها إلا ما شرعه الله، والأصل في العادات لا يحظر منها إلا ما حظره الله. وعليه: فلا يخلو التمثيل أن يكون على سبيل التعبد التمثيل الديني أو من باب الاعتياد على سبيل اللهو والترفيه، فإن كان على سبيل التعبد، فإن العبادات موقوفة على النص ومورده، و (التمثيل الديني) لا عهد للشريعة به، فهو سبيل محدث، ومن مجامع ملة الإسلام، قول النبي ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِيْ أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» (٣). ولهذا فما تراه في بعض المدارس والجامعات من فرق للتمثيل الديني، فإن حقيقته (التمثيل البدعي) لما علمت من أصله، وحدوثه لدى المسلمين خارجًا عن دائرة المنصوص

стр. 3041

عليه بدليل شرعي، وأنه من سبيل التعبد لدى أهل الأوثان من اليونان، ومبتدعة النصارى، فلا أصل له في الإسلام بإطلاق، فهو إذًا محدث، وكل أمر محدث في الدين فهو بدعة تضاهي الشريعة، فصدق عليه حسب أصول الشرع المطهر اسم (التمثيل البدعي)، وأما إن كان التمثيل في العادات فهذا تشبه بأعداء الله الكافرين، وقد نهينا عن التشبه بهم، إذ لم يعرف إلا عن طريقهم، والنهي عن التشبه بهم أمر بمخالفتهم، وقد نهى الله عن الخوض فيما يخوضون فيه، فقال تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩)﴾ [التوبة:٦٩]. وقال النبي ﷺ : «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (١) (٢). أقوال العلماء فيه: ذهب جمع من أهل العلم المعاصرين كالشيخ عبدالعزيز بن باز ﵀، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀، والشيخ صالح الفوزان، والشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد ﵀، والشيخ حمود التويجري ﵀ .. وغيرهم إلى تحريم التمثيل.

стр. 3042

فلما سُئل الشيخ عبدالعزيز بن باز ﵀ عن التمثيل، أجاب: «أنا لا أنصح بممارسة التمثيل، وإنما على العلماء أن يبينوا للناس أحكام الله ورسوله، أما أن يتقمص المرء شخصية فلان، واسم فلان، فيقول: أنا عمر، أو أنا عثمان .. أو نحو ذلك، فهذا كذب لا يجوز فعله» (١). وأما الشيخ صالح الفوزان، فلما ذكر التمثيل في تقديمه لكتاب إيقاف النبيل على حكم التمثيل، علل تحريمه لما فيه من المفاسد الكثيرة، وإن زعم أحد أن فيه مصلحة جزئية، فهي مغمورة بما فيه من المفاسد الراجحة على تلك المصلحة، ومن المعلوم أن من ترجحت مفسدته فهو حرام، وأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، مع أنني لا أرى فيه مصلحة قط، ولكن هذا من باب التنزل مع الخصم» (٢). اهـ «ومن أسباب تحريم التمثيل التي استدل بها من حرم التمثيل من العلماء: ١ - أن يكون فيه القيام بدور عن أحد من أنبياء الله ورسله ﵈، أو عن أحد من صحابة رسول الله محمد ﷺ من الخلفاء الراشدين وزوجاته أمهات المؤمنين رضي الله

стр. 3043

عن الجميع. ٢ - أن يكون فيه محاكاة معين على سبيل الإضحاك، أو السخرية، أو الإيذاء، أو محاكاة مجردة. ٣ - اشتماله على المعازف، أو المؤثرات الصوتية، والغناء المحرم، والرقص من الرجال والنساء. ٤ - القيام بأفعال فيها رعونة، وسخرية، وخرم مروءة. ٥ - اشتماله على التصوير، والاختلاط بين الرجال والنساء. ٦ - اشتماله على قول محرم من السباب، والشتم، واللغو، والقذف، والغزل. ٧ - احتوائه على الكذب والاختلاق، أو في فرع منها مثل دعوى الزواج، والهزل بالطلاق. ٨ - نشر أخلاق وعادات الكافرين، والمبتدعة، والفاسقين. ٩ - الخوض والاستهزاء في أحكام دين الله وشرعه. ١٠ - تمثيل قصص وحكايات عن أشخاص لا تصح عنهم، فهي قلب لحقائق التاريخ وتشويه له. ١١ - إفضاؤه إلى نشر الرذيلة، وإشاعة الفساد، والمنكر. ١٢ - إلحاق الأذى بالشخص الممثل عينًا، في لباس، أو نطق، أو شعور، أو لحى مصطنعة، أو هيئة معينة، مثل العلماء،

стр. 3044

والمشايخ، والزهاد .. وغيرهم. ١٣ - أنه مخطط رهيب لتخدير الأمة، وتكوين جيل ساذج تافه، يساق كما تُساق بهيمة الأنعام» (١). وذهب بعض أهل العلم من المعاصرين إلى أن التمثيل إذا كان مضبوطًا بالضوابط الشرعية، ولم يكن فيه شيء من المحرمات، وفيه مصلحة شرعية، فهو مباح، وإلى هذا ذهب الشيخ ابن عثيمين ﵀، حيث قال: «كثير من إخواننا يمنع من التمثيل مطلقًا، ويقول: إنه لا يجوز لأنه يتضمن الكذب، وربما يتضمن استهزاء بالشعائر الدينية، كما لو تقمص الممثل شخص رجل كبير السن، ووضع عليه لحية من الصوف وما أشبه ذلك، ومن الناس من يقول: إذا كان التمثيل هادفًا، ولم يتضمن محظورًا، يكذب على أحد، ولا يقوم الرجل بدور المرأة، أو المرأة بدور الرجل، ولم يكن فيه تقليد للحيوانات، فإنه لا بأس به، فيجيز التمثيل بشروط؛ وليعلم أن الأصل في غير العبادات الحل والإباحة، وهذا من فضل الله ، أن يسر على العباد ما لم يحرمه عليهم، فإذا كان الأصل الحل، فإنه لا بد من إقامة الدليل على التحريم، وإذا قلنا أن هذا حرام، وقال الآخرون هذا حلال، فالقول مع المحلل إلا إذا كان هناك دليل

стр. 3045

يدل على التحريم، فيجب اتباع الدليل وهذا في غير العبادات، أما العبادات وهي ما يقصد به التقرب إلى الله، فإن الأصل فيها المنع والتحريم؛ لأن العبادات طريق إلى الله، وهي صراط الله، ولا يمكن أن نفتري على الله ما لم يجعله طريقًا موصلًا إليه» (١). وبالنظر إلى ما تقدم، فإنه يكاد يستحيل وجود تمثيل متقيد بالشروط السابقة. «والخلاصة أن التمثيل: حرفةً، وأداءً، وتكسبًا، وعرضًا، ومشاهدةً، لا يجوز؛ لأنه إن كان تمثيلًا دينيًّا فهو بدعي، لوقف العبادات على النص، ولما علمت من أصله لدى النصارى واليونان. وإن كان غير ذلك فهو لهو محرم، لما فيه من التشبه، ولما رأيته من تفاريق الأدلة، وما يحتوي عليه، ويترتب عنه من الآثار المعارضة لآداب الشريعة، وناموس الترقي، وانحلال ربقة الآداب، وأن ما فيه من عظات وفضائل مزعومة، فهي ضائعة مغمورة في حلبة تلك الملهيات التي توقظ نائم الأهواء، وتحرك ساكن الشهوات، كما ينطق به الواقع المرير، لتمرير الفحش، والخنا، والفسوق، والعصيان، وتهديم البيوت داخل أسوارها، فهو يمثل مخاطر على العقائد، والأخلاق،

стр. 3046

والفضائل، والآداب. وبالجملة فإن انتشار التمثيل بصفته التي تشاهد وتسمع كل يوم وليل: يمثل ظاهرة اعتلال في الأمة، ونهم في اللهو واللعب، ووهن في الدين، وفراغ من العلم، وعجز عن تحصيله، وتحطيم للأمة في قوتها، ووقتها، وتنمية طاقاتها ومواهبها، فما هي إلا وسيلة عدوان على الأمة، وتخطيط رهيب لتعيش سادرة، تخوض فيما لا ينفعها في دينها ولا في دنياها، بل هو ضرر محض عليها في الدين والدنيا، وإفساد الإنسان، وانهيار أخلاقه، بغرض السيطرة عليه، مخطط تخريبي يهودي. وفي (بروتوكولات يهود): يجب أن نعمل لتنهار الأخلاق في كل مكان، فتسهل سيطرتنا، إن (فرويد) منا، وسيظل يعرض العلاقات الجنسية في ضوء الشمس لكي لا يبقى في نظر الشباب شيء مقدس، ويصبح همه الأكبر إرواء غرائزه الجنسية، وعندئذٍ تنهار أخلاقه. انتهى. والتاريخ يحفظ في سطوره أن الهيام في المضحكات والترفيهات من علائم الانحطاط وانقراض الدول، فهذا المستعصم آخر خلفاء بني العباس في بغداد كان مولعًا بالتفرج على (المساخرة) المضحكة، وكان يقضي أكثر زمانه معها، كما في الفخري (ص ١٤٤)، وتاريخ أبي الفداء (٣/ ١٧٦) .. وغيرهما.

стр. 3047

وهكذا إذا ماتت السنن ظهرت البدع، وإذا ضعف الجد والعزم، تفشى في الأمة الهزل والضعف، لتصل إلى محطة الشيخوخة في دائرة قطيع يسام، وسلع تساوم، وإن الحياة لحادثٌ جللٌ فما بمثل هذا تعمر الحياة، ويكون (التمثيل) ناموسًا ورمزًا لمجدها. وبالجملة فالتمثيل يحوي مفاتيح هذه المقاصد الهابطة، ويتضمن (محاضن تفريخ لها). وهنا أذكر من ابتلى بشيء من أمر الفتيا، أن يبصر حال أمته ويبصر أوضاعها، وماذا يراد بها، ليتوقى عند إصدار الفتوى من فتيا تكون سلمًا لتلك المآرب المهينة، ولا أرى الفتيا بالجواز المقيد بشروطه، إلا ومصدرها - مع التقدير- في غياب عن الساحة وما يجري فيها من توظيف (التمثيل) لهدم مقومات الأمة، فستكون الفتيا (تكأة) ينطلق منها الآثمون، مستبعدين لضوابطها الشرعية عند من أفتى بها - وقد فعلوا؟! وأقول أخيرًا: إن التمثيل لو كان جائزًا بشروطه لوجب في هذا الزمان الإفتاء بمنعه وتحريمه لما يشاهد في بلاد المسلمين من زخم التمثيليات المهول التي تفرز خطورة على مقومات المسلمين كافة، ولا ينازع في الواقع هذا إلا جاهل به، أو ممالي» (١). اهـ

стр. 3048

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3049

الكلمة الخامسة والثلاثون فضل الجهاد في سبيل اللَّه الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. إن الجهاد في سبيل الله من أفضل ما تقرب به المتقربون، وتنافس فيه المتنافسون، وما ذاك إلا لما يترتب عليه من إعلاء كلمة الله، ونصر دينه، ونصر عباده المؤمنين، وقمع الظالمين والمنافقين الذين يصدون الناس عن سبيله، ويقفون في طريقه، ولما يترتب عليه أيضًا من إخراج العباد من ظلمات الشرك إلى أنوار التوحيد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .. وغير ذلك من المصالح التي تخص المؤمنين، وتعم الخلائق أجمعين. قال ابن القيم ﵀: «والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع، قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ

стр. 3050

كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [التوبة:٤١]» (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والجهاد منه ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب، والدعوة والحجة واللسان والرأي والتدبير والصناعة، فيجب بغاية ما يمكن» (٢)، وفي الحديث: «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ» (٣). وقد وردت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة تبين فضل الجهاد، ومكانته العظيمة، فمن ذلك: أن الجهاد هو التجارة الرابحة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [الصف: ١٠ - ١٣]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، وتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ، بِأنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أوْ يُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعْ مَا نَالَ مِنْ أجْرٍ
следующие страницы →