والفضائل، والآداب.
وبالجملة فإن انتشار التمثيل بصفته التي تشاهد وتسمع كل يوم وليل: يمثل ظاهرة اعتلال في الأمة، ونهم في اللهو واللعب، ووهن في الدين، وفراغ من العلم، وعجز عن تحصيله، وتحطيم للأمة في قوتها، ووقتها، وتنمية طاقاتها ومواهبها، فما هي إلا وسيلة عدوان على الأمة، وتخطيط رهيب لتعيش سادرة، تخوض فيما لا ينفعها في دينها ولا في دنياها، بل هو ضرر محض عليها في الدين والدنيا، وإفساد الإنسان، وانهيار أخلاقه، بغرض السيطرة عليه، مخطط تخريبي يهودي.
وفي (بروتوكولات يهود): يجب أن نعمل لتنهار الأخلاق في كل مكان، فتسهل سيطرتنا، إن (فرويد) منا، وسيظل يعرض العلاقات الجنسية في ضوء الشمس لكي لا يبقى في نظر الشباب شيء مقدس، ويصبح همه الأكبر إرواء غرائزه الجنسية، وعندئذٍ تنهار أخلاقه. انتهى.
والتاريخ يحفظ في سطوره أن الهيام في المضحكات والترفيهات من علائم الانحطاط وانقراض الدول، فهذا المستعصم آخر خلفاء بني العباس في بغداد كان مولعًا بالتفرج على (المساخرة) المضحكة، وكان يقضي أكثر زمانه معها، كما في الفخري (ص ١٤٤)، وتاريخ أبي الفداء (٣/ ١٧٦) .. وغيرهما.
стр. 3047
وهكذا إذا ماتت السنن ظهرت البدع، وإذا ضعف الجد والعزم، تفشى في الأمة الهزل والضعف، لتصل إلى محطة الشيخوخة في دائرة قطيع يسام، وسلع تساوم، وإن الحياة لحادثٌ جللٌ فما بمثل هذا تعمر الحياة، ويكون (التمثيل) ناموسًا ورمزًا لمجدها. وبالجملة فالتمثيل يحوي مفاتيح هذه المقاصد الهابطة، ويتضمن (محاضن تفريخ لها).
وهنا أذكر من ابتلى بشيء من أمر الفتيا، أن يبصر حال أمته ويبصر أوضاعها، وماذا يراد بها، ليتوقى عند إصدار الفتوى من فتيا تكون سلمًا لتلك المآرب المهينة، ولا أرى الفتيا بالجواز المقيد بشروطه، إلا ومصدرها - مع التقدير- في غياب عن الساحة وما يجري فيها من توظيف (التمثيل) لهدم مقومات الأمة، فستكون الفتيا (تكأة) ينطلق منها الآثمون، مستبعدين لضوابطها الشرعية عند من أفتى بها - وقد فعلوا؟!
وأقول أخيرًا: إن التمثيل لو كان جائزًا بشروطه لوجب في هذا الزمان الإفتاء بمنعه وتحريمه لما يشاهد في بلاد المسلمين من زخم التمثيليات المهول التي تفرز خطورة على مقومات المسلمين كافة، ولا ينازع في الواقع هذا إلا جاهل به، أو ممالي» (١). اهـ
стр. 3048
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3049
الكلمة الخامسة والثلاثون
فضل الجهاد في سبيل اللَّه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
إن الجهاد في سبيل الله من أفضل ما تقرب به المتقربون، وتنافس فيه المتنافسون، وما ذاك إلا لما يترتب عليه من إعلاء كلمة الله، ونصر دينه، ونصر عباده المؤمنين، وقمع الظالمين والمنافقين الذين يصدون الناس عن سبيله، ويقفون في طريقه، ولما يترتب عليه أيضًا من إخراج العباد من ظلمات الشرك إلى أنوار التوحيد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .. وغير ذلك من المصالح التي تخص المؤمنين، وتعم الخلائق أجمعين.
قال ابن القيم ﵀: «والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع، قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ
стр. 3050
كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [التوبة:٤١]» (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والجهاد منه ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب، والدعوة والحجة واللسان والرأي والتدبير والصناعة، فيجب بغاية ما يمكن» (٢)، وفي الحديث: «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ» (٣).
وقد وردت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة تبين فضل الجهاد، ومكانته العظيمة، فمن ذلك:
أن الجهاد هو التجارة الرابحة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [الصف: ١٠ - ١٣].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، وتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ، بِأنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أوْ يُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعْ مَا نَالَ مِنْ أجْرٍ
стр. 3051
أوْ غَنِيمَةٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! مَا مِنْ كَلْمٍ، يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ، اللَّهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ حِينَ كُلِمَ، لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ، وَرِيحُهُ مِسْكٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَبَدًا، وَلَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلَهُمْ، وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَوَدِدْتُ أَنِّي أَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ» (١).
ومنها: أنه أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله ورسوله، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ سئل: أي العمل أفضل؟ قال: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ»، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ» (٢).
ومنها: إعانة الله للمجاهد في سبيله، روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: المُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ العَفَافَ» (٣).
ومنها: أنه ذروة سنام الدين، روى الترمذي في سننه من
стр. 3052
حديث معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ وَعَمُودِهِ، وَذُرْوَةِ سَنَامِهِ»، قلت: بلى يا رسول الله! قال: «رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ» (١).
ومنها: أن الغدوة والروحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث سهل ابن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ (٢)
يَرُوحُهَا العَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ الغَدْوَةُ (٣) خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» (٤)، والمراد في سبيل الله، أي الجهاد.
ومنها: أن درجات المجاهدين في سبيل الله عالية، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى
стр. 3053
الجَنَّةِ - أُرَاهُ قَالَ: وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ» (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَلَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا الشَّهِيدُ، يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ» (٢).
ومنها: أن للشهيد عند الله ست خصال، روى الترمذي في سننه من حديث المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله ﷺ : «لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيُرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الحُورِ العِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ» (٣).
ومنها: أن أرواح الشهداء تسرح في الجنة، سُئل عبد الله بن مسعود ﵁ عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران:١٦٩]؟ قال: أما إنَّا
стр. 3054
قد سألنا عن ذلك (١)، فقال: «أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنادِيلِ، فاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطلاعَةً، فَقالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي، وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا» (٢).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الشُّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ (٣)
نَهَرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا» (٤).
قال ابن كثير ﵀: «وكأن الشهداء أقسام، منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر، فيجتمعون هنالك، ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح. والله أعلم» (٥).
ومنها أن المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁
стр. 3055
أن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ، لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (١).
ومنها أن جهاد المسلم خير له من العبادة ستين سنة، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ مر بشعب فيه عين عذبة، قال: فأعجبه - يعني طيب الشِّعب - فقال: لو أقمت ها هنا وخلوت! ثم قال: لا، حتى أسأل النبي ﷺ ، فسأله فقال: «مُقَامُ أَحَدِكُمْ - يَعْنِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ - خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ أَحَدِكُمْ فِي أَهْلِهِ سِتِّينَ سَنَةً، أَمَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَتَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ؟ جَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُوَاقَ نَاقَةٍ (٢)، وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ» (٣).
ومنها فضل المجاهدين على القاعدين، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ [النساء:٩٥].
قال ابن دقيق العيد ﵀: «الجهاد أفضل الأعمال؛ لأنه وسيلة إلى إعلان الدين ونشره، وإخماد الكفر ودحضه،
стр. 3056
ففضيلته بحسب فضيلة ذلك. والله أعلم» (١).
وقال العز بن عبدالسلام ﵀: «لما بذل الشهداء أنفسهم من أجل الله، أبدلهم الله حياة خيرًا من حياتهم التي بذلوها، وجعلهم جيرانه، يبيتون تحت عرشه، ويسرحون من الجنة حيث شاءوا، لما انقطعت آثارهم من السروح في الدنيا» (٢).
وقال أيضًا: «يشرف البذل بشرف المبذول، وأفضل ما بذله الإنسان نفسه وماله، ولما كانت الأنفس والأموال مبذولة في الجهاد، جعل الله من بذل نفسه في أعلى رتب الطائعين وأشرفها لشرف ما بذله مع محو الكفر ومحق أهله، وإعزاز الدين وصون دماء المسلمين» (٣).
وليعلم أن الفضل الوارد في الآيات الكريمات والأحاديث النبوية الشريفة لا يكون إلا لمن قاتل لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعري قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ
стр. 3057
الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (١).
وينبغي للمؤمن أن يحدث نفسه بالجهاد، وشرف نصرة الدين، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ» (٢).
وإذا صدق في سؤال الله الشهادة، بلغه الله منازل الشهداء، روى مسلم في صحيحه من حديث سهل بن حنيف عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» (٣).
تنبيه:
من كرامات الشهيد أنه لا يجد ألم الموت الشديد، فقد روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ مَسِّ الْقَتْلِ، إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَسِّ الْقَرْصَةِ» (٤).
قال ابن القيم ﵀: «لا يجد الشهيد من الألم إلا مثل مس
стр. 3058
القرصة، فليس في قتل الشهيد مصيبة زائدة على ما هو معتاد لبني آدم، فمن عد مصيبة هذا القتل أعظم من مصيبة الموت على الفراش فهو جاهل، بل موت الشهيد من أيسر الميتات، وأفضلها، وأعلاها» (١).
قال المناوي ﵀: «يعني أنه تعالى يهون عليه الموت، ويكفيه سكراته وكربه، بل رُبَّ شهيد يتلذذ ببذل نفسه في سبيل الله طيبة بها نفسه» (٢).
وأختم بهذه الأبيات التي أرسلها عبد الله بن المبارك ﵀ إلى الفضيل بن عياض من طرسوس:
يَا عَابِدَ الحَرَمْينِ لَوْ أَبصْرتَنَا ... لَعَلِمْتَ أَنَّكَ فِي العِبَادَةِ تَلْعَبُ
مَنْ كَانَ يَخْضِبُ خَدَّهُ بِدُمُوعِهِ ... فَنُحُورُنَا بِدِمَائِنَا تَتَخَضَّبُ
أَوْ كَاَن يُتْعِبُ خَيْلَهُ فِي بَاطِلٍ ... فَخُيولُنَا يَوْمَ الصَّبِيحَةِ تَتْعَبُ
رِيحُ العَبِيرِ لَكُمْ ونَحْنُ عَبِيرُنَا ... رَهْجُ السَّنَابِكِ (٣) والغُبَارُ الأَطْيَبُ
وَلَقَدْ أَتَانَا مِنْ مَقَالِ نَبِيِّنَا ... قَوْلٌ صَحِيحٌ صَادِقٌ لَا يَكْذِبُ
لَا يَسْتَوِي غُبْارُ خَيْلِ اللهِ فِي ... أَنْفِ امْرِئٍ وَدُخَانُ نَارٍ تَلْهَبُ
هَذَا كِتَابُ اللهِ يَنطِقُ بَيْنَنَا ... لَيْسَ الشَّهِيدُ بِمَيِّتٍ لَا يَكْذِبُ
стр. 3059
فألفيت الفضيل بكتابه في الحرم، فقرأه وبكى، ثم قال: صدق أبو عبدالرحمن ونصح (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3060
الكلمة السادسة والثلاثون
قصة أصحاب الأخدود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فقد ذكر الله في كتابه القصص لنأخذ منها الدروس والعبر، ولتثبيت فؤاد النبي ﷺ والمؤمنين، وغير ذلك من الحكم، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ [يوسف: ٣].
ومن تلك القصص قصة أصحاب الأخدود، قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج: ٤ - ١٠].
وذكر بعض أهل العلم أنهم في الفترة ما بين بعثة محمد ﷺ وعيسى ﵇ (١).
وانتهكوا أعراضهم، فالله تعالى له في هذا حكمة، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد:٤]. والمصابون من المؤمنين أجرهم عند الله عظيم، رفعة لدرجاتهم، وتكفيرًا لسيئاتهم، وهؤلاء الكفار المعتدون أملى لهم الله مكرًا بهم، واستدراجًا لهم، وسيأخذهم أخذ عزيز مقتدر، والباقون لهم عبرة وعظة فيما حصل لإخوانهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم:٤٢].
٢ - أن هؤلاء الكفار لم يأخذوا على المسلمين بذنب إلا شيئًا واحدًا، وهو أنهم يؤمنون بالله العزيز الحميد، وهذا ليس بذنب، بل هذا هو الحق، ومن أنكره فهو الذي يُنكر عليه" (١).
٣ - لعن الله للكافرين الظالمين، وهو معنى قُتل: أي لعن، واللعن هو الطرد والإبعاد عن ﵀.
٤ - أن النار أعظم ما يعذب به، ولذا حرم في الإسلام التعذيب بالنار، فلا يعذب بالنار إلا ربها (٢).
стр. 3065
قال القرطبي ﵀: «قال علماؤنا: أعلم الله المؤمنين من هذه الأمة في هذه الآية ما كان يلقاه من وَحَّدَ قبلهم من الشدائد يؤنسهم بذلك، وذكر لهم النبي ﷺ قصة الغلام ليصبروا على ما يلاقون من الأذى والآلام والمشقات التي كانوا عليها، ليتأسوا بمثل هذا الغلام في صبره وتصلبه في الحق وتمسكه به، وبذله نفسه في حق إظهار دعوته، ودخول الناس في الدين، مع صغر سنه، وعظيم صبره، وكذلك الراهب صبر على التمسك بالحق حتى نُشر بالمنشار، وكذلك كثير من الناس لما آمنوا بالله تعالى ورسخ الإيمان في قلوبهم صبروا على الطرح في النار ولم يرجعوا عن دينهم، والصبر على ذلك لمن قويت نفسه وصلب دينه أوْلى.
روى الترمذي في سننه من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ كَلِمَةَ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» (١).
وروى ابن ماجه في سننه عن أبي الدرداء ﵁ قال: «أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ أَنْ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَإِنْ قُطِّعْتَ وَحُرِّقْتَ» (٢).
стр. 3066
ولقد امتحن كثير من أصحاب النبي ﷺ بالقتل والصلب والتعذيب الشديد، ولم يلتفتوا إلى شيء من ذلك، ويكفيك قصة عاصم وخبيب وأصحابهما وما لقوا من الحروب والمحن والقتل والأسر والحرق» (١).
أن الشرائع السابقة ليست فيها رخصة للمكره على التكلم بالكفر، وكان من محاسن ديننا الحنيف الرخصة للمكره على التكلم بالكفر، قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] ".
أن أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، ولذلك تعرض أنبياء الله للقتل على أيدي اليهود وغيرهم من الكفرة الفجرة كيحيى وزكريا وغيرهم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ [آل عمران:١٨١].
روى الترمذي في سننه من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي
стр. 3067
دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِيَ عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» (١)(٢).
٨ - حلم الله العظيم على عباده، فمع أنهم قتلوا أولياءه وأحبابه وأحرقوهم بالنار، إلا أنه يدعوهم إلى التوبة، قال الحسن البصري ﵀: «انظروا إلى هذا الكرم والجود! قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة» (٣)، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: ١٠].
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3068
الكلمة السابعة والثلاثون
فوائد من حديث أبي موسى ومعاذ ﵄ عند بعثهما إلى اليمن
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فقد روى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي بردة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن، قال: وبعث كل واحد منهما على مخلاف (١)، قال: واليمن مخلافان، ثم قال: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا». وفي رواية: «وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلفَا» (٢).
فانطلق كل واحد منهما إلى عمله، وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه كان قريبًا من صاحبه أحدث به عهدًا، فسلم عليه، فسار معاذ في أرضه قريبًا من صاحبه أبي موسى، فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه وإذا هو جالس، وقد اجتمع إليه الناس، وإذا رجل عنده قد جمعت يداه إلى عنقه،
стр. 3069
فقال له معاذ: يا عبد الله بن قيس أيم هذا؟ قال: هذا رجل كفر بعد إسلامه، قال: لا أنزل حتى يُقتل، قال: إنما جيء به لذلك، فانزل، قال: ما أنزل حتى يُقتل، فأمر به فقُتل، ثم نزل فقال: يا عبد الله! كيف تقرأ القرآن؟ قال: أتفوقه تفوقًا (١)، وفي رواية: قائمًا وقاعدًا، وعلى راحلتي (٢)، قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل، فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي (٣).
من فوائد الحديث:
١ - من هدي النبي ﷺ أنه إذا بعث أحدًا في أمر أوصاه بالوصية التي تناسب المهمة التي أُرسل فيها.
٢ - ينبغي للداعي إلى الله أن يلتزم في دعوته بالتيسير على الناس ويجتنب التعسير وما فيه مشقة عليهم، ولا يتحقق ذلك إلا بأن يكون الداعي ممن رزقه الله الفقه في الدِّين، وتحلى بالصبر والحلم، واستعمل الرفق.
٣ - ينبغي للداعي إلى الله تبشير الناس بما يسرهم، فذلك أدعى لقبول الحق والانقياد له.
стр. 3070
٤ - بعث النبي ﷺ معاذًا وأبا موسى ولم يكن لهما أمير، إذ لم يكن معهما ثالث يأمرانه، فلهذا أمرهما ﷺ أن يتطاوعا فيطيع هذا مرة، ويطيع الآخر مرة أخرى؛ لأن ذلك جالب للمودة والتعاون على البر والتقوى، ونهاهما عن الاختلاف؛ لأنه سبب إلى أضداد ذلك.
٥ - هدي الصحابة حين يلقى بعضهم بعضًا فيتذاكرون الإيمان والأعمال، وينتفع بعضهم من بعض، واستشارة بعضهم لبعض لاستصلاح النفوس وتربيتها.
«٦ - أن أبا موسى كان عالمًا فطنًا حاذقًا، ولولا ذلك لم يوله النبي ﷺ الإمارة، ولو كان فوض الحكم لغيره لم يحتج إلى توصيته بما وصاه به.
٧ - تولية أميرين على البلد الواحد، وقسمة البلد بين أميرين.
٨ - كراهية سؤال الإمارة والحرص عليها، ومنع الحريص عليها منها.
٩ - إكرام الضيف والزائر، فقد جاء في الحديث: «فقرَّب إليه الوسادة».
١٠ - المبادرة إلى إنكار المنكر، وإقامة الحد على من وجب عليه» (١).
стр. 3071
١١ - سرعة الاستجابة والتنفيذ لأمر الله ورسوله، فإن معاذًا رفض أن ينزل حتى يُقام عليه الحد فورًا.
١٢ - أن المرتد حكمه القتل إذ لم يتب، قال ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (١).
١٣ - «أن المباحات يؤجر عليها بالنية إذا صارت وسائل للمقاصد الواجبة أو المندوبة، أو تكميلًا لشيء منهما» (٢).
١٤ - أن العبادات من قراءة القرآن، وقيام الليل .. وغيرها من العبادات من أعظم الزاد المعين على نشر الدعوة، وتعليم الناس الخير.
١٥ - مراجعة الحفظ من القرآن ليلًا ونهارًا، والقيام به في صلاة الليل؛ لأنه سريع التفلت، وأبو موسى الأشعري هو الذي روى حديث: «تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا» (٣)؛ ولذلك كان أبو موسى الأشعري يلازم المراجعة.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3072
الكلمة الثامنة والثلاثون
دروس وعبر من غزوة أحد
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فإن غزوة أحد وقعة امتحن الله فيها عباده المؤمنين، واختبرهم، وميَّز فيها بين المؤمنين والمنافقين، وقد ذكرها الله تعالى مفصلة في سورة آل عمران، واقتصرت على ذكر بعض الحكم والفوائد التي ذكرها ابن القيم ﵀، وإليك الآيات فتدبر، قال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨) مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠) لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ [آل عمران: ١٢١ - ١٨١].
قال ابن القيم ﵀ في ذكر بعض الحكم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أحد: «وقد أشار الله إلى أمهاتها وأصولها في سورة آل عمران، حيث افتتح القصة بقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١]، إلى تمام ستين آية.
فمنها: تعريفهم سوء عاقبة المعصية، والفشل، والتنازع، وأن الذي أصابهم إنما هو بشؤم ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢].
стр. 3078
فلما ذاقوا عاقبة معصيتهم للرسول ﷺ ، وتنازعهم، وفشلهم، كانوا بعد ذلك أشد حذرًا ويقظة، وتحرُّزًا من أسباب الخذلان.
ومنها: أن حكمة الله وسنته في رسله وأتباعهم، جرت بأن يُدالوا مرة، ويُدال عليهم أخرى، لكن تكون لهم العاقبة، فإنهم لو انتصروا دائمًا، دخل معهم المؤمنون وغيرهم، ولم يتميز الصادق من غيره، ولو انتُصِر عليهم دائمًا، لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة، فاقتضت حكمة الله أن جمع لهم بين الأمرين ليتميز من يتبعهم ويطيعهم للحق وما جاؤوا به، ممن يتبعهم على الظهور والغلبة خاصة.
ومنها: أن هذا من أعلام الرسل، كما قال هرقل لأبي سفيان: هل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: كيف الحرب بينكم وبينه؟ قال: سجال، يُدال علينا المرة، ونُدال عليه الأخرى، قال: كذلك الرسل تُبتلى، ثم تكون لهم العاقبة (١).
ومنها: أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، فإن المسلمين لما أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر، وطار لهم الصِّيتُ، دخل معهم في الإسلام ظاهرًا من ليس معهم فيه باطنًا، فاقتضت حِكمة الله أن سبَّب لعباده محنة ميزت بين المؤمن والمنافق، فأطلع المنافقون رؤوسهم في هذه الغزوة، وتكلموا
стр. 3079
بما كانوا يكتمونه، وظهرت مُخَبَّاتهم، وعاد تلويحهم تصريحًا، وانقسم الناس إلى كافر، ومؤمن، ومنافق، انقسامًا ظاهرًا، وعرف المؤمنون أن لهم عدوًا في نفس دورهم، وهم معهم لا يُفارقونهم، فاستعدوا لهم، وتحرزوا منهم. قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. أي: ما كان الله ليذركم على ما أنتم عليه من التباس المؤمنين بالمنافقين، حتى يميز أهل الإيمان من أهل النفاق، كما ميزهم بالمحنة يوم أحد، وما كان الله ليطلعكم على الغيب الذي يميز به بين هؤلاء وهؤلاء، فإنهم متميزون في غيبه وعلمه، وهو -سُبْحَانَهُ- يريد أن يميزهم تمييزًا مشهودًا، فيقع معلومه الذي هو غيبٌ شهادةٌ. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ استدراك لما نفاه من اطلاع خلقه على الغيب، سوى الرسل، فإنه يُطلعهم على ما يشاء من غيبه، كما قال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]. فحظكم أنتم وسعادتكم في الإيمان بالغيب الذي يُطلع عليه رسله، فإن آمنتم به وأيقنتم، فلكم أعظمُ الأجر والكرامة.
ومنها: استخراج عبودية أوليائه وحزبه في السراء والضراء، وفيما يُحبون وما يكرهون، وفي حال ظفرهم وظفر أعدائهم بهم، فإذا ثبتوا على الطاعة والعبودية فيما يُحبون وما يكرهون، فهم
стр. 3080
عبيده حقًّا، وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد من السراء والنعمة والعافية.
ومنها: أنه -سُبْحَانَهُ- لو نصرهم دائمًا، وأظفرهم بعدوِّهم في كل موطن، وجعل لهم التمكين والقهر لأعدائهم أبدًا، لطغت نفوسهم، وشمخت وارتفعت، فلو بسط لهم النصر والظفر، لكانوا في الحال التي يكونون فيها لو بسط لهم الرزق، فلا يُصلح عباده إلا السراء والضراء، والشدة والرخاء، والقبض والبسط، فهو المدبر لأمر عباده كما يليق بحكمته، إنه بهم خبير بصير.
ومنها: أنه إذا امتحنهم بالغلبة، والكسرة، والهزيمة، ذلُّوا وانكسروا، وخضعوا، فاستوجبوا منه العِزَّ والنصر، فإن خلعة النصر إنما تكون مع ولاية الذُّل والانكسار، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، وقال: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٢٥]. فهو -سُبْحَانَهُ- إذا أراد أن يُعز عبده، ويجبره، وينصره، كسره أولًا، ويكون جبره له ونصره على مقدار ذُلِّه وانكساره.
ومنها: أنه -سُبْحَانَهُ- هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته، لم تبلغها أعمالهم، ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحنة، فقيَّض لهم الأسباب التي تُوصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه، كما وفقهم للأعمال الصالحة التي هي من جملة أسباب وصولهم إليها.
стр. 3081
ومنها: أن النفوس تكتسب من العافية الدائمة والنصر والغنى طغيانًا ورُكونًا إلى العاجلة، وذلك مرض يعوقها عن جدها في سيرها إلى الله والدار الآخرة، فإذا أراد بها ربُّها ومالكها وراحمها كرامته، قيَّض لها من الابتلاء والامتحان ما يكون دواء لذلك المرض العائق عن السير الحثيث إليه، فيكون ذلك البلاء والمحنة بمنزلة الطبيب يسقي العليل الدواء الكريه، ويقطع منه العروق المؤلمة لاستخراج الأدواء منه، ولو تركه لغلبته الأدواء حتى يكون فيها هلاكه.
ومنها: أن الشهادة عنده من أعلى مراتب أوليائه، والشهداء هم خواصه والمقربون من عباده، وليس بعد درجة الصديقية إلا الشهادة، وهو -سُبْحَانَهُ- يُحب أن يتخذ من عباده شهداء، تُراق دماؤهم في محبته ومرضاته، ويُؤثرون رضاه ومحابه على نفوسهم، ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها من تسليط العدو.
ومنها: أن الله -سُبْحَانَهُ- إذا أراد أن يُهلك أعداءه ويمحقهم، قيَّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم، ومن أعظمها بعد كفرهم بغيُهم، وطغيانهم، ومبالغتهم في أذى أوليائه، ومحاربتهم، وقتالهم، والتسلط عليهم، فيتمحص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم، ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكهم، وقد ذكر ذلك في قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا
стр. 3082
وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾ [آل عمران: ١٣٩ - ١٤١]. فجمع لهم في هذا الخطاب بين تشجيعهم وتقوية نفوسهم، وإحياء عزائمهم وهممهم، وبين حُسن التسلية، وذكر الحكم الباهرة التي اقتضت إدالة الكفار عليهم فقال: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾، فقد استويتم في القرح والألم، وتباينتم في الرجاء والثواب، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]. فما بالكم تهنون وتضعفون عند القرح والألم، فقد أصابهم ذلك في سبيل الشيطان، وأنتم أُصبتم في سبيلي وابتغاء مرضاتي.
ثم أخبر أنه يُداول أيام هذه الحياة الدنيا بين الناس، وأنها عرضٌ حاضر، يقسمها دُولًا بين أوليائه وأعدائه بخلاف الآخرة، فإن عزها ونصرها ورجاءها خالصٌ للذين آمنوا.
ثم ذكر حكمة أخرى، وهي أن يتميز المؤمنون من المنافقين، فيعلمُهم علم رؤية ومشاهدة بعد أن كانوا معلومين في غيبه، وذلك العلم الغيبي لا يترتب عليه ثوابٌ ولا عقاب، وإنما يترتب الثواب والعقاب على المعلوم إذا صار مشاهدًا واقعًا في الحسِّ.
ثم ذكر حكمة أخرى، وهي اتخاذه -سُبْحَانَهُ- منهم شهداء، فإنه
стр. 3083
يُحب الشهداء من عباده، وقد أعدَّ لهم أعلى المنازل وأفضلها، وقد اتخذهم لنفسه، فلا بد أن يُنيلهم درجة الشهادة. وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، تنبيهٌ لطيفُ الموقعِ جدًّا على كراهته وبغضه للمنافقين الذين انخذلوا عن نبيه يوم أُحد، فلم يشهدوه، ولم يتخذ منهم شهداء، لأنه لم يُحبهم، فأركسهم وردَّهم ليحرمهم ما خص به المؤمنين في ذلك اليوم، وما أعطاه من استشهد منهم، فثبط هؤلاء الظالمين عن الأسباب التي وفق لها أولياءه وحزبه» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3084
الكلمة التاسعة والثلاثون
مفطرات الصيام
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
قال تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وذكر الله في هذه الآية الكريمة أصول مفطرات الصوم، وذكر النبي ﷺ في السُّنة تمام ذلك.
والمفطرات المتفق عليها بين العلماء:
١ - الأكل. ٢ - الشرب. ٣ - الجماع. ٤ - خروج دم الحيض.
«١ - الجماع: وهو إيلاج الذكر في الفرج، وهو أعظمها وأكبرها إثمًا، فمتى جامع الصائم بطل صومه فرضًا كان أو نفلًا، ثم إن كان في نهار رمضان والصوم واجب عليه لزمه مع القضاء الكفارة المغلظة، وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين لا يفطر بينهما إلا لعذر شرعي كأيام العيد والتشريق، أو لعذر حسي كالمرض والسفر
стр. 3085
بغير قصد الفطر، فإن أفطر لغير عذر ولو يومًا واحدًا لزمه استئناف الصيام من جديد ليحصل التتابع، فإن لم يستطع صيام شهرين متتابعين فإطعام ستين مسكينًا.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلًا وقع بامرأته فاستفتى النبي ﷺ عن ذلك فقال: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً»، قال: لا، قال: «هَلْ تَسْتَطِيعُ صِيَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»، قال: لا، قال: «فَأَطْعِمْ سِتِينَ مِسْكِينًا» (١).
٢ - إنزال المني باختياره؛ بتقبيل، أو لمس، أو استمناء .. أو غير ذلك؛ لأن هذا من الشهوة التي لا يكون الصوم إلا باجتنابها، كما جاء في الصحيحين في الحديث القدسي: «يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي» (٢).
فأما التقبيل واللمس بدون إنزال فلا يفطر لما في الصحيحين من حديث عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه كان أملككم لإربه» (٣).
وأما الإنزال بالاحتلام فلا يفطر؛ لأن النبي ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم (٤).