ومنها: أن النفوس تكتسب من العافية الدائمة والنصر والغنى طغيانًا ورُكونًا إلى العاجلة، وذلك مرض يعوقها عن جدها في سيرها إلى الله والدار الآخرة، فإذا أراد بها ربُّها ومالكها وراحمها كرامته، قيَّض لها من الابتلاء والامتحان ما يكون دواء لذلك المرض العائق عن السير الحثيث إليه، فيكون ذلك البلاء والمحنة بمنزلة الطبيب يسقي العليل الدواء الكريه، ويقطع منه العروق المؤلمة لاستخراج الأدواء منه، ولو تركه لغلبته الأدواء حتى يكون فيها هلاكه.
ومنها: أن الشهادة عنده من أعلى مراتب أوليائه، والشهداء هم خواصه والمقربون من عباده، وليس بعد درجة الصديقية إلا الشهادة، وهو -سُبْحَانَهُ- يُحب أن يتخذ من عباده شهداء، تُراق دماؤهم في محبته ومرضاته، ويُؤثرون رضاه ومحابه على نفوسهم، ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها من تسليط العدو.
ومنها: أن الله -سُبْحَانَهُ- إذا أراد أن يُهلك أعداءه ويمحقهم، قيَّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم، ومن أعظمها بعد كفرهم بغيُهم، وطغيانهم، ومبالغتهم في أذى أوليائه، ومحاربتهم، وقتالهم، والتسلط عليهم، فيتمحص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم، ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكهم، وقد ذكر ذلك في قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا
стр. 3082
وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾ [آل عمران: ١٣٩ - ١٤١]. فجمع لهم في هذا الخطاب بين تشجيعهم وتقوية نفوسهم، وإحياء عزائمهم وهممهم، وبين حُسن التسلية، وذكر الحكم الباهرة التي اقتضت إدالة الكفار عليهم فقال: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾، فقد استويتم في القرح والألم، وتباينتم في الرجاء والثواب، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]. فما بالكم تهنون وتضعفون عند القرح والألم، فقد أصابهم ذلك في سبيل الشيطان، وأنتم أُصبتم في سبيلي وابتغاء مرضاتي.
ثم أخبر أنه يُداول أيام هذه الحياة الدنيا بين الناس، وأنها عرضٌ حاضر، يقسمها دُولًا بين أوليائه وأعدائه بخلاف الآخرة، فإن عزها ونصرها ورجاءها خالصٌ للذين آمنوا.
ثم ذكر حكمة أخرى، وهي أن يتميز المؤمنون من المنافقين، فيعلمُهم علم رؤية ومشاهدة بعد أن كانوا معلومين في غيبه، وذلك العلم الغيبي لا يترتب عليه ثوابٌ ولا عقاب، وإنما يترتب الثواب والعقاب على المعلوم إذا صار مشاهدًا واقعًا في الحسِّ.
ثم ذكر حكمة أخرى، وهي اتخاذه -سُبْحَانَهُ- منهم شهداء، فإنه
стр. 3083
يُحب الشهداء من عباده، وقد أعدَّ لهم أعلى المنازل وأفضلها، وقد اتخذهم لنفسه، فلا بد أن يُنيلهم درجة الشهادة. وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، تنبيهٌ لطيفُ الموقعِ جدًّا على كراهته وبغضه للمنافقين الذين انخذلوا عن نبيه يوم أُحد، فلم يشهدوه، ولم يتخذ منهم شهداء، لأنه لم يُحبهم، فأركسهم وردَّهم ليحرمهم ما خص به المؤمنين في ذلك اليوم، وما أعطاه من استشهد منهم، فثبط هؤلاء الظالمين عن الأسباب التي وفق لها أولياءه وحزبه» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3084
الكلمة التاسعة والثلاثون
مفطرات الصيام
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
قال تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وذكر الله في هذه الآية الكريمة أصول مفطرات الصوم، وذكر النبي ﷺ في السُّنة تمام ذلك.
والمفطرات المتفق عليها بين العلماء:
١ - الأكل. ٢ - الشرب. ٣ - الجماع. ٤ - خروج دم الحيض.
«١ - الجماع: وهو إيلاج الذكر في الفرج، وهو أعظمها وأكبرها إثمًا، فمتى جامع الصائم بطل صومه فرضًا كان أو نفلًا، ثم إن كان في نهار رمضان والصوم واجب عليه لزمه مع القضاء الكفارة المغلظة، وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين لا يفطر بينهما إلا لعذر شرعي كأيام العيد والتشريق، أو لعذر حسي كالمرض والسفر
стр. 3085
بغير قصد الفطر، فإن أفطر لغير عذر ولو يومًا واحدًا لزمه استئناف الصيام من جديد ليحصل التتابع، فإن لم يستطع صيام شهرين متتابعين فإطعام ستين مسكينًا.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلًا وقع بامرأته فاستفتى النبي ﷺ عن ذلك فقال: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً»، قال: لا، قال: «هَلْ تَسْتَطِيعُ صِيَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»، قال: لا، قال: «فَأَطْعِمْ سِتِينَ مِسْكِينًا» (١).
٢ - إنزال المني باختياره؛ بتقبيل، أو لمس، أو استمناء .. أو غير ذلك؛ لأن هذا من الشهوة التي لا يكون الصوم إلا باجتنابها، كما جاء في الصحيحين في الحديث القدسي: «يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي» (٢).
فأما التقبيل واللمس بدون إنزال فلا يفطر لما في الصحيحين من حديث عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه كان أملككم لإربه» (٣).
وأما الإنزال بالاحتلام فلا يفطر؛ لأن النبي ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم (٤).
стр. 3086
٣ - الأكل أو الشرب، وهو إيصال الطعام أو الشراب إلى الجوف من طريق الفم أو الأنف، أيًّا كان نوع المأكول أو المشروب، لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. والسعوط في الأنف كالأكل والشرب؛ لقوله ﷺ في حديث لقيط بن صبرة: «وَبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (١).
فأما شم الروائح فلا يفطر؛ لأنه ليس للرائحة جرم يدخل إلى الجوف.
٤ - ما كان بمعنى الأكل والشرب، وهو شيئان:
أحدهما: حقن الدم في الصائم مثل أن يصاب بنزيف فيحقن به دم، فيفطر بذلك؛ لأن الدم هو غاية الغذاء بالطعام والشراب، وقد حصل ذلك بحقن الدم فيه.
الشيءالثاني: الإبر المغذية التي يُكتفى بها عن الأكل والشرب، فإذا تناولها أفطر لأنها وإن لم تكن أكلًا وشربًا حقيقة، فإنها بمعناهما، فثبت لها حكمهما، فأما الإبر غير المغذية فإنها غير مفطرة سواء تناولها عن طريق العضلات أو عن طريق العروق حتى
стр. 3087
لو وجد حرارتها في حلقه، فإنها لا تفطر؛ لأنها ليست أكلًا ولا شربًا ولا بمعناهما، فلا يثبت لها حكمهما، ولا عبرة بوجود الطعم في الحلق في غير الأكل والشرب؛ ولذلك قال الفقهاء: «لو لطخ باطن قدمه بحنظل فوجد طعمه في حلقه لم يفطر».
٥ - التقيؤ عمدًا، وهو إخراج ما في المعدة من طعام أو شراب عن طريق الفم لقول النبي ﷺ : «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ» (١). ومعنى ذرعه: أي غلبه، ويفطر إذا تعمد القيء، إما بالفعل؛ كعصر بطنه أو غمز حلقه، أو بالشم؛ مثل أن يشم شيئًا ليقيء به، فيفطر بذلك كله، أما إذا حصل القيء بدون سبب منه فإنه لا يفطر.
٦ - خروج دم الحيض والنفاس لقول النبي ﷺ في المرأة: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» (٢). فمتى رأت دم الحيض أو النفاس فسد صومها سواء في أول النهار أم في آخره، ولو قبل الغروب بلحظة. وإن أحست بانتقال الدم ولم يبرز إلا بعد الغروب فصومها صحيح.
ويحرم على الصائم تناول هذه المفطرات إن كان صومه واجبًا
стр. 3088
كصوم رمضان والكفارة والنذر، إلا أن يكون له عذر يبيح الفطر، لأن من تلبس بواجب لزمه إتمامه إلا لعذر صحيح، ثم إن كان في نهار رمضان وجب عليه الإمساك بقية اليوم والقضاء، وإلا لزمه القضاء دون الإمساك، أما إن كان صومه تطوعًا فإنه يجوز له الفطر ولو بدون عذر لكن الأولى الإتمام» (١).
وقد صدرت فتوى في بعض مفطرات الصيام المعاصرة التي يكثر السؤال عنها من مجمع الفقه الإسلامي في دورته المنعقدة بجدة خلال الفترة من ٢٣ - ٢٨ صفر عام ١٤١٨ هـ وجاء فيها:
أولًا: الأمور التالية لا تعتبر من المفطرات:
١ - قطرة العين، أو قطرة الأذن، أو غسول الأذن، أو قطرة الأنف إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
٢ - الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية وغيرها، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
٣ - ما يدخل المهبل من تحاميل (لبوس)، أو غسول، أو منظار مهبلي، أو إصبع للفحص الطبي.
٤ - إدخال المنظار أو اللولب أو نحوهما إلى الرحم.
٥ - ما يدخل الإحليل: أي مجرى البول الظاهر للذكر والأنثى من
стр. 3089
قنطرة (أنبوب دقيق) أو منظار، أو مادة ظليلة على الأشعة، أو دواء، أو محلول لغسل المثانة.
٦ - حفر السن، أو خلع الضرس، أو تنظيف الأسنان، أو السواك، أو فرشاة الأسنان، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
٧ - المضمضة والغرغرة، وبخاخ العلاج الموضعي للفم، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
٨ - الحقن العلاجية الجلدية، أو العضلية، أو الوريدية، باستثناء السوائل، والحقن المغذية.
٩ - غاز الأكسجين.
١٠ - غازات التخدير (البنج) ما لم يعط المريض سوائل (محاليل) مغذية.
١١ - ما يدخل الجسم امتصاصًا من الجلد كالدهونات، والمراهم، واللصقات العلاجية الجلدية المحملة بالمواد الدوائية، أو الكيميائية.
١٢ - إدخال قنطرة (أنبوب دقيق) في الشرايين لتصوير أو علاج أوعية القلب أو غيره من الأعضاء.
١٣ - إدخال منظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء، أو إجراء عملية جراحية عليها.
١٤ - أخذ عينات (خزعات) من الكبد أو غيره من الأعضاء ما لم
стр. 3090
تكن مصحوبة بإعطاء محاليل.
١٥ - منظار المعدة إذا لم يصاحبه إدخال سوائل (محاليل) أو مواد أخرى.
١٦ - دخول أي أداة أو مواد علاجية إلى الدماغ أو النخاع الشوكي.
١٧ - القيء غير المتعمد بخلاف المتعمد (الاستقاءة)، وينبغي على الطبيب المسلم نصح المريض بتأجيل ما لا يضر تأجيله إلى ما بعد الإفطار من صور المعالجات المذكور فيما سبق.
وبقي بعض المفطرات المعاصرة مثل:
١ - بخاخ الربو: ذهب العلماء: ابن باز (١)، وابن عثيمين (٢) رحمهما الله، واللجنة الدائمة (٣) إلى أنه لا يفطر؛ لأن البخاخ يتبخر ولا يصل إلى المعدة، وإنما يصل إلى القصبات الهوائية، وقياسًا على المضمضة والسواك.
٢ - التخدير الكلي:
«أن يفقده جميع النهار، فالجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة أن من أُغمي عليه جميع النهار فصومه غير صحيح؛
стр. 3091
لحديث «يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ» (١).
فأضاف الإمساك إلى الصائم، أما المغمى عليه فلا يصدق عليه ذلك.
أن لا يستغرق فقدان الوعي كل النهار، فذهب مالك إلى عدم صحة صومه، وذهب الشافعي وأحمد إلى صحة صومه .. وهو الأقرب للصواب» (٢).
٣ - الغسيل الكلوي: اختار الشيخ العلامة ابن باز ﵀ أنه مفطر؛ لأن غسيل الكلى يزود الجسم بالدم النقي، كما أنه قد يزود بمادة مغذية، وهو مفطر آخر، فاجتمع مفطران (٣).
«وذهب آخرون من المعاصرين إلى أنه لا يفطر لأن غسيل الكُلى يلحق بالحقن فليس أكلًا ولا شربًا، إنما هو حقن لسوائل في صفاق البطن، ثم استخراجه بعد مدة، أو سحب للدم ثم إعادته بعد تنقيته عن طريق جهاز الغسيل الكلوي، والذي يظهر أن غسيل الكلى فيه تفصيل، فإذا صاحبه تزويد الجسم بمواد مغذية سكرية أو غيرها فلا إشكال أنه يفطر؛ لأن هذه المواد بمعنى الأكل والشرب، فالجسم يتغذى بها ويتقوى، أما إذا لم يكن معه مواد مغذية فإنه لم يظهر ما يوجب التفطير به، أما مجرد تنقيته للدم من المواد الضارة فليس في هذا ما يوجب
стр. 3092
التفطير به» (١).
٤ - حقنة أو تحاميل الشرج: لا تفطر؛ لأنها ليست أكلًا ولا شربًا ولا بمعناهما، ولا تصل إلى الجوف، إلا إذا كان فيها ماء أو مواد مغذية تمتصها الأمعاء، فهي مفطرة، لتقوي الجسم بهذه المواد التي تمتصها الأمعاء.
٥ - المنظار الشرجي: لا يفطر، فهو لا يصل إلى المعدة، ولا يحصل للجسم به تقوي ولا تغذي.
«٦ - التبرع بالدم: يقاس على الحجامة، وفيها خلاف قوي بين أهل العلم، والأقرب من حيث الدليل وعليه جمهور السلف والخلف عدم التفطير بالحجامة، وعليه فالتبرع بالدم لا يفطر.
٧ - سحب الدم القليل للتحليل: لا يفطر، لعدم وجود ما يقتضي الفطر» (٢).
تنبيه:
جاء في الموسوعة الفقهية: «اتفق الفقهاء على أن شرب الدخان المعروف أثناء الصوم يفسد الصيام؛ لأنه من المفطرات» (٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3093
الكلمة الأربعون
فضل الصيام في شهر شعبان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فقد عقد الحافظ ابن رجب ﵀ في كتابه (لطائف المعارف) فصلًا في وظائف شهر شعبان، اختصرت كلامه في هذه الكلمة.
«روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أسامة بن زيد ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصوم الأيام، يسرد حتى يُقال: لا يُفطر، ويُفطر الأيام حتى لا يكاد أن يصوم، إلا يومين من الجمعة إن كان في صيامه، وإلا صامهما، ولم يكن يصوم شهر من الشهور ما يصوم من شعبان، فقلت: يا رسول الله! إنك تصوم لا تكاد أن تفطر، وتفطر حتى لا تكاد أن تصوم، إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما، قال: «أَيُّ يَوْمَيْنِ؟» قلت: يوم الاثنين، ويوم الخميس، قال: «ذَانِكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الْأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ»، قلت: ولم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: «ذَاكَ
стр. 3094
شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبَ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَال إِلَى ربِّ العَالَمِينَ ﵄، فَأُحِبُّ أنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» (١).
قد تضمن هذا الحديث ذكر صيام النبي ﷺ من جميع السنة، وصيامه من أيام الأسبوع، وصيامه من شهور السنة، فأما صيام النبي ﷺ من السنة فكاد يسرد الصيام أحيانًا، والفطر أحيانًا، فيصوم حتى يُقال: لا يُفطر، ويفطر حتى يُقال: لا يصوم، وقد كان النبي ﷺ ينكر على من يصوم الدهر، ولا يفطر منه، ويخبر عن نفسه أنه لا يفعل ذلك.
ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال له: «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ، وَتقُومُ اللَّيْلَ؟» فقلت: بلى يا رسول الله، فقال النبي ﷺ : «فَلا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ» (٢).
وأما صيام النبي ﷺ من الأيام - أعني: أيام الأسبوع-فكان يتحرى صيام الاثنين والخميس، فقد روى النسائي في سننه من حديث عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان يتحرى صيام الاثنين والخميس» (٣).
стр. 3095
وأكثر العلماء على استحباب صيام الاثنين والخميس، وأما صيام النبي ﷺ من أشهر السنة، فكان يصوم من شعبان ما لا يصوم من غيره من الشهور، ففي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صيامًا منه في شعبان» (١). زاد البخاري في رواية: «كان يصوم شعبان كله» (٢)، ولمسلم في رواية: «كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلًا» (٣)،
وفي رواية النسائي عن عائشة ﵂ قالت: «كان أحب الشهور إلى رسول الله ﷺ أن يصوم شعبان، وكان يصله برمضان» (٤).
وقد رجح طائفة من العلماء - منهم ابن المبارك- وغيره أن النبي ﷺ لم يستكمل صيام شعبان، وإنما كان يصوم أكثره.
وفي الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ قال: «ما صام رسول الله ﷺ شهرًا كاملًا غير رمضان»، وكان ابن عباس يكره أن يصوم شهرًا كاملًا غير رمضان (٥).
стр. 3096
فإن قيل: فقد قال ﷺ : «أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا»، ولم يصم كذلك، بل كان يصوم سردًا ويفطر سردًا، ويصوم شعبان وكل اثنين وخميس، قيل: صيام داود الذي فضله على الصيام قد فسره ﷺ في حديث آخر بأنه صوم شطر الدهر، وكان صيام النبي ﷺ إذا جمع يبلغ صيام نصف الدهر أو يزيد عليه، وقد كان يصوم مع ما سبق ذكره: يوم عاشوراء، وتسع ذي الحجة، وإنما كان يُفرق صيامه ولا يصوم يومًا ويفطر يومًا؛ لأنه ﷺ كان يتحرى صيام الأوقات الفاضلة، ولا يضر تفريق الصيام والفطر أكثر من يوم ويوم إذا كان القصد به التقوي على ما هو أفضل من الصيام؛ من أداء الرسالة وتبليغها والجهاد عليها، والقيام بحقوقها، وكان صيام يوم وفطر يوم يُضعفه عن ذلك.
ولهذا لما سُئل النبي ﷺ في حديث أبي قتادة عمن يصوم يومًا ويفطر يومين، قال: «وَدِدْتُ أَنِّي طُوِّقْتُ ذَلِكَ» (١).
وقد كان عبد الله بن عمرو بن العاص لما كبر يسرد الفطر أحيانًا ليتقوى به على الصيام ثم يعود فيصوم ما فاته؛ محافظة على ما فارق عليه النبي ﷺ من صيام شطر الدهر، فحصل للنبي ﷺ أجرُ صيام شطر الدهر وأزيد منه بصيامه المتفرق، وحصل له ﷺ أجر تتابع الصيام بتمنيه لذلك، وإنما عاقه عنه الاشتغال بما هو أهم منه
стр. 3097
وأفضل. والله أعلم.
وفي قوله ﷺ : «يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبَ وَرَمَضَانَ». إشارة إلى أن بعض ما يشتهر فضله من الأزمان، أو الأماكن، أو الأشخاص قد يكون غيره أفضل منه، إما مطلقًا أو لخصوصيةٍ فيه لا يتفطن لها أكثر الناس، فيشتغلون بالمشهور عنه ويفوتون تحصيل فضيلة ما ليس بمشهور عندهم.
وفيه دليل على استحباب عمارة أزمان غفلة الناس بالطاعة، وأن ذلك محبوب لله ، كما كان طائفة من السلف يستحبون إحياء ما بين العشاءين بالصلاة ويقولون: هي ساعة الغفلة، وكذلك فضل القيام في وسط الليل لشمول الغفلة لأكثر الناس فيه عن الذكر، وقد قال ﷺ : «إِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ» (١). ولهذا المعنى كان النبي ﷺ يريد أن يؤخر العشاء إلى نصف الليل، وإنما علل ترك ذلك بخشية المشقة على الناس، ولما خرج ﷺ على أصحابه وهم ينتظرونه لصلاة العشاء قال لهم: «مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ» (٢). وفي هذا إشارة إلى فضيلة التفرد بذكر الله في وقت من الأوقات لا يوجد فيه ذاكر له.
стр. 3098
وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد:
منها: أنه يكون أخفى، وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل، ولا سيما الصيام؛ فإنه سر بين العبد وربه، ولهذا قيل: إنه ليس فيه رياءٌ.
وقد صام بعض السلف أربعين سنة لا يعلم به أحد، كان يخرج من بيته إلى السوق ومعه رغيفان، فيتصدق بهما ويصوم، فيظن أهله أنه أكلهما، ويظن أهل السوق أنه أكل في بيته.
وكانوا يحبون لمن صام أن يُظهر ما يُخفي به صيامه، فعن ابن مسعود ﵁ قال: إذا أصبحتم صيامًا، أصبحوا مدهنين، وقال قتادة: يستحب للصائم أن يدهن حتى تذهب عنه غُبرة الصيام، وقال أبو التياح: أدركت أبي ومشيخة الحي إذا صام أحدهم ادَّهن ولبس أحسن ثيابه.
ما أسر أحدٌ سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانيةً.
وَهَبْنِي كَتَمْتُ السِّرَّ أَوْ قُلْتُ غَيْرَهُ ... أَتَخْفَى عَلَى أَهْلِ القُلُوبِ السَّرَائِرُ
أَبَى ذَاكَ أَنَّ السِّرَّ فِي الوَجْهِ نَاطِقٌ ... وَأَنَّ ضَمِيرَ القَلْبِ فِي الْعَيْنِ ظَاهِرُ
ومنها: أنه أشق على النفوس، وأفضل الأعمال أشقها على النفوس، وسبب ذلك أن النفوس تتأسى بما تشاهده من أحوال أبناء الجنس، فإذا كثرت يقظة الناس وطاعاتهم؛ كثر أهل الطاعة لكثرة المقتدين بهم، فسهلت الطاعات، وإذا كثرت
стр. 3099
الغفلات وأهلها، تأسى بهم عموم الناس، فيشق على نفوس المتيقظين طاعاتهم، لقلة من يقتدون بهم فيها.
ولهذا المعنى قال النبي ﷺ : «لِلْعَامِلِ مِنْهُمْ
أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» (١). وقال ﷺ : «بَدَأَ الِإسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» (٢).
وفي رواية: قيل: ومن الغرباء؟ قال: «الَّذِينَ يُصْلِحُونَ عِنْدَ فَسَادِ النَّاسِ» (٣).
وفي صحيح مسلم من حديث معقل بن يسار عن النبي ﷺ قال: «العِبَادَةُ فِي الهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ» (٤). وخرَّجه الإمام أحمد، ولفظه: «الْعِبَادَةُ فِي الْفِتْنَةِ كَالهِجْرَةِ إِلَيَّ» (٥).
وقد قيل أن من فوائد صيام شهر شعبان: أن صيامه كالتمرين على صيام رمضان، لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة، بل يكون قد تمرن على الصيام واعتاده، ووجد لصيام شعبان حلاوة الصيام ولذته، فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط، ولمَّا كان
стр. 3100
شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن ليحصل التأهب لتلقي رمضان، وترتاض النفوس بذلك على طاعة الرحمن.
كان حبيب بن أبي ثابت إذا دخل شعبان قال: هذا شهر القراء، وكان عمرو بن قيس الملائي إذا دخل شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القرآن» (١).
قال الشاعر:
مَضَى رَجَبٌ وما أحْسَنْتَ فِيهِ ... وَهَذا شَهْرُ شَعْبَانَ المُبارَكْ
فَيَا مَنْ ضَيَّعَ الأَوْقَاتَ جَهْلًا ... بِحُرْمَتِهَا أَفِقْ وَاحْذَرْ بَوارَكْ
فَسَوْفَ تُفَارِقُ اللَّذَّاتِ قَهْرًا ... وَيُخْلِي المَوْتُ كَرْهًا مِنْكَ دَارَكْ
تَدَارَكْ مَا اسْتَطَعْتَ مِنَ الخَطَايَا ... بِتَوْبَةِ مُخْلِصٍ وَاجْعَلْ مَدَارَكْ
عَلَى طَلَبِ السَّلَامَةِ مِنْ جَحِيمٍ ... فَخَيْرُ ذَوِي الجَرائِمِ مَنْ تَدارَكْ
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3101
الكلمة الواحدة والأربعون
الوقف
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فمن الأعمال الصالحة العظيمة التي حث عليها الشرع، ورغب فيها، ويستمر أجرها لصاحبها بعد الممات: (الوقف)، والمقصود بالوقف: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، والمراد بالأصل: ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، كالدور، والدكاكين، والبساتين، ونحوها، والمراد بالمنفعة: الغلة الناتجة عن ذلك الأصل، كالثمرة، والأجرة، وسكنى الدار ونحوها (١).
والوقف سنة، وقربة عظيمة إلى الله، دلت النصوص الشرعية على فضله، ففي الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁: أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله! إني أصبت أرضًا بخيبر، لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: «إِنْ شِئْتَ
стр. 3102
حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا»، قال: فتصدق بها عمر ﵁، أنه لا يُباع، ولا يُوهب، ولا يُورث، وتصدق بها في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويُطعم غير متمول، قال: فحدثت به ابن سيرين، فقال: غير متأثل مالًا (١).
كما وردت أحاديث أخرى تحث على هذا الباب من الخير، وتأمر به، وترغب فيه، فروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (٢).
ومن العلماء من فسر الصدقة الجارية بالوقف على التخصيص، منهم النووي ﵀؛ لأن الصدقة الجارية مما لا ينقطع أجرها، ولا يمكن جريان الصدقة إلا بحبسها، والحبس مندوب إليه، وعقب الإمام النووي في شرح هذا الحديث فقال: وفيه دليل لصحة أصل الوقف وعظيم ثوابه (٣).
وروى البزار في مسنده من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «سَبْعٌ يَجْرِي لِلْعَبْدِ أَجْرُهُنَّ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ: مَنْ
стр. 3103
عَلَّمَ عِلْمًا، أَوْ كَرَى نَهَرًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا، أَوْ غَرَسَ نَخْلًا، أَوْ بَنَى مَسْجِدًا، أَوْ وَرَّثَ مُصْحَفًا، أَوْ تَرَكَ وَلَدًا يَسْتَغْفِرُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ» (١).
قال القرطبي ﵀: «ولا خلاف بين الأئمة في تحبيس القناطر، والمساجد، واختلفوا في غير ذلك» (٢).
وقال جابر ﵁: «لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ذا مقدرة إلا وقف» (٣).
قال ابن قدامة ﵀: «وهذا إجماع منهم، فإن الذي قدر منهم وقف، واشتهر ذلك ولم ينكره أحد فكان إجماعًا» (٤).
وكما جاء في الآثار أن منهم من وقف بستانه (٥)، ومنهم من وقف داره (٦)، ومنهم من وقف أرضه (٧)، ومنهم من حبس أدرعه وسلاحه (٨)، وكان من أول من بادر إلى الوقف الخلفاء الراشدون الأربعة، فهذا أبو بكر الصديق ﵁ أوقف دورًا له
стр. 3104
بمكة على ذريته (١)،
وهذا عمر ﵁ أوقف أرضًا له بخيبر لم يصب مالًا أنفس منها (٢)، وهذا عثمان ذو النورين ﵁ أوقف بئر رومة، وكانت بئرًا شهيرة بالمدينة عذبة الماء (٣)، وهذا علي ﵁ أوقف بينبع أرض له (٤)، وهكذا تسابق أصحاب رسول الله ﷺ على الوقف في سبيل الله تأسيًا بقدوتهم ﷺ ، فقد جاء في صحيح البخاري من حديث عمرو بن الحارث ﵁ قال: «ما ترك رسول الله ﷺ دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمةً، إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها، وسلاحه، وأرضًا جعلها لابن السبيل صدقة» (٥). قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وكان خالد بن الوليد من أكثر أصحاب النبي ﷺ جهادًا في سبيل الله حتى لقبه رسول الله ﷺ : «سَيفُ اللهِ المسلول» (٦)، ومع اشتغاله بالجهاد، إلا أنه لم يغفل الوقف في سبيل الله، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁
стр. 3105
أن النبي ﷺ قال: « ... وَأَمَّا خَالِدٌ! فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (١). أي: آلات الحرب من السلاح والدواب وغيرها.
ومن حِكَم الوقف العظيمة: القيام بحاجة المسلمين، وسد خلتهم، ورفع المنة عنهم، ونشر العلم والدعوة، فالواقف في سبيل الله تخلى عن ماله لينفع إخوانه، فهذا وقف مسجدًا بناه فصلى فيه المسلمون، وهذا وقف سكنًا لأبناء السبيل أو للأرامل والأيتام والفقراء، وهذا وقف مستشفى يتعالج فيه من لا يجد قيمة العلاج والدواء من أبناء المسلمين، وذاك ساهم في بناء وقف للدعوة إلى الله تعالى، ورعاية المسلمين الجدد، وتأليف قلوبهم، وترغيبهم في الإسلام، وهذا وقف بعض ماله في عقار يدر على حلقات تعليم القرآن الكريم وتحفيظه، أو تعليم العلوم الشرعية والقيام على طلبة العلم، أو طباعة الكتب .. وهكذا (٢).
«الوقف له أركان لا يتم إلا بها:
الركن الأول: الواقف: وهو الذي بذل المال وحبسه في سبيل الله.
الركن الثاني: الموقوف عليه: وهي الجهة المنتفعة من الوقف
стр. 3106
ومصارفه، سواء كانت مؤسسات، أو أفراد معينين بأشخاصهم، كما في الوقف على الذرية والقرابة، أو كانوا معينين بأوصافهم كالفقراء، أو المساكين، أو طلبة العلم، أو حفاظ القرآن الكريم، وقد يكون الوقف على جهات كالجمعيات الخيرية، أو مدارس تحفيظ القرآن الكريم، أو مكاتب الدعوة إلى الله .. أو نحو ذلك.
الركن الثالث: المال الموقوف: سواء كان عقارًا ثابتًا، كالعمائر، والدور، والمحلات، والأسواق، أو كان منقولًا كالدراهم، والأموال، والمصاحف، والكتب، والأثاث .. وغيرها.
الركن الرابع: وهو الصيغة الوقفية: وهي اللفظ الذي يدل على إرادة الوقف، سواء أكانت صريحة كأن يقول (وقفت، وحبست، وسبلت) أو كنائية وغير صريحة كنحو (تصدقت، وحرمت، وأبّدت) لكن يشترط نية الواقف في الصيغ الكنائية، أو اقترانها بأحد الألفاظ الصريحة» (١).
أما بالنسبة للوقف الذري (٢)،
فقد صدرت فتاوى فيه من أهل العلم، جاء في فتوى الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ مفتي الديار السعودية سابقًا ما نصه: «من محمد بن إبراهيم إلى القائد علي
стр. 3107
الشاعر مدير الكلية الحربية السعودية، فقد جرى الاطلاع على خطابكم الوارد إلينا مشفوعه الاستفتاء الموجه إلينا من الملازم أول مهدي الرافدي، أن رجلًا قضى نحبه بعد أن أوقف جميع تركته على أولاده الذكور والإناث، وما تناسل من الذكور دون الإناث، ثم أبناء السبيل. ونفيدكم بأن هذا الوقف باطل لأمرين:
الأول: أنه جميع تركته وهو لا يتصرف إلا في ثلثها، ثبت أن رجلًا في زمن النبي ﷺ أعتق ستة أعبد عن دبر، ليس له مال غيرهم، فأقرع بينهم وجزأهم ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين وأرق أربعة، وقال فيه قولًا شديدًا (١)، وفي رواية أنه قال: «لَوْ حَضَرْتُهُ لَمْ يُدْفَنْ فِي مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ» (٢). اهـ. فلا تنفذ إلا ثلث التركة المذكورة.
الثاني: أنه حرم بذلك بقية الورثة، إن كانوا كالزوجة والأب والجد والأم والجدة، مع ما في هذا الوقف من الجنف، والظاهر فيه حرمان أولاد البنات مما يستحقونه من أمهاتهم المستحقات في هذا الوقف» (٣).
كما جاء في الفتوى رقم ٢٨٦ من محمد بن إبراهيم إلى فضيلة قاضي صبيا سلمه الله: فقد وصل إلينا كتابك (٤)،
стр. 3108
والمرفق به عريضة محمد بن زيد الخواجي حول استفتائه عن حكم تصرفه في أملاكه وعقاراته التي أوقفها في حياته على ورثته، وأولاد ابنه زيد وبنات أخيه، وكذا وثيقة الوقفية التي بقلم محمد بن أحمد الحازمي المؤرخة في ١٨/ ٣/١٣٧٧ هـ، وبتأمل الجميع ظهر عدم صحة هذه الوقفية لأمور:
أولًا: أن هذا مخالف لما درج عليه السلف في أوقافهم؛ لأنه لم يعرف عن أحد منهم أنه فعل مثل هذا، قال الميموني: سُئل أحمد عن بعض المسائل في الوقف، فقال: ما أعرف الوقف إلا ما ابتغي به وجه الله، وقال أيضًا: أحب إلي أن لا يقسم ماله ويدعه على فرائض الله، وقال القاسم بن محمد لمن سأله عن وصايا العباس بن عتبة: انظر ما وافق الحق منها فامضه، وما لا فَرُدَّ، فإن عائشة ﵂ حدثتني أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيه أَمْرُنَا هَذَا فَهُوَ رَدٌّ» (١).
ثانيًا: أن فيه حجرًا على الورثة، وتضييقًا عليهم، ومنعًا لهم من التصرف في ميراثهم الذي فرضه الله لهم، فهو يقصد بهذا منعهم من بيعه والتصرف فيه بالهبة، وغير هذا من أنواع التصرفات، مع أن الله أباح لهم ذلك، فهو من تخوفه الفقر على ورثته يريد أن يتصرف تصرفًا أحسن ممّا شرعه رب العالمين،
стр. 3109
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠]. ولا يبعد أن يكون بفعله هذا داخلًا في عموم تعدي حدود الله، وعدم الرضا بما فرضه الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
«وقد أنكر الشيخ محمد بن عبدالوهاب ﵀ هذا الوقف في ثلاث رسائل، وسماه: «وقف الجنف والإثم»، وسبب تأليف الشيخ لهذه الرسائل، ما كان معهودًا عند أهل نجد من الوقف على الذرية باستثناء أولاد البنات، حيث أبان ما في هذا الوقف من الظلم؛ لأنه يُعد تقسيمًا للإرث على مقتضى الهوى، وفرارًا من قسمة الله تعالى، حيث يريد الرجل أن لا ترث امرأته، أو لا يرث أولاد بناته من بناته إذا توفين بعده، بل يبقى المال في أولاده الذكور فقط وأولادهم ما داموا في صلبه» (١).
تنبيهات:
«أن أفضل الوقف ما كان أنفع للمسلمين: فقد يكون الوقف على تعليم العلم أنفع وأهم في بعض الأزمان، وقد يكون الوقف على الجهاد في سبيل الله أنفع وأهم، وقد يكون
стр. 3110
الوقف على إطعام الطعام، وسقيا الماء أنفع، وذلك بحسب الأحوال، والظروف، والأزمان، والأماكن.
أن ما أُوقف لا تجب فيه الزكاة؛ لأنه خرج من ملك الواقف إلى ملك الله تعالى.
أنه لا يحق للواقف الرجوع في وقفه؛ لأنه خرج من ملكه إلى ملك الله تعالى.
كل ما جاز بيعه جاز وقفه، بشرط دوام الانتفاع، كالعقار، والحيوان، والسلاح، والأثاث، وأشباه ذلك، وأما ما لا يدوم الانتفاع به كالطعام والشراب، فلا يوقف.
أهمية توقيف الوقف وإثباته لدى الجهات المختصة، أو الإشهاد عليه وعدم إهماله أو تركه مما يتسبب في ضياعه أو التعدي عليه.
أن على الناظر واجبات مهمة، كتنمية مال الوقف، وأداء ديونه، وتحصيل ريعه، وتنفيذ شرط الواقف.
أن اعظم الصدقات والأوقاف سقيا الماء، فقد ورد في سنن أبي داود من حديث سعد بن عباده أنه قال للنبي ﷺ : إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ، فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الْمَاءُ»، قَالَ: فَحَفَرَ بِئْرًا، وَقَالَ: هَذِهِ لِأُمِّ سَعْدٍ (١).
стр. 3111
من الأخطاء التي يقع فيها بعض الواقفين إذا رغب في الوقف جعل وقفه على ذريته، وحرم منه غيرهم من أهل الحاجات، وربما اختلفت الذرية بعد ذلك في هذا المال، وتنازعوا عليه، وربما تقاسموه وتوارثوه.
ومن الأخطاء أن يجعل الواقف مال الوقف في نسبة مشاعة في أملاكه، مما يتسبب في تأخير إثبات الوقف وتخليصه من تركته في حال حياته أو بعد مماته (١)» (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3112
الكلمة الثانية والأربعون
من فضائل مصر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فإن الخالق لجميع المخلوقات قد فضل بعضها على بعض، واختار منها ما شاء، فخلق الناس واختار منهم الأنبياء، وخلق الأماكن واختار منها المساجد، وخلق الشهور واختار منها رمضان، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾ [القصص: ٦٨].
ومن الأماكن التي ورد ذكرها في كتاب الله - مصر- قال تعالى: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾ [المؤمنون:٥٠]. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: «يعني مصر، وإن مصر خزائن الأرضين كلها، وسلطانها سلطان الأرضين كلها، ألا ترى إلى قول يوسف ﵇ لملك مصر: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ [يوسف: ٥٥]. ففعل، فأغاث الله الناس بمصر وخزائنها، ولم يذكر في كتابه مدينة بعينها بمدح غير مكة ومصر، فإنه قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف: ٥١].
стр. 3113
وهذا تعظيم ومدح، وقال: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١]. فما لم يصرف فهو علم لهذا الموضع، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١] تعظيم لها، فإن موضعًا يُوجد فيه ما يسألون لا يكون إلا عظيمًا، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ﴾ [يوسف: ٢١]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩)﴾ [يوسف: ٩٩]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ [يونس: ٨٧]. وسمى الله تعالى ملك مصر العزيز، بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٣٠]. وقالوا ليوسف حين ملك مصر: ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ [يوسف: ٨٨]» (١).
كما أشار الله إليها في مواضع كثيرة، قال بعضهم: تصل إلى ثلاثين موضعًا، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠)﴾ [القصص: ٢٠]، وكما في قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [القصص: ١٥] ... وغيرها.
وقد وصف -سُبْحَانَهُ- أرض مصر بالخيرات والبركات، فقال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨].
стр. 3114
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهلِهَا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا»، أَوْ قَالَ: «ذِمَّةً وَصِهْرًا» (١). فأما الرحم، فإن هاجر أم إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉ من القبط من قرية نحو الفرما يقال لها أم العرب (٢)،
وأما الذمة: فإن النبي ﷺ تسرى من القبط مارية أم إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، وهي من قرية نحو الصعيد يقال لها حفن من كورة أنصنا (٣).
وروى الطبراني في معجمه الكبير من حديث أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ أوصى عند وفاته، فقال: «اللَّهَ اللَّهَ فِي قِبْطِ مِصْرَ، فَإِنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ، وَيَكُونُونَ لَكُمْ عِدَّةً، وَأَعْوَانًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (٤).
وفي سنة سبع من الهجرة أرسل النبي ﷺ رسالة إلى
стр. 3115
المقوقس عظيم القبط في مصر وحملها حاطب بن أبي بلتعة، وهذا نصها: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى المُقَوْقَسِ عَظِيمِ القِبْطِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ .. فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدَاعِيَةِ الإِسْلَامِ: أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ القِبْطِ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ [آل عمران: ٦٤]» (١).
فدعا المقوقس بكاتب له يكتب العربية، فكتب رسالة هذا نصها: «بسم الله الرحمن الرحيم، لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط. سلام، أما بعد .. فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيًّا بقي، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت لك بغلة لتركبها، والسلام عليك». ولم يزد على هذا ولم يسلم (٢).
أما الجاريتان: فالأولى أم إبراهيم القبطية واسمها مارية بنت شمعون أم المؤمنين ﵄، والثانية: سيرين، أعطاها النبي ﷺ لحسان بن ثابت، فولدت له عبدالرحمن، وأما الغلام فاسمه
стр. 3116
مأبور، والبغلة اسمها دلدل، ومعها كسوة وقدحًا من قوارير كان يشرب فيه النبي ﷺ (١).
وفي أرض مصر يجري نهر النيل الذي ينبع من الجنة، فقد جاء في الصحيحين في قصة الإسراء والمعراج، قال ﷺ : « ... وَرُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ المُنْتَهَى، فَإِذَا نَبِقُهَا كَأَنَّهُ قِلَالُ هَجَرَ، وَوَرَقُهَا كَأَنَّهُ آذَانُ الْفُيُولِ، فِي أَصْلِهَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ؛ نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنهْرَانِ ظَاهِرَانِ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ: أَمَا البَاطِنَانِ فَفِي الجَنَّةِ، وَأَمَا الظَّاهِرَانِ النَّيلُ والْفُرَاتُ» (٢).
ومنها: أن فيها الوادي المقدس طوى، والوادي المقدس هو الذي كلم الله فيه نبيه موسى ﵇ أثناء خروجه من مدين عائدًا إلى مصر وكان معه أهله (٣)، قال تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)﴾ [طه: ١٢].
وفيها: جبل الطور الذي ذكره الله في كتابه، فقال : ﴿وَطُورِ سِينِينَ (٢)﴾ [التين: ٢]. قال كعب الأحبار وغير واحد: هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى (٤)، ورجح ذلك ابن القيم ﵀ (٥).
стр. 3117
وهي المبوأ الصدق على قول بعض المفسرين الذين أخبر الله عنه بقوله: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٩٣]. قال الطبري ﵀: «أي منازل صدق، قيل: عني بذلك الشام وبيت المقدس، وقيل: عني به الشام ومصر» (١).
وقال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧]. قال القرطبي ﵀: «هي أرض الشام ومصر، ومشارقها ومغاربها: جهات الشرق والغرب بها، فالأرض مخصوصة عن الحسن وقتادة وغيرهما (٢). وقوله: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ بإخراج الزروع، والثمار، والأنهار.
وعلى أرضها ضرب موسى البحر بعصاه فانفلق اثنتا عشرة عينًا.
وقال تعالى حاكيًا عن آل فرعون: ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٦]، وهذا يدل على كثرة المدن في مصر آنذاك.
ومصر بلد الأنبياء، كان بها إبراهيم الخليل ﵇، ويعقوب، ويوسف، وولد بها موسى، وهارون، ويوشع بن نون، والأسباط، وغيرهم، عليهم الصلاة والسلام.
ودخل مصر كثير من الصحابة، منهم الزبير بن العوام،
стр. 3118
والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وفتحها عمرو بن العاص ﵁ في أيام عمر بن الخطاب ﵁، وعاش فيها جمع من العلماء والفقهاء، منهم الليث بن سعد، والعز بن عبدالسلام، والإمام الشافعي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن حجر العسقلاني، والإمام الشاطبي ... وغيرهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «لو استولى هؤلاء المحاربون لله ورسوله، المحادون لله ورسوله، المعادون لله ورسوله على أرض الشام ومصر في مثل هذا الوقت؛ لقضى ذلك إلى زوال دين الإسلام، ودروس شرائعه، أما الطائفة بالشام ومصر ونحوهما، فهم في هذا الوقت هم المقاتلون عن دين الإسلام، وهم من أحق الناس دخولًا في الطائفة المنصورة التي ذكرها النبي ﷺ بقوله في الأحاديث الصحيحة المستفيضة عنه: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» (١)، وفي رواية لمسلم: «لا يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ» (٢). والنبي ﷺ تكلم بهذا الكلام بمدينته النبوية، فغربه ما يغرب عنها، وشرقه ما يشرق عنها، ولهذا قال أحمد بن حنبل ﵀: «أهل الغرب هم أهل الشام (٣) .. إلى أن قال: فهذا وغيره مما يبين أن
стр. 3119
هذه العصابة التي بالشام ومصر في هذا الوقت هم كتيبة الإسلام، وعزهم عز الإسلام، وذلهم ذل الإسلام، فلو استولى عليهم التتار لم يبق للإسلام عز ولا كلمة عالية، ولا طائفة ظاهرة عالية يخافها أهل الأرض تقاتل عنه .. إلى آخر ما قاله ﵀» (١)(٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3120
الكلمة الثالثة والأربعون
من فضائل المسجد الأقصى
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فإن المسجد الأقصى مسجد عظيم مبارك، له مكانة عالية في نفوس المؤمنين، ومنزلة رفيعة، وقد خصه الله تعالى بفضائل وخصائص عظيمة، وقد دلت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة.
أما القرآن، فقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١]. فهو مسجد مبارك وما حوله مبارك، ولو لم تكن فيه فضيلة إلا هذه الآية لكانت كافية؛ لأنه إذا بُورك حوله، فالبركة فيه مضاعفة.
ومنها: أنه مقدس، قال تعالى: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١)﴾ [المائدة: ٢١].