وتأثيمهم وتلويث مكاسبهم وتعاملهم، وهو لا يخرج عن حكم ربا الجاهلية المحرم في الشرع المطهر (إما أن تقضي، وإما أن تربي)؛ لهذا فلا يجوز إصدار هذه البطاقة ولا التعامل بها.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١)
عضو ... عضو ... عضو
بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبد الله بن غديان
عضو ... الرئيس
عبدالعزيز آل الشيخ ... عبدالعزيز بن عبد الله بن باز
الفتوى رقم (١٨٠١٥):
يقول السائل: نعرض على سماحتكم بأننا تقدمنا بطرح مشروع خيري يتمثل بفكرة إصدار بطاقة أصدقاء المعوقين، والتي تتلخص بإصدار بطاقة بلاستيكية ذات قيمة محدودة، تتيح لمن يحملها تخفيضًا ماليًّا بنسبة محدودة من أصحاب الخير والمحسنين وطالبي الأجر والثواب، مالكي المرافق والمستشفيات الخاصة، والمحلات التجارية الكبيرة، والمطاعم المشهورة، ويخصص الجزء الأكبر من دخل الاشتراك في هذه البطاقة لحساب الجمعية السعودية الخيرية
стр. 3152
لرعاية الأطفال المعاقين، وسيكون الإشراف الكامل على هذا المشروع من قبل الجمعية، وبقية النسبة سيتم الصرف منها على أجور الموظفين، والبريد، والطباعة وتصنيع البطاقة وخلافه.
وقد استحسنت الجمعية الفكرة نظرًا لما ستحققه بإذن الله وتوفيقه من دعم مالي، سيساهم في دفع مسيرة هذا المرفق الهام؛ ليؤدي رسالته الإنسانية والخيرية لفئة عزيزة من مجتمعنا، ألا وهم الأطفال المعاقون.
ورغبة من الجمعية ومنا في معرفة الوجه الشرعي لهذا الأمر، وحتى تكون أعمالنا كلها نابعة من تعاليم شرعنا الحنيف المطهر، ومتمشية مع هدي الرسول المصطفى ﷺ ، فإننا نعرض هذا الأمر على سماحتكم آملين الاطلاع والاستئناس بنصيحتكم ورأيكم، والذي سنأخذ به إن شاء الله.
الجواب: لا يجوز إصدار هذه البطاقة، ولا الاشتراك فيها؛ لما تتضمنه من الغرر والتغرير بالمال، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر؛ وذلك لأن رسوم الإصدار قد تفوق التخفيض المذكور، وقد تقل عنه، على أنه قد علم من المشاهد أن التخفيضات التي يوعد بها حملة هذه البطاقات وهمية غير حقيقية، حتى إنك لو ماكست صاحب المحل لحصلت على تخفيض قد يفوق ما يوعد به أصحاب هذه البطاقات، فصار في هذا أيضًا أكل للأموال بالباطل، وقد نهى الله تعالى عن ذلك،
стр. 3153
قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
وإذا أردت الإحسان إلى من ذكرتم فليكن عن طريق الكسب الطيب، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١)
عضو ... عضو ... عضو
بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبد الله بن غديان
عضو ... الرئيس
عبدالعزيز آل الشيخ ... عبدالعزيز بن عبد الله بن باز
بطاقة تخفيض من الغرفة التجارية
الفتوى رقم (١٩١١٤):
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من المستفتي: سعادة الأمين العام للغرفة التجارية الصناعية بالقصيم، والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، برقم (٣٦٧٨)، وتاريخ ٥/ ٧/١٤١٧ هـ، وقد سأل المستفتي سؤالًا هذا نصه:
стр. 3154
قمنا بتسويق بطاقة تخفيض بالتعاون مع إحدى المؤسسات لخدمة رجال الأعمال بالمنطقة، وقد اطلعنا على فتاوى تحرم التعامل بهذه النوعية من البطاقات، أردنا أن نوضح جميع ما يتعلق بهذه البطاقة لتتضح الرؤية لسماحتكم حولها، حيث اتفقت الغرفة التجارية الصناعية بمنطقة القصيم، مع إحدى المؤسسات على إصدار بطاقة سنوية للتخفيض، مقابل مئة (١٠٠ ريال) لمنتسبي الغرفة، ومائة وخمسين (١٥٠ ريالًا) لغير المنتسبين، يكون حصة الغرفة منها (٢٠%) صافية، والباقي للمؤسسة، على أن تقوم بالاتفاق مع المؤسسات التجارية على تخفيض معين، وتصدر بذلك دليلًا يشمل جميع المشتركين بالتخفيض، من فنادق، ومحلات تجارية، ومطاعم، وصيدليات، ومستوصفات، موضحًا فيها نسبة التخفيض، وكروت كشف مجاني عند بعض المستوصفات، بدون تحمل المؤسسة المصدرة للبطاقة أي أعباء مالية نتيجة التخفيض للمشتري.
علمًا بأن بعض المؤسسات تعطي التخفيض من السعر المعلق الأساسي، وتقوم المؤسسة بتسويق البطاقات وعمل جميع ما يلزم إيصال البطاقة بعد إصدارها إلى المستفيد، مع الدليل الشامل للمؤسسات، علمًا أن مصدر البطاقة - الغرفة والمؤسسة - لا يطولهم ضرر من ذلك الذي يتحملون نسبة الخصم، رغبة في كسب أكبر عدد من العملاء، كما أن صاحب
стр. 3155
المؤسسة المشتركة بالتخفيض يهمه أن يعلن اسمها بهذا الدليل، وأن يقصدها حامل البطاقة من بين المحلات الأخرى؛ للاستفادة من التخفيض، وذلك كنوع من الدعاية، والبطاقة مدتها سنة، وتجدد بنفس الرسم لمن يرغب الاستمرار.
والهدف منها خدمة لمنتسبي الغرفة بمنطقة القصيم، وتقديم خدمات متميزة أخرى لهم، وكذلك تقديم خدمات لأصدقاء الغرفة، وهم من غير المشتركين، مع استفادتهم من مركز المعلومات بالغرفة وتزويدهم بأي معلومة عند طلبها، ولكن الإقبال على بطاقة الغرفة لن يتم إلا إذا وجدوا فيها خدمات، مثل التخفيض من بعض المحلات المشاركة في التخفيض، علمًا أن الحرية مطلقة بخصوص الاشتراك بالبطاقة أو الاشتراك من قبل المؤسسات المشاركة بالتخفيض، والتي يتم الإعلان عنهم بالدليل الذي يصدر للأعضاء، هذا خلاف الإعلان بالدليل عن المنشآت التي ترغب الإعلان بصفحة أو أكثر مقابل رسم إعلان.
لذا نأمل من سماحتكم إفتاءنا عن جواز هذه البطاقة من عدمه، وفي حالة عدم جواز هذا العمل، نرجو من سماحتكم إرشادنا عن الطريقة الجائزة، حيث إننا قمنا بتسويق هذه البطاقة وإصدار بعض البطاقات للمستفيدين، وتمت طباعة الدليل لذلك، ولأهمية هذا الأمر وكونه حيز التنفيذ، فإننا
стр. 3156
نرجو تكرمكم بسرعة النظر والبت فيه.
وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بما يلي:
بطاقة التخفيض المذكورة لا يجوز التعامل بها إصدارًا أو اشتراكًا لأمور عدة، منها:
أولًا: اشتمالها على الغرر والمخاطرة؛ لأن دفع المبلغ مقابل الحصول عليها دفع بلا مقابل حقيقة، إذ قد تنتهي صلاحيتها، ولم يستعملها حاملها، أو يكون استعماله لها لا يقابل ما دفعه من رسومها، وفي هذا غرر ومخاطرة، والله سبحانه يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩].
ثانيًا: اشتمالها على الربا؛ لأن دفع مصدرها نسبة التخفيض لحاملها في حال امتناع صاحب المتجر عن التخفيض هو الربا المحرم، والتخفيض هنا قد يتجاوز رسم إصدار البطاقة، وقد أثبتت الوقائع حصول هذا فحصل غرم على مصدرها.
ثالثًا: أن لها آثارًا سالبة، منها: إثارة العداوة والبغضاء بين أصحاب المحلات المشتركين في التخفيض وغير المشتركين، بنفاق السلعة المخفضة وكساد غيرها من بضائع الذين لم يشتركوا في (دليل التخفيض).
رابعًا: ومن آثارها أيضًا دفع حاملها إلى الاسترسال في الشراء،
стр. 3157
لقاء التباهي بحملها والاغترار بالدعاية من ورائها، وفي هذا تصفية لمدخراته، وزيادة في الاستهلاك والإسراف فيه، فالبطاقة في حقيقتها تعود بتنامي المصاريف وزيادتها، لا بالتوفير وزيادة الادخار.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١)
عضو ... عضو ... عضو
بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبد الله بن غديان
نائب الرئيس ... الرئيس
عبدالعزيز آل الشيخ ... عبدالعزيز بن عبد الله بن باز
بطاقة المعلم
الفتوى رقم (١٩٥٥٨):
يقول السائل: حكم بطاقة المعلم، والتي تؤخذ عليها رسوم معينة؛ من أجل حصوله على تخفيضات من بعض الفنادق، والمستشفيات، والمراكز والمحال التجارية؟
الجواب: بطاقة المعلم على هذا النظام المذكور، وهو: أخذ الرسوم عليها، غير جائزة شرعًا؛ لما فيها من الغرر وأكل المال بالباطل، وبناء على ذلك فلا يجوز إصدارها ولا التعامل بها.
стр. 3158
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١)
عضو ... عضو ... عضو
بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبد الله بن غديان
نائب الرئيس ... الرئيس
عبدالعزيز آل الشيخ ... عبدالعزيز بن عبد الله بن باز
دليل مرشد المعلمات
الفتوى رقم (١٩٦٣٠):
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام، من معالي الرئيس العام لتعليم البنات، والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (١٧٦) وتاريخ ١٦/ ٤/ ١٤١٨ هـ، وقد سأل معاليه سؤالًا هذا نصه:
تقدم للرئاسة العامة لتعليم البنات إحدى وكالات الدعاية والإعلان، ترغب في عقد اتفاق مع الرئاسة تُمنح بموجبه هذه الوكالة حق إصدار دليل عنوانه (دليل مرشد المعلمات) يتضمن الدعاية لمجموعة من الشركات، والمؤسسات،
стр. 3159
والمحلات التجارية، ونظير ذلك تلتزم الوكالة بعمل بطاقات شخصية بدون صورة لجميع المعلمات وموظفي الرئاسة في المملكة، ويحصل حامل هذه البطاقة عند تقديمها لهذه الشركات أو المؤسسات، أو المحلات التجارية المشاركة في هذا الدليل على خصم خاص، وقد أحببت الكتابة لسماحتكم - يحفظكم الله- برجاء التفضل بإفادتي عن معرفة الجانب الشرعي في هذا العقد، المبني على وجود مصلحة للناشر، ومصلحة للمعلمات وفق ما أشير إليه أعلاه.
وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت: بأن هذه البطاقة على هذا النظام المذكور، وهو أخذ الرسوم عليها غير جائز شرعًا؛ لما فيه من الغرر وأكل المال بالباطل، إضافة إلى المفاسد المترتبة على معرفة أسماء المعلمات من قبل الجهة التي سوف تتولى إصدار البطاقات، وبناء على ذلك فلا يجوز إصدارها ولا التعامل بها.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١)
عضو ... عضو ... عضو
بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبد الله بن غديان
стр. 3160
نائب الرئيس ... الرئيس
عبدالعزيز آل الشيخ ... عبدالعزيز بن عبد الله بن باز
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3161
الكلمة السابعة والأربعون
ألفاظ يُنهى عنها
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فقد وردت النصوص الشرعية الكثيرة التي تحث على حفظ اللسان وطيب الكلام، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨]، وفي الصحيحين من حديث عدي بن حاتم ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» (١).
ولذلك وردت الأحاديث التي تنهى عن كل لفظ محرم أو مكروه، من فضول الكلام ونحوه (٢)، وقد اخترت مجموعة من الألفاظ والعبارات المنتشرة بين الناس، وفتاوى أهل العلم المعاصرين فيها:
سُئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: عما يقوله بعض الناس من أن
стр. 3162
تصحيح الألفاظ غير مهم مع سلامة القلب؟
فأجاب بقوله: «إن أراد بتصحيح الألفاظ إجراءها على اللغة العربية، فهذا صحيح، فإنه لا يهم - من جهة سلامة العقيدة - وأن تكون الألفاظ غير جارية على اللغة العربية ما دام المعنى مفهومًا وسليمًا، أما إذا أراد بتصحيح الألفاظ ترك الألفاظ التي تدل على الكفر والشرك، فكلامه غير صحيح، بل تصحيحها مهم ولا يمكن أن نقول للإنسان: أطلق لسانك في قول كل شيء ما دامت النية صحيحة، بل نقول: الكلمات مقيدة بما جاءت به الشريعة الإسلامية» (١). أهـ
سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:
يقول السائل: ما حكم قول الإنسان: (الله والرسول أعلم) عندما يُسأل؟
الجواب: بعد وفاة الرسول ﷺ لا يجوز أن يُقال إلَّا: (الله أعلم) فقط؛ لأنه يلزم من العبارة المذكورة أن الرسول يعلم ما جدَّ حدوثه، وما سيحدث مستقبلًا بعد موته، مما لم يُعلمه الله به من طريق الوحي، وذلك من خصائص الله ، أما في حياة الرسول ﷺ فلا بأس بها بالنسبة لما يُعلمه الله للرسول ﷺ عن طريق الوحي.
стр. 3163
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١)
عضو ... عضو ... عضو
بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبد الله بن غديان
نائب الرئيس ... الرئيس
عبدالعزيز آل الشيخ ... عبدالعزيز بن عبد الله بن باز
الفتوى رقم (٢١٣٠٥):
ما حكم قول هذه الكلمات: توفي شخص فقال بعضهم: والله ما يستاهل، شورك وهداية الله، إذا حصل أذى للإنسان قالوا: مسكين، يعني: لماذا يحصل له هذا؟
الجواب:
أولًا: قول: (والله ما يستاهل): لا يجوز استعماله؛ لأنه اعتراض على الله جل وعلا في حكمه وقضائه، إذ معناها أن ما أصاب فلانًا من مرض، أو محنة، أو موت ونحو ذلك لا يستحقه، وهذا طعن في حكمة الله -سُبْحَانَهُ-.
ثانيًا: قول: (شورك وهداية الله): ظاهر هذا اللفظ أن قائله يطلب مشورة صاحبه، ثم الأمر كله من قبل ومن بعد
стр. 3164
مفتقر إلى هداية الله، فهذا معنى صحيح ولا حرج فيه، ولو كانت العبارة: (شورك ثم هداية الله) لكان أولى.
ثالثًا: قول: (مسكين) لمن حصل له أذى: يعني لماذا يحصل له هذا، يقال في هذا اللفظ ما قيل في اللفظ الأول.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١)
عضو ... عضو ... عضو ... الرئيس
بكر أبو زيد ... عبد الله بن غديان ... صالح الفوزان ... عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ
كما سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:
يقول السائل: نسمع كثيرًا أن فلانًا حظه حسن، وفلان حظه سيئ، ما مدى كون الإيمان بالحظ جائزًا من عدمه؟
الجواب: على الإنسان أن يؤمن بقضاء الله وقدره، فيصبر على الضراء، ويشكر الله ويحمده على السراء، وعليه أن يؤمن بأن الله قسم الأرزاق بين عباده، وفاوت بينهم في آجالهم وأعمالهم، وهم أجنة في بطون أمهاتهم، ولله الحكمة فيما يقضي ويقدر، وعلى كل مسلم أن ينسب ما يصيب الخلق من نعمة وسعة رزق إلى الله سبحانه، المتفضل بها، والموفق لها، وينسب ما أصابه مما عدا ذلك إلى قضاء الله وقدره، وذلك من
стр. 3165
تحقيق توحيد الربوبية، ويجب على المسلم البعد عما يقدح في عقيدته وتوحيده، فلا ينسب الخير والنعم، أو حلول المصائب والنقم إلى الحظوظ والطوالع، فإن ذلك لا يجوز.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١)
عضو ... عضو ... عضو
بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبد الله بن غديان
نائب الرئيس ... الرئيس
عبدالعزيز آل الشيخ ... عبدالعزيز بن عبد الله بن باز
السؤال الأول من الفتوى رقم (٢١٦٧٥):
بعض الناس يقولون: قمنا وقام الله معنا، وبعض الأحيان يقولون: (يا أمي)، فما الحكم؟
أولًا: قول بعض الناس: (قمنا وقام الله معنا): أي أن الله تعالى أعانهم وقواهم وأمدهم بتوفيقه، وهذا المعنى صحيح، لكن الأولى ترك هذه العبارة، بعدًا عن اللبس والإيهام، ويستغنى عنها بعبارة أسلم، مثل لفظ: (قمنا وأعاننا الله).
ثانيًا: قول بعض الناس: (يا أمي): في حال القيام، أو الجلوس لا يجوز؛ لأنه نداء لغائب، أو ميت، ليعين على أمر
стр. 3166
ما، وهذا اعتقاد شركي، فالواجب ترك هذه العبارة حماية للتوحيد، وبعدًا عن الشرك ووسائله.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١)
عضو ... عضو ... عضو ... الرئيس
بكر أبو زيد ... عبد الله بن غديان ... صالح الفوزان ... عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ
الفتوى رقم (١٩٨٧٧): سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:
يقول السائل: سماحة الشيخ! إن بعض الناس في بلادنا يقولون أقوالًا يريدون بها رضا، ولكن عندي شك فيها، فمنهم من يقول: والله العظيم ثلاثة (يمين)، البقية في حياتك (عزاء أهل الميت)، لا حول الله (بدل قول: لا حول ولا قوة إلا بالله)، وفي السلام يقولون: (السام عليكم)، ومنهم من يسمي أسماء مشبوهة، على سبيل المثال: عبد النبي، عبد الرسول.
الجواب:
أولًا: قول: (والله العظيم ثلاثة): يعتبر يمينًا شرعية، فيترتب عليه ما يترتب على اليمين من أحكام.
ثانيًا: قول: (البقية في حياتك): هذه من ألفاظ التعزية عند بعض الناس، ومعناها: أن الله يخلف ما فات علينا في
стр. 3167
وفاة فلان بأن يكون في بقية عمرك خير ونفع، وإذا كان المعنى كذلك فلا بأس بها، والأفضل اتباع ألفاظ السنة في ذلك.
ثالثًا: قول: (لا حول الله): هو اختصار قبيح لكلمة لا حول ولا قوة إلا بالله، فلا يجوز؛ لأنه يغير المعنى.
رابعًا: قول: (السام عليكم): محرم؛ لأنه قول منكر، وتغيير لتحية الإسلام، وكانت من تحايا اليهود - لعنهم الله - للنبي ﷺ ، وعلى هذا فلا يجوز استعماله ولا إقراره بين المسلمين.
خامسًا: تعبيد الاسم لغير الله محرم بإجماع العلماء: ومن ذلك ما ذكر في السؤال: (عبد النبي، وعبد الرسول)، وكذلك: (عبد الحسين، وعبد الأمير .. الخ).
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١)
عضو ... عضو ... عضو
بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبد الله بن غديان
نائب الرئيس ... الرئيس
عبدالعزيز آل الشيخ ... عبدالعزيز بن عبد الله بن باز
стр. 3168
الفتوى رقم (٢٠٩٨٠):
يقول السائل: ما حكم قول بعض الناس إذا رحب بضيف له، وأراد أن يبالغ في الترحيب هذه العبارة: (تباركت يا فلان علينا)، أو: (تباركت جيتك علينا)؟
الجواب: لفظ تبارك لا يجوز إطلاقه إلا على الله -سُبْحَانَهُ-، كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤]. أما المخلوق فيقال: (فلان مبارك)، كما قال الله تعالى عن عيسى ﵁: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١]، ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ [آل عمران: ٩٦].
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١)
عضو ... عضو
عبدالله بن عبدالرحمن بن غديان ... صالح بن فوزان الفوزان
الرئيس
عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ
стр. 3169
سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:
يقول السائل: نفيد سماحتكم أنه توجد بعض العمائر التي أعدها أصحابها للإيجار، كغرف مفروشة، أو شقق، وقد عنونوها ببعض العبارات، مثل: (قصر عباد الرحمن، قصر تبارك، قصر الكوثر، قصر الفردوس .. ) وما شابه ذلك.
نرغب من سماحتكم التفضل بإفتائنا: هل يجوز إطلاق مثل هذه العبارات على العمارات المعدة للإيجار أو خلافها من عدمه؟ أفتونا مأجورين، حفظكم الله؛ لأن هذا الأمر منتشر في أم القرى بشكل ملحوظ. وفقكم الله ورعاكم.
الجواب: لا يجوز إطلاق العبارات المذكورة على الغرف، والشقق المعدة للإيجار؛ لأنها تشتمل على الكذب، فالتسمية بـ (قصر عباد الرحمن) مشعرة بالمدح، وقد يسكنه من ليس أهلًا لذلك.
وتسمية (قصر تبارك) لا يجوز؛ لأن كلمة (تبارك) لا تُطلق إلا على الله ، كما قال الله -سُبْحَانَهُ-: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]. والقصر المذكور قد يكون غير مبارك ولا خير فيه.
و (قصر الكوثر) الذي هو (الخير الكثير)، وقد يكون القصر شرًّا محضًا، ويطلق على نهر في الجنة أعطاه الله نبيه محمدًا ﷺ ، كما في قول الله : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكوثر: ١].
стр. 3170
ولأن (الفردوس) اسم لأعلى الجنة وأوسطها، فلا يليق أن يسمى به قصر من قصور الدنيا.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١)
عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
وسُئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀:
يقول السائل: ما حكم قول: (وشاءت قدرة الله) و (شاء القدر)؟
الجواب: لا يصح أن نقول: (شاءت قدرة الله) لأن المشيئة إرادة، والقدرة معنى، والمعنى لا إرادة له، وإنما الإرادة للمريد، والمشيئة لمن يشاء، ولكننا نقول: اقتضت حكمة الله كذا وكذا، أو نقول عن الشيء إذا وقع: هذه قدرة الله، أي مقدوره، كما تقول: هذا خلق الله أي مخلوقه. وأما أن نضيف أمرًا يقتضي الفعل الاختياري إلى القدرة فإن هذا لا يجوز.
ومثل ذلك قولهم: (شاء القدر كذا وكذا)، وهذا لا يجوز لأن القدر والقدرة أمران معنويان ولا مشيئة لهما، وإنما المشيئة لمن هو قادر ولمن هو مقدر. والله أعلم (٢).
стр. 3171
وسُئل فضيلته ﵀: هل يجوز إطلاق (شهيد) على شخص بعينه، فيقال: الشهيد فلان؟
فأجاب بقوله: لا يجوز لنا أن نشهد لشخص بعينه أنه شهيد حتى لو قُتل مظلومًا، أو قُتل وهو يدافع عن الحق، فإنه لا يجوز أن نقول: فلان شهيد، وهذا خلاف لما عليه الناس اليوم، حيث رخصوا هذه الشهادة وجعلوا كل من قتل حتى ولو كان مقتولًا في عصبية جاهلية يسمونه شهيدًا، وهذا حرام، لأن قولك عن شخص قتل هو شهيد يعتبر شهادة سوف تسأل عنها يوم القيامة، سوف يقال لك: هل عندك علم أنه قُتل شهيدًا؟ ولهذا قال النبي ﷺ : « ... لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ، إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ» (١). فتأمل قول النبي ﷺ : «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ».
يكلم: يعني يجرح، فإن بعض الناس قد يكون ظاهره أنه يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ولكن الله يعلم ما في قلبه، وأنه خلاف ما يظهر من فعله، ولهذا بوب البخاري ﵀ على هذه المسألة في صحيحه فقال: «باب لا يقال: فلان شهيد»، لأن مدار الشهادة على القلب، ولا يعلم ما في القلب إلا الله ، فأمر النية أمر عظيم،
стр. 3172
وكم من رجلين يقومان بأمر واحد يكون بينهما كما بين السماء والأرض، وذلك من أجل النية، فقد قال النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتْزَوَجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (١). والله أعلم (٢).
وسُئل فضيلة الشيخ ﵀: عمن يسأل بوجه الله فيقول: أسألك بوجه الله كذا وكذا، فما الحكم في هذا القول؟
فأجاب قائلًا: وجه الله أعظم من أن يسأل به الإنسان شيئًا من الدنيا، ويجعل سؤاله بوجه الله كالوسيلة التي يتوسل بها إلى حصول مقصوده من هذا الرجل الذي توسل إليه بذلك، فلا يُقْدِمَنَّ أحد على مثل هذا السؤال، أي لا يقل: وجه الله عليك، أو: أسألك بوجه الله، أو ما أشبه ذلك (٣).
وسُئل فضيلة الشيخ ﵀: ما حكم قول: (أطال الله بقاءك)، (طال عمرك)؟
فأجاب قائلًا: لا ينبغي أن يطلق القول بطول البقاء؛ لأن طول البقاء قد يكون خيرًا وقد يكون شرًّا، فإن شر الناس من طال عمره وساء عمله، وعلى هذا فلو قال: أطال الله بقاءك
стр. 3173
على طاعته ونحوه فلا بأس بذلك (١).
وسُئل فضيلة الشيخ ﵀: عن قول الإنسان: (أنا حُرٌّ)؟
فأجاب بقوله: إذا قال ذلك رجل حر وأراد أنه حر من رق الخلق، فنعم هو حر من رق الخلق، وأما إن أراد أنه حر من رق العبودية لله ، فقد أساء في فهم العبودية، ولم يعرف معنى الحرية؛ لأن العبودية لغير الله هي الرق، أما عبودية المرء لربه فهي الحرية، فإنه إن لم يذل لله ذل لغير الله، فيكون هنا خادعًا نفسه إذا قال: إنه حر - يعني إنه متجرد من طاعة الله، ولن يقوم بها (٢).
وسُئل فضيلة الشيخ ﵀: عن قول العاصي عند الإنكار عليه: (أنا حُرٌّ في تصرفاتي)؟
فأجاب بقوله: هذا خطأ، نقول: لست حرًّا في معصية الله، بل إنك إذا عصيت ربك فقد خرجت من الرق الذي تدعيه في عبودية الله إلى رق الشيطان والهوى (٣).
وسُئل فضيلة الشيخ ﵀: هل يجوز أن يقول الإنسان للمفتي: ما حكم الإسلام في كذا وكذا؟ أو: ما رأي الإسلام؟
стр. 3174
فأجاب بقوله: لا ينبغي أن يقال: (ما حكم الإسلام في كذا)، أو: (ما رأي الإسلام في كذا)، فإنه قد يخطئ فلا يكون ما قاله حكم الإسلام، لكن لو كان الحكم نصًّا صريحًا فلا بأس، مثل أن يقول: ما حكم الإسلام في أكل الميتة؟ فنقول: حكم الإسلام في أكل الميتة أنها حرام (١).
وسُئل فضيلة الشيخ ﵀: عن قول بعض الناس: (خسرت في الحج كذا، وخسرت في العمرة كذا، وخسرت في الجهاد كذا .. وكذا)؟
فأجاب قائلًا: هذه العبارات غير صحيحة، لأن ما بذل في طاعة الله ليس بخسارة، بل هو الربح الحقيقي، وإنما الخسارة ما صرف في معصية، أو فيما لا فائدة فيه، وأما ما فيه فائدة دنيوية، أو دينية فإنه ليس بخسارة (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3175
الكلمة الثامنة والأربعون
زيادة الإيمان ونقصانه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
«فإن الإيمان عند أهل السنة والجماعة هو: الإقرار بالقلب، والنطق باللسان، والعمل بالجوارح، فهو يتضمن الأمور الثلاثة:
١ - إقرار بالقلب، ٢ - نطق باللسان، ٣ - عمل بالجوارح.
وإذا كان كذلك، فإنه يزيد وينقص، وذلك لأن الإقرار بالقلب يتفاضل، فليس الإقرار بالخبر كالإقرار بالمعاينة، وليس الإقرار بخبر الرجل كالإقرار بخبر الرجلين .. وهكذا، ولهذا قال إبراهيم ﵊: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]. فالإيمان يزيد من حيث إقرار القلب، وطمأنينته وسكونه، والإنسان يجد ذلك من نفسه، فعندما يحضر مجلس ذكر فيه موعظة، وذكر للجنة والنار، يزداد الإيمان حتى كأنه يشاهد ذلك رأي العين، وعندما توجد الغفلة ويقوم من هذا المجلس
стр. 3176
يخف هذا اليقين في قلبه.
كذلك يزداد الإيمان من حيث القول، فإن من ذكر الله عشر مرات، ليس كمن ذكر الله مئة مرة، فالثاني أزيد بكثير، وكذلك أيضًا من أتى بالعبادة على وجه كامل يكون إيمانه أزيد ممن أتى بها على وجه ناقص.
وكذلك العمل، فإن الإنسان إذا عمل عملًا بجوارحه أكثر من الآخر، صار الأكثر أزيد إيمانًا من الناقص» (١).
«والأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه من الكتاب والسُّنة وآثار السلف كثيرة جدًّا:
فمنها: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الانفال: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، وقال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥].
وقد وصف النبي ﷺ النساء بنقصان العقل والدين، كما
стр. 3177
في صحيح مسلم حيث قال: « ... وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ» (١).
وفي حديث الشفاعة: «انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ» (٢).
قال ابن أبي العز الحنفي ﵀ شارح الطحاوية: «فكيف يُقال بعد هذا أن إيمان أهل السماوات والأرض سواء؟ وإنما التفاضل بينهم بمعان أُخر غير الإيمان» (٣).
وكلام الصحابة ﵃ ومن بعدهم في هذا المعنى كثير أيضًا: قال أبو الدرداء: «من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد هو أم ينقص؟» (٤).
وكان ابن مسعود ﵁ يقول في دعائه: «اللهم زدنا إيمانًا ويقينًا وفقهًا» (٥)، وكان معاذ بن جبل ﵁ يقول لرجل: «اجلس بنا نؤمن ساعة» (٦)، وصح عن عمار بن ياسر ﵁ أنه قال: «ثلاث
стр. 3178
من جمعهن فقد جمع الإيمان، إنصاف من نفسه، والإنفاق من اقتار، وبذل السلام للعالم» (١).
وقال جندب بن عبد الله ﵁: «كنا مع النبي ﷺ ونحن غلمان حزاورة (٢)، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا» (٣).
وقال عمر بن عبدالعزيز ﵁: «إن للإيمان فرائض، وشرائع، وحدودًا، وسننًا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان» (٤).
وقال الشافعي ﵀: «الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية» (٥).
وقال البخاري ﵀: «لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحدًا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص» (٦).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الإيمان المطلق
стр. 3179
مستلزم للأعمال بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)﴾ [السجدة: ١٥]. فنفى الإيمان عن غير هؤلاء، فمن كان إذا ذُكر بالقرآن لا يفعل ما فرضه الله عليه من السجود لم يكن من المؤمنين، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، وقوله - جل وعلا -: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وقوله -سُبْحَانَهُ-: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٨١]. وقد بين -سُبْحَانَهُ- في هذه الآيات أن الإيمان له لوازم، وله أضداد موجودة، ومن أضداده موادة من حاد الله ورسوله، ومن هذا الباب قوله ﷺ : «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (١)، وقوله ﵊: «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ ... الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» (٢). وأشباه هذا كثير» (٣).
«ومن أسباب زيادة الإيمان:
تعلم العلم النافع المستمد من الكتاب والسُّنة، قال ابن حجر ﵀: «والمراد بالعلم، العلم الشرعي الذي يفيد
стр. 3180
ما يجب على المكلف من أمر دينه في عباداته ومعاملاته، والعلم بالله وصفاته، وما يجب له من القيام بأمره، وتنزيهه عن النقائص، ومدار ذلك على التفسير، والحديث، والفقه» (١). أهـ
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «فإن الإنسان كلما ازداد معرفة بالله وبأسمائه وصفاته، ازداد إيمانًا بلا شك، ولهذا نجد أهل العلم الذين يعلمون من أسماء الله وصفاته ما لا يعلمه غيرهم، تجدهم أقوى إيمانًا من الآخرين» (٢).
قراءة القرآن الكريم وتدبره، فإن هذا من أعظم أبواب العلم المؤدية إلى زيادة الإيمان وثباته، وقوته، فقد أنزل كتابه المبين على عباده هدى ورحمة، وضياء ونورًا، وبشرى وذكرى للذاكرين، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].
قال ابن القيم ﵀: «وبالجملة، فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر، فإنه جامع لجميع منازل السائرين وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة،
стр. 3181
والشوق، والخوف، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والرضى، والتوفيق، والشكر، والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب، وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه» (١).
«فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأه بتفكر فمر بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مائة مرة، ولو ليلة، فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان، وذوق حلاوة القرآن، وهذه كانت عادة السلف، يردد أحدهم الآية إلى الصباح، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قام بآية يرددها حتى الصباح، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨] (٢).
النظر في سيرة النبي الكريم ﷺ ودراستها، وتأمل ما ذكر فيها من نعوته الطيبة، وخصاله الكريمة، وشمائله الحميدة، وسيرته العطرة، والعمل بها، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
стр. 3182
تأمل محاسن الدين الإسلامي، فإن الدين الإسلامي كله محاسن، عقائده أصح العقائد، وأصدقها، وأنفعها، وأخلاقه أحمد الأخلاق، وأجملها، وأعماله وأحكامه أحسن الأحكام، وأعدلها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].
قراءة سيرة سلف هذه الأمة من أصحاب النبي ﷺ وتابعيهم بإحسان، أهل الصدر الأول وخير القرون، فإن ذلك مما يزيد الإيمان ويقويه، وفي الحديث: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ... » (١).
التأمل في آيات الله الكونية؛ من سماء، وأرض، وشمس، وقمر، وكواكب، وليل، ونهار، وجبال، وأشجار، وبحار، وأنهار .. وغير ذلك من مخلوقات الله، من أعظم أسباب زيادة الإيمان وتقويته، قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢٠ - ٢١]
الاجتهاد في كثرة الطاعات والأعمال الصالحات، فمن عبودية القلب التي تخصه: الإخلاص، والمحبة، والتوكل، والإنابة، والرجاء، والخوف، والخشية، والرضى، والصبر .. وغيرها من الأعمال القلبية.
стр. 3183
ومن عبودية اللسان التي تخصه: قراءة القرآن، والتكبير، والتسبيح، والتهليل، والاستغفار، وحمد الله والثناء عليه، والصلاة على النبي ﷺ .
ومن عبودية الجوارح التي تخصها: الصدقة، والحج، والصلاة، والوضوء، والخطا إلى المساجد .. وغير ذلك، فهذه الأعمال جميعها؛ التي بالقلب، واللسان، والجوارح، كلها داخلة في الإيمان، والإكثار منها زيادة في الإيمان، ونقصها نقص في الإيمان» (١).
«أما أسباب النقصان فهي على العكس من ذلك:
الجهل بأسماء الله وصفاته يوجب نقص الإيمان؛ لأن الإنسان إذا نقصت معرفته بأسماء الله وصفاته نقص إيمانه.
الإعراض عن التفكر في آياته الكونية والشرعية، فإن هذا يسبب نقص الإيمان.
فعل المعصية، فإن للمعصية آثارًا عظيمة على القلب وعلى الإيمان؛ ولذلك قال النبي ﷺ : «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ .. » الحديث (٢).
стр. 3184
ترك الطاعة، فإن ترك الطاعة سبب لنقص الإيمان، لكن إن كانت الطاعة واجبة وتركها بلا عذر، فهو نقص يلام عليه ويعاقب، وإن كانت الطاعة غير واجبة، أو واجبة لكن تركها بعذر، فإنه نقص لا يلام عليه، ولهذا جعل النبي ﷺ النساء ناقصات عقل ودين، وعلل نقصان دينها بأنها إذا حاضت لم تصل ولم تصم، مع أنها لا تلام على ترك الصلاة والصيام في حال الحيض، بل هي مأمورة بذلك، لكن لما فاتها الفعل الذي يقوم به الرجل صارت ناقصة عنه من هذا الوجه» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3185
الكلمة التاسعة والأربعون
الحكم بغير ما أنزل الله
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
قال تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
«هذه وصية من الله لولاة الأمور، أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده ﵎، ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيله، وقد توعد تعالى من ضل عن سبيله، وتناسى يوم الحساب بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد» (١).
روى ابن أبي حاتم بسنده إلى إبراهيم بن أبي زرعة - وكان قد قرأ الكتاب - أن الوليد بن عبدالملك قال له: أيحاسب الخليفة، فإنك قد قرأت الكتاب الأول، وقرأت القرآن وفقهت؟ فقلت: يا أمير المؤمنين! أقول؟ قال: قل في أمان، قلت: يا أمير
стр. 3186
المؤمنين، أنت أكرم على الله أو داود؟ إن الله جمع له النبوة، والخلافة، ثم توعده في كتابه فقال: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦] (١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
روى مسلم في صحيحه من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا (٢)
مَجْلُودًا، فَدَعَاهُمْ ﷺ ، فَقَالَ: «هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ: «أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ» قَالَ: لَا، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُهُ الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، قُلْنَا: تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى
стр. 3187
شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اللهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ». فأمر به فرُجم، فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ المائدة: ٤١]، إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١]، يقول: ائتوا محمدًا ﷺ ، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة:٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة:٤٧] في الكفار كلها (١).
وقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠]، «في هذه الآية الكريمة ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء، والأهواء، والاصطلاحات التي وضعها الرجال، بلا مستند من شريعة الله. كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي
стр. 3188
وضع لهم الياسق: وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى؛ من اليهودية، والنصرانية، والملة الإسلامية .. وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير» (١).
وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. «في هذه الآية الكريمة يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة، أنه لا يؤمن أحد حتى يُحكم الرسول ﷺ في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا، وظاهرًا، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم، فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلموا لذلك تسليمًا كليًّا من غير ممانعة، ولا مدافعة، ولا منازعة» (٢).
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث
стр. 3189
ابن شهاب أن عروة بن الزبير حدثه: أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير في شراج من الحرة، لِيَسْقِيَ بِهِ النَّخْلَ، فقال رسول الله ﷺ : «اسْقِ يَا زُبَيْرُ - فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ - ثُمَّ أَرْسِلْهُ إِلَى جَارِكَ»، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: «اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ، حَتَّى يَرْجِعَ المَاءُ إِلَى الجَدْرِ»، وَاسْتَوْعَى لَهُ حَقَّهُ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (١).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في تعليقه على قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]: «فلا تستغرب إذا قلنا: إن من استبدل شريعة الله بغيرها من القوانين، فإنه يكفر ولو صام وصلى؛ لأن الكفر ببعض الكتاب كفرٌ بالكتاب كله، فالشرع لا يتبعض، إما أن تؤمن به جميعًا، وإما أن تكفر به جميعًا، وإذا آمنت ببعض وكفرت ببعض، فأنت كافرٌ بالجميع؛ لأن حالك تقول: إنك لا تؤمن إلا بما لا يخالف هواك. وأما ما خالف هواك فلا تؤمن به، هذا هو الكفر، فأنت بذلك اتبعت الهوى، واتخذت هواك إلهًا من دون الله.
стр. 3190
فالحاصل أن المسألة خطيرة جدًّا، من أخطر ما يكون بالنسبة لحكام المسلمين اليوم، فإنهم قد وضعوا قوانين تخالف الشريعة وهم يعرفون الشريعة، ولكن وضعوها - والعياذ بالله - تبعًا لأعداء الله من الكفرة الذين سنوا هذه القوانين ومشى الناس عليها، والعجب أنه لقصور علم هؤلاء وضعف دينهم، أنهم يعلمون أن واضع القانون هو فلان بن فلان من الكفار، في عصرٍ قد اختلفت العصور عنه من مئات السنين، ثم هو في مكان يختلف عن مكان الأمة الإسلامية، ثم هو في شعب يختلف عن شعوب الأمة الإسلامية، ومع ذلك يفرضون هذه القوانين على الأمة الإسلامية، ولا يرجعون إلى كتاب الله ولا إلى سنة رسول الله ﷺ ، فأين الإسلام؟ وأين الإيمان؟ وأين التصديق برسالة محمد ﷺ ، وأنه رسول إلى الناس كافة؟ وأين التصديق بعموم رسالته، وأنها عامة في كل شيء؟
كثيرٌ من الجهلة يظنون أن الشريعة خاصة بالعبادة التي بينك وبين الله فقط، أو في الأحوال الشخصية من نكاح وميراث وشبهه، ولكنهم أخطئوا في هذا الظن، فالشريعة عامة في كل شيء، وإذا شئت أن يتبين لك هذا؛ فاسأل ما هي أطول آية في كتاب الله؟ سيُقال لك: إن أطول آية هي آية الدَّين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ... ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، كلها في المعاملات، فكيف نقول إن الشرع الإسلامي خاص بالعبادة، أو بالأحوال الشخصية، هذا جهل، وضلال، إن كان عن عمد