المؤمنين، أنت أكرم على الله أو داود؟ إن الله جمع له النبوة، والخلافة، ثم توعده في كتابه فقال: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦] (١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
روى مسلم في صحيحه من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا (٢)
مَجْلُودًا، فَدَعَاهُمْ ﷺ ، فَقَالَ: «هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ: «أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ» قَالَ: لَا، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُهُ الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، قُلْنَا: تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى
стр. 3187
شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اللهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ». فأمر به فرُجم، فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ المائدة: ٤١]، إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١]، يقول: ائتوا محمدًا ﷺ ، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة:٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة:٤٧] في الكفار كلها (١).
وقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠]، «في هذه الآية الكريمة ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء، والأهواء، والاصطلاحات التي وضعها الرجال، بلا مستند من شريعة الله. كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي
стр. 3188
وضع لهم الياسق: وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى؛ من اليهودية، والنصرانية، والملة الإسلامية .. وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير» (١).
وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. «في هذه الآية الكريمة يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة، أنه لا يؤمن أحد حتى يُحكم الرسول ﷺ في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا، وظاهرًا، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم، فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلموا لذلك تسليمًا كليًّا من غير ممانعة، ولا مدافعة، ولا منازعة» (٢).
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث
стр. 3189
ابن شهاب أن عروة بن الزبير حدثه: أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير في شراج من الحرة، لِيَسْقِيَ بِهِ النَّخْلَ، فقال رسول الله ﷺ : «اسْقِ يَا زُبَيْرُ - فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ - ثُمَّ أَرْسِلْهُ إِلَى جَارِكَ»، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: «اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ، حَتَّى يَرْجِعَ المَاءُ إِلَى الجَدْرِ»، وَاسْتَوْعَى لَهُ حَقَّهُ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (١).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في تعليقه على قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]: «فلا تستغرب إذا قلنا: إن من استبدل شريعة الله بغيرها من القوانين، فإنه يكفر ولو صام وصلى؛ لأن الكفر ببعض الكتاب كفرٌ بالكتاب كله، فالشرع لا يتبعض، إما أن تؤمن به جميعًا، وإما أن تكفر به جميعًا، وإذا آمنت ببعض وكفرت ببعض، فأنت كافرٌ بالجميع؛ لأن حالك تقول: إنك لا تؤمن إلا بما لا يخالف هواك. وأما ما خالف هواك فلا تؤمن به، هذا هو الكفر، فأنت بذلك اتبعت الهوى، واتخذت هواك إلهًا من دون الله.
стр. 3190
فالحاصل أن المسألة خطيرة جدًّا، من أخطر ما يكون بالنسبة لحكام المسلمين اليوم، فإنهم قد وضعوا قوانين تخالف الشريعة وهم يعرفون الشريعة، ولكن وضعوها - والعياذ بالله - تبعًا لأعداء الله من الكفرة الذين سنوا هذه القوانين ومشى الناس عليها، والعجب أنه لقصور علم هؤلاء وضعف دينهم، أنهم يعلمون أن واضع القانون هو فلان بن فلان من الكفار، في عصرٍ قد اختلفت العصور عنه من مئات السنين، ثم هو في مكان يختلف عن مكان الأمة الإسلامية، ثم هو في شعب يختلف عن شعوب الأمة الإسلامية، ومع ذلك يفرضون هذه القوانين على الأمة الإسلامية، ولا يرجعون إلى كتاب الله ولا إلى سنة رسول الله ﷺ ، فأين الإسلام؟ وأين الإيمان؟ وأين التصديق برسالة محمد ﷺ ، وأنه رسول إلى الناس كافة؟ وأين التصديق بعموم رسالته، وأنها عامة في كل شيء؟
كثيرٌ من الجهلة يظنون أن الشريعة خاصة بالعبادة التي بينك وبين الله فقط، أو في الأحوال الشخصية من نكاح وميراث وشبهه، ولكنهم أخطئوا في هذا الظن، فالشريعة عامة في كل شيء، وإذا شئت أن يتبين لك هذا؛ فاسأل ما هي أطول آية في كتاب الله؟ سيُقال لك: إن أطول آية هي آية الدَّين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ... ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، كلها في المعاملات، فكيف نقول إن الشرع الإسلامي خاص بالعبادة، أو بالأحوال الشخصية، هذا جهل، وضلال، إن كان عن عمد
стр. 3191
فهو ضلال، واستكبار، وإن كان عن جهل فهو قصور، والواجب أن يتعلم الإنسان ويعرف. نسأل الله لنا ولهم الهداية» (١).
«والمراد بالحكم بغير ما أنزل الله: يعني تحكيم القوانين الطاغوتية، وتنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد ﷺ في الحكم بين العالمين، والرد إليه عند التنازع» (٢).
قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: «من الممتنع أن يُسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافرًا، ولا يكون كافرًا، بل هو كافرٌ مطلقًا، إما كفر عمل، وإما كفر اعتقاد، وما جاء عن ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية من رواية طاوس وغيره يدل أن الحاكم بغير ما أنزل الله كافر، إما كفر اعتقاد ناقل عن الملة، وإما كفر عمل لا ينقل عن الملة.
أما القسم الأول وهو كفر الاعتقاد فهو أنواع:
أحدها: أن يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حُكم الله ورسوله، وهو معنى ما روي عن ابن عباس ﵄، واختاره ابن جرير: أن ذلك هو جحود ما أنزل الله من الحكم الشرعي، وهذا ما لا نزاع فيه بين أهل العلم.
стр. 3192
الثاني: أن لا يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله كون حكم الله ورسوله حقًّا، لكن اعتقد أن حكم غير الرسول ﷺ أحسن من حكمه، وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس من الحكم بينهم عند التنازع، إما مطلقًا أو بالنسبة إلى ما استجد من الحوادث التي نشأت عن تطور الزمان، وتغير الأحوال، وهذا أيضًا لا ريب أنه كُفرٌ؛ لتفضيله أحكام المخلوقين على حكم الحكيم الحميد.
الثالث: أنه لا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله، لكن اعتقد أنه مثله، فهذا كالنوعين اللذين قبله، في كونه كافرًا الكفر الناقل عن الملة، لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق، والمناقضة والمعاندة لقوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
الرابع: أن لا يعتقد كون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلًا لحكم الله ورسوله، فضلًا عن أن يعتقد كونه أحسن منه، لكن اعتقد جواز الحكم بما يُخالف حكم الله ورسوله، فهذا كالذي قبله يصدق عليه ما يصدق عليه، لاعتقاده جواز ما عُلم بالنصوص الصحيحة الصريحة القاطعة تحريمه.
الخامس: وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع
стр. 3193
ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ولرسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية إعدادًا، وإمدادًا وإرصادًا، وتأصيلًا، وتفريقًا، وتشكيلًا، وتنويعًا، وحكمًا، وإلزامًا، ومراجع، ومستندات، فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فلهذه المحاكم مراجع هي القانون الملفق من شرائع شتى، وقوانين كثيرة، كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني، وغيرها من القوانين.
السادس: ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر، والقبائل من البوادي ونحوهم من حكايات آبائهم، وأجدادهم، وعاداتهم التي يسمونها سلموهم يتوارثون ذلك منهم، ويحكمون به، ويحملون على التحاكم إليه عند النزاع بقاء على أحكام الجاهلية، وإعراضًا ورغبة عن حكم الله ورسوله، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وأما القسم الثاني من قسمي الحكم بغير ما أنزل اللَّه:
فهو مروي عن ابن عباس وذلك في قوله ﵁ في الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] كفر دون الكفر، وقوله أيضًا: ليس بالكفر الذي تذهبون إليه؛ وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغيرها
стр. 3194
ومجانبة الهدى.
وهذا، وإن لم يخرجه كفره من الملة، فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر، كالزنا، وشرب الخمر، والسرقة، واليمين الغموس ... وغيرها، فإنها معصية لم يسمها كفرًا، نسأل الله أن يجمع المسلمين على التحاكم إلى كتابه، انقيادًا ورضاءً، فإنه ولي ذلك والقادر عليه» (١).
من مفاسد الحكم بغير ما أنزل اللَّه:
استحقاق غضب الله وسخطه، وحلول عقابه بمن خالف أمره ونهيه، وتحاكم إلى غيره.
إذا عاش الناس في ظل الدساتير، والقوانين الوضعية، فإن الحوادث والجرائم تكثر بشكل مذهل وبنسبة عظيمة متزايدة عامًا بعد عام، وهذا ما يلمس واضحًا من واقع أرقام الإحصائيات الرسمية للجرائم والجنايات في الأقطار والبلاد العاملة بتلك الأنظمة والقوانين.
انعدام الأمن، والفوضى في تلك المجتمعات المطبقة للقوانين الوضعية، فالسارق لا تقطع يده، والقاتل لا يقتل، وشارب الخمر لا يجلد، وفي الحديث: «يَا مَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ!
стр. 3195
خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ - ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ: وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ، إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ» (١)(٢).
انتشار الفقر، وغلاء الأسعار، ونزع البركات، فتحكيم الشريعة الإسلامية أمن للناس في أوطانهم، وبركة في أرزاقهم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٩٦].
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3196
الكلمة الخمسون
الصوفية وخطرها على بلاد الإسلام
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فإن أعداء المسلمين من الكفار يمكرون بالليل والنهار للقضاء على الإسلام وأهله، ومن خططهم الخبيثة: زرع الفرق الضالة في بلاد المسلمين حتى يضعفوا شوكتهم، ويسيطروا على ثرواتهم، ويبعدوهم عن دينهم وأخلاقهم، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧].
ومن هذه الفرق الضالة التي استغلها الاستعمار في بلاد المسلمين فرقة الصوفية، وسأذكر بعضًا من معتقداتها، ونشأتها، وخطرها على الإسلام والمسلمين، للعلم والحذر.
«تعريف التصوف:
يختلف التصوف بحسب المراحل التاريخية التي مر بها:
(أ) فالتصوف في مراحله الأولى: هو عبارة عن الزهد في الدنيا، والانقطاع لعبادة الله، ولهذا قال شيخ الإسلام
стр. 3197
ابن تيمية ﵀ عن متقدمي الصوفية: «والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله، ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين، وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب، ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه، عاص لربه» (١).
(ب) ثم انحرف التصوف إلى الرهبانية والتعلق بالبدع، والمنكرات، وبدأت اتجاهات الطرق الصوفية.
(ج) ثم تطور التصوف حتى بدأت فيه الشطحات، والضلالات في الأعمال والعقائد، وأخذ طائفة من الصوفية بعقيدة الحلول والاتحاد، فخرجوا من الإسلام، أما المتأخرون من الصوفية فمنهم من أخذ التصوف بالمعنى الأول وهو الزهد في الدنيا مع ممارسة بعض البدع، ومنهم من أخذه طرقًا وحركات ومظاهر، فمارس كثيرًا من الشركيات والعقائد الباطنية، ومنهم من آمن بعقيدة الحلول والاتحاد فكفر بدين الإسلام.
لماذا سموا بالصوفية؟
اختلف في ذلك، والذي ذهب إليه كثير من أهل التحقيق
стр. 3198
كابن تيمية وابن خلدون وغيرهما، أنهم سُموا بالصوفية نسبة للبسة الظاهرة التي يلبسها كثير من الصوفية، وهي أسمال من الصوف الغليظ» (١).
«نشأتها:
في القرن الثاني الهجري في عهد التابعين وبقايا الصحابة ﵃، ظهرت طائفة من العباد آثروا العزلة وعدم الاختلاط بالناس، فشددوا على أنفسهم في العبادة على نحو لم يُعهد من قبل، ومن أسباب ذلك بزوغ بعض الفتن الداخلية، وإراقة بعض الدماء الزكية، كما حصل للحسين بن علي ﵄، فآثروا اعتزال المجتمع تصونًا عما فيه من الفتن، وطلبًا للسلامة في دينهم، يضاف إلى ذلك أيضًا فتح الدنيا أبوابها أمام المسلمين، وبخاصة بعد اتساع الفتوحات الإسلامية، وانغماس بعض المسلمين فيها، وشيوع الترف والمجون بين طبقة من السفهاء، مما أوجد ردة فعل عند بعض العباد وبخاصة في البصرة، والكوفة، حيث كانت بداية الانحراف عن المنهج الصحيح» (٢).
стр. 3199
«وللصوفية طرق كثيرة منها: الشاذلية، والتيجانية، والسنوسية، والختمية، والبريلوية.
أهم عقائدهم:
تتشابه عقائد الصوفية وأفكارهم، وتتعدد مدارسهم وطرقهم، ويمكن إجمالها فيما يلي: «يعتقد المتصوفة في الله تعالى عقائد شتى، منها: وحدة الوجود، وفحواها أن الخالق عين المخلوق، والمخلوق عين الخالق، وأن الله متحد بمخلوقاته، جاء في كتابهم (جواهر المعاني): فما في ذوات الوجود كله إلا الله سبحانه، وهذه العقيدة مخالفة للعقل والفطرة، والشرع، وقد قام إجماع المسلمين على كفر من قال بها، وقد كفَّر الله تعالى النصارى بقولهم إن الله هو المسيح، فكيف بمن يقول إن الله متحد بمخلوقاته» (١).
«والغلاة من الصوفية يعتقدون في الرسول ﷺ أيضًا عقائد شتى؛ فمنهم من يزعم أن الرسول ﷺ لا يصل إلى مرتبتهم وحالهم، وأنه كان جاهلًا بعلوم رجال التصوف، كما قال البسطامي: خضنا بحرًا وقف الأنبياء بساحله.
ومنهم: من يعتقد أن الرسول محمد ﷺ هو قبة الكون،
стр. 3200
وهو الله المستوي على العرش، وأن السماوات، والأرض، والعرش، والكرسي، وكل الكائنات خُلقت من نوره، وأنه أول موجود، وهذه عقيدة ابن عربي ومن تبعه.
ومنهم: من لا يعتقد ذلك، بل يرده ويعتقد ببشريته ورسالته، ولكنهم مع ذلك يستشفعون ويتوسلون به ﷺ إلى الله تعالى على وجه يخالف عقيدة أهل السنة والجماعة.
وفي الأولياء يعتقد الصوفية عقائد شتى؛ فمنهم من يفضِّل الولي على النبي، ومنهم من يجعل الولي مساوٍ لله في كل صفاته، فهو يخلق ويرزق، ويحيي ويميت، ويتصرف في الكون، ولهم تقسيمات للولاية؛ فهناك الغوث، والأقطاب، والأبدال، والنجباء، حيث يجتمعون في ديوان لهم في غار حراء كل ليلة ينظرون في المقادير، ومنهم من لا يعتقد ذلك، ولكنهم أيضًا يأخذونهم وسائط بينهم وبين ربهم، سواء كان في حياتهم أو بعد مماتهم» (١)، إلى غير ذلك من الضلالات والخرافات نسأل الله السلامة والعافية.
«ورغم خطورة الفكر الصوفي على الأمة منذ قرون من الزمان وليس من الآن، ورغم ما جره هذا الفكر على الأمة من
стр. 3201
ويلات ومآس عبر التاريخ، إلا أن معالجة علماء الأمة لهذا المرض المعدي المستشري في جسد الأمة ومواجهتهم له لم يكن بالمستوى المطلوب والمأمول، حيث ما زالت الفرق الصوفية تنتشر وتتوسع في البلاد الإسلامية حتى الآن، مستغلة الجهل، والفقر المنتشر فيها، وغياب الموجهين والمعلمين من أهل السنة المعتدلين.
لقد اعتمد الاحتلال الغربي الأجنبي على الطرق الصوفية لمواجهة المقاومة المسلحة ضده في أي بلد إسلامي، كما أن الأنظمة الاستبدادية المعاصرة - وريثة الاستعمار في حكم الديار - لم تسمح لغير الطرق الصوفية بالتمدد والانتشار.
ولقد حذر كثير من العلماء المخلصين من خطر الفكر الصوفي على الأمة نظريًّا، إلا أن الواقع العملي الدعوي في هذا الجانب ما يزال يحتاج إلى الكثير من الجهود والعمل، ومن بين من نبه لخطر الفكر الصوفي الشيخ عبدالرحمن عبد الخالق، الذي ذكر في كتابه (الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة) أن الفكر الصوفي هو أشد الأخطار جميعًا على أمة الإسلام، وأنه الذي حوَّل عز هذه الأمة ذلًّا ومهانة، وأنه السوس الذي ظل ينخر ويهدم في جسم شجرتنا الباسقة حتى أناخها مع الأيام، وأنه لا خلاص للأمة إلا بالتخلص من هذا السوس أولًا قبل أي خطر آخر، وقد بين الشيخ في كتابه أهم مخاطر الفكر الصوفي، وهي:
стр. 3202
صرف الناس عن القرآن والحديث.
فتح باب التأويل الباطني لنصوص القرآن والحديث.
إتلاف العقيدة الإسلامية.
كما أن خطورة هذا الفكر تكمن في انتشاره الواسع في جميع دول العالم الإسلامي - وخاصة في القارة الإفريقية - حيث الفقر الشديد، والجهل، وقلة العلم، وخاصة الديني والإسلامي، إضافة لقلة الدعاة والمعلمين للإسلام الحقيقي، وهو ما شكل مناخًا ملائمًا لانتشار الفكر الصوفي على أوسع نطاق.
ففي السنغال مثلًا والتي يشكل المسلمون فيها ما نسبته (٩٤%) من عدد السكان، فإن طريقة صوفية واحدة فيها وهي التيجانية تحتضن (٥١%) من المسلمين في السنغال، بينما تستوعب الطريقة المريدية وغيرها من الطرق الصوفية الأخرى بقية مسلمي السنغال، مما يعبر عن مدى سيطرة الطرق الصوفية على مسلمي السنغال، ومن هنا لم يكن مستغربًا أن تُعد السنغال معقلًا للصوفية بمختلف مدارسها في أفريقيا، حيث تلعب المدارس الصوفية السنغالية أدوارًا تتجاوز الأبعاد الدينية والروحية إلى السياسية، حيث قام ساسة السنغال بتوظيف الصوفية لبلوغ مآربهم السياسية.
وها هي إسرائيل اليوم تخترق الطرق الصوفية في
стр. 3203
السنغال، من خلال زيارة يقوم بها حاليًّا بعض أئمة مساجد وممثلو بعض الطرق الصوفية لإسرائيل، بما تحمله من دلالات خطيرة من خلال تمكن اليهود من التغلغل بالمجتمع السنغالي نظرًا لمحورية رجال الدين في تلك البلاد، الأمر الذي أثار موجة استياء كبيرة سادت كثيرًا من الأوساط الدينية السنغالية والإسلامية على خلفية هذه الزيارة.
ورغم نفي زعيم الطريقة التيجانية بمدينة باي السنغالية الشيخ أحمد التيجاني إنياس وجود ممثلين عن طريقته بوفد الأئمة الذي يزور إسرائيل حاليًّا، إلا أن وسائل إعلام محلية قد تحدثت عن وجود ممثلين للطريقة التيجانية ذات النفوذ الكبير في السنغال ضمن وفد الأئمة الذي توجه مؤخرًا إلى إسرائيل.
ومن المعلوم أن الطريقة التيجانية تتبنى أفكارًا بعيدة كل البعد عن الإسلام، كإمكانية رؤية النبي ﷺ يقظة والتلقي منه، إضافة لنسبة علم الغيب لوليهم التيجاني، ناهيك عن دعوى أن من رأى التيجاني دخل الجنة» (١).
والصلة بين التصوف والتشيع حقيقة تحدَّث عنها كثير
стр. 3204
من النقاد، مثل ابن خلدون، وإحسان إلهي، وكامل مصطفى الشيبي، وهو ممن أفرد كتابًا لإثبات ذلك، وغيره ممن عقدوا مقارنات بين اعتقادات وطقوس الفريقين.
ودواعي التنبيه إلى المقاربة بين الطائفتين كثيرة، منها منشأ التصوف وبيئته وأقطابه ومصطلحاته، وكثير من العقائد التي به، غير أن ما يُرسِّخ التواصل بينهم هو ظهور الدولة العبيدية الشيعية الإسماعيلية الباطنية المتسمية بالفاطمية، فقد لبس التصوف في عهدها والذي تلاها لباس الشيعة.
وتعقد المقارنة بادئ ذي بدء في نشأة التصوف، فالتصوف منبته فارسي شيعي؛ وينصر هذا الرأي طائفة من خصوم التصوف من السنة، وأخرى من أهل التصوف من السنة والشيعة، وبين أولئك باحثون في التصوف يؤيدون هذا الرأي، إلا أن لكل طرف غرضه من نصرة هذا الرأي.
فالثابت من كتب كثير ممن عاصر الصوفية وغيرهم، أن أول من أسس التصوف هم الشيعة، ومرجع النشأة لرجلين منهم، هما (عبدك ت ٢١٠) مختصر عبد الكريم، وهو على رأس طائفة شيعية، وأبو هاشم الكوفي الشيعي (الصوفي ت ١٥٠) (١).
стр. 3205
فالتصوف وليد التشيع، وبداية أمر حركة التصوف الفرس؛ الذين يمثلون عصب التشيع ودمه الفوار، وكبار المتصوفة والمنظرين له فرس؛ كالبسطامي، والحلاج، ومعروف البلخي، وابن خضرويه البلخي، ويحيى بن معاذ الرازي. وللتشيع أمشاج فارسية متعددة الثقافات والعقائد، وشيعة العراق زمرة فراق، وشرذمة شقاق، دأبهم تشقيق الكلام، والتلفيق بين الأديان، وذي سيرتهم قبل الإسلام، وصنيعهم مع جمهرة الأديان التي حلت أرضهم، والفرس أُصيبوا بداء الغنوص وهي فلسفة حلولية ذات طابع روحاني صوفي محض سرت في أديان وطوائف عدة، بنسب متقاربة.
والفرس يصبغون أي دين يَرِد عليه بلبوسهم، ويُذيبونه في ثقافتهم، وعقائدهم، فيصطلحون على ما سلف من أمرهم بلغة ما ورد على ديانتهم الجديدة، فإن تبصر الواعي أمرهم درى أن كسرى صار يسمى إمامًا، والمرجع الشيعي صار يُسمى شيخ الطريقة، والأئمة الاثنا عشر هم الأقطاب والغوث، ومراتب دعاة الباطنية الإسماعيلية هم الأوتاد، والأتقياء، والنجباء والمريدين عند الصوفية (١)(٢).
стр. 3206
سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية:
يقول السائل: أرجو من سماحتكم التكرم بالكتابة إلينا باختصار عن: الصوفية والصوفيين، وما هي الصوفية، وما هي عقيدتهم، وما رأي أهل السنة والجماعة فيهم، وماذا ينبغي لمن كان من أهل السنة والجماعة أن يعمل، أو كيف ينبغي أن يتعامل معهم إن كان هؤلاء الصوفيون مصرون على عقيدتهم، وأنهم يرون أنهم على حق حتى بعد أن ظهرت واتضحت أمامهم الحقائق؟
وإني لأرجو من الله أن ينفع بعلمكم هذا كثيرًا من الناس الذين هم بحاجة ماسة إلى تبيين هذا الأمر من قِبل فضيلتكم خاصة. ووفقنا الله جميعًا لما يحب ويرضى، وجزاكم خير الجزاء.
الجواب: الصوفية نسبة إلى الصوف؛ لأنه كان شعارًا لهم في اللباس، وهذا أقرب إلى اللغة وإلى واقعهم، أما ما قيل إن الصوفية نسبة إلى الصفة لشبههم بفقراء الصحابة ﵃ الذين كانوا يأوون إلى صفة بالمسجد النبوي، أو نسبة إلى صفوة لصفاء قلوبهم وأعمالهم، فكل ذلك خطأ وليس بصحيح؛ لأن النسبة على صفة صفِّيّ بتشديد الفاء والياء، والنسبة إلى صفوة صفوي، ولأن هذين المعنيين لا ينطبقان على صفاتهم، لما
стр. 3207
يغلب عليهم من فساد العقيدة، وكثرة البدع عندهم.
والطرق الصوفية جميعها أو ما يسمى بالتصوف الآن يغلب عليها العمل بالبدع الشركية، والذرائع الموصلة إليها والمعتقدات الفاسدة، ومخالفة الكتاب والسنة، كالاستغاثة بالأموات والأقطاب بقولهم: مدد يا سيدي، مدد يا سيدة زينب، مدد يا بدوي أو يا دسوقي، ونحو ذلك من الاستغاثة بالمشائخ والأقطاب، واعتقادهم أنهم جواسيس القلوب، يعلمون الغيب، وما تكنه القلوب، وأن لهم أسرارًا يتصرفون بها وراء الأسباب العادية، وكتسمية الله بما لم يسم به نفسه، مثل (هو هو وآه آه آه).
والصوفية لهم أوراد مبتدعة وأدعية غير مشروعة، فهم يأخذون العهد على مريديهم بأن يذكروا الله في نسكهم وعبادتهم بأسماء مفردة معينة من أسماء الله بشكل جماعي، كالله وحي وقيوم، يرددونه كل يوم وليلة، ولا يجاوزونه إلى غيره من الأسماء إلا بإذن مشايخهم، وإلا كان عاصيًا يُخاف عليه من خدم الأسماء، كل ذلك مع الترنح والركوع والرفع منه والرقص والنشيد والتصفيق وغير ذلك مما لا أصل له ولا يعرف في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ .
فيجب على كل مسلم أن لا يجلس في مجالسهم، وأن يبتعد عن مخالطتهم؛ حتى لا يتأثر بمعتقداتهم الفاسدة ويقع
стр. 3208
فيما وقعوا فيه من الشرك، والبدع، وأن يقوم بمناصحتهم وبيان الحق لهم لعل الله أن يهديهم على يديه، مع إقرارهم فيما وافقوا فيه الكتاب والسنة، وننكر عليهم ما خالفوا فيهما مع لزوم منهج أهل السنة والجماعة ليسلم له دينه، ومن أراد معرفة أحوال الصوفية ومعتقداتهم بالتفصيل فليقرأ كتاب (مدارج السالكين) لابن قيم الجوزية، وكتاب هذه هي الصوفية لعبدالرحمن الوكيل.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١)
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبدالعزيز آل الشيخ ... عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
كما سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:
يقول السائل: ما هي الصوفية، وهل هي خطر على الدين، وما حكم مجالسة الصوفيين؟
الجواب: الغالب على الصوفية في هذا الزمان أنها طائفة ضالة، لها منهج في العبادة يخالف ما جاء به الرسول ﷺ ، وهم يتلقون دينهم عن رؤساء طرقهم ومشائخهم، ويعتقدون فيهم أنهم ينفعون ويضرون من دون الله، ولا تجوز مجالستهم ولا مصاحبتهم إلا لمن يدعوهم إلى الله ويبصرهم بالسنة.
стр. 3209
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١)
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبدالعزيز آل ... الشيخ .... عبد العزيز بن عبدالله بن باز
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3210
الجزء الحادي عشر
стр. 3211
المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب].
أما بعد: فهذا هو الجزء الحادي عشر من كتابي موسوعة الدرر المنتقاة، وقد اشتمل على سبعين كلمة نهجت في إعدادها نفس المنهج الذي سلكته في هذه الموسوعة، وقد اشتمل هذا الجزء على موضوعات متنوعة آمل أن تكون مفيدة ونافعة.
أسأل الله تعالى أن يرزقنا السداد في أقوالنا، والصواب
стр. 3212
في أعمالنا، والإخلاص في نياتنا، وأن يردنا وإخواننا المسلمين إليه ردًّا جميلًا، وأن يعز دينه، ويعلي كلمته، وينصر عباده المجاهدين الصادقين، وأن يقينا وإياهم شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المؤلف
الرياض ٢/ ٩/ ١٤٣٩ هـ
стр. 3213
الكلمة الأولى
وقفات مع حديث: لا حسد إلا في اثنتين
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله .. وبعد.
فقد روى البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ، رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» (١).
وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ، فَقَالَ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُهْلِكُهُ فِي الْحَقِّ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ» (٢).
стр. 3214
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث سالم عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، أن النبي ﷺ قال: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ، رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ» (١).
هذه الأحاديث اشتملت على فوائد كثيرة، وحكم عظيمة، منها:
قوله ﷺ : لا حسد، الحسد هنا بمعنى الغبطة، وهو أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن تزول عن غيره تلك النعمة.
قوله في الحديث: رجل آتاه الله القرآن، يعني حفظ القرآن وتلاوته والقيام به في صلاة الليل وتعليمه للناس، فهو مشتغل به قراءةً، وحفظًا، وتعليمًا.
قوله في الحديث: آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها ويعلمها، الحكمة هي البينات من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، يوفق الله لفهمها من يشاء من عباده، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾ [الزخرف:٦٣].
فضل القضاء بين الناس، وأنه مما يحسد عليه المرء إذا وُفق للقضاء بالحق.
стр. 3215
فضل الفتوى، وهي بيان ما يحتاجه الناس من أمور دينهم فيما يعرض لهم من مشكلات.
فضل تعلم العلم، وهو علم الكتاب والسنة، وقد وردت في ذلك نصوص كثيرة، فمن ذلك ما رواه أبو داود في سننه من حديث أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا، سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وإنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ ليَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ، وَمَنْ فِي الأَرْضِ، وَالْحِيتَانُ فِي جَوفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا، وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» (١).
فضل الغني الشاكر؛ لأنه في عمل يتمناه المتمنون.
إن كثرة المال ليست مذمومة على كل حال، وإنما يتعلق الذم بكسبه من غير حله، أو إنفاقه في غير محله، فأما من عمل فيه بطاعة الله فذلك مما يتنافس فيه المتنافسون، وفي الحديث: «نِعِمَّا بِالْمَالِ الصَّالِحِ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» (٢).
стр. 3216
أن المدح المذكور في الحديث إنما يقع لمن أنفق ماله في الحق وبالغ في إنفاقه، وفي الحديث: «مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا تَأْتِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ، وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ إِلَّادِينَارٌ أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ عَلَيَّ» (١).
وأن مما يُرجى أن يكون قد بلغ تلك المنزلة العالية أبو بكر الصديق ﵁، فقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود في سننه من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟» قُلْتُ: مِثْلَهُ، قَالَ: وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟» قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمْ اللهِ وَرَسُولَهُ، فَقُلْتُ: لَا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا (٢).
١٠ - فضل النية الصادقة، وأن العبد يبلغ بها مراتب العاملين وإن لم يعمل عملهم، وفي صحيح مسلم من حديث سهل ابن حنيف عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» (٣).
الكلمة الثانية
من فضائل التمر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
فإن التمر من الأطعمة الطيبة التي امتن الله بها على عباده، وأحلها لهم، وجعل أكلها في بعض المواضع والأحيان عبادة يتقرب بها إليه، فيثيبهم على ما فيه لذتهم وطيب عيشهم، والتمر تمر النخل الذي ذكره الله في كتابه بأحسن الذكر، فقال: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠)﴾ [ق:١٠]، وقال تعالى: ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨)﴾ [الشعراء:١٤٨]، أي ونخل ثمرها لين لطيف، وقال تعالى: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١)﴾ [الرحمن:١١]، أي فيها الأشجار التي تثمر الفواكه، وفيها النخل ذات الأوعية التي تتفلق عن القنوان.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر ﵄ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: «أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ شَبِيهَ، أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا وَلَا وَلَا وَلَا، تُؤْتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ»، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ،
стр. 3219
وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ لا يَتَكَلَّمَانِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ. فَلَمَّا لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هِيَ النَّخْلَةُ»، فَلَمَّا قُمْنَا، قُلْتُ لِعُمَرَ: يَا أَبَتَاهُ، واللهِ! لَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّها النَّخْلَةُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكَلَّمَ؟ قَالَ: لَمْ أَرَكُمْ تَكَلَّمُونَ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ أَوْ أَقُولَ شَيْئًا، قَالَ عُمَرُ ﵁: لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا (١).
وروى البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالْأُتْرُجَّةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَالْمُؤْمِنُ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالتَّمْرَةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالْحَنْظَلَةِ، طَعْمُهَا مُرٌّ -أَوْ: خَبِيثٌ- وَرِيحُهَا مُرٌّ» (٢).
المواضع التي يتعبد فيها بأكل التمر:
١ - السحور: روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ» (٣).
٢ - الفطر للصائم: روى الإمام أحمد في مسنده من حديث
стр. 3220
أنس بن مالك ﵄، قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتَمَرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَمَرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ (١).
٣ - قبل الخروج لصلاة عيد الفطر: روى البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ، وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا (٢).
والتمر دواء لأعظم الأمراض، وأشدها خطرًا، روى مسلم في صحيحه من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ» (٣).
روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ فِي عَجْوَةِ الْعَالِيَةِ شِفَاءً (٤) أَوْ إِنَّهَا تِرْيَاقٌ أَوَّلَ الْبُكْرَةِ» (٥).
стр. 3221
قال ابن القيم ﵀ عن التمر: «والتمر من أكثر الثمار تغذية للبدن، بما فيه من الجوهر الحار الرطب، وأكله على الريق يقتل الدود، فإنه مع حرارته فيه قوة ترياقية، فإذا أُديم استعماله على الريق خفّف مادة الدود وأضعفه وقلّله، أو قتله، وهو فاكهة وغذاء، ودواء، وشراب، وحلوى» (١).
وقال في موضع آخر: «وهو غذاء فاضل حافظ للصحة، لا سيما لمن اعتاد الغذاء به كأهل المدينة وغيرهم ...
وأهل المدينة التمر لهم يكاد أن يكون بمنزلة الحنطة لغيرهم، وهو قوتهم ومادتهم، وتمر العالية من أجود أصناف تمرهم، فإنه متين الجسم، لذيذ الطعم، صادق الحلاوة، والتمر يدخل في الأغذية، والأدوية، والفاكهة، هو يوافق أكثر الأبدان، مقو للحار الغريزي، ولا يتولد عنه من الفضلات الرديئة ما يتولد عن غيره من الأغذية والفاكهة، بل يمنع لمن اعتاده من تعفن الأخلاط وفسادها» (٢).
والتمر غذاء: روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «يَا عَائِشَةُ! بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ، يَا عَائِشَةُ! بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ أَوْ جَاعَ أَهْلُهُ». قَالَهَا مَرَّتَيْنِ
стр. 3222
أَوْ ثَلَاثًا (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ نَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً، قَالَ: فَقُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قَالَ: نَمَصُّهَا كَمَا يَمَصُّ الصَّبِيُّ ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْلِ (٢).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ أنها قالت لعروة ابن اختها: إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَارٌ، فَقُلْتُ: وَمَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتْ: الأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ (٣).
ومن الحكم في حديث عائشة السابق: «بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ»:
أن التمر لا يحتاج إلى معاناة في إعداده للأكل، ولا كلفة في ذلك.
ما قصه الله علينا عن مريم البتول ﵍، قال تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)
стр. 3223
فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم:٢٥ - ٢٦]. وذكر الأطباء أن الرطب -وعند عدمه التمر- من أنفع الأغذية للحامل، لا سيما قبل الولادة وبعدها.
قال الربيع بن خثيم: «ما للنفساء عندي خير من الرطب لهذه الآية، ولو علم الله شيئًا هو أفضل من الرطب للنفساء لأطعمه مريم؛ ولذلك قالوا: التمر عادة للنفساء من ذلك الوقت، وكذلك التحنيك، وقيل: إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب ولا للمريض خير من العسل» (١).
من فوائد التمر:
«له دور مهم في الدعم التغذوي لنمو العضلات، ويُعد محتوى التمر من النيكوتينيك فيتامين B ٢ مفيدًا لعلاج الاضطرابات المعوية، حيث إن تناول كمية كافية من التمور يُساعد الشخص على الحفاظ على مراقبة نمو الكائنات الحية الممرضة، وبذلك يفيد تناول التمر في تنشيط ظهور الجراثيم الصديقة أو المفيدة في الأمعاء، وهو يُزود الجسم المتعب بطاقة إضافية خلال نصف ساعة بعد تناوله.
وبما أن التمر يحتوي على البوتاسيوم، وعلى ٢٠ نوعًا مختلفًا من الأحماض الأمينية، فهو يُساعد على السيطرة على
стр. 3224
الإسهال، لأنه يُسهل عملية الهضم، وتُشير الأبحاث إلى أن تناول كمية مرتفعة من البوتاسيوم تصل إلى حوال ٤٠٠ ملغ يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بالسكتات الدماغية بنسبة ٤٠%، كما أن تناول التمر عند الإفطار بعد الصيام يساعد على تجنب الإفراط في تناول الطعام؛ فعندما يمتص الجسم القيمة الغذائية للتمر، يختفي الشعور بالجوع، ويمكن الاستفادة من منافع التمر بتناوله كما هو، أو بشرب منقوعه بعد ٢٤ ساعة من النقع في الماء، أو بأكل التمر المهروس.
كما يُفيد تناول التمر المرأة الحامل في تسهيل الولادة؛ لأنه يقوي عضلات الرحم، مما يجعلها تتمدد بسلاسة عند الولادة، وليس تناول التمر شيئًا مهمًّا لتسهيل الولادة فقط، بل هو مهم للرضاعة الطبيعية بعد الولادة، حيث يزود حليب الأم بالعناصر الغذائية المفيدة لصحة طفلها.
تأثير استهلاك التمر في أواخر شهر الحمل في المخاض والولادة:
أجريت دراسة استقصائية ما بين ١ فبراير/ شباط ٢٠٠٧ م إلى ٣١ يناير/ كانون الثاني ٢٠٠٨ م في جامعة الأردن للعلوم والتكنولوجيا لمعرفة أثر تناول التمر في أواخر أشهر الحمل على المخاض والولادة، قارنت هذه الدراسة ما بين ٦٩ امرأة تناولن ستَّ حباتٍ من التمر بشكل يومي قبل موعد ولادتهن
стр. 3225
المتوقع بأربعة أسابيع، و ٤٥ امرأة لم يتناولن ذلك.
لوحظ من الدراسة أن النساء اللاتي تناولن التمر أظهرن توسع عنق الرحم لديهن أكثر من المجموعة الأخرى بنسبة مرة ونصف، كما كانت نسبة بقاء الأغشية الجنينية سليمة أكثر من المجموعة الثانية بنسبة مرة وثلث.
بلغت نسبة الولادة الطبيعية في المجموعة الأولى، أي من تناولن التمر ٩٦%، أما في المجموعة الثانية، فقد بلغت ٧٩%، وانخفض استخدام المجموعة الأولى للأوكسيتوسين المحرض للولادة إلى النصف تقريبًا.
كما أظهرت الدراسة أن مرحلة ما قبل الولادة كانت أقصر لدى مجموعة النساء الأولى مقارنة بالمجموعة الثانية؛ فقد استغرقت المجموعة الأولى ٥١٠ دقيقة، والمجموعة الثانية ٩٠٦ دقيقة إلى النصف تقريبًا، وخلُصت الدراسة إلى أن تناول التمور قبل الولادة بأربعة أسابيع يقلل بشكل كبير حاجة الحامل إلى عملية تحريض الولادة، كما يؤدي ذلك إلى ولادة أفضل» (١).
يؤكل التمر على ثلاث مراحل من مراحل نموه، يؤكل بسرًا، ورطبًا، وتمرًا.
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: