← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

قال ابن القيم ﵀ عن التمر: «والتمر من أكثر الثمار تغذية للبدن، بما فيه من الجوهر الحار الرطب، وأكله على الريق يقتل الدود، فإنه مع حرارته فيه قوة ترياقية، فإذا أُديم استعماله على الريق خفّف مادة الدود وأضعفه وقلّله، أو قتله، وهو فاكهة وغذاء، ودواء، وشراب، وحلوى» (١). وقال في موضع آخر: «وهو غذاء فاضل حافظ للصحة، لا سيما لمن اعتاد الغذاء به كأهل المدينة وغيرهم ... وأهل المدينة التمر لهم يكاد أن يكون بمنزلة الحنطة لغيرهم، وهو قوتهم ومادتهم، وتمر العالية من أجود أصناف تمرهم، فإنه متين الجسم، لذيذ الطعم، صادق الحلاوة، والتمر يدخل في الأغذية، والأدوية، والفاكهة، هو يوافق أكثر الأبدان، مقو للحار الغريزي، ولا يتولد عنه من الفضلات الرديئة ما يتولد عن غيره من الأغذية والفاكهة، بل يمنع لمن اعتاده من تعفن الأخلاط وفسادها» (٢). والتمر غذاء: روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «يَا عَائِشَةُ! بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ، يَا عَائِشَةُ! بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ أَوْ جَاعَ أَهْلُهُ». قَالَهَا مَرَّتَيْنِ

стр. 3222

أَوْ ثَلَاثًا (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ نَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً، قَالَ: فَقُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قَالَ: نَمَصُّهَا كَمَا يَمَصُّ الصَّبِيُّ ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْلِ (٢). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ أنها قالت لعروة ابن اختها: إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَارٌ، فَقُلْتُ: وَمَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتْ: الأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ (٣). ومن الحكم في حديث عائشة السابق: «بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ»: أن التمر لا يحتاج إلى معاناة في إعداده للأكل، ولا كلفة في ذلك. ما قصه الله علينا عن مريم البتول ﵍، قال تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)

стр. 3223

فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم:٢٥ - ٢٦]. وذكر الأطباء أن الرطب -وعند عدمه التمر- من أنفع الأغذية للحامل، لا سيما قبل الولادة وبعدها. قال الربيع بن خثيم: «ما للنفساء عندي خير من الرطب لهذه الآية، ولو علم الله شيئًا هو أفضل من الرطب للنفساء لأطعمه مريم؛ ولذلك قالوا: التمر عادة للنفساء من ذلك الوقت، وكذلك التحنيك، وقيل: إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب ولا للمريض خير من العسل» (١). من فوائد التمر: «له دور مهم في الدعم التغذوي لنمو العضلات، ويُعد محتوى التمر من النيكوتينيك فيتامين B ٢ مفيدًا لعلاج الاضطرابات المعوية، حيث إن تناول كمية كافية من التمور يُساعد الشخص على الحفاظ على مراقبة نمو الكائنات الحية الممرضة، وبذلك يفيد تناول التمر في تنشيط ظهور الجراثيم الصديقة أو المفيدة في الأمعاء، وهو يُزود الجسم المتعب بطاقة إضافية خلال نصف ساعة بعد تناوله. وبما أن التمر يحتوي على البوتاسيوم، وعلى ٢٠ نوعًا مختلفًا من الأحماض الأمينية، فهو يُساعد على السيطرة على

стр. 3224

الإسهال، لأنه يُسهل عملية الهضم، وتُشير الأبحاث إلى أن تناول كمية مرتفعة من البوتاسيوم تصل إلى حوال ٤٠٠ ملغ يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بالسكتات الدماغية بنسبة ٤٠%، كما أن تناول التمر عند الإفطار بعد الصيام يساعد على تجنب الإفراط في تناول الطعام؛ فعندما يمتص الجسم القيمة الغذائية للتمر، يختفي الشعور بالجوع، ويمكن الاستفادة من منافع التمر بتناوله كما هو، أو بشرب منقوعه بعد ٢٤ ساعة من النقع في الماء، أو بأكل التمر المهروس. كما يُفيد تناول التمر المرأة الحامل في تسهيل الولادة؛ لأنه يقوي عضلات الرحم، مما يجعلها تتمدد بسلاسة عند الولادة، وليس تناول التمر شيئًا مهمًّا لتسهيل الولادة فقط، بل هو مهم للرضاعة الطبيعية بعد الولادة، حيث يزود حليب الأم بالعناصر الغذائية المفيدة لصحة طفلها. تأثير استهلاك التمر في أواخر شهر الحمل في المخاض والولادة: أجريت دراسة استقصائية ما بين ١ فبراير/ شباط ٢٠٠٧ م إلى ٣١ يناير/ كانون الثاني ٢٠٠٨ م في جامعة الأردن للعلوم والتكنولوجيا لمعرفة أثر تناول التمر في أواخر أشهر الحمل على المخاض والولادة، قارنت هذه الدراسة ما بين ٦٩ امرأة تناولن ستَّ حباتٍ من التمر بشكل يومي قبل موعد ولادتهن

стр. 3225

المتوقع بأربعة أسابيع، و ٤٥ امرأة لم يتناولن ذلك. لوحظ من الدراسة أن النساء اللاتي تناولن التمر أظهرن توسع عنق الرحم لديهن أكثر من المجموعة الأخرى بنسبة مرة ونصف، كما كانت نسبة بقاء الأغشية الجنينية سليمة أكثر من المجموعة الثانية بنسبة مرة وثلث. بلغت نسبة الولادة الطبيعية في المجموعة الأولى، أي من تناولن التمر ٩٦%، أما في المجموعة الثانية، فقد بلغت ٧٩%، وانخفض استخدام المجموعة الأولى للأوكسيتوسين المحرض للولادة إلى النصف تقريبًا. كما أظهرت الدراسة أن مرحلة ما قبل الولادة كانت أقصر لدى مجموعة النساء الأولى مقارنة بالمجموعة الثانية؛ فقد استغرقت المجموعة الأولى ٥١٠ دقيقة، والمجموعة الثانية ٩٠٦ دقيقة إلى النصف تقريبًا، وخلُصت الدراسة إلى أن تناول التمور قبل الولادة بأربعة أسابيع يقلل بشكل كبير حاجة الحامل إلى عملية تحريض الولادة، كما يؤدي ذلك إلى ولادة أفضل» (١). يؤكل التمر على ثلاث مراحل من مراحل نموه، يؤكل بسرًا، ورطبًا، وتمرًا. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال:

стр. 3226

خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: «مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟» قَالَا: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «وَأَنَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا»، فَقَامُوا مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيْنَ فُلانٌ؟» قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ، إِذْ جَاءَ الأَنْصَارِيُّ، فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا أَجِدُ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي، فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، فَقَالَ: كُلُوا مِنْ هَذِهِ (١). فائدة: ثبت أن النبي ﷺ كان يأكل التمر مفردًا، كما كان يأكله مع الزبد، فقد روى أبو داود في سننه من حديث ابني بسر السُّلميَّين قالا: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَدَّمْنَا لَهُ زُبْدًا وَتَمْرًا، وَكَانَ يُحِبُّ الزُّبْدَ وَالتَّمْرَ (٢). كما كان ﷺ يأكل القثاء مع الرطب، فقد روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن جعفر قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ

стр. 3227

يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالْقِثَّاءِ (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3228

الكلمة الثالثة من حكم الصيام الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. «فإن الله جلا وعلا له الحكمة البالغة فيما خلقه، وفيما شرعه، فهو الحكيم في خلقه، وفي شرعه، لم يخلق عباده لعبًا، ولم يتركهم سُدى، ولم يشرع لهم الشرائع عبثًا، بل خلقهم لأمر عظيم، وهيأهم لخطب جسيم، وبين لهم الصراط المستقيم، وشرع لهم الشرائع ليزداد بها إيمانهم، وتكمل بها عباداتهم، فما من عبادة شرعها الله لعباده إلا لحكمة بالغة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، وليس جهلنا بحكمة شيء من العبادات دليلًا على أنها لا حكمة فيها، بل هو دليل على عجزنا، وقصورنا عن إدراك حكمة الله سبحانه، لقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾» (١)] الإسراء:٨٥]. ومن هذه الشرائع التي فرضها الله على عباده الصيام،

стр. 3229

فأخبر سبحانه أنه لا تستغني عنه الأمم لما فيه من تهذيب الأخلاق، وتزكية النفوس، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة:١٨٣]. ولما كان فطم النفوس عن مألوفاتها وشهواتها من أشق الأمور وأصعبها، تأخر فرض الصيام على أمة الإسلام إلى السنة الثانية بعد الهجرة، بعدما توطنت النفوس على التوحيد والصلاة، وألفت أوامر القرآن، فنقلت إليه بالتدريج، وتوفي رسول الله ﷺ وقد صام تسع رمضانات. قال ابن القيم ﵀: «ومن حكم الصيام: أن المقصود منه حبس النفوس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية؛ لتستعد لطلب ما فيه سعادتها، ونعيمها، وقبول ما تزكو به مما فيه سعادتها في حياتها الأبدية، ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين، ويضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، فهو لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعل شيئًا، وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده، فهو ترك محبوبات النفس وتلذذاتها إيثارًا لمحبة الله ومرضاته، وهو سر بين العبد وربه لا يطلع عليه

стр. 3230

سواه، والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة، وأما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده، فهو أمر لا يطلع عليه بشر؛ وذلك حقيقة الصوم» (١). ومنها: أن في الصوم تعويد للنفس على الصبر عن الشهوات، والملذات، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر:١٠]، وقال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾ [الإنسان:١٢]. ومنها: أنه وسيلة للوصول إلى درجات المتقين، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة:١٨٣]. فإن الصائم مأمور بفعل الطاعات واجتناب المعاصي، كما قال النبي ﷺ : «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (٢). وإذا كان الصائم متلبسًا بالصيام، فإنه كلما همَّ بمعصية تذكر أنه صائم فامتنع عنها، ولهذا أمر النبي ﷺ الصائم أن يقول لمن سابه أو شاتمه: إني امرؤ صائم، تنبيهًا له على أن الصائم مأمور بالإمساك عن السب والشتم، وتذكيرًا لنفسه بأنه متلبس بالصيام، فيمتنع عن المقابلة بالسب والشتم.

стр. 3231

ومنها: التمرن على ضبط النفس، والسيطرة عليها، والقوة على الإمساك بزمامها حتى يتمكن من التحكم فيها، ويقودها إلى ما فيه خيرها وسعادتها، فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، فإذا أطلق المرء لنفسه عنانها، أوقعته في المهالك، وإذا ملك أمرها، وسيطر عليها، تمكن من قيادتها إلى أعلى المراتب وأسنى المطالب. ومنها: كسر النفس، والحد من كبريائها حتى تخضع للحق، وتلين للخلق، فإن الشبع، والري، ومباشرة النساء يحمل كل منها على الأشر، والبطر، والعلو، والتكبر على الخلق وعن الحق، وذلك أن النفس عند احتياجها لهذه الأمور تشتغل بتحصيلها، فإذا تمكنت منها رأت أنها ظفرت بمطلوبها، فيحصل لها من الفرح المذموم والبطر ما يكون سببًا لهلاكها، والمعصوم من عصمه الله تعالى. ومنها: أن الصيام وجاء لشهوة النكاح، وكسر لحدتها، روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (١).

стр. 3232

قال ابن القيم ﵀: «إن مصالح الصوم لما كانت مشهودة بالعقول السليمة والفطر المستقيمة شرعه الله لعباده رحمة بهم، وإحسانًا إليهم، وحمية لهم وجنة» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3233

الكلمة الرابعة تأملات في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. فإن الله أنزل هذا القرآن لتدبره والعمل به، فقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ أَمْ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. قال ابن كثير ﵀: «ومعنى الآية أنه تعالى خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب، وأخبر أنه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، فهو خالقهم ورازقهم» (١)، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾

стр. 3234

[فاطر: ١٥]. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ : يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِلَّا تَفْعَلْ مَلَأْتُ صَدْرَكَ شُغْلًا وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ» (١). وفي الحديث القدسي من حديث أبي ذر، أن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ... يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي ... يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» (٢). وقوله: «الرزاق صيغة مبالغة تدل على كثرة الرزق، وعلى كثرة المرزوق، فرزق الله كثير باعتبار المرزوقين، فكل دابة في الأرض على الله رزقها، من إنسان وحيوان، ومن طائر وزاحف، ومن صغير وكبير، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]. وقوله: ذو القوة المتين أي صاحب القوة التي لا قوة

стр. 3235

تضادها، والمتين يعني الشديد، شديد في قوته، شديد في عقابه، شديد في كل ما تقتضي الحكمة الشدة فيه» (١). والعبادة كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، والأعمال الظاهرة والباطنة، كالخوف، والخشية، والتوكل، والصلاة، والزكاة، فالصلاة عبادة، والصدقة عبادة، والحج عبادة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبادة، وكل ما يقرب إلى الله من قول، أو فعل، فإنه عبادة» (٢). «العبادة نوعان: الأول: عبادة قلبية: ومنها التوكل، والإخلاص، والمحبة، والإنابة، والرجاء، والخوف، والخشية، والرضى، والصبر .. وغيرها. والثاني: عبادة الجوارح: وهي قسمين، عبادة فعلية مثل الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وعبادة قولية مثل الذكر، وقراءة القرآن، والاستغفار، والصلاة على النبي ﷺ » (٣).

стр. 3236

فكل ما تقدم من أنواع العبادة يجب صرفه لله تعالى، ومن صرف شيئًا منها لغير الله فقد أشرك، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر: ٦٥]. والعبادة لها مفهوم صحيح ومفهوم خاطئ، فمن عبد الله بما يرضيه وشرعه على السنة، فعبادته صحيحة، ومن كانت عبادته لله وفق ما تشتهي نفسه، وما تمليه عليه إرادته أو إرادة آبائه وشيوخه، فعبادته غير صحيحة، ولا مقبولة، بل مردودة عليه، قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]. فهذا بيان واضح أن الاستقامة أن يتعبد لله بما أُمر، لا بما أراد، ولذلك لم يقل كما أردت، وإنما قال كما أُمرت. قال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦)﴾ [الجن: ١٦]. ولا تتحقق الاستقامة في عبادة الله إلا أن يكون العبد سويًّا في نفسه، وأن يكون سيره على الطريق القويم الذي وردت به الشريعة، وهذا هو ميزان المتقين. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ

стр. 3237

مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾ [الملك: ٢٢]. وما خلق الله الموت والحياة، أجيال تفنى وأجيال تحيا، إلا لتحقيق هذا الغرض، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك: ١ - ٢]. قال الفضيل بن عياض: «أحسن عملًا: أخلصه وأصوبه، وقال: إن كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة» (١). والعبادة الصحيحة التي يقبلها الله هي السير على الصراط المستقيم دون إفراط أو تفريط، قال الله تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)﴾ [يس: ١ - ٥]. فبين تعالى أن الصراط المستقيم هو ما أنزله على رسوله ﷺ ، وما من عمل إلا وللشيطان فيه نزغتان، إما إفراط أو تفريط، فإن الشيطان يأتي لقلب العبد فيشمه، فإن رأى فيه نشاط وهمة، زين له التشديد والغلو حتى يخرجه عن الصراط المستقيم، وإن رأى فيه توانيًا وكسلًا زين له التقصير والإهمال، ومراده

стр. 3238

من ذلك أن يخرج العبد عن الصراط المستقيم، ومن اقتدى بمحمد ﷺ وأصحابه الكرام فقد هدي إلى صراط مستقيم. قال تعالى عن نبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣]. فقد بين تعالى أن الناس في سلوك الصراط المستقيم على ثلاثة أقسام: فمن عبد الله على جهل، فقد ضل وغوى، وشرع في الدين ما لم يأذن به الله، وقدوته في ذلك النصارى من أهل الكتاب. ومن علم ولم يعمل، وحرَّف وبدَّل، فقد وقع في غضب الله ولعنته، وقدوته في ذلك اليهود. ومن نجا مما وقعت فيه الطائفتان فتفقه في دين الله، وعلم وعمل، فقد سار على الصراط المستقيم الذي دعا إليه عباده، وعلمهم أن يدعوه به، قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3239

الكلمة الخامسة نبي الله آدم ﵇ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. فلقد قص الله علينا قصص الأنبياء والمرسلين؛ لنأخذ منها الدروس والعبر، قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾ [هود: ١٢٠]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ [يوسف: ١١١]. ومن الأنبياء الذين أكثر الله من ذكرهم في كتابه، أبو البشر آدم ﵇، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

стр. 3240

(٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ أَنْبَأَهُمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٠ - ٣٩]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء:١]. «وقد ذكر الله قصة آدم ﵇ في مواضع متفرقة من القرآن، فأخبر تعالى في الآيات السابقة أنه خاطب الملائكة قائلًا لهم ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]. أعلم بما يريد أن يخلق من آدم وذريته الذين يخلف بعضهم بعضًا، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥].

стр. 3241

فأخبرهم بذلك على سبيل التنويه بخلق آدم وذريته، كما يخبر بالأمر العظيم قبل كونه، فقالت الملائكة سائلين على وجه الاستكشاف والاستعلام عن وجه الحكمة لا على وجه الاعتراض والتنقص لبني آدم، والحسد لهم: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾؟ قيل: علموا أن ذلك كائن بما رأوا ممن كان قبل آدم من الخلائق من الجن - قاله قتادة -. ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ أي نعبدك دائمًا، لا يعصيك منا أحد، فإن كان المراد بخلق هؤلاء أن يعبدوك، فهانحن لا نفتر ليلًا ولا نهارًا، قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ أي أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هؤلاء ما لا تعلمون، أي سيوجد منهم الأنبياء، والمرسلون، والصديقون، والشهداء، ثم بين لهم شرف آدم عليهم في العلم، فقال: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، قال ابن عباس: «هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان، دابة، أرض، بحر، جبل، جمل، وأشباه ذلك من الأمم .. وغيرها» (١). روى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُونَ: لَوْ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى رَبِّنَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَبُو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ

стр. 3242

بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ .. وذكر تمام الحديث» (١). «فهذه أربع تشريفات، خلقه الله بيده الكريمة، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة بالسجود له، وعلمه أسماء كل شيء. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف:١١ - ١٢]. وقد رأى إبليس نفسه أشرف من آدم، فامتنع من السجود له مع وجود الأمر له ولسائر الملائكة بالسجود، والقياس إذا كان مقابلًا بالنص كان فاسد الاعتبار، ثم هو فاسد في نفسه، فإن الطين أنفع وخير من النار، فإن الطين فيه الرزانة، والحلم والأناة، والنمو، والنار فيها الطيش، والخفة، والسرعة، والإحراق، ثم آدم شرفه الله بخلقه له بيده، ونفخ فيه من روحه، وفي الحديث عند مسلم من حديث عائشة ﵂: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ» (٢). قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾

стр. 3243

[البقرة: ٣٥]. ونقل بعضهم عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة، أنهم قالوا: أُخرج إبليس من الجنة، وأُسكن آدم الجنة، فكان يمشي فيها مستوحشًا ليس له فيها زوج يسكن إليها، فنام نومة، فاستيقظ وعند رأسه امرأة قاعدة، خلقها الله من ضلعه، فسألها: من أنت؟ قالت: امرأة، قال: ولم خُلقت؟ قالت: لتسكن إليَّ، فقالت له الملائكة -ينظرون ما بلغ من علمه-: ما اسمها يا آدم؟ قال: حواء، قالوا: ولم كانت حواء؟ قال: لأنها خُلقت من شيء حيٍّ، وذكر محمد بن إسحاق عن ابن عباس: أنها خُلقت من ضلعه الأيسر وهو نائم، ولأم مكانه لحمًا، ومصداق هذا في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا؛ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاه، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» (١).

стр. 3244

قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠)﴾ [الأعراف:٢٠]. يقول: ما نهاكما عن أكل هذه الشجرة، إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، أي: ولو أكلتما منها لصرتما كذلك، وقاسمهما أي: حلف لهما على ذلك ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾ [الأعراف: ٢١]. كما قال في الآية الأخرى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)﴾ [طه: ١٢٠]. أي هل أدلك على شجرة إذا أكلت منها حصل لك الخلد فيما أنت فيه من النعيم، واستمررت في ملك لا يبيد ولا ينقضي؟ وهذا من التغرير والتزوير والإخبار بخلاف الواقع. قوله: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]. كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [طه:١٢١]. وكانت حواء قد أكلت من الشجرة قبل آدم، وهي التي حضته على أكلها، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْنَزِ (١) اللَّحْمُ، وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا» (٢)

стр. 3245

قال تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف:٢٢ - ٢٣]. وهذا اعتراف ورجوع إلى الإنابة، وتذلل، وخضوع، واستكانة، وافتقار إليه تعالى في الساعة الراهنة، وهذا السِّرُّ ما سرى في أحد من ذريته إلا كانت عاقبته إلى خير في دنياه وأُخراه. قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٦ - ٣٩]. فدل على أنهم أُهبطوا إلى الأرض، وكرره لفظًا وإن كان واحدًا، وناط مع كل مرة حكمًا، فناط بالأول عداوتهم فيما بينهم، وبالثاني الاشتراط عليهم، أن من تبع هداه الذي ينزله عليهم بعد ذلك فهو السعيد، ومن خالفه فهو الشقي. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا» (١). وفي رواية:

стр. 3246

«وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ» (١). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا، خَيَّبْتَنَا، وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: يَا مُوسَى، اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى .. ثَلَاثًا» (٢). والتحقيق أن هذا الحديث رُوي بألفاظ كثيرة، بعضها مروي بالمعنى وفيه نظر، ومدار معظمها في الصحيحين وغيرهما على أنه لامه على إخراجه نفسه وذريته من الجنة، فقال له آدم: أنا لم أخرجكم، وإنما أخرجكم الذي رتب الإخراج على أكلي من الشجرة، والذي رتب على ذلك وقدره وكتبه عليَّ قبل أن أُخلق هو الله ، فأنت تلومني على أمر ليس له نسبة إلي أكثر ما أني نهيت عن الأكل من الشجرة فأكلت منها، وكون الإخراج مترتبًا على ذلك ليس من فعلي، فأنا لم أخرجكم ولا نفسي من الجنة، وإنما كان هذا من قدر الله وصنعه وله الحكمة في ذلك، فلهذا حج آدم موسى. ولهذا قال بعض أهل العلم بأن جواب آدم إنما كان احتجاجًا

стр. 3247

بالقدر على المصيبة لا على المعصية» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3248

الكلمة السادسة مسائل وفوائد من قصة آدم ﵇ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. استكمالًا للحديث عن نبي الله آدم ﵇، هذه بعض المسائل والفوائد: هل آدم ﵇ نبي أم رسول؟ «آدم ليس برسول، ولكنه نبي، فقد روى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي أمامة أن رجلًا قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَبِيٌّ كَانَ آدَمُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، مُكَلَّمٌ» (١)، ولكنه ليس برسول، والدليل قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وقوله ﷺ في حديث الشفاعة: «أَنَّ النَّاسَ يَذْهَبُونَ إلَى نُوحٍ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ» (٢)، وهذا نص صريح بأن نوحًا أول الرسل.

стр. 3249

وعلى ذلك يكون آدم أول الأنبياء بدليل الآية في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه: ١١٥]، وغير ذلك من الآيات التي فيها إيحاء الله إليه، وليس هناك دليل صريح يدل على أنه رسول ﵊» (١). ومن الأحاديث الواردة في خلق آدم - ﵇ - وذريته، ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي موسى أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ، فَجَاءَ مِنْهُمُ الأَبْيَضُ وَالأَحْمَرُ وَالأَسْوَدُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ» (٢). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عمر بن الخطاب أنه سُئل عن هذه الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ سُئل عنها فقال: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ، وَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ،

стр. 3250

ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلَهُ بِهِ النَّارَ» (١). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ -يَعْنِي عَرَفَةَ- فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا، فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قُبُلاً، قَالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ (١٧٣)﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣]» (٢). قال ابن كثير ﵀: «واستأنس القائلون بهذا القول، وهو أخذ الميثاق على الذرية- وهم الجمهور، بما رواه أحمد في

стр. 3251

مسنده وأصله في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يُقَالُ للرَجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ؟ قَالَ: فَيَقُولُ: نَعَمْ، قَالَ: فَيَقُولُ: قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ، قَدْ أَخَذتُ عَلَيكَ فِي ظَهرِ آدَمَ أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ» (١) (٢). وروى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ بِإذْنِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: يَرْحَمُكَ رَبُّكَ يَا آدَمُ، اذْهَبْ إِلَى أُولَئِكَ الْمَلائِكَةِ إِلَى مَلَأٍ مِنْهُمْ جُلُوسٍ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ بَنِيكَ بَيْنَهُمْ، وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلا وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ: اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، فَقَالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي- وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ، ثُمَّ بَسَطَهُمَا، فَإِذَا فِيهِمَا آدَمُ وَذُرِّيَّتُهُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! مَا هَؤُلاءِ؟ فَقَالَ: هَؤُلاءِ ذُرِّيَّتُكَ، فَإذَا كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مَكْتُوبٌ عُمْرُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَإِذَا فِيهِمْ رَجُلٌ أَضْوَؤُهُمْ، أَوْ مِنْ أَضْوَئِهِمْ، لَمْ يَكْتُبْ لَهُ إلَّا أَرْبَعِينَ سَنَةً، قَالَ: يَا رَبِّ، مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا ابْنُكَ دَاوُدُ، وَقَدْ

стр. 3252

كَتَبَ اللَّهُ عُمْرَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، قَالَ: أَيْ رَبِّ، زِدْهُ فِي عُمْرِهِ، قَالَ: ذَاكَ الَّذِي كَتَبْتُ لَهُ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُ لَهُ مِنْ عُمْرِي سِتِّينَ سَنَةً، قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ، اسْكُنِ الْجَنَّةَ، فَسَكَنَ الْجَنَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أُهْبِطَ مِنْهَا، وَكَانَ آدَمُ يَعُدُّ لِنَفْسِهِ، فَأَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: قَدْ عَجِلْتَ، قَدْ كُتِبَ لِي أَلْفُ سَنَةٍ، قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّكَ جَعَلْتَ لابْنِكَ دَاوُدَ مِنْهَا سِتِّينَ سَنَةً، فَجَحَدَ، فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَنَسِيَ، فَنَسِيتْ ذُرِّيَّتُهُ، فَيَوْمَئِذٍ أُمِرَ بِالْكِتَابِ وَالشُّهُودِ» (١). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ الْمَلائِكَةِ جُلُوسٌ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَمْ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الآنَ» (٢). «من فوائد قصة آدم ﵇: ١ - إن هذه القصة العظيمة ذكرها الله في كتابه في مواضع كثيرة صريحة لا ريب فيها ولا شك، وهي من أعظم القصص التي

стр. 3253

اتفقت عليها الرسل، ونزلت بها الكتب السماوية، واعتقدها جميع أتباع الأنبياء من الأولين والآخرين، وما ذكره بعضهم من أن الإنسان كان حيوانًا قردًا أو شبيهًا بالقرد حتى ارتقى إلى هذه الحال الموجودة، هؤلاء اغتروا بنظرياتهم الخاطئة المبنية على ظنون عقول من أصلها فاسدة، وتركوا لأجلها جميع العلوم الصحيحة، خصوصًا ما جاءتهم به الرسل، وصدق عليهم قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣)﴾ [غافر: ٨٣]. ٢ - فضيلة العلم، وأن الملائكة لما تبين لهم فضل آدم بعلمه عرفوا بذلك كماله، وأنه يستحق الإجلال والتوقير. ٣ - أن مَنْ مَنَّ الله عليه بالعلم عليه أن يعترف بنعمة الله عليه، وأن يقول كما قالت الملائكة والرسل: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ [البقرة: ٣٢]. وأن يتوقى التكلم بما لا يعلم، فإن العلم أعظم المنن، وشكر هذه النعمة الاعتراف لله بها، والثناء عليه بتعليمها، وتعليم الجهال، والوقوف على ما علمه العبد، والسكوت عما لم يعلمه. ٤ - أن الله جعل هذه القصة لنا معتبرًا، وأن الحسد والكبر والحرص من أخطر الأخلاق على العبد، فكِبْرُ إبليس

стр. 3254

وحسده لآدم صيره إلى ما ترى، وحرص آدم وزوجه حملهما على تناول الشجرة، ولولا تدارك رحمة الله لهما لأودت بهما إلى الهلاك، ولكن رحمة الله تكمل الناقص، وتجبر الكسير، وتنجي الهالك، وترفع الساقط. ٥ - أنه ينبغي للعبد إذا وقع في ذنب أن يبادر إلى التوبة والاعتراف، ويقول ما قاله الأبوان من قلب خالص، وإنابة صادقة؛ فما قص الله علينا صفة توبتهما إلا لنقتدي بهما فنفوز بالسعادة، وننجو من الهلكة؛ وكذلك ما أخبرنا بما قال الشيطان من توعدنا وعزمه الأكيد على إغوائنا بكل طريق إلا لنستعد لهذا العدو الذي تظاهر بهذه العدواة البليغة المتأصلة، والله يحب منا أن نقاومه بكل ما نقدر عليه من تجنب طرقه وخطواته، وفعل الأسباب التي يخشى منها الوقوع في شباكه، ومن عمل الحصون من الأوراد الصحيحة، والأذكار القلبية، والتعوذات المتنوعة، ومن السلاح المهلك له من صدق الإيمان، وقوة التوكل على الله، ومراغمته في أعمال الخير، ومقاومة وساوسه والأفكار الرديئة التي يدفع بها إلى القلب كل وقت بما يضادها، ويبطلها من العلوم النافعة والحقائق الصادقة. ٦ - أن فيها دلالة لمذهب أهل السنة والجماعة المثبتين لله ما أثبته لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات كلها، لا فرق

стр. 3255

بين صفات الذات، ولا بين صفات الأفعال. ٧ - إثبات اليدين لله كما هو في قصة آدم صريحًا: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]. فله يدان حقيقة، كما أن ذاته لا تشبهها الذوات، فصفاته تعالى لا تشبهها الصفات» (١). ٨ - ذكر العلماء أن أول ذنب عُصي الله به الحسد، «وذلك أن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم، امتثلوا كلهم الأمر الإلهي، وامتنع إبليس من السجود له، حسدًا وعداوة له، فطرده الله وأبعده، وأخرجه من الحضرة الإلهية ونفاه عنها، وأهبطه إلى الأرض طريدًا ملعونًا، شيطانًا رجيمًا» (٢). روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي، يَقُولُ: يَا وَيْلَهُ- وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ: يَا وَيْلِي- أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ، فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِيَ النَّارُ» (٣). ٩ - ألَّا يتساهل المسلم في المعاصي، فمعصية واحدة كانت سببًا لخروج آدم ﵇ من الجنة، قال الشاعر:

стр. 3256

تَصِلُ الذُّنُوبَ إِلَى الذُّنُوبِ وَتَرْتَجِي ... دَرْكَ الجِنَانِ بِهَا وَفَوْزَ العَابِدِ وَنِسيتَ أَنَّ اللَّهَ أَخْرَجَ آدَمَا ... مِنْهَا إِلَى الدُّنْيَا بِذَنْبٍ وَاحِدِ ومعصية واحدة كانت سببًا لهزيمة الصحابة في معركة أُحد عندما أمرهم النبي ﷺ ألَّا ينزلوا من الجبل، فعصوه ونزلوا، فقُتل سبعون، كما جاء في الصحيح (١). ومعصية واحدة كانت سببًا في دخول امرأة النار، ففي الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ، رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ» (٢). قال الأوزاعي: عن بلال بن سعد قال: «لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت» (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3257

الكلمة السابعة نبي الله نوح ﵇ - الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. فإن نوح ﵇ من أولي العزم من الرسل، وهو الأب الثاني للبشر ﷺ . روى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي أمامة أن رجلًا قال: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَبِيٌّ كَانَ آدَمُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، مُكَلَّمٌ»، قَالَ: فَكَمْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُوحٍ؟ قَالَ: «عَشَرَةُ قُرُونٍ» (١). وروى الطبري في تفسيره عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: «كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين» (٢). «فإن كان المراد بالقرن مائة سنة، كما هو المتبادر عند كثير

стр. 3258

من الناس، فبينهما ألف سنة لا محالة، لكن لا ينفي أن يكون أكثر باعتبار ما قيد به ابن عباس بالإسلام، إذ قد يكون بينهما قرون أُخر متأخرة لم يكونوا على الإسلام، لكن حديث أبي أمامة يدل على الحصر في عشرة قرون، وزادنا ابن عباس أنهم كلهم على الإسلام، وهذا يرد قول من زعم من أهل التواريخ وغيرهم من أهل الكتاب أن قابيل وبنيه عبدوا النار .. والله أعلم. وإن كان المراد بالقرن الجيل من الناس كما في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء:١٧]، وقوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢)﴾ [المؤمنون:٤٢]، وكقوله ﵇: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ... الحديث» (١)، فقد كان الجيل قبل نوح يعمرون الدهور الطويلة، فعلى هذا يكون بين آدم ونوح ألوف من السنين. والله أعلم. وبالجملة فنوح ﵇ إنما بعثه الله لما انتشر الفساد في الأرض، وعُبدت الأصنام والطواغيت، وشرع الناس في الضلالة والكفر، فبعثه الله رحمة للعباد، فكان أول رسول بُعث إلى أهل الأرض، كما يقول له أهل الموقف يوم القيامة. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن

стр. 3259

النبي ﷺ في حديث الشفاعة: «فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ! أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، وَأَسْكَنَكَ الجَنَّةَ، أَلَا تَشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ: رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَا يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَنَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلى أَهْلِ الأَرْضِ، وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، أَمَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا بَلَغَنَا؟ أَلَا تَشْفَعْ لَنَا إلَى رَبِّكَ .. الحديث» (١). وكان قومه يُقال لهم: بنو راسب، فيما ذكره ابن جرير وغيره، واختلفوا في مقدار سنه يوم بُعث، فقيل: كان ابن خمسين سنة، وقيل ابن ثلاثمائة وخمسين سنة، وقيل ابن أربعمائة وثمانين سنة، حكاها ابن جرير وعزا الثالث منها إلى ابن عباس. وقد ذكر الله قصة نوح وما كان من قومه، وما أنزل بمن كفر به من العذاب بالطوفان، وكيف أنجاه وأصحاب السفينة في غيرما موضع من كتابه كما في سورة الأعراف، ويونس، وهود، والأنبياء، والمؤمنون، والشعراء، والعنكبوت، والصافات. وقد تقدم عن ابن عباس أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون

стр. 3260

كلهم على الإسلام، وذكرنا أن المراد بالقرن الجيل، أو المدة على ما سلف، ثم بعد تلك القرون الصالحة حدثت أمور اقتضت أن آل الحال بأهل ذلك الزمان إلى عبادة الأصنام، وكان سبب ذلك ما رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ [نوح:٢٣]، قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسخ العلم عُبدت، قال ابن عباس: وصارت هذه الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد (١). وكل صنم من الأصنام السابقة عبده طائفة من الناس، وقد ذُكر أنه لما تطاولت العهود والأزمان، جعلوا تلك الصور تماثيل مجسدة ليكون أثبت لها، ثم عُبدت بعد ذلك من دون الله . وقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبي ﷺ فقال: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ
следующие страницы →