← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الداعي له) (١). اهـ. وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: (إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحًا في صدرك فاتهمه، فإن الرب تعالى شكور، يعني أنه لابد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه، وقوة وانشراح صدر وقرة عين، فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول) (٢). قال سفيان الثوري: (حرمت قيام الليل بسبب ذنب أذنبته) (٣). وسئل وهيب بن الورد فقيل له: (متى يفقد العبد لذة العبادة؟ إذا وقع في المعصية، أو إذا فرغ منها؟ قال: يفقد لذة العبادة إذا هم بالمعصية). ثالثًا: ترك فضول الطعام والشراب والكلام والنظر، فيكفي المسلم أن يقتصر في طعامه وشرابه على ما يعينه على أداء عبادته وعمله، فلا يسرف في الأكل قال تعالى: ... ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]. عن المقدام بن معدي كرب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» (٤). قال أحد السلف: راحة القلب في قلة الآثام، وراحة البطن في قلة الطعام، وراحة اللسان في قلة الكلام.

стр. 352

وأختم بكلام ابن القيم ﵀ قال: (ولا تظن أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤] مختص بيوم المعاد فقط، بل هؤلاء في نعيم في دورهم الثلاثة، وهؤلاء في جحيم في دورهم الثلاثة، وأي لذة ونعيم في الدنيا أطيب من بر القلب وسلامة الصدر، ومعرفة الرب تعالى ومحبته، والعمل على موافقته وهل العيش في الحقيقة إلا عيش القلب السليم، وقد أثنى على خليله إبراهيم ﵇ بسلامة قلبه، فقال: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣ - ٨٤]. وقال حاكيًا عنه: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]. والقلب السليم هو الذي سلم من الشرك والغل والحقد والحسد والشح والكبر وحب الدنيا والرياسة، فسلم من كل آفة تبعده عن الله، وسلم من كل شبهة تعارض خبره، ومن كل شهوة تعارض أمره، وسلم من كل إرادة تزاحم مراده، وسلم من كل قاطع يقطع عن الله، فهذا القلب السليم في جنة معجلة في الدنيا، وفي جنة في البرزخ وفي جنة يوم المعاد (١). رابعًا: أن يستحضر العبد أن هذه العبادة التي يقوم بها من صلاة أو صيام أو حج أو صدقة إنما هي طاعة لله وابتغاء مرضاته، وأن هذه العبادة يحبها الله ويرضى عنه بها وهي التي تقربه من ربه سبحانه. روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ

стр. 353

حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (١). خامسًا: أن يستحضر العبد أن هذه العبادات لا تضيع ولا تفنى كما تفنى كنوز الدنيا وأموالها ومناصبها ولذاتها بل يجدها العبد أحوج ما يكون إليها، بل إنه ليجد ثمراتها في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة مما هو أجل وأعظم؛ فمن استحضر ذلك لم يبالِ بما فاته من الدنيا وسُرَّ بهذه العبادات ووجد حلاوتها ولذتها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]. روى مسلم في صحيحه من حديث العباس بن عبد المطلب: أن النبي ﷺ قال: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا وَبِالإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً» (٢) وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللهِ! هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ» (٣) الحديث. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 354

الكلمة السبعون: أسباب الثبات على الدين الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد: فإن حاجة المسلم اليوم لأسباب الثبات على الدين والتمسك به عظيمة جدًّا، لانتشار الفتن، وقلة الناصر، وغربة الدِّين، ومن تلك الأسباب: أولاً: الإِقبال على القرآن العظيم حفظًا وتلاوة وعملاً، فهو حبل الله المتين، وصراطه المستقيم، من تمسك به عصمه الله، ومن أعرض عنه ضل وغوى، أخبر تعالى أن الغاية التي من أجلها أنزل هذا القرآن مفرقًا هي التثبيت، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ [الفرقان: ٣٢]. ثانيًا: الإِيمان بالله والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. قال قتادة: أما الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح، وفي الآخرة في القبر. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ... [النساء: ٦٦].

стр. 355

وكان النبي ﷺ يداوم على الأعمال الصالحة، وَكَانَ أَحَبُّ العَمَلِ إِلَيْهِ أَدْوَمَهُ وَإِنْ قَلَّ. وكان أصحابه إذا عملوا عملاً أثبتوه. ثالثًا: تدبر قصص الأنبياء ودراستها للتأسي والعمل، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠]. فالآيات تنزل لتثبت فؤاد النبي ﷺ وأفئدة المؤمنين معه مثل قصة إبراهيم، وموسى، ومؤمن آل فرعون وغيرها. رابعًا: الدعاء، فإن من صفات عباد الله المؤمنين أنهم يتوجهون إلى الله بالدُّعاء أن يثبتهم كما علمنا سبحانه أن نقول: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]. و «قُلُوبُ بَنِي آدَمَ كُلُّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ» (١). كما أخبر بذلك النبي ﷺ عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يكثر أن يقول: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ وَطَاعَتِكَ» (٢). خامسًا: ذكر الله، وهو من أعظم أسباب التثبيت، وتأمل في هذا الاقتران في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]، فجعله من أعظم ما يعين على الثبات في الجهاد. سادسًا: الدعوة إلى الله ، وهي وظيفة الرسل وأتباعهم. قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي

стр. 356

وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]. والعبد إذا حرص على هداية الخلق، فإن الله يجعل ثوابه من جنس عمله، فيزيده هدىً وثباتًا على الحقِّ، كما قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَاّ الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]. سابعًا: الرفقة الصالحة: فمصاحبة العلماء والصالحين والدعاة والمؤمنين، والجلوس معهم، من أكبر العون على الثبات، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية ... [الكهف: ٢٨]. وجاء في قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين إنسانًا: أنه سأل عن رجل عالم فقال: «مَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ، انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ» (١). قال ابن القيم ﵀ عن دور شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ في التثبيت في محنة السجن: (وكنّا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله عنا، وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، وآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم بطلبها والمسابقة إليها) (٢). اهـ. ثامنًا: الثقة بنصر الله وأن المستقبل للإِسلام، وهذه طريقة

стр. 357

النبي ﷺ في تثبيت أصحابه وهم يعذبون على الإِسلام في أول الدعوة، عن خباب بن الأرت: أنه شكا إلى النبي ﷺ ما يجده من التعذيب وطلب منه الدعاء، فقال النبي ﷺ : «وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لَا يَخَافُ إِلَاّ اللهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» (١). تاسعًا: الصبر، فإنه من أعظم أسباب الثبات على دين الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]. عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَلَا أَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» (٢). وعن أبي ثعلبة الخشني ﵁: أن النبي ﷺ عندما ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: «فَإِنَّ مِنْ وَرَاءِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلاً يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» (٣). عاشرًا: التأمل في نعيم الجنة وعذاب النار، وتذكر الموت، فعندما يتأمل المؤمن قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَاّ

стр. 358

مَتَاعُ الغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. تهون عليه الصعاب، ويزهد في الدنيا، وتشتاق نفسه إلى الدار الآخرة والدرجات العلى. وكان النبي ﷺ يذكر أصحابه بالجنة ليثبتهم على التمسك بالدين والصبر عليه، فقد مر النبي ﷺ على ياسر وعمَّار وأمه، وهم يؤذون في سبيل الله، فقال: «صَبْرًا يَا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ» (١) (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 359

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة دروس يومية (١٥٠) درسًا للدعاة والخطباء وأئمة المساجد للقراءة على المصلين إعداد د. أمين بن عبد الله الشقاوي عضو الدعوة بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد «الجزء الثالث»

стр. 360

الكلمة الحادية والسبعون: وقفة مع قوله تعالى ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٤] الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فيقول الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِينَ وَالقَنَاطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآَبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالقَانِتِينَ وَالمُنْفِقِينَ وَالمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٧]. قال ابن كثير ﵀: يخبر تعالى عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين، فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد، روى البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد ﵄: أن النبي ﷺ قال: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» (١). فأما إذا كان القصد بهن العفاف، وكثرة الأولاد فهذا مطلوب مرغوب، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ ، منها

стр. 361

ما رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» (١). وحب البنين تارة يكون للتفاخر والزينة، فهو داخل في هذا، وتارة يكون لتكثير النسل، وتكثير أمة محمد ﷺ ، ممن يعبد الله وحده لا شريك له، فهذا محمود ممدوح، روى الإمام أبو داود في سننه من حديث معقل بن يسار ﵁: أن النبي ﷺ قال: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ» (٢). وحب المال كذلك، تارة يكون للفخر والخيلاء والتكبر على الضعفاء، والتجبر على الفقراء، فهذا مذموم، وتارة للنفقة في القربات وصلة الأرحام، والقرابات ووجوه البر والطاعات، فهذا ممدوح شرعًا (٣). اهـ. وقوله تعالى: ﴿وَالقَنَاطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ﴾ قال ابن جرير ﵀ بعدما نقل اختلاف المفسرين في المراد به: والصواب في ذلك أن يقال: هو المال الكثير كما قال الربيع بن أنس، وقوله تعالى: ﴿وَالخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ قال ابن جرير: «المعلمة بالشيات الحسان الرائعة حسنًا لمن رآها» (٤). وتربية الخيل أنواع، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ، فَهْيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَلِرَجُلٍ

стр. 362

وِزْرٌ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا فِي سَبِيلِ اللهِ وَيُعِدُّهَا لَهُ، فَلَا تُغَيِّبُ شَيْئًا فِي بُطُونِهَا إِلَاّ كَتَبَ اللهُ لَهُ أَجْرًا، وَلَوْ رَعَاهَا فِي مَرْجٍ مَا أَكَلَتْ مِنْ شَيْءٍ إِلَاّ كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا أَجْرًا، وَلَوْ سَقَاهَا مِنْ نَهْرٍ كَانَ لَهُ، بِكُلِّ قَطْرَةٍ تُغَيِّبُهَا فِي بُطُونِهَا أَجْرٌ - حَتَّى ذَكَرَ الأَجْرَ فِي أَبْوَالِهَا وَأَرْوَاثِهَا - وَلَوِ اسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ تَخْطُوهَا أَجْرٌ، وَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا تَكَرُّمًا وَتَجَمُّلاً، وَلَا يَنْسَى حَقَّ ظُهُورِهَا وَبُطُونِهَا فِي عُسْرِهَا، وَيُسْرِهَا، وَأَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ وِزْرٌ فَالَّذِي يَتَّخِذُهَا أَشَرًا وَبَطَرًا وَبَذَخًا وَرِيَاءَ النَّاسِ، فَذَاكَ الَّذِي هِيَ عَلَيْهِ وِزْرٌ» (١). وقوله: ﴿وَالأَنْعَامِ وَالحَرْثِ﴾ الأنعام: الإبل والبقر والغنم، والحرث الأرض المتخذة للغراس والزراعة، ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، أي إنما هذا زهرة الحياة الدنيا وزينتها الزائلة، ﴿وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآَبِ﴾، أي حسن المرجع، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ أي قل يا محمد للناس الذين زين لهم حب الشهوات من النساء والبنين، وسائر ما ذكرنا: أأُخبركم وأُعلمكم بخير وأفضل لكم من ذلك كله؟ ! ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [آل عمران: ١٥]، أنهار العسل واللبن والخمر والماء، وغير ذلك مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أي ماكثين فيها أبد الآباد، ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾، أي من الدنس والخبث والأذى، والحيض والنفاس، وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا، ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ﴾ أي يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم بعده أبدًا، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: ... ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٢٧]، أي: أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم، ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالعِبَادِ﴾،

стр. 363

أي: يعطي كلَاّ ما يستحقه من العطاء. ثم إن الله تعالى بعد ذكره الموازنة بين متع الدنيا ونعيم الآخرة، ذكر صفات المتقين الذين آثروا نعيم الآخرة الباقي على متع الدنيا الزائلة، فاسمع لصفاتهم، وتمثلها في نفسك، عسى أن تكون منهم فتفوز فوزًا عظيمًا. فأولها: الإيمان بالله وبرسله وكتبه، المتضمن الإيمان باليوم الآخر، وما أعد الله فيه للمؤمنين من الفضل العظيم، وما أعد للكافرين الغافلين من العقاب الأليم. ثانيها: اعترافهم بذنوبهم، وعلمهم أنه لا يغفرها إلا الله ربهم. ثالثها: إيمانهم بالنار وعذابها، وسؤالهم ربهم أن يقيهم منها. رابعها: صبرهم عن شهوات الدنيا وملذاتها، إيمانًا منهم بأن الله سيعوضهم خيرًا منها، والصبر من أفضل خصال الإيمان، ولا يتم إلا باستكمال أركانه الثلاثة، وهي الصبر على طاعة الله، والصبر عن معاصي الله، والصبر على أقدار الله. خامسها: الصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، والصديقون مع الأنبياء والشهداء، وحسن أولئك رفيقًا. سادسها: قنوتهم لله رب العالمين، وذلك يقتضي محبتهم له، وانكسارهم بين يديه، والتجاءهم إليه رغبة ورهبة وخشوعًا. سابعها: إنفاقهم في سبيل الله ابتغاء مرضاته، لا رياءً وسمعة. ثامنها: طلبهم المغفرة من ربهم في وقت الأسحار، حين ينزل الرب إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، فيقول: «هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى! هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ! هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ! حَتَّى يَنْفَجِرَ

стр. 364

الصُّبْحُ» (١)، وهم يدعونه ويسألونه ويستغفرونه، والغافلون يغطون في نوم عميق. يقول تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 365

الكلمة الثانية والسبعون: نصائح عامة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]. روى مسلم في صحيحه من حديث تميم الداري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ» (١). وهذه بعض النصائح التي أوصي بها نفسي وإخوتي. الأولى: المحافظة على هذه الصلاة في بيوت الله . قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]. والصلاة هي أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، فقد روى الطبراني في الأوسط من حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ الصَّلَاةُ، فَإِنْ صَلَحَتْ صَلَحَ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ» (٢).

стр. 366

وهذه الصلاة هي الفارق بين المسلم والكافر، روى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «بَيْنَ الرَّجُلِ، وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، تَرْكُ الصَّلَاةِ» (١)، وكان من آخر ما وصى به النبي ﷺ وهو يعالج سكرات الموت أن قال: «الصَّلَاةَ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» (٢)، وقال عمر ﵁ يوم أن طعن، وهو يعالج سكرات الموت، وجرحه يثعب دمًا: «لَا حَظَّ فِي الإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ». الثانية: أداء الأمانة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المعارج: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]. روى الطبراني في المعجم الكبير من حديث شداد بن أوس: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَوَّلَ مَا تَفْقِدُوْنَ مِن دِينِكُمُ الأَمَانَةُ» (٣)، قال القرطبي: الأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور (٤). اهـ، وقال بعضهم: عمل كل ما لله فيه طاعة، واجتناب كل ما لله فيه معصية، سواء كان ذلك في عبادة أو معاملة، فالصلاة أمانة، والزكاة أمانة، وحفظ الجوارح أمانة، والعمل أمانة لابد للمسلم أن يؤديه بكل إخلاص وإتقان حتى تبرأ ذمته بذلك. والأمانة من أبرز أخلاق الرسل - عليهم الصلاة والسلام - فنوح، وهود، وصالح ولوط، أخبر الله عنهم في سورة الشعراء، أن كل رسول من هؤلاء، قد قال لقومه: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٠٧]، ونبينا محمد ﷺ كان في قومه قبل الرسالة وبعدها مشهورًا بأنه الأمين.

стр. 367

الثالثة: اجتناب المعاصي، والذنوب، فهي أساس كل شر وبلاء، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]. وما الذي أخرج أبوينا من الجنة دار النعيم، واللذة والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟ ! قال الشاعر: تَصِلُ الذَّنُوبَ إلى الذُّنُوبِ وَتَرْتَجِي ... دَرَكَ الْجِنَانِ بِهَا وَفَوزَ الْعَابِد وَنَسِيتَ أَنَّ اللَّهَ أَخْرَجَ آدَمًا ... مِنْهَا إِلى الدُّنْيَا بِذَنْبٍ وَاحد روى الإمام أحمد من حديث سهل بن سعد: أن النبي ﷺ قال: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ» (١). وقال الأوزاعي ﵀: «لَا تَنْظُر إِلَى صِغَرِ المَعْصِيَةِ، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى عَظَمَةِ مَنْ عَصَيْتَ». قال الشاعر: رَأَيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ الْقُلُوبَ ... وَقَدْ يُورِثُ الذُّلَ إِدْمَانُهَا وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَياةُ الْقُلُوبِ ... وَخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيَانُهَا الرابعة: حسن الخلق، قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣]. روى الترمذي في سننه، من حديث أبي الدرداء: أن النبي ﷺ قال:

стр. 368

«مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيْزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِن خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللهَ لَيُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ» (١)، وقال ابن المبارك: «حُسْنُ الخُلُقِ طَلَاقَةُ الوَجْهِ، وَبَذْلُ المَعْرُوْفِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَأَنْ تَحْتَمِلَ مَا يَكُوْنُ مِنَ النَّاسِ» (٢)، وقال ابن القيم: «جمع النبي ﷺ بين تقوى الله، وحسن الخلق، لأن تقوى الله تصلح ما بين العبد وبين ربه، وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه، ولا يكتمل إيمان عبد ما لم يوفق للخلق الحسن» (٣). وروى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا» (٤)، ولقد كان النبي ﷺ من أعظم الناس خلقًا، فمن أحب أن يهتدي إلى معالي الأخلاق، فليقتد بمحمد ﷺ . روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ﵁ قال: «خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِيْنَ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ قَطُّ، وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَهُ؟ وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: لِمَ تَرَكْتَهُ؟ » (٥). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 369

الكلمة الثالثة والسبعون: مفاسد العنوسة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فمن الظواهر الاجتماعية السيئة التي انتشرت في المجتمع في هذه الأيام كثرة حالات العنوسة، ففي إحصائية قديمة لإحدى جامعات المملكة اتضح أن نسبة الفتيات اللاتي لم يتزوجن، وهن طالبات في المرحلة الجامعية يصل إلى خمسة آلاف طالبة، وفي إحصائية أخرى لإحدى الوزارات اتضح أن نسبة الفتيات اللاتي بلغن سن الزواج ولم يتزوجن يصل إلى مليون ونصف امرأة. وهذا رقم مرتفع جدًّا يدل على خطورة هذا الأمر، وكم أحدثت هذه العنوسة من مفاسد، وأمراض نفسية، ومشاكل أسرية؟ ! ولقد حث الشارع على النكاح، ورغب فيه، ولو مع قلة ذات اليد، قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢]. روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (١). وهذه العنوسة لها أسباب، أذكر بعضًا منها لعل ذلك يساعد على إيجاد حلٍّ لهذه المشكلة:

стр. 370

أولاً: الانشغال بالدراسة، والاعتذار بها عن الزواج حتى يكبر سن الفتاة، ويرغب عنها الكثير من الخطاب، على أنه يمكن في كثير من الأحوال الجمع بينهما كما هو مشاهد، ولو فرضنا تعذر الجمع، فإن الزواج أولى من الانشغال بالدراسة. ثانيًا: المغالاة في المهور، وما يتبعها من النفقات. قال أهل العلم: «المشروع أن يكون قليلاً ميسرًا». روى الحاكم في المستدرك من حديث عقبة بن عامر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ» (١)، وقال عمر ﵁: «لَا تُغَالُوْا فِي صَدُقَاتِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهَا لَو كَانَت مَكْرُمَةً، أَو تَقْوَى عِنْدَ اللهِ لَكَانَ أَوْلَاكُم بِهَا النَّبِيُّ ﷺ ، مَا أَصْدَقَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ امْرَأَةً مِن نِسَائِهِ، وَلَا بِنْتًا مِن بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِن ثِنْتَي عَشْرَة أُوْقِيَّةً، وَالأُوْقِيَّةُ أَرْبَعُوْنَ دِرْهَمًا» (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فمن دعته نفسه على أن يزيد صداق ابنته على صداق بنات رسول الله ﷺ اللواتي هن خير خلق الله في كل فضيلة، وهن أفضل نساء العالمين في كل صفة، فهو جاهل أحمق، وكذلك صداق أمهات المؤمنين، وهذا مع القدرة واليسار، فأما الفقير ونحوه، فلا ينبغي له أن يصدق المرأة ما لا يقدر على وفائه من غير مشقة (٣). قال ابن القيم ﵀ بعد سياق بعض الأحاديث المتعلقة بالصداق: «وتضمن أن المغالاة في المهر مكروهة في النكاح، وأنها من قلة بركته، وعسره» (٤).

стр. 371

ثالثًا: تركيز كثير من الأسر على أحوال الخاطب الدنيوية، من منصب، ومال، وجاه، فإن لم يتوفر ذلك اعتذروا عن قبوله، وإن كان من أهل الخلق والدين، وهذا مخالف لقوله ﷺ في الحديث الذي رواه الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁: «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِيْنَهُ، وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَاّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيْضٌ» (١). رابعًا: استيلاء بعض الآباء الجشعين على رواتب بناتهم العاملات، وبالتالي يمنعونهن من الزواج حتى يستمروا في كسب هذه الأموال، وقد نهى الله عن عضل النساء، قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. خامسًا: اعتذار كثير من الفتيات عن الرجل المتزوج، وهذا خطأ، فعلى المرأة أن تفكر بعقلها، فخير لها أن تبقى في ظل زوج على أن تكون عانسًا في بيت أبيها، وقد سبق ذكر الحديث: «إِذَا خَطَبَ إِلَيكُم مَن تَرْضَوْنَ دِيْنَهُ، وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَاّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيْضٌ». والنساء يفوق عددهن الرجال، وهناك المطلقة، والمتوفى عنها زوجها، والتي كبر سنها ولم تتزوج، فلو اكتفى كل رجل بزوجة واحدة لبقي كثير من النساء من غير زواج، وهذا خلاف الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وفيه مفسدة عظيمة، ولذلك شرع الله للرجل تعدد الزوجات، قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣].

стр. 372

سادسًا: أن بعض النساء المطلقات يصبن بعد طلاقهن بإحباط، فلا تفكر في الزواج مرة ثانية، وهذا خطأ، والله تعالى عند حسن ظن عبده به، وعلى المرأة أن تحسن الظن بربها، فهو مقسم الأرزاق، والموفق بين الزوجين، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠]. روى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا يَقُولُ «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي إِنْ ظَنَّ خَيْراً فَلَهُ وإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ» (١). قال الشاعر: مَا بَينَ غَمْضَةِ عَيْنٍ وَانْتِبَاهَتُهَا ... يُبَدِّلُ اللهُ مِن حَالٍ إلى حَال ومن الأسباب التي بدأت تنتشر في بعض المجتمعات: عزوف بعض الشباب عن الزواج، هروبًا من تحمل المسؤولية، وهذا خروج عن الفطرة وسنن المرسلين، ومنهم من يكون قليل ذات اليد، مقارنة بالأوضاع والعادات الاجتماعية، ومنهم من يكون من المنهمكين على وسائل الإعلام السيئة، التي زرعت في نفسه مع طول النظر والمتابعة تصورًا سيئًا عن النساء عمومًا. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 373

الكلمة الرابعة والسبعون: النكت الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فمن الأمور المنكرة التي انتشرت بين الناس في هذه الأيام ما يُسمى بالنكت، وهذه النكت قصص مكذوبة يقصد بها إضحاك الآخرين، وإدخال السرور إلى قلوبهم. روى الإمام أبو داود في سننه من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ» (١). ومن مفاسد هذه النكت ما يلي: أولاً: الكذب، وهو من أعظم المفاسد، وقد نهى الله تعالى عنه في آيات كثيرة، قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]. قال بعض المفسرين الزور: الكذب (٢). روى البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ

стр. 374

وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا» (١). وروى البخاري في صحيحه حديث سمرة بن جندب الطويل، وفيه رؤيا النبي ﷺ قال: «إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَة آَتِيَانِ وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي: انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْت مَعَهُمَا ... فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِن حَدِيْدٍ، وَإِذَا هُوَ يَاتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ، قَالَ: ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الجَانِبِ الآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالجَانِبِ الأَوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِن ذَلِكَ الجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الجَانِبُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُوْدُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ المَرَّةَ الأُوْلَى، قَالَ: قُلتُ: سُبْحَانَ اللهِ مَا هَذَانِ؟ .... قَالَ: قَالَا: أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِن بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفَاقَ» (٢). وهذه النكت وإن قُصِد بها المزاح، فإنه ورد عن النبي ﷺ في الحديث الذي رواه أبو داود من حديث أبي أمامة أنه قال: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ» (٣). وهذا - والله أعلم - إذا لم تتضمن قولاً فاحشًا، أو نشر فاحشة، أو إشاعة منكر، أو استطالة في عرض مسلم، فما كان من هذا ونحوه لا شك أنه من المحرمات، كما سبق في الحديث المتقدم.

стр. 375

قال ابن مسعود: «الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل» (١) ثم تلا عبد الله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]، وقال أيضاً: «المؤمن يُطبع على الخلال كلها غير الخيانة والكذب» (٢). ثانيًا: ومن مفاسدها أن بعض هذه النكت تحتوي على الاستهزاء بدين الله، أو المؤمنين، وهذا يؤدي بصاحبه إلى الكفر والخروج من دائرة الإسلام، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]. وهو من نواقض الإسلام العشرة. وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: «أجمع العلماء على كفر من فعل شيئًا من ذلك، فمن استهزأ بالله، أو بكتابه، أو برسوله، كفر ولو مازحًا لم يقصد حقيقة الاستهزاء إجماعًا» (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ «الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر، يكفر به صاحبه بعد إيمانه» (٤). ثالثًا: أنها تؤدي إلى السخرية بالناس واحتقارهم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]. روى مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «المُسْلِمُ

стр. 376

أَخُو المُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَهُنَا - وَيُشِيْرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَن يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسِلِم عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» (١). رابعًا: أن فيها إضاعة الوقت، وهذا الوقت سيُسأل عنه العبد يوم القيامة، روى الترمذي في سننه من حديث أبي برزة الأسلمي ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا تَزُوْلُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَن عُمُرِه فِيْمَ أَفْنَاهُ؟ وَعَن عِلمِهِ فِيْمَ فَعَلَ؟ وَعَن مَالِهِ مِن أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيْمَ أَنْفَقَهُ؟ » (٢). وروى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» (٣). خامسًا: أن بعض هذه النكت تحتوي على الفحش وبذاءة اللسان، وهذا لا يليق بالمؤمن، لا قوله، ولا الاستماع إليه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]. قال بعض المفسرين: أي الكذب، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: لَم يَكُن رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَكَانَ يَقُوْلُ: «إِنَّ مِن خِيَارِكُم أَحْسَنَكُم أَخْلَاقًا» (٤). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 377

الكلمة الخامسة والسبعون: وصايا لطلبة العلم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فهذه بعض الوصايا التي أوصي بها نفسي وإخواني، وأسأل الله تعالى أن ينفع بها، وأن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح. الوصية الأولى: الحرص على طلب العلم الشرعي، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]. وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث معاوية ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (١). قال بعض أهل العلم: «من لم يفقه في الدين لم يرد الله به خيرًا». روى أبو داود في سننه من حديث أبي الدرداء: أن النبي ﷺ قال: «وَإِنَّ فَضْلَ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ، وإِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَم يُوَرِّثُوْا دِيْنَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوْا العِلمَ، فَمَن أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» (٢). قال الأوزاعي: «النَّاسُ عِنْدَنَا هُم أَهْلُ العِلمِ، وَمَن سِوَاهُم فَلَيْسُوا

стр. 378

بِشَيْءٍ»، وقال الإمام أحمد بن حنبل: «حاجة الناس إلى العلم الشرعي أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب لأن الرجل يحتاج الى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه». وأهل العلم هم القائمون بأمر الله حتى تقوم الساعة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث معاوية وثوبان: أن النبي ﷺ قال: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَاتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» (١) - وفي رواية: «قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللهِ» (٢). قال الإمام أحمد بن حنبل: «إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم؟ ». وقال أيضاً: دينُ النبِي محمدٍ آثارُ ... نِعمَ المطيةُ للفتى الأخبارُ لا تَرْغبنَّ عنِ الحديثِ وأهلِهِ ... فالرأيُ ليلُ والحديثُ نهارُ ولرُبَّما جَهِلَ الفَتَى طُرُق الهُدى ... والشمسُ بازغةٌ لها أنوارُ وقد أخبر النبي ﷺ أنه في آخر الزمان يرفع العلم، ويكثر الجهل، ورفع العلم بموت حملته. روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (٣).

стр. 379

وفي هذه الحال يكون تعلم العلم وتعليمه أوجب وأوكد، وليعلم أن رأس العلوم كلها هو كتاب الله الكريم، فلنحرص على حفظه وفهمه وتدبره، والعمل به، وكذلك تعلم سنة النبي ﷺ ، والتفقه فيها، وليكن أخذنا للعلم من أهله، وهم السلف الصالحون، والأئمة المهديون، حتى لا نقع في الفتاوى المضلة، والأهواء المهلكة. الوصية الثانية: الدعوة إلى الله ، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]. وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال لعلي: « ... لأَن يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» (١). وهذا الحديث يغلط فيه بعض الناس، حيث يقوم بالدعوة، وربما تجرأ على الفتوى وهو من أجهل الناس، وقد يستدل بحديث «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» (٢). ولم يعلم المسكين أن تبليغ آية من كتاب الله، أو حديث عن رسول الله ﷺ لا يكون إلا بعد فهمهما بمراجعة أقوال المفسرين، وشراح الأحاديث حسب الطرق الصحيحة التي سلكها أهل العلم، وبينوها لطلاب العلم. والدعوة إلى الله وظيفة الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم، والمقصود بها دعوة الناس إلى الإسلام بالقول والعمل، وقال ﵊ وهو يخاطب معاذ بن جبل، وقد أرسله إلى أهل اليمن

стр. 380

يدعوهم إلى الله تعالى: «إِنَّكَ تَاتِي قَوْمًا مِن أَهْلِ الكِتَابِ، فَادْعُهُم إِلَى شَهَادَةِ أَن لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ وَأَنِّي رَسُوْلُ اللهِ، فَإِنْ هُم أَطَاعُوْكَ لذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُم أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِم خَمْسَ صَلَوَاتٍ ........... إِلَى آخِرِ الحَدِيْثِ» (١)، وروى البخاري من حديث عبد الله بن عمر: أن النبي ﷺ قال: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» (٢). قال ابن القيم ﵀ «إذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد وأجلَّها وأفضلها، فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، بل لابد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى أقصى حد يصل إليه السعي، ويكفي هذا في شرف العلم أن صاحبه يحوز به هذا المقام، والله يؤتي فضله من يشاء» (٣). وقال الشيخ عبد العزيز ﵀: «الواجب على جميع القادرين من العلماء، وحكام المسلمين، والدعاة، الدعوة إلى الله حتى يصل البلاغ إلى العالم كافة في جميع أنحاء المعمورة، وهذا البلاغ الذي أمر الله به، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]. فالرسول عليه البلاغ، وهكذا الرسل جميعًا عليهم البلاغ صلوات الله وسلامه عليهم، وعلى أتباع الرسول أن يبلغوا ... إلخ» (٤). الوصية الثالثة: حفظ الوقت، فمن الملاحظ أن بعض الشباب لا يحرص على استغلال وقته، واغتنام شبابه ونشاطه، فتجده ينام الساعات

стр. 381

الطوال من غير حاجة، والآخر يضيع وقته في قراءة الجرائد لفترات طويلة، وآخر في الزيارات الكثيرة، وهَلُمَّ جَرًّا. روى الترمذي في سننه من حديث أبي برزة الأسلمي: أن النبي ﷺ قال: «لَا تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ؟ وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَ عَلِمَ؟ » (١)، ويقول ﵊ في الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس ﵄: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ» (٢). ويقول الشاعر: والوَقْتُ أَنْفسُ ما عُنِيتَ بِحفْظِهِ ... وَأَرَاهُ أَسْهَلَ مَا عَليك يضِيعُ الوصية الرابعة: حسن الخلق، قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣]، روى الترمذي في سننه، من حديث أبي الدرداء: أن النبي ﷺ قال: «مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيْزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِن خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللهَ لَيُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ» (٣)، قال ابن المبارك: «حُسْنُ الخُلُقِ طَلَاقَةُ الوَجْهِ، وَبَذْلُ المَعْرُوْفِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَأَن تَحْتَمِلَ مَا يَكُوْنُ مِنَ النَّاسِ». وبهذا كان ﷺ يوصي أصحابه، فروى الترمذي في سننه من

стр. 382

حديث أبي ذر ومعاذ بن جبل ﵄: أن النبي ﷺ قال: «اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» (١). قال ابن القيم: «جمع النبي ﷺ بين تقوى الله وحسن الخلق، لأن تقوى الله تصلح ما بين العبد وربه، وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه». اهـ (٢)، ولا يكتمل إيمان عبد مالم يوفق للخلق الحسن، روى الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَكْمَلُ المُؤْمِنِيْنَ إِيْمَانًا أَحْسَنُهُم خُلُقًا، وَخِيَارُكُم خِيَارُكُم لِنِسَائِهِم خُلُقًا» (٣). ولقد كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقًا، فمن أحب أن يهتدي إلى معالي الأخلاق فليقتد بمحمد ﷺ . فعن أنس ﵁ قال: «خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ قَطُّ، وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَهُ؟ وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: لِمَ تَرَكْتَهُ؟ » (٤). الوصية الخامسة: الثبات على هذا الدين، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]، أي الموت، وقال تعالى عن عيسى ﵇: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١]، روى الإمام أحمد من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يقول: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوْبِ ثَبِّتْ قَلبِي عَلَى دِيْنِكَ» (٥)، وقد وردت الأحاديث عن النبي ﷺ تبين أن المتمسكين بدينهم في آخر الزمان، الثابتين عليه يكونون غرباء، ولكنهم بذلك ينالون من الأجر مثل ما ناله أصحاب

стр. 383

النبي ﷺ حينما كان الإسلام غريبًا، وذلك بصبرهم عليه حال الغربة، روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «بَدَأَ الإِسْلَامُ غَرِيْبًا، وَسَيَعُوْدُ غَرِيْبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوْبَى لِلغُرَبَاءِ» (١)، وجاء في الحديث الآخر أنهم: «أُنَاسٌ صَالِحُونَ فِي أُنَاسِ سَوْءٍ كَثِيرٍ، مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ» (٢)، وذكر النبي ﷺ أن القابض على دينه في آخر الزمان كالقابض على الجمر، روى الطبراني في معجمه الكبير من حديث عتبة بن غزوان أخي بني مازن بن صعصعة وكان من الصحابة أن نبي الله ﷺ قال: «إِنَّ مِنْ وَرَاءِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، المُتَمَسِّكُ فِيهِنَّ يَوْمَئِذٍ بِمِثْلِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ لَهُ كَأَجْرِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» قالوا: يا نبي الله أَوَمِنْهُم، قال: «بَلْ مِنْكُمْ» (٣). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ عندما ذكر ما يحصل في آخر الزمان من الفتن، قال: «المُتَمَسِّكُ يَوْمَئِذٍ بِدِينِهِ كَالقَابِضِ عَلَى الجَمْرِ أو قال: عَلَى الشَّوْكِ» (٤). فأوصي نفسي، وإخواني بالثبات على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، والصبر على ذلك قال تعالى: ﴿وَالعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَاّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]، ولا شك أن المسلم في هذه الأزمنة يواجه فتن

стр. 384

الشهوات والملذات العظيمة، لكن من استعان بالله أعانه الله، ومن يتصبر يصبره الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. جعلنا الله وإياكم منهم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 385

الكلمة السادسة والسبعون: مخالفات يقع فيها بعض الحجاج الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن على المسلم أن يحرص أن يكون حجه موافقًا لحج النبي ﷺ ؛ لقوله ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁: «لِتَاخُذُوْا مَنَاسِكَكُم، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» (١)، وهناك مخالفات شرعية يقع فيها بعض الحجاج، أحببت التذكير بها أداء لحق الله، وقيامًا بواجب النصيحة. أولاً: إخراج الصلاة عن وقتها، قال الإمام ابن النحاس في ذكره بعض منكرات الحجاج ومنها، وهو أعظمها فتنة، وأجلها في الدين مصيبة، وأكثرها وجودًا وبلية هو تضييع أكثرهم للصلاة في الحج، وكثير منهم لا يتركونها، بل يضيعون وقتها ويجمعونها على غير الوجه الشرعي، وذلك حرام بالإجماع (٢)، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. ثانيًا: ما يفعله بعض الحجاج الذين يقومون بزيارة قبر النبي ﷺ قبل الحج وبعده، من استقبال قبر النبي ﷺ ، ودعائه بكشف الضر وجلب النفع، وهذا شرك ينافي التوحيد لا يرضاه الرسول ﷺ ، بل نهى عنه وحذر منه. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ المَسَاجِدَ للهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾

стр. 386

[الجن: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]. وقال ﷺ : «لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يحذر مثل ما صنعوا (١). وقال ﷺ لرجل قال له: ما شاء الله وشئت: «أَجَعَلْتَنِي وَاللهِ عَدْلاً؟ ! بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ» (٢). ثالثًا: التصوير، وهو من المحرمات التي يجهل حرمتها كثير من الحجاج، وقد نهى الرسول ﷺ عن التصوير في أحاديث كثيرة، ولعن فاعله، روى البخاري ومسلم، من حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ» (٣). وروى البخاري ومسلم من حديث جندب: أن النبي ﷺ قال: «مَن سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِه، وَمَن يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ» (٤). هذا أولاً، وثانيًا: أن بعض الحجاج يتخذ لنفسه صورًا حال إحرامه، أو رافعًا يديه يدعو، أو يقرأ، أو غير ذلك من أحوال العبادة ليطلع عليها أهله وأقاربه إذا عاد إليهم، وقد يدخل هذا في الرياء المنهي عنه، بل يخشى على فاعل ذلك أن يحبط عمله من حيث لا يشعر. رابعًا: من أراد الحج أو العمرة فليحرم من الميقات الذي يمر به، ولا يجوز تجاوز الميقات بلا إحرام لمريد الحج أو العمرة، روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «هُنَّ لَهُنَّ

стр. 387

وَلِمَن أَتَى عَلَيْهِنَّ مِن غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّن أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ» (١). وأما من يأتي عن طريق الجو في الطائرة، أو البحر في السفينة، فمن الأولى أن يحرم عند محاذاة الميقات، أو قبله بقليل احتياطًا، ولا ينتظر حتى يصل إلى جدة؛ لأن هذا مخالف لما عليه فتاوى علمائنا، كالشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله تعالى، وغيرهما. خامسًا: أن كثيرًا من الحجاج يلزم أدعية خاصة في الطواف يقرأها من كتاب مناسك، وقد يكون مجموعة منهم يتلقونها من قارئ يلقنهم إياها، ويرددونها خلفه بصوت جماعي، وأكثر هذه الأدعية والأذكار لا تثبت عن النبي ﷺ ، والدعاء بها بهذه الطريقة بدعة محدثة. روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «مَن أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيْهِ فَهُوَ رَدٌّ» (٢). إضافة إلى أن فيه تشويشًا على الحجاج الآخرين. سادسًا: ومن الأخطاء العظيمة المتعلقة بيوم عرفة، أن بعض الحجاج يبقون خارج حدود عرفة حتى تغرب الشمس، ثم ينصرفون إلى مزدلفة من غير أن يقفوا بعرفة، وهذا خطأ عظيم؛ لأن الوقوف بعرفة ركن لا يصح الحج إلا به، فمن لم يقف بعرفة في وقت الوقوف فلا حج له، روى الترمذي من حديث عبد الرحمن بن يعمر: أن النبي ﷺ قال: «الْحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ» (٣).

стр. 388

سابعًا: ما يتعلق بمزدلفة، فبعض الحجاج لا يتأكد من حدود مزدلفة، ويبيت خارجها، وبعضهم يخرج منها قبل منتصف الليل، ولا يبيت فيها، ومن لم يبت فيها من غير عذر فقد ترك واجبًا من واجبات الحج، ويلزمه دم مع التوبة، ويرى بعض أهل العلم أن المبيت بمزدلفة، وصلاة الصبح بها ركن من أركان الحج، كالوقوف بعرفة، لأن الله نص عليه، فقال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. والنبي ﷺ سواها بعرفة حينما قال: «وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (١) (٢). روى الترمذي في سننه من حديث عروة الطائي: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» (٣). ثامنًا: أن بعض الحجاج يوكلون من يقوم برمي الجمار عنهم، مع قدرتهم على ذلك ليسقطوا عن أنفسهم معاناة الزحام، ومشقة العمل، وهذا مخالف لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لله﴾ [البقرة: ١٩٦]، وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ عن حكم التوكيل عن المريض والمرأة العاجزة كالحبلى والثقيلة والضعيفة التي لا تستطيع رمي الجمار؟ فأجاب بأنه لا بأس بالتوكيل عنهم (٤)، أما القوية النشيطة فإنها ترمي بنفسها، ومن عجز عنه نهارًا رمى بالليل.

стр. 389

تاسعًا: أن بعضهم إذا أراد تقصير شعر رأسه يكتفي بأخذ شعرات من رأسه، أو يأخذ من جانب ويدع آخر، والصحيح أن الواجب على الحاج أن يحلق رأسه كله أو يقصره كله، هذا في حق الرجل، أما المرأة فإنها تقص من ضفائرها بقدر أنملة فقط. والأفضل أن يبدأ بالشق الأيمن في الحلق أو التقصير. عاشرًا: أن بعضهم إذا تحلل التحلل الأول حلق لحيته أو قصر منها، قال الشيخ ناصر الدين الألباني: وهذه المعصية من أكثر المعاصي شيوعًا بين المسلمين في هذا العصر، بسبب استيلاء الكفار على أكثر بلادهم، ونقلهم هذه المعصية إليها، وتقليد المسلمين لهم فيها مع نهيه ﷺ إياهم عن ذلك صراحة في قوله ﷺ : «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَوْفُوا اللِّحَى» (١). وفي هذه القبيحة عدة مخالفات: الأولى: مخالفة أمره ﷺ الصريح بالإعفاء. الثانية: التشبه بالكفار. الثالثة: تغيير خلق الله الذي فيه طاعة الشيطان في قوله كما حكى الله تعالى ذلك عنه: ﴿وَلآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ [النساء: ١١٩]. الرابعة: التشبه بالنساء، وقد لعن رسول الله ﷺ من فعل ذلك. وإن من المشاهدات التي يراها الحريص على دينه أن جماهير من الحجاج يكونون قد وفروا لحاهم بسبب إحرامهم، فإذا تحللوا منه فبدل أن يحلقوا رؤوسهم كما ندب إليه رسول الله ﷺ حلقوا لحاهم التي

стр. 390

أمرهم ﷺ بإعفائها، فإنا لله وإنا إليه راجعون (١) (٢). أسأل الله أن يتقبل من المسلمين حجهم، وسائر أعمالهم، وأن يوفقنا لكل خير. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →