← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

قال: فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم، فألقيت الحديد من رجلي، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها، قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف (١) في الكنيسة، قال: فجئته، فقلت: إني قد رغبت في هذا الدين، وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك، وأتعلم منك وأصلي معك، قال: فادخل، فدخلت معه. قال: فكان رجل سوءٍ، يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها أشياء، اكتنزه لنفسه، ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال (٢) من ذهب وورق (٣). قال: وأبغضته بغضًا شديدًا لما رأيته يصنع، ثم مات، فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئًا، قالوا: وما علمك بذلك؟ قال: قلت: أنا أدلكم على كنزه، قالوا: فدلنا عليه، قال: فأريتهم موضعه، قال: فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبًا وورقًا، قال: فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدًا، فصلبوه، ثم

стр. 3432

رجموه بالحجارة. ثم جاءوا برجل آخر، فجعلوه بمكانه، قال: يقول سلمان: فما رأيت رجلًا لا يصلي الخمس، أُرى أنه أفضل منه، أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأب (١) ليلًا ونهارًا منه، قال سلمان: فأحببته حبًّا لم أُحبه من قبله، فأقمت معه زمانًا، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان، إني كنت معك وأحببتك حبًّا لم أحبه من قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى من توصي بي، وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما أعلم أحدًا اليوم على ما كنت عليه، لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه، إلا رجلًا بالموصل (٢)، وهو فلان، فهو على ما كنت عليه، فالحق به، قال: فلما مات وغُيب (٣)، لحقت بصاحب الموصل، فقلت له: يا فلان، إن فلانًا أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على أمره. قال: فقال لي: أقم عندي، فأقمت عنده، فوجدته خير رجل على أمر صاحبه، فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة، قلت له: يا فلان، إن فلانًا أوصى بي إليك، وأمرني باللحوق

стр. 3433

بك، وقد حضرك من الله ما ترى، فإلى من توصي بي، وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما أعلم رجلًا على مثل ما كنا عليه إلا رجلًا بنصيبين (١)، وهو فلان، فالحق به. قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين، فجئته فأخبرته خبري، وما أمرني به صاحبي، قال: فأقم عندي، فأقمت عنده، فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فوالله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حُضر، قلت له: يا فلان، إن فلانًا كان أوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي، وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما نعلم أحدًا بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلًا بعمورية (٢)، فإنه على مثل ما نحن عليه، فإن أحببت فأته، قال: فإنه على أمرنا. قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية، وأخبرته خبري، فقال: أقم عندي، فأقمت مع رجل على هدي أصحابه وأمرهم، قال: واكتسبت حتى كان لي بقرات وغنيمة، قال: ثم نزل به أمر الله، فلما حُضر قلت له: يا فلان، إني كنت مع فلان، فأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟

стр. 3434

قال: أي بني، والله ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك (١) زمان نبي هو مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب، مهاجرًا إلى أرض بين حرتين (٢) بينهما نخل، به علامات لا تخفى: يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل. قال: ثم مات وغيب، فمكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث، ثم مر بي نفر من كَلْبٍ تجارًا، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب، وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه؟ قالوا: نعم، فأعطيتهموها وحملوني، حتى إذا قدموا بي وادي القرى (٣)، ظلموني فباعوني من رجل من يهود عبدًا، فكنت عنده، ورأيت النخل، ورجوت أن تكون البلد الذي وصف لي صاحبي، ولم يحق لي في نفسي، فبينما أنا عنده، قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة فابتاعني (٤) منه، فاحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة

стр. 3435

صاحبي، فأقمت بها وبعث الله رسوله ﷺ ، فأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي رأس عذق (١) لسيدي أعمل فيه بعض العمل، وسيدي جالس، إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه، فقال: فلان، قاتل الله بني قيلة (٢)، والله إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم، يزعمون أنه نبي. قال: فلما سمعتها أخذتني العُرواء (٣)، حتى ظننت سأسقط على سيدي، قال: ونزلت عن النخلة، فجعلت أقول لابن عمه ذلك: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ قال: فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة، ثم قال: ما لك ولهذا! أقبل على عملك، قال: قلت: لا شيء، إنما أردت أن أستثبته عما قال. قال سلمان ﵁: وقد كان عندي شيء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء، فدخلت عليه، فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي

стр. 3436

للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، قال: فقربته إليه، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «كُلُوا»، وأمسك يده فلم يأكل، قال سلمان: فقلت في نفسي: هذه واحدة، ثم انصرفت عنه فجمعت شيئًا، وتحول رسول الله ﷺ إلى المدينة، ثم جئته به، فقلت: إني رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها، قال: فأكل رسول الله ﷺ منها، وأمر أصحابه فأكلوا معه، قال: فقلت في نفسي: هاتان اثنتان، قال: ثم جئت رسول الله ﷺ وهو ببقيع الغرقد (١) قال: وقد تبع جنازة من أصحابه، عليه شملتان (٢) له، وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه، ثم استدرت أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي؟ فلما رآني رسول الله ﷺ استدبرته (٣)، عرف أني أستثبت في شيء وصف لي، قال: فألقى رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فانكببت عليه أُقبله وأبكي، فقال لي رسول الله ﷺ : «تَحَوَّلْ» (٤) فتحولت، فقصصت عليه حديثي فأعجب رسول الله ﷺ أن يسمع ذلك أصحابه. ثم شَغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله ﷺ بدرٌ وأحدٌ.

стр. 3437

قال: ثم قال لي رسول الله ﷺ : «كَاتِبْ (١) يَا سَلْمَانُ»، فكاتبت صاحبي على ثلاث مئة نخلة أحييها له بالفقير (٢)، وبأربعين أوقية (٣)، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أَعِينُوا أَخَاكُمْ»، فأعانوني بالنخل: الرجل بثلاثين ودية (٤)، والرجل بعشرين، والرجل بخمس عشرة، والرجل بعشر- يعني: الرجل بقدر ما عنده - حتى اجتمعت لي ثلاث مئة ودية، فقال لي رسول الله ﷺ : «اذْهَبْ يَا سَلْمَانُ فَفَقِّرْ لَهَا (٥)، فَإِذَا فَرَغْتَ فَأْتِنِي أَكُونُ أَنَا أَضَعُهَا بِيَدِي». قال سلمان ﵁: ففقرت لها، وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت منها جئته فأخبرته، فخرج رسول الله ﷺ معي إليها، فجعلنا نقرب له الودي ويضعه رسول الله ﷺ بيده، فوالذي نفس سلمان بيده، ما ماتت منها ودية واحدة، فأديت النخل، وبقي علي المال، فأُتي رسول الله ﷺ بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المغازي، فقال ﷺ : «مَا فَعَلَ الفَارِسِيُّ المُكَاتَبُ؟»، قال: فدعيت له، فقال: «خُذْ هَذِهِ فَأَدِّ بِهَا مَا عَلَيْكَ

стр. 3438

يَا سَلْمَانُ»، فقلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي؟ قال: «خُذْهَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّي بِهَا عَنْكَ»، قال سلمان: فأخذتها فوزنت لهم منها - والذي نفس سلمان بيده - أربعين أوقية، فأوفيتهم حقهم وعتقت، فشهدت مع رسول الله ﷺ الخندق، ثم لم يفتني معه مشهد (١). وروى البخاري في صحيحه عن سلمان الفارسي ﵁: أنه تداوله (٢) بضعة (٣) عشر من رب (٤) إلى رب (٥). وكان أول مشاهده الخندق، وشهد بقية المشاهد، وفتوح العراق، وولي المدائن، وكان رسول الله ﷺ قد آخى بين سلمان وأبي الدرداء، وسكن أبو الدرداء الشام، وسكن سلمان العراق، فكتب أبو الدرداء إلى سلمان: سلام عليك .. أما

стр. 3439

بعد، فإن الله رزقني بعدك مالًا وولدًا، ونزلت الأرض المقدسة، فكتب إليه سلمان: سلام عليكم .. أما بعد، فإنك قد كتبت إلي أن الله رزقك مالًا وولدًا، فاعلم أن الخير ليس بكثرة المال والولد، ولكن الخير أن يكثر حلمك، وأن ينفعك علمك، وكتبت إلي أنك نزلت الأرض المقدسة، وأن الأرض لا تعمل لأحد، اعمل كأنك ترى، واعدد نفسك من الموتى (١). وكان عطاؤه خمسة آلاف، فإذا خرج عطاؤه فرقه، وأكل من كسب يده، وكان ينسج الخوص (٢). روى الإمام أحمد في مسنده من حديث الحسن قال: لما احتضر سلمان بكى، وقال: إن رسول الله ﷺ عهد إلينا عهدًا، فتركنا ما عهد إلينا، أن يكون بلغة أحدنا من الدنيا كزاد الراكب، قال: ثم نظرنا فيما ترك، فإذا قيمة ما ترك بضعة وعشرون درهمًا، أو بضعة وثلاثون درهمًا (٣). وكان وفاته سنة خمس وثلاثين في آخر خلافة عثمان ﵁، روى عبدالرزاق عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال: دخل ابن مسعود على سلمان عند الموت، قال ابن حجر: فهذا يدل على أنه مات قبل ابن مسعود، ومات ابن مسعود قبل سنة

стр. 3440

أربع وثلاثين، فكأنه مات سنة ثلاث أو ستة وثلاثين» (١) (٢) (٣). رضي الله عن سلمان، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في دار كرامته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3441

الكلمة السابعة والعشرون شرح حديث: الشفاء في ثلاثة (١) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةِ نَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ» (١). «قال الخطابي: انتظم هذا الحديث على جملة ما يتداوى به الناس، وذلك أن الحجم يستفرغ الدم وهو أعظم الأخلاط، والحجم أنجحها شفاء عند هيجان الدم، وأما العسل فهو مسهل للأخلاط البلغمية، ويدخل في المعجونات ليحفظ على تلك الأدوية قواها ويخرجها من البدن. وأما الكي فإنما يستعمل في الخلط الباغي الذي لا تنحسم مادته إلا به، ولهذا وصفه النبي ﷺ ثم نهى عنه، وإنما كرهه لما فيه من الألم الشديد والخطر العظيم، ولهذا كانت العرب

стр. 3442

تقول في أمثالها: آخر الدواء الكي، وقد كوى النبي ﷺ سعد ابن معاذ وغيره، واكتوى غير واحد من الصحابة. قال ابن حجر ﵀: ولم يرد النبي ﷺ الحصر في الثلاثة، فإن الشفاء قد يكون في غيرها، وإنما نبه بها على أصول العلاج، وذلك أن الأمراض الامتلائية تكون دموية وصفراوية وبلغمية وسوداوية، وشفاء الدموية بإخراج الدم، وإنما خص الحجم بالذكر لكثرة استعمال العرب وإلفهم له، بخلاف الفصد، فإنه وإن كان في معنى الحجم لكنه لم يكن معهودًا لها غالبًا، على أن في التعبير بقوله: شرطة محجم، ما قد يتناول الفصد. وأيضًا فالحجم في البلاد الحارة أنجح من الفصد، والفصد في البلاد التي ليست بحارة أنجح من الحجم، وأما الامتلاء الصفراوي وما ذكر معه فدواؤه بالمسهل، وقد نبّه عليه بذكر العسل. وأما الكي فإنه يقع آخرًا لإخراج ما يتعسر إخراجه من الفضلات، وإنما نهى عنه مع إثباته الشفاء فيه، إما لكونهم كانوا يرون أنه يحسم المادة بطبعه فكرهه لذلك، ولذلك كانوا يبادرون إليه قبل حصول الداء؛ لظنهم أنه يحسم الداء فيتعجل الذي يكتوي التعذيب بالنار لأمر مظنون. وقيل: إن المراد بالشفاء في هذا الحديث الشفاء من أحد قسمي المرض؛ لأن الأمراض كلها إما مادية أو غيرها، والمادية كما تقدم حارة وباردة، وكل منهما وإن انقسم إلى رطبة ويابسة

стр. 3443

ومركبة، فالأصل الحرارة والبرودة، وما عداهما ينفعل من إحداهما، فنبه بالخبر على أصل المعالجة بضرب من المثال، فالحارة تعالج بإخراج الدم لما فيه من استفراغ المادة وتبريد المزاج، والباردة بتناول العسل لما فيه من التسخين والإنضاج والتقطيع والتلطيف والجلاء والتليين، فيحصل بذلك استفراغ المادة برفق. وأما الكي، فخاص بالمرض المزمن؛ لأنه يكون عن مادة باردة، فقد تفسد مزاج العضو، فإذا كوي خرجت منه، وأما الأمراض التي ليست بمادية، فقد أشير إلى علاجها بحديث «الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ» (١)» (٢). قوله في شربة عسل: العسل جعله الله شفاء للناس، قال تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩]. وفي صحيح البخاري من حديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ، وَالْعَسَلُ» (٣). وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد ﵁ أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: أَخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ. فَقَالَ: «اسْقِهِ عَسَلًا»، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: «اسْقِهِ عَسَلًا»، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ،

стр. 3444

فَقَالَ: «اسْقِهِ عَسَلًا»، ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، فَقَالَ: «صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ، اسْقِهِ عَسَلًا»، فَسَقَاهُ فَبَرَأَ (١). «قال ابن القيم ﵀: والعسل فيه منافع عظيمة، فإنه جلاء للأوساخ التي في العروق والأمعاء وغيرها، محلل للرطوبات أكلًا وطلاء، نافع للمشايخ وأصحاب البلغم، ومن كان مزاجه باردًا رطبًا، وهو مغذ ملين للطبيعة، حافظ لقوى المعاجين، ولما استودع فيه، مذهب لكيفيات الأدوية الكريهة، منق للكبد والصدر، مدر للبول، موافق للسعال الكائن عن البلغم، وإذا شُرب حارًا بدهن الورد، نفع من نهش الهوام وشرب الأفيون، وإن شُرب وحده ممزوجًا بماء نفع من عضة الكَلْب الكَلِب، وأكل الفُطُرِ (٢) القتال، وإذا جعل فيه اللحم الطري، حفظ طراوته ثلاثة أشهر، وكذلك إن جعل فيه القثاء، والخيار، والقرع، والباذنجان، ويحفظ كثيرًا من الفاكهة ستة أشهر، ويحفظ جثة الموتى، ويُسمى الحافظ الأمين، وإذا لطخ به البدن المقمل والشعر، قتل قمله وصئبانه، وطوَّل الشعر، وحسنه، ونعمه، وإن اكتحل به، جلا ظلمة البصر، وإن استن به بيض الأسنان وصقلها، وحفظ صحتها، وصحة اللثة، ويفتح أفواه العروق، ويُدر الطمث، ولعقُه على الريق يذهب البلغم، ويغسل خمل

стр. 3445

المعدة، ويدفع الفضلات عنها، ويسخنها تسخينًا معتدلًا، ويفتح سُددها، ويفعل ذلك بالكبد والكلى والمثانة، وهو أقل ضررًا لسُدد الكبد والطحال من كل حلو. وهو مع هذا كله مأمون الغائلة، قليل المضار، مضر بالعرض للصفراويين، ودفعها بالخل ونحوه، فيعود حينئذ نافعًا له جدًّا. وهو غذاء مع الأغذية، ودواء مع الأدوية، وشراب مع الأشربة، وحلو مع الحلوى، وطلاء مع الأطلية، ومُفرح مع المفرحات، فما خُلق لنا شيء في معناه أفضل منه، ولا مثله، ولا قريبًا منه، ولم يكن معول القدماء إلا عليه، وأكثر كتب القدماء لا ذكر فيها للسكر البتة، ولا يعرفونه، فإنه حديث العهد حدث قريبًا، وكان النبي ﷺ يشربه بالماء على الريق، وفي ذلك سر بديع في حفظ الصحة لا يُدركه إلا الفطن الفاضل، وسنذكر ذلك إن شاء الله عند ذكر هديه في حفظ الصحة ... وفي أثر آخر: «عَلَيْكُمْ بِالشِّفَاءَيْنِ: الْعَسَلِ وَالْقُرْآنِ» (١). فجمع بين الطب البشري والإلهي، وبين طب الأبدان وطب الأرواح، وبين الدواء الأرضي والدواء السمائي.

стр. 3446

إذا عُرف هذا، فهذا الذي وصف له النبي ﷺ العسل، كان استطلاق بطنه عن تُخمة أصابته عن امتلاء، فأمره بشرب العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة والأمعاء، فإن العسل فيه جلاء، ودفع للفضول، وكان قد أصاب المعدة أخلاط لزجة، تمنع استقرار الغذاء فيها للزوجتها، فإن المعدة لها خمل كخمل القطيفة، فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة، أفسدتها وأفسدت الغذاء، فدواؤها بما يجلوها من تلك الأخلاط، والعسل جلاء، والعسل من أحسن ما عولج به هذا الداء، لا سيما إن مزج بالماء الحار. وفي تكرار سقيه العسل معنى طبي بديع، وهو أن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية بحسب حال الداء، إن قصر عنه لم يزله بالكلية، وإن جاوزه أوهى القوى، فأحدث ضررًا آخر، فلما أمره أن يسقيه العسل، سقاه مقدارًا لا يفي بمقاومة الداء، ولا يبلغ الغرض، فلما أخبره علم أن الذي سقاه لا يبلغ مقدار الحاجة، فلما تكرر ترداده إلى النبي ﷺ أكد عليه المعاودة ليصل إلى المقدار المقاوم للداء، فلما تكررت الشربات بحسب مادة الداء، برأ بإذن الله، واعتبار مقادير الأدوية وكيفياتها، ومقدار قوة المرض من أكبر قواعد الطب. وفي قوله ﷺ : «صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ» إشارة إلى تحقيق نفع هذا الدواء، وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في

стр. 3447

نفسه، ولكن لكذب البطن، وكثرة المادة الفاسدة فيه، فأمره بتكرار الدواء لكثرة المادة. وليس طبه ﷺ كطب الأطباء، فإن طب النبي ﷺ متيقن قطعي إلهي، صادر عن الوحي، ومشكاة النبوة، وكمال العقل، وطب غيره أكثره حدس وظنون، وتجارب، ولا ينكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة، فإنه إنما ينتفع به من تلقاه بالقبول، واعتقاد الشفاء به، وكمال التلقي له بالإيمان والإذعان، فهذا القرآن الذي هو شفاء لما في الصدور - إن لم يتلق هذا التلقي - لم يحصل به شفاء الصدور من أدوائها، بل لا يزيد المنافقين إلا رجسًا إلى رجسهم، ومرضًا إلى مرضهم، وأين يقع طب الأبدان منه، فطب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة، كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلا الأرواح الطيبة والقلوب الحية، فإعراض الناس عن طب النبوة كإعراضهم عن الاستشفاء بالقرآن الذي هو الشفاء النافع، وليس ذلك لقصور في الدواء، ولكن لخُبث الطبيعة، وفساد المحل، وعدم قبوله، والله الموفق» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3448

الكلمة الثامنة والعشرون شرح حديث: الشفاء في ثلاثة (٢) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. فاستكمالًا لشرح الحديث السابق: «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةِ نَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ». قوله ﷺ : «وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ» وردت في الحجامة أحاديث، من ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك ﵁ أنه سُئل عن كسب الحجام؟ فقال: احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ، وَكَلَّمَ أَهْلَهُ فَوَضَعُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ، وَقَالَ: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاويْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ -أَوْ: هُوَ مِنْ أَمْثَلِ دَوَائِكُمْ» (١). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄: «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : احْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ» (٢).

стр. 3449

«وأما منافع الحجامة، فإنها تنقي سطح البدن أكثر من الفصد، والفصد لأعماق البدن أفضل، والحجامة تستخرج الدم من نواحي الجلد. والتحقيق في أمرها وأمر الفصد، أنهما يختلفان باختلاف الزمان والمكان والأسنان والأمزجة، فالبلاد الحارة والأزمنة الحارة، والأمزجة الحارة التي دم أصحابها في غاية النضج، الحجامة فيها أنفع من الفصد بكثير، فإن الدم ينضج ويرق ويخرج إلى سطح الجسد الداخل، فتخرج الحجامة ما لا يخرجه الفصد؛ ولذلك كانت أنفع للصبيان من الفصد، ولمن لا يقوى على الفصد، وقد نص الفقهاء على أن البلاد الحارة الحجامة فيها أنفع وأفضل من الفصد، وتستحب في وسط الشهر وبعد وسطه، وبالجملة في الربع الثالث من أرباع الشهر؛ لأن الدم في أول الشهر لم يكن بعد قد هاج وتبيغ، وفي آخره يكون قد سكن، وأما في وسطه وبعيده فيكون في نهاية التزيد. قال صاحب القانون: ويؤمر باستعمال الحجامة لا في أول الشهر؛ لأن الأخلاط لا تكون قد تحركت وهاجت، ولا في آخره لأنها تكون قد نقصت، بل في وسط الشهر حين تكون الأخلاط هائجة بالغة في تزايدها لتزيد النور في جرم القمر. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ، وَالفَصْدُ» (١)، وفي

стр. 3450

حديث: «خَيْرُ الدَّوَاءِ الْحِجَامَةُ، وَالفَصْدُ» (١). انتهى وقوله ﷺ : «خَيْرَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ»: إشارة إلى أهل الحجاز، والبلاد الحارة، لأن دماءهم رقيقة، وهي أميل إلى ظاهر أبدانهم لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح الجسد، واجتماعها في نواحي الجلد، ولأن مسام أبدانهم واسعة، وقواهم متخلخلة، ففي الفصد لهم خطر، والحجامة تفرق اتصالي إرادي يتبعه استفراغ كُلي من العروق، وخاصة العروق التي لا تُفصد كثيرًا، ولفصد كل واحد منها نفع خاص، ففصد الباسليق: ينفع من حرارة الكبد والطحال والأورام الكائنة فيهما من الدم وينفع من أورام الرئة، وينفع من الشوصة (٢) وذات الجنب وجميع الأمراض الدموية العارضة من أسفل الركبة إلى الورك. وفصد الأكحل (٣): ينفع من الامتلاء العارض في جميع البدن إذا كان دمويًا، وكذلك إذا كان الدم قد فسد في جميع البدن. وفصد القيفال (٤): ينفع من العلل العارضة في الرأس والرقبة من كثرة الدم أو فساده.

стр. 3451

وفصد الودجين: ينفع من وجع الطحال، والربو، والبهر، ووجع الجبين. والحجامة على الكاهل (١): تنفع من وجع المنكب والحلق. والحجامة على الأخدعين: تنفع من أمراض الرأس، وأجزائه، كالوجه، والأسنان، والأذنين، والعينين، والأنف، والحلق، إذا كان حدوث ذلك عن كثرة الدم أو فساده، أو عنهما جميعًا. قال أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ يحتجم في الأخدعين (٢) والكاهل» (٣) (٤). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس ﵄ قال: «احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ، وَكَانَ يَحْتَجِمُ فِي الأَخْدَعَيْنِ، وَبَيْنَ الْكَتِفَيْنِ، وَكَانَ يَحْجُمُهُ عَبْدٌ لِبَنِي بَيَاضَةَ، وَكَانَ يُؤْخَذُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ مُدٌّ وَنِصْفٌ، فَشَفَعَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَهْلِهِ، فَجُعِلَ مُدًّا» (٥). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄ قال: «احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَأْسِه وَهُوَ مُحْرِمٌ، مِنْ

стр. 3452

وَجَعٍ كَانَ بِهِ، بِمَاءٍ يُقَالُ لَهُ: لَحْيُ جَمَلٍ» (١). وروى أبو داود في سننه من حديث جابر ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ عَلَى وَرِكِهِ مِنْ وَثْءٍ كَانَ بِهِ» (٢). وقد وردت أحاديث في تحديد الأوقات التي تستعمل فيها الحجامة: ففي سنن أبي داود من حديث أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنِ احْتَجَمَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ، وَتِسْعَ عَشْرَةَ، وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ، كَانَ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ» (٣): قال ابن حجر ﵀ في فتح الباري معلقًا على حديث: «احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ» (٤): «وورد في الأوقات اللائقة بالحجامة أحاديث ليس فيها شيء على شرطه -يعني البخاري- فكأنه أشار إلى أنها تصنع عند الاحتياج، ولا تقيد بوقت دون وقت؛ لأنه ذكر الاحتجام ليلًا، وذكر حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم،

стр. 3453

وهو يقتضي كون ذلك وقع منه نهارًا، وعند الأطباء أن أنفع الحجامة ما يقع في الساعة الثانية أو الثالثة، وأن لا يقع عقب استفراغ عن جماع أو حمام أو غيرهما، ولا عقب شبع ولا جوع. ثم ذكر بعض الأحاديث الواردة في تحديد الأيام التي يستعمل فيها الحجامة، منها حديث ابن عمر عند ابن ماجه رفعه أثناء حديثه، وفيه: « ... فَاحْتَجِمُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَاجْتَنِبُوا الْحِجَامَةَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَالْجُمُعَةِ وَالسَّبْتِ، وَيَوْمَ الْأَحَدِ تَحَرِّيًا، وَاحْتَجِمُوا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءِ» (١). أخرجه من طريقين ضعيفين، وله طريق ثالثة ضعيفة أيضًا عند الدارقطني في «الأفراد»، وأخرجه بسند جيد عند ابن عمر موقوفًا، ونقل الخلال عن أحمد أنه كره الحجامة في الأيام المذكورة، وإن كان الحديث لم يثبت، وحكى أن رجلًا احتجم يوم الأربعاء فأصابه برص لكونه تهاون بالحديث. وأخرج أبو داود من حديث أبي بكرة أنه كان ينهى أهله عن الحجامة يوم الثلاثاء، ويزعم أن رسول الله ﷺ قال: «أَنَّ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ يَوْمُ الدَّمِ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يَرْقَأُ» (٢). ثم قال: ولكون هذه الأحاديث لم يصح منها شيء، قال حنبل بن إسحاق: كان أحمد يحتجم في أي وقت هاج به

стр. 3454

الدم، وأي ساعة كانت، وقد اتفق الأطباء على أن الحجامة في النصف الثاني من الشهر ثم في الربع الثالث من أرباعه أنفع من الحجامة في أوله وآخره. قال الموفق البغدادي: «وذلك أن الأخلاط في أول الشهر تهيج وفي آخره تسكن، فأولى ما يكون الاستفراغ في أثنائه» (١). أهـ وقال ابن القيم ﵀: «واختيار هذه الأوقات للحجامة فيما إذا كانت على سبيل الاحتياط، والتحرز من الأذى، وحفظًا للصحة، وأما في مداواة الأمراض فحيثما وجد الاحتياج إليها وجب استعمالها» (٢). وأما الكي، فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: «بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ طَبِيبًا فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ» (٣). وعن جابرٍ قال: رمي سعد بن معاذ في أكحله -قال- فحسمه النبي ﷺ بيده بمشقص، ثم ورمت فحسمه الثانية (٤)، والحسم الكي.

стр. 3455

قال الخطابي: إنما كوى سعدًا ليرقأ الدم من جرحه، وخاف عليه أن ينزف فيهلك، والكي مستعمل في هذا الباب، كما يُكوى من تُقطع يده أو رجله. وأما النهي عن الكي، فهو أن يكتوي طلبًا للشفاء، وكانوا يعتقدون أنه متى لم يكتو هلك، فنهاهم عنه لأجل هذه النية. وقيل: إنما نهى عنه عمران بن حصين خاصة؛ لأنه كان به ناصور، وكان موضعه خطرًا، فنهاه عن كيه، فيُشبه أن يكون النهي منصرفًا إلى الموضع المخوف منه. والله أعلم. وقال ابن قتيبة: الكي جنسان: كي الصحيح لئلا يعتل، فهذا الذي قيل فيه: لم يتوكل من اكتوى؛ لأنه يريد أن يدفع القدر عن نفسه. والثاني: كي الجرح إذا نغل، والعضو إذا قطع، ففي هذا الشفاء. وأما إذا كان الكي للتداوي الذي يجوز أن ينجع، ويجوز أن لا ينجع، فإنه إلى الكراهة أقرب. انتهى. وثبت في الصحيحين في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم الذين: «لَا يَسْتَرْقُونَ، ولَا يَكْتَوُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» (١). فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع، أحدها: فعله؛ والثاني: عدم محبته له؛ والثالث: الثناء على من تركه؛ والرابع:

стр. 3456

النهي عنه، ولا تعارض بينها بحمد الله تعالى فإن فعله يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه، وأما الثناء على تاركه، فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي عنه، فعلى سبيل الاختيار والكراهة، أو عن النوع الذي لا يحتاج إليه، بل يفعل خوفًا من حدوث الداء. والله أعلم» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3457

الكلمة التاسعة والعشرون بعض الأدوية النبوية التي فيها شفاء الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ، وَالْقُسْطُ الْبَحْرِيُّ» (١). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أم قيس بنت محصن، قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: «عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ: يُسْتَعَطُ بِهِ مِنَ الْعُذْرَةِ، وَيُلَدُّ بِهِ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ» (٢). قال ابن القيم ﵀: (٣) «والقسط نوعان، أحدهما: الأبيض

стр. 3458

الذي يُقال له البحري، والآخر الهندي وهو أشدهما حرًّا، والأبيض ألينهما. ومنافعهما كثيرة جدًّا، وهما حاران يابسان في الثالثة، ينشفان البلغم، قاطعان للزكام، وإذا شُربا نفعا من ضعف الكبد والمعدة ومن بردهما، ومن حمى الدور والربع، وقطعا وجع الجنب، ونفعا من السموم، وإذا طلي به الوجه معجونًا بالماء والعسل قلع الكلف، وقال جالينوس: ينفع من الكُزاز، ووجع الجنبين، ويقتل حب القرع. وقد خفي على جهال الأطباء نفعه من وجع ذات الجنب، فأنكروه، ولو ظفر هذا الجاهل بهذا النقل عن جالينوس لنزله منزله النص، كيف وقد نص كثير من الأطباء المتقدمين على أن القسط يصلح للنوع البلغمي من ذات الجنب- ذكره الخطابي عن محمد بن الجهم. وقد تقدم أن طب الأطباء بالنسبة إلى طب الأنبياء أقل من نسبة الطُرقية والعجائز إلى طب الأطباء، وأن بين ما يُلَقَّى بالوحي وبين ما يُلقى بالتجربة والقياس من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق (١). ولو أن هؤلاء الجهال وجدوا دواء منصوصًا عن بعض اليهود والنصارى والمشركين من الأطباء، لتلقوه بالقبول والتسليم، ولم يتوقفوا على تجربته.

стр. 3459

نعم نحن لا ننكر أن للعادة تأثيرًا في الانتفاع بالدواء وعدمه، فمن اعتاد دواء وغذاء كان أنفع له، وأوفق ممن لم يعتده، بل ربما لم ينتفع به من لم يعتده. وكلام فضلاء الأطباء وإن كان مطلقًا، فهو بحسب الأمزجة والأزمنة والأماكن والعوائد، وإذا كان التقييد بذلك لا يقدح في كلامهم ومعارفهم، فكيف يقدح في كلام الصادق المصدوق، ولكن نفوس البشر مركبة على الجهل والظلم، إلا من أيده الله بروح الإيمان، ونور بصيرته بنور الهدى» (١). قال ابن حجر ﵀: «وقد ذكر الأطباء من منافع القسط أنه يدر الطمث والبول، ويقتل ديدان الأمعاء، ويدفع السم وحمى الربع والورد، ويسخن المعدة، ويحرك شهوة الجماع، ويذهب الكلف طلاء، فذكروا أكثر من سبعة، وأجاب بعض الشراح بأن السبعة علمت بالوحي، وما زاد عليها بالتجربة. فاقتصر على ما هو بالوحي لتحققه، وقيل: ذكر ما يحتاج إليه دون غيره؛ لأنه لم يبعث بتفاصيل ذلك. قلت: ويحتمل أن تكون السبعة أصول صفة التداوي بها؛ لأنها إما طلاء، أو شرب، أو تكميد، أو تنطيل، أو تبخير، أو سعوط، أو لدود، فالطلاء يدخل في المراهم ويحلى بالزيت ويلطخ، وكذا التكميد، والشرب يسحق ويجعل في

стр. 3460

عسل أو ماء أو غيرهما، وكذا التنطيل والسعوط يسحق في زيت ويقطر في الأنف، وكذا الدهن والتبخير واضح، وتحت كل واحدة من السبعة منافع لأدواء مختلفة، ولا يستغرب ذلك ممن أُوتي جوامع الكلم. وأما العذرة فهي بضم المهملة وسكون المعجمة، وجع في الحلق يعتري الصبيان غالبًا، وقيل: هي قرحة تخرج بين الأذن والحلق أو في الخرم الذي بين الأنف والحلق. قيل: سميت بذلك لأنها تخرج غالبًا عند طلوع العذرة، وهي خمسة كواكب تحت الشعرى العبور، ويقال لها أيضًا العذارى، وطلوعها يقع وسط الحر، وقد استشكل معالجتها بالقسط مع كونه حارًّا والعذرة إنما تعرض في زمن الحر بالصبيان وأمزجتهم حارة، ولا سيما وقطر الحجاز حار، وأُجيب بأن مادة العذرة دم يغلب عليه البلغم، وفي القسط تخفيف للرطوبة، وقد يكون نفعه في هذا الدواء بالخاصية، وأيضًا فالأدوية الحارة قد تنفع في الأمراض الحارة بالعرض كثيرًا، بل وبالذات أيضًا، وقد ذكر ابن سينا في معالجة سقوط اللهاة القسط مع الشب اليماني وغيره، على أننا لو لم نجد شيئًا من التوجيهات لكان أمر المعجزة خارجًا عن القواعد الطبية» (١). ومنها: الحبة السوداء: روى أحمد والبخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ، فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا

стр. 3461

السَّامَ»، والسَّامُ الْمَوْتُ (١). «والحبة السوداء: هي الشُّونيز في لغة الفرس، وهي الكمون الأسود، وتسمى الكمون الهندي، قال الحربي عن الحسن: إنها الخردل، وحكى الهروي: أنها الحبة الخضراء ثمرة البطم، وكلاهما وهم، والصواب: أنها الشُّونيز. وهي كثيرة المنافع جدًّا. وقوله: «شفاء من كل داء»، مثل قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥]، أي: كل شيء يقبل التدمير ونظائره، وهي نافعة من جميع الأمراض الباردة، وتدخل في الأمراض الحارة اليابسة بالعَرَض، فتوصل قوى الأدوية الباردة الرطبة إليها بسرعة تنفيذها إذا أخذ يسيرها. وقد نص صاحب القانون وغيره على الزعفران في قرص الكافور لسرعة تنفيذه وإيصاله قوته، وله نظائر يعرفها حذاق الصناعة، ولا تستبعد منفعة الحار في أمراض حارة بالخاصية، فإنك تجد ذلك في أدوية كثيرة، منها: الأنزروت وما يُركب معه من أدوية الرمد، كالسكر وغيره من المفردات الحارة، والرمد ورم حار باتفاق الأطباء، وكذلك نفع الكبريت الحار جدًّا من الجرب.

стр. 3462

والشونيز حار يابس في الثالثة، مذهب للنفخ، مخرج لحب القرع، نافع من البرص وحمى الربع (١)، والبلغمية، مفتح للسدد، ومحلل للرياح، مجفف لبلَّة المعدة ورطوبتها، وإن دُق وعجن بالعسل، وشُرب بالماء الحار، أذاب الحصاة التي تكون في الكليتين والمثانة، ويُدر البول والحيض واللبن إذا أُديم شُربه أيامًا، وإن سخن بالخل، وطلي على البطن، قتل حب القرع، فإن عجن بماء الحنظل الرطب، أو المطبوخ، كان فعله في إخراج الدود أقوى، ويجلو ويقطع، ويحلل، ويشفي من الزكام البارد إذا دق وصُيِّر في خرقة، واشتم دائمًا، أذهبه. ودهنه نافع لداء الحية، ومن الثآليل والخيلان (٢)، وإذا شُرب منه مثقال بماء، نفع من البُهْر وضيق النفس، والضماد به ينفع من الصداع البارد، وإذا نُقِعَ منه سبع حبات عددًا في لبن امرأة، وسُعِط به صاحب اليَرقَان، نفعه نفعًا بليغًا. وإذا طُبخ بخل، وتُمضمض به، نفع من وجع الأسنان عن برد، وإذا استُعِطَ به مسحوقًا نفع من ابتداء الماء العارض في العين، وإن ضُمِّد به مع الخل، قلع البُثُور والجرب المتقرح، وحلل الأورام البلغمية المزمنة، والأورام الصلبة، وينفع من

стр. 3463

اللقوة إذا تُسعِّط بدهنه، وإذا شُرب منه مقدار نصف مثقال إلى مثقال، نفع من لسع الرُّتيلاء (١)، وإن سحق ناعمًا وخُلط بدهن الحبة الخضراء، وقُطِر منه في الأذن ثلاث قطرات، نفع من البرد العارض فيها والريح والسُّدد. وإن قُلي، ثم دق ناعمًا، ثم نُقع في زيت، وقطر في الأنف ثلاث قطرات أو أربع، نفع من الزكام العارض معه عطاس كثير. وإذا أُحرق وخُلِط بشمع مذاب بدهن السَّوسن، أو دُهن الحناء، وطُلي به القروح الخارجية من الساقين بعد غسلها بالخل، نفعها وأزال القروح. وإذا سُحق بخل، وطلي به البرص والبهق الأسود، والحزاز (٢) الغليظ، نفعها وأبرأها. وإذا سُحق ناعمًا، واستف منه كل يوم درهمين بماء بارد من عضه كَلْبٌ كَلِبٌ قبل أن يفرغ من الماء، نفعه نفعًا بليغًا، وأمن على نفسه من الهلاك. وإذا استعط بدهنه، نفع من الفالج والكُزاز (٣)، وقطع موادهما، وإذا دخن به، طرد الهوام. وإذا أذيب الأنزروت بماء، ولُطخ على داخل الحلقة، ثم ذُرَّ عليها الشونيز، كان من الذرورات الجيدة العجيبة النفع

стр. 3464

من البواسير، ومنافعه أضعاف ما ذكرنا، والشربة منه درهمان، وزعم قوم أن الإكثار منه قاتل» (١). ومنها: التلبينة: فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة زوج النبي ﷺ : أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ، ثُمَّ تَفَرَّقْنَ إِلَّا أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ تَلْبِينَةٍ، فَطُبِخَتْ ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ، فَصُبَّتِ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: كُلْنَ مِنْهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: «التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ تُذْهِبُ بَعْضَ الْحُزْنِ» (٢). وروى البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂ أنها كانت تأمر بالتلبينة وتقول: هُوَ الْبَغِيضُ النَّافِعُ (٣). والتلبين: هو الحساء الرقيق الذي هو في قوام اللبن، ومنه اشتق اسمه، قال الهروي: سميت تلبينة لشبهها باللبن لبياضها ورقتها، وهذا الغذاء هو النافع للعليل، وهو الرقيق النضيج لا الغليظ النيّئ، وإذا شئت أن تعرف فضل التلبينة، فاعرف فضل ماء الشعير، بل هي ماء الشعير لهم، فإنها حساء متخذ من دقيق الشعير بنخالته، والفرق بينها وبين ماء الشعير أنه يطبخ صحاحًا، والتلبينة تطبخ منه مطحونًا، وهي أنفع منه لخروج

стр. 3465

خاصية الشعير بالطحن، وقد تقدم أن للعادات تأثيرًا في الانتفاع بالأدوية والأغذية، وكانت عادة القوم أن يتخذوا ماء الشعير منه مطحونًا لا صحاحًا، وهو أكثر تغذية، وأقوى فعلًا، وأعظم جلاء، وإنما اتخذه أطباء المدن منه صحاحًا ليكون أرق وألطف، فلا يثقل على طبيعة المريض، وهذا بحسب طبائع أهل المدن ورخاوتها، وثقل ماء الشعير المطحون عليها. والمقصود: أن ماء الشعير مطبوخًا صحاحًا ينفذ سريعًا، ويجلو جلاء ظاهرًا، ويغذي غذاءً لطيفًا، وإذا شرب حارًّا كان جلاؤه أقوى، ونفوذه أسرع، وإنماؤه للحرارة الغريزية أكثر، وتلميسه لسطوح المعدة أوفق. وقوله ﷺ فيها: «مجمة لفؤاد المريض» يروى بوجهين: بفتح الميم والجيم، وبضم الميم، وكسر الجيم، والأول أشهر، ومعناه: أنها مريحة له، أي تريحه وتسكنه؛ من الإجمام، وهو الراحة. وقوله: «تذهب ببعض الحزن» هذا - والله أعلم- لأن الغم والحزن يبردان المزاج، ويضعفان الحرارة الغريزية لميل الروح الحامل لها إلى جهة القلب الذي هو منشؤها، وهذا الحساء يقوي الحرارة الغريزية بزيادته في مادته، فتزيل أكثر ما عرض له من الغم والحزن. وقد يقال - وهو أقرب - إنها تذهب ببعض الحزن بخاصية فيها من جنس خواص الأغذية المفرحة، فإن من الأغذية ما

стр. 3466

يفرح بالخاصية. والله أعلم. وقد يقال: إن قُوى الحزين تضعف باستيلاء اليُبس على أعضائه، وعلى معدته خاصة لتقليل الغذاء، وهذا الحساء يرطبها، ويقويها، ويغذيها، ويفعل مثل ذلك بفؤاد المريض، لكن المريض كثيرًا ما يجتمع في معدته خطل مراري، أو بلغمي، أو صديدي، وهذا الحساء يجلو ذلك عن المعدة ويسروه، ويَحْدرُه، ويُميعُه، ويُعدِّل كيفيته، ويكسر سَوْرَته، فيُريحها ولا سيما لمن عادتُه الاغتذاءُ بخبز الشعير، وهي عادة أهل المدينة إذ ذاك، وكان هو غالب قوتهم، وكانت الحنطة عزيزة عندهم. والله أعلم (١). أهـ والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3467

الكلمة الثلاثون مقتطفات من سيرة الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز ﵀ - الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. فهذه مقتطفات من سيرة علم من أعلام هذه الأمة، وخليفة من خلفائها الأماجد، قال الذهبي ﵀: «الخليفة عمر بن عبدالعزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، الإمام الحافظ العلامة المجتهد الزاهد العابد السيد، أمير المؤمنين حقًّا، أبو حفص القرشي الأموي المدني ثم المصري، الخليفة الراشد، أشج بني أمية». قال أنس بن مالك: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى. قال سعيد بن عفير: كان أسمر، رقيق الوجه، حسنه، نحيف الجسم، حسن اللحية، غائر العينين بجبهته أثر نفحة دابة، قد وخطه الشيب (١).

стр. 3468

قال الإمام أحمد بن حنبل: لا أرى قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبدالعزيز، بويع له بالخلافة بعد ابن عمه سليمان ابن عبدالملك عن عهد منه له بذلك، ويقال مولده في سنة إحدى وستين، وهي السنة التي قُتل فيها الحسين بن علي بمصر، قاله غير واحد، وقال محمد بن سعد: ولد سنة ثلاث وستين. وأمه ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وقد عد بعض أهل العلم عمر بن عبدالعزيز ﵀ من مجددي هذا الدين، فروى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» (١). قال ابن كثير ﵀: «فقال جماعة من أهل العلم -منهم أحمد ابن حنبل فيما ذكره ابن الجوزي وغيره: أن عمر بن عبدالعزيز كان على رأس المائة أولى، وإن كان هو أولى من دخل في ذلك، وأحق لإمامته وعموم ولايته واجتهاده وقيامه في تنفيذ الحق، فقد كانت سيرته شبيهة بسيرة عمر بن الخطاب، وكان كثيرًا ما يتشبه به» (٢). قال الزبير بن بكار، حدثني العتبي قال: إن أول ما استبين

стр. 3469

من عمر بن عبدالعزيز: حرصه على العلم، ورغبته في الأدب، قال: إن أباه ولي مصر وهو حديث السن، يُشك في بلوغه، فاراد إخراجه معه، فقال: يا أبه! أَوَ غير ذلك لعله يكون أنفع لي ولك؟ ترحلني إلى المدينة فأقعد إلى فقهاء أهلها، وأتأدب بآدابهم، فوجهه إلى المدينة، فقعد مع مشايخ قريش، وتجنب شبابهم، وما زال ذلك دأبه حتى اشتهر ذكره، فلما مات أبوه أخذه عمه أمير المؤمنين عبدالملك بن مروان فخلطه بولده، وقدمه على كثير منهم، وزوجه بابنته فاطمة، وهي التي يقول فيها الشاعر: بِنْتُ الخَلِيفَةِ وَالخَلِيفَةُ جَدُّهَا ... أُخْتُ الخَلَائِفِ وَالخلِيفَةُ زَوْجُهَا قال: ولا نعرف امرأة بهذه الصفة إلى يومنا هذا سواها، وقال ابن وهب: حدثني الليث عن أبي النضر المديني، قال: لقيت سليمان بن يسار خارجًا من عند عمر بن عبدالعزيز، فقلت له: من عند عمر خرجت؟ قال: نعم، قلت: تعلمونه؟ قال: نعم، فقلت: هو والله أعلمكم، وقال ميمون بن مهران: كانت العلماء عند عمر بن عبدالعزيز تلامذة. وقال عبد الله بن كثير: قلت لعمر بن عبدالعزيز: ما كان بدء إنابتك؟ قال: أردت ضرب غلام لي، فقال لي: اذكر ليلة صبيحتها يوم القيامة. وقد ظهرت عليه مخايل الورع، والدين، والتقشف،

стр. 3470

والصيانة، والنزاهة من أول حركة بدت منه، حيث أعرض عن ركوب مراكب الخلافة، وهي الخيول الحسان الجياد المعدة لها، والاجتزاء بمركوبه الذي كان يركبه، وأمر أن تُجعل أثمانها في بيت المال بعد بيعها، وأنشد يقول: فَلَوْلَا التُّقَى ثُمَّ النُّهَى خَشْيَةَ الرَّدَى ... لَعَاصَيْتُ فِي حُبِّ الصَّبَا كُلَّ زَاجِرِ قَضَى مَا قَضَى فِيَما مِضِى ثُمَّ لَا تُرَى ... لَهُ صَبْوَةٌ أُخْرَى اللَّيَاِلي الغَوَابِرِ «وقد رد جميع المظالم حتى إنه رد فص خاتم كان في يده، قال: أعطانيه الوليد من غير حقه، وخرج من جميع ما كان فيه من النعيم في الملبس والمأكل والمتاع، حتى أنه ترك التمتع بزوجته الحسناء فاطمة بنت عبدالملك، يقال: كانت من أحسن النساء، ويقال: إنه رد جهازها وما كان من أموالها إلى بيت المال، وقد كان دخله في كل سنة قبل أن يلي الخلافة أربعين ألف دينار، فترك ذلك كله حتى لم يبق له دخل سوى أربعمائة دينار في كل سنة، وكان حاصله في خلافته ثلاث مائة درهم. وكان قبل الخلافة يؤتى بالقميص الرفيع اللين جدًّا، فيقول: ما أحسنه لولا خشونة فيه، فلما ولي الخلافة كان بعد ذلك يلبس الغليظ المرقوع ولا يغسله حتى يتسخ جدًّا، ويقول: ما أحسنه لولا لينه، وكان سراجه على ثلاث قصبات في رأسهن طين. ولم يبن شيئًا في أيام خلافته، وكان يخدم نفسه بنفسه، وقال: ما تركت شيئًا من الدنيا إلا عوضني الله ما هو خير منه،
следующие страницы →