يفرح بالخاصية. والله أعلم.
وقد يقال: إن قُوى الحزين تضعف باستيلاء اليُبس على أعضائه، وعلى معدته خاصة لتقليل الغذاء، وهذا الحساء يرطبها، ويقويها، ويغذيها، ويفعل مثل ذلك بفؤاد المريض، لكن المريض كثيرًا ما يجتمع في معدته خطل مراري، أو بلغمي، أو صديدي، وهذا الحساء يجلو ذلك عن المعدة ويسروه، ويَحْدرُه، ويُميعُه، ويُعدِّل كيفيته، ويكسر سَوْرَته، فيُريحها ولا سيما لمن عادتُه الاغتذاءُ بخبز الشعير، وهي عادة أهل المدينة إذ ذاك، وكان هو غالب قوتهم، وكانت الحنطة عزيزة عندهم. والله أعلم (١). أهـ
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3467
الكلمة الثلاثون
مقتطفات من سيرة الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز ﵀ -
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
فهذه مقتطفات من سيرة علم من أعلام هذه الأمة، وخليفة من خلفائها الأماجد، قال الذهبي ﵀: «الخليفة عمر بن عبدالعزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، الإمام الحافظ العلامة المجتهد الزاهد العابد السيد، أمير المؤمنين حقًّا، أبو حفص القرشي الأموي المدني ثم المصري، الخليفة الراشد، أشج بني أمية».
قال أنس بن مالك: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى.
قال سعيد بن عفير: كان أسمر، رقيق الوجه، حسنه، نحيف الجسم، حسن اللحية، غائر العينين بجبهته أثر نفحة دابة، قد وخطه الشيب (١).
стр. 3468
قال الإمام أحمد بن حنبل: لا أرى قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبدالعزيز، بويع له بالخلافة بعد ابن عمه سليمان ابن عبدالملك عن عهد منه له بذلك، ويقال مولده في سنة إحدى وستين، وهي السنة التي قُتل فيها الحسين بن علي بمصر، قاله غير واحد، وقال محمد بن سعد: ولد سنة ثلاث وستين.
وأمه ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وقد عد بعض أهل العلم عمر بن عبدالعزيز ﵀ من مجددي هذا الدين، فروى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» (١).
قال ابن كثير ﵀: «فقال جماعة من أهل العلم -منهم أحمد ابن حنبل فيما ذكره ابن الجوزي وغيره: أن عمر بن عبدالعزيز كان على رأس المائة أولى، وإن كان هو أولى من دخل في ذلك، وأحق لإمامته وعموم ولايته واجتهاده وقيامه في تنفيذ الحق، فقد كانت سيرته شبيهة بسيرة عمر بن الخطاب، وكان كثيرًا ما يتشبه به» (٢).
قال الزبير بن بكار، حدثني العتبي قال: إن أول ما استبين
стр. 3469
من عمر بن عبدالعزيز: حرصه على العلم، ورغبته في الأدب، قال: إن أباه ولي مصر وهو حديث السن، يُشك في بلوغه، فاراد إخراجه معه، فقال: يا أبه! أَوَ غير ذلك لعله يكون أنفع لي ولك؟ ترحلني إلى المدينة فأقعد إلى فقهاء أهلها، وأتأدب بآدابهم، فوجهه إلى المدينة، فقعد مع مشايخ قريش، وتجنب شبابهم، وما زال ذلك دأبه حتى اشتهر ذكره، فلما مات أبوه أخذه عمه أمير المؤمنين عبدالملك بن مروان فخلطه بولده، وقدمه على كثير منهم، وزوجه بابنته فاطمة، وهي التي يقول فيها الشاعر:
بِنْتُ الخَلِيفَةِ وَالخَلِيفَةُ جَدُّهَا ... أُخْتُ الخَلَائِفِ وَالخلِيفَةُ زَوْجُهَا
قال: ولا نعرف امرأة بهذه الصفة إلى يومنا هذا سواها، وقال ابن وهب: حدثني الليث عن أبي النضر المديني، قال: لقيت سليمان بن يسار خارجًا من عند عمر بن عبدالعزيز، فقلت له: من عند عمر خرجت؟ قال: نعم، قلت: تعلمونه؟ قال: نعم، فقلت: هو والله أعلمكم، وقال ميمون بن مهران: كانت العلماء عند عمر بن عبدالعزيز تلامذة.
وقال عبد الله بن كثير: قلت لعمر بن عبدالعزيز: ما كان بدء إنابتك؟ قال: أردت ضرب غلام لي، فقال لي: اذكر ليلة صبيحتها يوم القيامة.
وقد ظهرت عليه مخايل الورع، والدين، والتقشف،
стр. 3470
والصيانة، والنزاهة من أول حركة بدت منه، حيث أعرض عن ركوب مراكب الخلافة، وهي الخيول الحسان الجياد المعدة لها، والاجتزاء بمركوبه الذي كان يركبه، وأمر أن تُجعل أثمانها في بيت المال بعد بيعها، وأنشد يقول:
فَلَوْلَا التُّقَى ثُمَّ النُّهَى خَشْيَةَ الرَّدَى ... لَعَاصَيْتُ فِي حُبِّ الصَّبَا كُلَّ زَاجِرِ
قَضَى مَا قَضَى فِيَما مِضِى ثُمَّ لَا تُرَى ... لَهُ صَبْوَةٌ أُخْرَى اللَّيَاِلي الغَوَابِرِ
«وقد رد جميع المظالم حتى إنه رد فص خاتم كان في يده، قال: أعطانيه الوليد من غير حقه، وخرج من جميع ما كان فيه من النعيم في الملبس والمأكل والمتاع، حتى أنه ترك التمتع بزوجته الحسناء فاطمة بنت عبدالملك، يقال: كانت من أحسن النساء، ويقال: إنه رد جهازها وما كان من أموالها إلى بيت المال، وقد كان دخله في كل سنة قبل أن يلي الخلافة أربعين ألف دينار، فترك ذلك كله حتى لم يبق له دخل سوى أربعمائة دينار في كل سنة، وكان حاصله في خلافته ثلاث مائة درهم.
وكان قبل الخلافة يؤتى بالقميص الرفيع اللين جدًّا، فيقول: ما أحسنه لولا خشونة فيه، فلما ولي الخلافة كان بعد ذلك يلبس الغليظ المرقوع ولا يغسله حتى يتسخ جدًّا، ويقول: ما أحسنه لولا لينه، وكان سراجه على ثلاث قصبات في رأسهن طين. ولم يبن شيئًا في أيام خلافته، وكان يخدم نفسه بنفسه، وقال: ما تركت شيئًا من الدنيا إلا عوضني الله ما هو خير منه،
стр. 3471
وكان يأكل الغليظ من الطعام أيضًا ولا يُبالي بشيء من النعيم، ولا يُتبعه نفسه ولا يوده، حتى قال أبو سليمان الداراني: كان عمر بن عبدالعزيز أزهد من أويس القرني؛ لأن عمر ملك الدنيا بحذافيرها وزهد فيها، ولا ندري حال أويس لو ملك ما ملكه عمر كيف يكون؟ ليس من جرب كمن لا يجرب.
ولما بايعه الناس، واستقرت الخلافة باسمه، انقلب وهو مغتم مهموم، فقال له مولاه: ما لك هكذا مغتمًّا مهمومًا، وليس هذا بوقت هذا؟ فقال: ويحك وما لي لا أغتم وليس أحد من أهل المشارق والمغارب من هذه الأمة إلا وهو يطالبني بحقه أن أؤديه إليه، كتب إلي في ذلك أو لم يكتب، طلبه مني أو لم يطلب، ثم إنه خيَّر امرأته فاطمة بين أن تقيم معه على أنه لا فراغ له إليها، وبين أن تلحق بأهلها، فبكت وبكى جواريها لبكائها، فسمعت ضجة في داره، ثم اختارت مقامها معه على كل حال رحمها الله.
ثم أخذ أموال جماعة من بني أمية فردها إلى بيت المال وسماها أموال المظالم، فاستشفعوا إليه بالناس، وتوسلوا إليه بعمته فاطمة بنت مروان، فلم ينجع فيه، ولم يرده عن الحق شيء، وقال لهم: والله لتدعني وإلا ذهبت إلى مكة فنزلت عن هذا الأمر لأحق الناس به.
وقال إسماعيل بن عياش عن عمرو بن مهاجر، قال: لما
стр. 3472
استخلف عمر بن عبدالعزيز قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنه لا كتاب بعد القرآن، ولا نبي بعد محمد ﵊، وإني لست بقاض، ولكني منفذ، وإني لست بمبتدع، إن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم، ألا إن الإمام الظالم هو العاصي، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وفي رواية: وإني لست بخير من أحد منكم، ولكني أثقلكم حملًا، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الله، ألا هل أسمعت؟
وقد اجتهد ﵀ في مدة ولايته - مع قصرها - حتى رد المظالم، وصرف إلى كل ذي حق حقه، وكان مناديه في كل يوم ينادي: أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟ حتى أغنى كلًّا من هؤلاء.
قالت زوجته فاطمة: دخلت يومًا عليه وهو جالس في مصلاه واضعًا يده على خده ودموعه تسيل على خديه، فقلت: ما لك؟ فقال: ويحك يا فاطمة، إني قد وليت من أمر هذه الأمة ما وليت، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، واليتيم المكسور، والأرملة الوحيدة، والمظلوم المقهور، والغريب، والأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير والمال القليل، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم يوم القيامة، وأن
стр. 3473
خصمي دونهم محمد ﷺ ، فخشيت أن لا تثبت لي حجة عند خصومته، فرحمت نفسي، فبكيت.
وقال مالك بن دينار ﵀: يقولون: مالك زاهد، أي زهد عندي، إنما الزاهد عمر بن عبدالعزيز، أتته الدنيا فاغرة فاها فتركها، وقالوا: ولم يكن له سوى قميص واحد، فكان إذا غسلوه جلس في المنزل حتى ييبس، وقد وقف مرة على راهب فقال له: ويحك عظني، فقال له: عليك بقول الشاعر:
تَجَرَّدْ مِنَ الدُّنْيَا فَإِنَّكَ إِنَّمَا ... خَرَجْتَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنْتَ مُجَرَّدُ
قالوا: فكان يعجبه ويكرره، وعمل به حق العمل.
قالوا: ودخل على امرأته يومًا فسألها أن تقرضه درهمًا أو فلوسًا يشتري له بها عنبًا، فلم يجد عندها شيئًا، قالت له: أنت أمير المؤمنين وليس في خزانتك ما تشتري به عنبًا؟ فقال: هذا أيسر من معالجة الأغلال والأنكال غداً في نار جهنم.
وكان له سراج يكتب عليه حوائجه، وسراج لبيت المال يكتب عليه مصالح المسلمين، لا يكتب على ضوئه لنفسه حرفًا.
قال مقاتل بن حيان: صليت وراء عمر بن عبدالعزيز فقرأ ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات:٢٤]، فجعل يكررها وما يستطيع أن يجاوزها. وقالت امرأته فاطمة: ما رأيت أحدًا أكثر صلاة وصيامًا منه، ولا أحد أشد خوفًا من ربه منه، كان يصلي العشاء ثم يجلس يبكي حتى تغلبه عيناه، ثم ينتبه فلا يزال يبكي
стр. 3474
حتى تغلبه عيناه، قالت: ولقد كان يكون معي في الفراش فيذكر الشيء من أمر الآخرة فينتفض كما ينتفض العصفور في الماء، ويجلس يبكي، فأطرح عليه اللحاف رحمة له، وأنا أقول: يا ليت كان بيننا وبين الخلافة بعد المشرقين، فوالله ما رأينا سرورًا منذ دخلنا فيها.
ومن أقواله العظيمة ﵀: اللهم أصلح من كان في صلاحه صلاح لأمة محمد ﷺ ، وأهلك من كان في هلاكه صلاح أمة محمد ﷺ .
وقال: أفضل العبادة أداء الفرائض، واجتناب المحارم، وقال: لو أن المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى يحكم أمر نفسه لذهب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولقل الواعظون والساعون بالنصيحة.
وقال أيضًا: لقد بورك لعبد في حاجة أكثر فيها من الدعاء أُعطي أو مُنع» (١).
قال الذهبي ﵀: «كان هذا الرجل حسن الخلق والخُلُق، كامل العقل، حسن السمت، جيد السياسة، حريصًا على العدل بكل ممكن، وافر العلم، فقيه النفس، ظاهر الذكاء والفهم، أواهًا منيبًا، قانتًا لله حنيفًا زاهدًا مع الخلافة، ناطقًا بالحق مع
стр. 3475
قلة المعين، وكثرة الأمراء الظلمة الذين ملوه وكرهوا محاققته لهم، ونقصه أُعطياتهم، وأخذه كثيرًا مما في أيديهم مما أخذوه بغير حق، فما زالوا به حتى سقوه السم، فحصلت له الشهادة والسعادة، وعُد عند أهل العلم من الخلفاء الراشدين، والعلماء العاملين» (١).
قال ابن كثير ﵀: «وسبب وفاته، قيل سببها السل، وقيل سببها أن مولى له سمه في طعام أو شراب، وأُعطي على ذلك ألف دينار، فحصل له بسبب ذلك مرض، فأُخبر أنه مسموم، فقال: لقد علمت يوم سقيت السم، ثم استدعى مولاه الذي سقاه، فقال له: ويحك، ما حملك على ما صنعت؟ فقال: ألف دينار أعطيتها، فقال: هاتها، فأحضرها فوضعها في بيت المال، ثم قال له: اذهب حيث لا يراك أحد فتهلك».
ثم قيل لعمر: تدارك نفسك، فقال: والله لو أن شفائي أن أمسح شحمة أذني، أو أُوتى بطيب فأشمه ما فعلت، فقيل له: هؤلاء بنوك - وكانوا اثني عشر - ألا توصي لهم بشيء؛ فإنهم فقراء؟ فقال: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)﴾ [الأعراف:١٩٦]، والله لا أعطيهم حق أحدٍ، وهم بين رجُلين؛ إما صالح، فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح فما كنت لأعينه على فسقه - وفي رواية: فلا أبالي في أي واد هلك،
стр. 3476
وفي رواية: أفأدع له ما يستعين به على معصية الله، فأكون شريكه فيما يعمل بعد الموت؟ ما كنت لأفعل - ثم استدعى بأولاده فودَّعهم وعزاهم بهذا، وأوصاهم بهذا الكلام، ثم قال: انصرفوا عصمكم الله، وأحسن الخلافة عليكم. قال: فلقد رأينا بعض أولاد عمر بن عبدالعزيز يحمل على ثمانين فرسًا في سبيل الله، وكان بعض أولاد سليمان ابن عبدالملك - مع كثرة ما ترك لهم من الأموال - يتعاطى ويسأل من أولاد عمر بن عبدالعزيز؛ لأن عمر وكل ولده إلى الله ، وسليمان وغيره إنما يكلون أولادهم إلى ما يدعون لهم من الأموال الفانية، فيضيعون وتذهب أموالهم في شهوات أولادهم.
ولما احتضر قال: أجلسوني، فأجلسوه، فقال: إلهي، أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت - ثلاثًا - ولكن لا إله إلا الله، ثم رفع رأسه فأحدَّ النظر، فقالوا: إنك لتنظر نظرًا شديدًا يا أمير المؤمنين، فقال: إني لأرى حضرة ما هم بإنس ولا جان، ثم قُبض من ساعته، وفي رواية أنه قال لأهله: اخرجوا عني، فخرجوا وجلس على الباب مسْلَمةُ بن عبدالملك، وأخته فاطمة، فسمعوه يقول: مرحبًا بهذه الوجوه التي ليست بوجوه إنس ولا جان، ثم قرأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص:٨٣]، ثم هدأ الصوت، فدخلوا عليه فوجدوه قد غمِّض، وسوِّي إلى القبلة،
стр. 3477
وقُبض» (١).
وكانت وفاته سنة إحدى ومئة، بدير سمعان من قرى حمص في الشام، وكانت مدة مرضه عشرين يومًا. وكانت مدة خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام، وكان عمره حينذاك تسعًا وثلاثين سنة ونصفًا» (٢).
رحم الله عمر بن عبدالعزيز، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في دار كرامته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3478
الكلمة الواحدة والثلاثون
الإحسان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
«فمن مقامات الدين العظيمة، ومن منازله الرفيعة منزلة الإحسان، ويختلف معنى الإحسان اصطلاحًا باختلاف السياق الذي يرد فيه، فإذا اقترن بالإيمان والإسلام كان المراد به الإشارة إلى المراقبة وحسن الطاعة، وقد فسره النبي ﷺ بذلك عندما سأله جبريل: ما الإحسان؟ فقال: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِن لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإنَّهُ يَرَاكَ». أما إذا ورد الإحسان مطلقًا، فإن المراد به فعل ما هو حسن» (١).
قال الراغب: «الإحسان: فعل ما ينبغي فعله من المعروف، وهو ضربان: أحدهما: الإنعام على الغير، يقال: أحسن إلى فلان، والثاني: الإحسان في فعله، وذلك إذا علم علمًا حسنًا، أو عمل عملًا حسنًا، ومنه قول علي ﵁: «الناس أبناء ما
стр. 3479
يحسنون: أي منسوبون إلى ما يعلمون ويعملونه من الأفعال الحسنة» (١).
قال ابن القيم ﵀: «الإحسان من منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة:٥]، وهذه المنزلة هي لب الإيمان وروحه وكماله، وهي جامعة لما عداها من المنازل، فجميعها منطوية فيها، ومما يشهد لهذه المنزلة قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن:٦٠]، إذ الإحسان جامع لجميع أبواب الحقائق، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، والإحسان الأول في الآية الكريمة هو - كما قال ابن عباس والمفسرون - هو قول: لا إله إلا الله، والإحسان الثاني هو الجنة، والمعنى: هل جزاء من قال: لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد إلا الجنة» (٢).
والإحسان شرط في قبول العمل، فإن العمل لا يُقبل إلا بشرطين: الإخلاص لله، وموافقته للسنة، وهو الإحسان الذي ذكره الله بقوله: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ [لقمان:٢٢].
والإحسان بمعناه العام يشتمل إحسان العبد في عبادة ربه، وتعامله مع الخلق، وأعماله، وأقواله ظاهرًا وباطنًا، قال
стр. 3480
تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك:٢].
ففي العبادات؛ يقول النبي ﷺ لجبريل عندما سأله ما الإحسان؟ قال: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِن لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإنَّهُ يَرَاكَ» (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا نَصَحَ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ، وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ» (٢). والشاهد في هذا الحديث قوله: «وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ».
وروى مسلم في صحيحه من حديث عثمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا، وَخُشُوعَهَا، وَرُكُوعَهَا، إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ، مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ» (٣).
وقد علمنا النبي ﷺ أن ندعو الله تعالى بأن يرزقنا حسن العبادة، ففي الحديث الذي رواه أبو داود في سننه من حديث معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ أخذ بيده وقال: «يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ. فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لا تَدَعَنَّ
стр. 3481
فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (١). وكان من دعواته ﷺ قوله: « ... وَأَسْأَلُكَ حُسْنَ عِبَادَتِكَ» (٢).
ومن خصال الإحسان: الإحسان إلى الوالدين: ببرهما بالمعروف، وطاعتهما في غير معصية الله، وإيصال الخير إليهما، والدعاء والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣].
قال القرطبي ﵀: «قال العلماء: فأحق الناس بعد الخالق المنان بالشكر والإحسان والتزام البر والطاعة له والإذعان، من قرن الله الإحسان إليه بعبادته وطاعته وشكره بشكرهما وهما الوالدان، فقال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤]» (٣).
ومنها: الإحسان إلى الأولاد، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ، تَسْأَلُنِي، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: «مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ،
стр. 3482
كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ» (١).
ومنها: الإحسان إلى الزوجات، روى الترمذي في سننه من حديث سليمان بن عمرو بن الأحوص قال: حدثني أبي أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله ﷺ ، فقال: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا ... ثم قال في آخر الحديث: أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ» (٢).
ومنها: كذلك الإحسان إلى الجار، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء:٣٦].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي شريح العدوي أن النبي ﷺ قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ» (٣).
قال ابن أبي جمرة: «حفظ الجار من كمال الإيمان، وكان أهل الجاهلية يحافظون عليه. ويحصل امتثال الوصية بإيصال ضروب الإحسان إليه بحسب الطاقة، كالهدية، والسلام، وطلاقة
стр. 3483
الوجه عند لقائه، وتفقد حاله، ومعاونته فيما يحتاج إليه .. إلى غير ذلك على اختلاف أنواعه: حسية كانت أو معنوية» (١). أهـ
ومنها: الإحسان إلى اليتامى والمساكين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [البقرة:٨٣].
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: « ... وَمَنْ أَحْسَنَ إِلَى يَتِيمَةٍ أَوْ يَتِيمٍ عِنْدَهُ، كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ»، وَقَرَنَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى (٢).
والإحسان إليهم يكون بالبر بهم، وكفالة عيشهم، وتفقد أحوالهم، وإيصال النفع إليهم قولًا وعملًا.
ومنها: الإحسان إلى الناس بالقول والعمل، قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل:٩٠]، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء:٥٣].
قال ابن كثير ﵀: «يأمر تعالى رسوله ﷺ أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن، والكلمة الطيبة، فإنهم إذا لم يفعلوا ذلك،
стр. 3484
نزغ الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، ووقع الشر والمخاصمة والمقاتلة، فإن الشيطان عدو لآدم وذريته من حين امتنع من السجود لآدم، فعداوته ظاهرة بينة، ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة، فإن الشيطان ينزغ في يده، أي: فربما أصابه بها» (١).
قال الشاعر:
أَحْسِنْ إِلَى النَّاسِ تَسْتَعْبِدْ قُلُوبَهُمْ ... فَطَاَلمَا اسْتَعْبَدَ الإِنْسَانَ إِحْسَانُ
ومنها: الإحسان عند مجادلة أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥].
قال الشوكاني ﵀: «أي بالطريق التي هي أحسن طرق المجادلة، وإنما أمرسبحانه بالمجادلة الحسنة لكون الداعي محقًّا، وغرضه صحيحًا، وكان خصمه مبطلًا، وغرضه فاسدًا» (٢).
ومنها: الإحسان في المعاملة من بيع وشراء ونحو ذلك، روى البخاري في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى» (٣)، وفي الحديث الآخر: «خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ
стр. 3485
قَضَاءً» (١).
ومنها: الإحسان إلى الميت عند تكفينه، روى مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: «إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ» (٢).
ومنها الإحسان إلى الحيوان، وذلك بحد الشفرة عند ذبحه، وأن لا يحد الشفرة أمامه، روى مسلم في صحيحه من حديث شداد بن أوس أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» (٣). والمعنى: أحسنوا هيئة الذبح، وهيئة القتل، وهذا يدل على وجوب الإسراع في إزهاق النفوس التي يباح إزهاقها على أسهل الوجوه.
فائدة:
ومن وصايا السلف الصالح: خمسٌ لهن أحسن من الدهم الموقفة (٤): لا تتكلم فيما لا يعنيك، فإنه فضل، ولا آمن عليك الوزر، ولا تكلم فيما يعنيك حتى تجد له موضعًا، فإنه رب متكلم في أمر يعنيه، قد وضعه في غير موضعه، فعيب، ولا
стр. 3486
تماري حليمًا ولا سفيهًا، فإن الحليم يقليك (١)، وإن السفيه يؤذيك، واذكر أخاك إذا تغيب عنك بما تحب أن يذكرك به، وأعفه عما تحب أن يعفيك منه، واعمل عمل رجل يرى أنه مجازى بالإحسان، مأخوذ بالإجرام (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3487
الكلمة الثانية والثلاثون
الشورى
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
فقد وردت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة تأمر بالشورى وترغب فيها، قال تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩].
قال الطبري إمام المفسرين- بعدما ذكر أقوال أهل العلم في هذه الآية: «وأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال أن الله أمر نبيه ﷺ بمشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه، ومكايد حربه، تألفًا منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرة التي يؤمن عليه معها فتنة الشيطان، وتعريفًا منه أمته مآتي الأمور التي تحزبهم من بعده ومطلبها، ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم، فيتشاوروا فيما بينهم كما كانوا يرونه في حياته ﷺ يفعله، فأما النبي ﷺ فإن الله كان يُعْرفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه أو إلهامه إياه صواب ذلك، وأما أمته فإنهم إذا تشاوروا مستنين بفعله في ذلك على تصادق وتآخ للحق،
стр. 3488
وإرادة جميعهم للصواب من غير ميل إلى هوى، ولا حيد عن هدى، فالله مسددهم وموفقهم» (١). أهـ
وقال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]، قال ابن كثير ﵀: «أي لا يبرمون أمرًا حتى يتشاوروا فيه، ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها، كما قال ﵎: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، ولهذا كان ﷺ يشاورهم في الحرب ونحوها، ليطيب بذلك قلوبهم، وهكذا لما حضرت عمر بن الخطاب ﵁ الوفاة حين طُعن، جعل الأمر بعده شورى في ستة نفر» (٢).
«والمشاورة هي: استنباط المرء الرأي من غيره فيما يعرض له من مشكلات الأمور، ويكون ذلك في الأمور الجزئية التي يتردد فيها المرء بين فعلها وتركها» (٣).
وكان النبي ﷺ يشاور أصحابه كثيرًا، والنصوص في هذا كثيرة.
قال علي ﵁ بعدما طعن عمر ﵁: ما خلفت أحدًا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وأيم الله إن كنت لأظن أن
стр. 3489
يجعلك الله مع صاحبيك، وذلك أني كثيرًا كنت أسمع النبي ﷺ يقول: «جِئْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَدَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» (١).
«ولا شك أن كثرة لقاء الرسول ﷺ مع صاحبيه كانت لأمور عظيمة، ومن ذلك التشاور المستمر في شؤون الأمة وما يجد فيها ويؤكد ذلك وقائع السيرة ورواياتها، بل إن الأمر أوسع من ذلك، فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ، وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بالْمَعْرُوف، وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ، وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى» (٢)» (٣).
ومن الأمثلة على استشارة النبي ﷺ لأصحابه وأهل بيته:
استشارة النبي ﷺ لأصحابه في غزوة بدر: فقد ورد في صحيح مسلم من حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان، قال: فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لَأَخَضْنَاهَا، وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى
стр. 3490
بَرْكِ الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا (١)(٢).
وكان النبي ﷺ يريد بهذه الاستشارة الأنصار لأنهم كانوا عدد الناس، وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا براء من ذمامك، نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، فكان الرسول ﷺ يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليه نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم، فلما أجابوا بما سبق اطمأن النبي ﷺ واستبشر.
استشارته لأصحابه في أسارى بدر: روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ﵁ قال: فلما أسروا الأسارى، قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: «مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلاءِ الأُسَارَى؟»، فقال أبو بكر: يا نبي الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟»، قلت: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا
стр. 3491
فنضرب أعناقهم، فتمكن عليًّا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكني من فلان - نسيبًا لعمر- فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئت، فإذا رسول الله وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاءً تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله ﷺ : «أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ» - شجرة قريبة من نبي الله ﷺ وأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال:٦٧ - ٦٩] فأحل الله الغنيمة لهم (١).
استشارته لأم سلمة ﵂ في غزوة الحديبية، فإن النبي ﷺ لما كتب الكتاب مع سهيل بن عمرو، أمر الصحابة أن يحلوا بالحلق بعد النحر، فما قام منهم رجل واحد، وقال ذلك ثلاث مرات، فلم يفعلوا، فدخل على أم سلمة ﵂، وذكر لها ما لقي من الناس، فأشارت عليه أم سلمة ﵂ أن يخرج ثم ينحر بدنه ولا يكلم أحدًا منهم، ثم يدعو حالقه فيحلقه، فخرج رسول الله ﷺ وفعل ما أشارت به أم سلمة من النحر
стр. 3492
والحلق، فلما رأى الصحابة ذلك، قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا (١).
«ومنها: مشاورته لأصحابه في أُحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج] إلى العدو [فأشار جمهورهم بالخروج، فخرج إليهم.
ومنها: مشاورته لأصحابه يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ، فأبى عليه السعدان: سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة فترك ذلك.
ومنها: مشاورته لأصحابه يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين؟ فقال له الصديق: إنا لم نجئ لقتال أحد، وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال» (٢). والأمثلة في هذا كثيرة.
«وكان الصحابة بعد رسول الله ﷺ يسيرون على هذه الشورى، فبعد وفاة رسول الله ﷺ ارتد بعض العرب، وامتنع آخرون عن أداء الزكاة، فتشاور الصحابة في ذلك، وكان لعمر ﵁ رأي معروف، وخالفه في ذلك أبو بكر ﵁، وثبت أبو بكر على رأيه بعدما ذكر الأدلة على صحة ما ذهب إليه، ثم
стр. 3493
شرح الله صدر عمر لقول أبي بكر، واتفقت كلمة الصحابة على حرب المرتدين، وقتال مانعي الزكاة.
وكذلك عمر ﵁، فقد كان يستشير كثيرًا، ويجمع أهل بدر للمعضلات، قال سعد بن أبي وقاص: «ما رأيت أحدًا أحضر فهمًا ولا ألب لبًّا، ولا أكثر علمًا، ولا أوسع علمًا من ابن عباس، ولقد رأيت عمر بن الخطاب يدعوه للمعضلات، ثم يقول: جاءتك معضلة، ثم لا يجاوز قوله» (١).
وآخر مظهر من مظاهر الشورى في حياة عمر ﵁: اختياره لأهل الشورى، وإسناد أمر الخلافة إليهم، وانتقل إلى الدار الآخرة وأمر المسلمين شورى بينهم، فرضي الله عنه وأرضاه.
قال الماوردي: «اعلم أن الحزم لكل ذي لب ألا يبرم أمرًا، ولا يمضي عزمًا إلا بمشورة ذي الرأي الناصح، ومطالعة ذي العقل الراجح، قال الشاعر:
إِذَا بَلَغَ الرّأْيُ المَشُورَةَ فَاستَعِنْ ... بِرَأْيِ نَصِيْحٍ أَوْ نَصِيْحَةِ حَازِمِ
وَلَا تَجْعَلِ الشُّورَى عَلَيْكَ غَضَاضَةً ... فَإِنَّ الخوَافِي قُوَّةٌ لِلْقَوَادِمِ
فإذا عزم على المشاورة، ارتاد لها من أهلها من قد استكملت فيه خمس خصال:
١ - عقل كامل مع تجربة سالفة، فإن بكثرة التجارب تصح الرؤية، قال أبو الأسود الدؤلي:
стр. 3494
وَمَا كُلُّ ذِي لُبٍّ بِمُؤْتِيكَ نُصْحَهُ ... وَلَا كُلُّ مُؤْتٍ نُصْحَهُ بِلَبِيبِ
وَلَكِنْ إِذَا مَا اسْتَجْمَعَا عِنْدَ صَاحِبٍ ... فَحُقَّ لَهُ مِنْ طَاَعةٍ بِنَصِيبِ
٢ - أن يكون ذا دين وتقى، فإن ذلك عماد كل صلاح، وباب كل نجاح، ومن غلب عليه الدين فهو مأمون السيرة، موفق العزيمة.
٣ - أن يكون ناصحًا ودودًا، فإن النصح والمودة يصدقان الفكرة ويمحصان الرأي.
٤ - أن يكون سليم الفكر من هم قاطع، وغم شاغل، فإن من عارضت فكره شوائب الهموم لا يسلم له رأي ولا يستقيم له خاطر.
٥ - ألا يكون له في الأمر المتشاور فيه غرض يتابعه، ولا هوى يساعده، فإن الأغراض جاذبة، والهوى صاد، والرأي إذا عارضه الهوى، وجاذبته الأغراض فسد.
فإذا استكملت هذه الخصال الخمس في رجل، كان أهلًا للمشورة، ومعدنًا للرأي، فلا يُعدل عن استشارته» (١).
قال ميمون بن مهران: «كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه أمر نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى بينهم، وإن علمه من سنة رسول الله ﷺ قضى به، وإن لم يعلم
стр. 3495
خرج فسأل المسلمين عن السنة، فإذا أعياه ذلك دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم واستشارهم» (١).
قال الشافعي ﵀: «إنما يؤمر الحاكم بالمشورة لكون المستشير ينبهه على ما يغفل عنه، ويدله على مالا يستحضره من الدليل، لا ليقلد المشير فيما يقوله: فإن الله لم يجعل هذا لأحد بعد رسول الله ﷺ » (٢).
«وقال عمر بن الخطاب ﵁: «الرجال ثلاثة: رجل ترد عليه الأمور فيسددها برأيه، ورجل يشاور فيما أشكل عليه، وينزل حيث يأمره أهل الرأي، ورجل حائر بائر (٣) لا يأتمر رشدًا، ولا يطيع مرشدًا» (٤).
وقال بعض البلغاء: «من حق العاقل أن يضيف إلى رأيه آراء الفضلاء، ويجمع إلى عقله عقول الحكماء، فالرأي الفذ ربما زل، والعقل الفرد ربما ضل» (٥).
قال ابن عطية: «والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه، وقد مدح الله المؤمنين بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى
стр. 3496
بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]» (١).
قال أعرابي: «ما غُبنت قط حتى يُغبن قومي، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لا أفعل شيئًا حتى أشاورهم» (١).
وقال ابن خُويز مَنْداد: واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكُتَّاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها، وكان يُقال: ما ندم من استشار، وكان يقال: من أُعجب برأيه ضل» (١).
قال البخاري: «وكانت الأئمة بعد النبي ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها.
وقال سفيان الثوري: ليكن أهل مشورتك أهل التقوى، والأمانة، ومن يخشى الله تعالى» (٢).
قال الشاعر:
شَاوِرْ صَدِيقَكَ فِي الخَفِيِّ المُشْكِلِ ... وَاقْبَلْ نَصِيحَةَ نَاصِحٍ مُتَفَضِّلِ
فَاللَّهُ قَدْ أَوْصَى بِذَاكَ نَبِيَّهُ ... فِي قَوْلِهِ شَاوِرْهُمْ وَتَوَكَّلِ
وقال آخر:
وِإنْ بَابُ أَمْرٍ عَلَيْكَ الْتَوَى ... فَشَاوِرْ لَبِيبًا وَلَا تَعْصِهِ
стр. 3497
قال الحسن: «ما كمل دين امرئ ما لم يكمل عقله»، فإذا استشير من هذه صفته واجتهد في الصلاح، وبذل جهده فوقعت الإشارة خطأ فلا غرامة عليه. قاله الخطابي وغيره» (١).
قال القرطبي: «الشورى مبنية على اختلاف الآراء، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف، وينظر أيها أقربها قولًا إلى الكتاب والسنة إن أمكنه، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه عزم عليه وأنفذه متوكلًا عليه، إذ هذه غاية الاجتهاد المطلوب» (٢).
وقال بعضهم: «شاور من جرب الأمور، فإنه يعطيك من رأيه ما دفع عليه غاليًا وأنت تأخذه مجانًا، وقد جعل عمر بن الخطاب الخلافة - وهي أعظم النوازل- شورى» (٣)(٤).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3498
الكلمة الثالثة والثلاثون
حديث الأبرص والأقرع والأعمى
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أنه سمع النَّبِيَّ ﷺ يقول: «إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَبْرَصَ، وَأَقْرَعَ، وَأَعْمَى، فَأَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فَأَتَى الْأَبْرَصَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ، وَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْإِبِلُ - أَوْ قَالَ: الْبَقَرُ، شَكَّ إِسْحَاقُ - إِلَّا أَنَّ الْأَبْرَصَ، أَوِ الْأَقْرَعَ، قَالَ أَحَدُهُمَا: الْإِبِلُ، وَقَالَ الْآخَرُ: الْبَقَرُ- قَالَ: فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ (١)،
فَقَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا، قَالَ: فَأَتَى الْأَقْرَعَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَذَرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ،
لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ، شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ (١) الْيَوْمَ شَيْئًا أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ، إِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ» (٢).
ولفظ مسلم: «فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ» وهو رواية عند البخاري (٣).
هذا الحديث اشتمل على فوائد كثيرة:
أن شكر النعم من أسباب بقائها وزيادتها، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم:٧]، ولذلك لما شكر الأعمى رد الله عليه بصره، وأبقى عليه ماله، وأما الآخران - الأبرص والأقرع - فإن الظاهر أن الله ردهما إلى ما كانا عليه من الفقر والعاهة والعياذ بالله.
إثبات الملائكة، والملائكة عالم غيبي، خلقهم الله من نور، وجعل لهم قوة في تنفيذ أمر الله، وجعل لهم إرادة في طاعة الله، فهم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما
стр. 3501
يؤمرون، قال تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٧].
أن الملائكة قد يكونون على صورة بني آدم، فإن الملك أتى لهؤلاء الثلاثة بصورة إنسان.
أن الملك مسح الأقرع، والأبرص، والأعمى مسحة واحدة، فأزال الله عيبهم بهذه المسحة؛ لأن الله -سُبْحَانَهُ- وتعالى إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، ولو شاء الله لأذهب عنهم العاهة بدون هذا الملك، ولكن الله جعل هذا سببًا لما يأتي ذكره من الابتلاء والامتحان.
أن الله قد يبارك للإنسان بالمال حتى ينتج منه الشيء الكثير، فإن هؤلاء النفر الثلاثة صار لواحد واد من الإبل، وللثاني واد من البقر، وللثالث واد من الغنم، وهذا من بركة الله .
تفاوت بني آدم في شكر نعمة الله ونفع عباد الله، فإن الأبرص والأقرع وقد أعطاهم الله المال الأهم والأكبر، ولكن جحدا نعمة الله، وقالا: إنما ورثنا هذا المال كابرًا عن كابر، وهم كذبة في ذلك، فإنهم كانوا فقراء وأعطاهم الله المال، لكنهم - والعياذ بالله - جحدوا نعمة الله وقالوا: هذا من آبائنا وأجدادنا. أما الأعمى فإنه شكر نعمة الله واعترف لله بالفضل، ولذلك وُفق وهداه الله وقال للملك: «خذ ما شئت ودع ما شئت».
стр. 3502
إثبات الرضا والسخط للهسبحانه وتعالى، أي أنه يرضى على من شاء ويسخط على من شاء، وهما من الصفات التي يجب أن نُثبتها لربنا ؛ لأنه وصف نفسه بها.
ففي القرآن الكريم: الرضا: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، وفي القرآن الكريم: ﴿أَنْ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)﴾ [المائدة:٨٠]. وفي القرآن العظيم الغضب: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣]. وهذه الصفات وأمثالها يؤمن بها أهل السنة والجماعة بأنها ثابتة لله على وجه الحقيقة، لكنها لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن الله لا يُشبه المخلوقين، فكذلك صفاته لا تشبه صفات المخلوقين» (١).
جواز ذكر ما اتفق لمن مضى ليتعظ به من سمعه، ولا يكون ذلك غيبة فيهم، ولعل هذا هو السر في ترك تسميتهم ولم يفصح بما اتفق لهم بعد ذلك، والذي يظهر أن الأمر فيهم وقع كما قال الملك.
فضل الصدقة والحث على الرفق بالضعفاء وإكرامهم وتبليغهم مآربهم.
الزجر عن البخل لأنه حمل صاحبه على الكذب وعلى
стр. 3503
جحد نعمة الله تعالى» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3504
الكلمة الرابعة والثلاثون
من محاسن الدين الإسلامي: وجود بدائل لكل عمل صالح
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
«فإن الدين الإسلامي الذي جاء به محمد ﷺ أكمل الأديان وأفضلها وأعلاها وأجلها، وقد حوى من المحاسن والكمال والصلاح والرحمة والعدل والحكمة ما يشهد لله تعالى بالكمال المطلق، وسعة العلم، والحكمة، ويشهد لنبيه ﷺ أنه رسول الله حقًّا، وأنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم:٤]» (١).
ومن محاسنه العظيمة وجود بدائل لكل عمل صالح، وقد يعجز المرء المسلم عن أدائه لمرض، أو فقر، أو شغل، أو تميل نفسه إلى نوع آخر من العبادة هو لها أنشط، وعليها أقدر، فلا أحد من أهل هذه الملة السمحاء مغبون أبدًا إلا أن يكون تقصيره من نفسه، وكلما كان العبد في دين الله أفقه، كان
стр. 3505
حصوله على مراده أتم.
روى مسلم في صحيحه من حديث جويرية بنت الحارث أم المؤمنين: أن النبي ﷺ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى، وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» (١).
فللَّه الحمد، ثم لله الحمد، ثم لله الحمد على ما أعطى وأنعم وأكرم، قال ابن رجب ﵀: «فسبحان من فضل هذه الأمة، وفتح لها على يدي نبيها نبي الرحمة أبواب الفضائل الجمة، فما من عمل عظيم يقوم به قوم ويعجز عنه آخرون إلا وقد جعل الله عملًا يقاومه أو يفضل عليه، فتتساوى الأمة كلها في القدرة عليه» (٢). وهذه بعض الأمثلة على سبيل التذكير لا سبيل الحصر.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال لامرأة من الأنصار يُقال لها أم سنان: «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَكُونِي حَجَجْتِ مَعَنَا؟» قَالَتْ: نَاضِحَانِ كَانَا