يؤمرون، قال تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٧].
أن الملائكة قد يكونون على صورة بني آدم، فإن الملك أتى لهؤلاء الثلاثة بصورة إنسان.
أن الملك مسح الأقرع، والأبرص، والأعمى مسحة واحدة، فأزال الله عيبهم بهذه المسحة؛ لأن الله -سُبْحَانَهُ- وتعالى إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، ولو شاء الله لأذهب عنهم العاهة بدون هذا الملك، ولكن الله جعل هذا سببًا لما يأتي ذكره من الابتلاء والامتحان.
أن الله قد يبارك للإنسان بالمال حتى ينتج منه الشيء الكثير، فإن هؤلاء النفر الثلاثة صار لواحد واد من الإبل، وللثاني واد من البقر، وللثالث واد من الغنم، وهذا من بركة الله .
تفاوت بني آدم في شكر نعمة الله ونفع عباد الله، فإن الأبرص والأقرع وقد أعطاهم الله المال الأهم والأكبر، ولكن جحدا نعمة الله، وقالا: إنما ورثنا هذا المال كابرًا عن كابر، وهم كذبة في ذلك، فإنهم كانوا فقراء وأعطاهم الله المال، لكنهم - والعياذ بالله - جحدوا نعمة الله وقالوا: هذا من آبائنا وأجدادنا. أما الأعمى فإنه شكر نعمة الله واعترف لله بالفضل، ولذلك وُفق وهداه الله وقال للملك: «خذ ما شئت ودع ما شئت».
стр. 3502
إثبات الرضا والسخط للهسبحانه وتعالى، أي أنه يرضى على من شاء ويسخط على من شاء، وهما من الصفات التي يجب أن نُثبتها لربنا ؛ لأنه وصف نفسه بها.
ففي القرآن الكريم: الرضا: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، وفي القرآن الكريم: ﴿أَنْ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)﴾ [المائدة:٨٠]. وفي القرآن العظيم الغضب: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣]. وهذه الصفات وأمثالها يؤمن بها أهل السنة والجماعة بأنها ثابتة لله على وجه الحقيقة، لكنها لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن الله لا يُشبه المخلوقين، فكذلك صفاته لا تشبه صفات المخلوقين» (١).
جواز ذكر ما اتفق لمن مضى ليتعظ به من سمعه، ولا يكون ذلك غيبة فيهم، ولعل هذا هو السر في ترك تسميتهم ولم يفصح بما اتفق لهم بعد ذلك، والذي يظهر أن الأمر فيهم وقع كما قال الملك.
فضل الصدقة والحث على الرفق بالضعفاء وإكرامهم وتبليغهم مآربهم.
الزجر عن البخل لأنه حمل صاحبه على الكذب وعلى
стр. 3503
جحد نعمة الله تعالى» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3504
الكلمة الرابعة والثلاثون
من محاسن الدين الإسلامي: وجود بدائل لكل عمل صالح
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
«فإن الدين الإسلامي الذي جاء به محمد ﷺ أكمل الأديان وأفضلها وأعلاها وأجلها، وقد حوى من المحاسن والكمال والصلاح والرحمة والعدل والحكمة ما يشهد لله تعالى بالكمال المطلق، وسعة العلم، والحكمة، ويشهد لنبيه ﷺ أنه رسول الله حقًّا، وأنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم:٤]» (١).
ومن محاسنه العظيمة وجود بدائل لكل عمل صالح، وقد يعجز المرء المسلم عن أدائه لمرض، أو فقر، أو شغل، أو تميل نفسه إلى نوع آخر من العبادة هو لها أنشط، وعليها أقدر، فلا أحد من أهل هذه الملة السمحاء مغبون أبدًا إلا أن يكون تقصيره من نفسه، وكلما كان العبد في دين الله أفقه، كان
стр. 3505
حصوله على مراده أتم.
روى مسلم في صحيحه من حديث جويرية بنت الحارث أم المؤمنين: أن النبي ﷺ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى، وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» (١).
فللَّه الحمد، ثم لله الحمد، ثم لله الحمد على ما أعطى وأنعم وأكرم، قال ابن رجب ﵀: «فسبحان من فضل هذه الأمة، وفتح لها على يدي نبيها نبي الرحمة أبواب الفضائل الجمة، فما من عمل عظيم يقوم به قوم ويعجز عنه آخرون إلا وقد جعل الله عملًا يقاومه أو يفضل عليه، فتتساوى الأمة كلها في القدرة عليه» (٢). وهذه بعض الأمثلة على سبيل التذكير لا سبيل الحصر.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال لامرأة من الأنصار يُقال لها أم سنان: «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَكُونِي حَجَجْتِ مَعَنَا؟» قَالَتْ: نَاضِحَانِ كَانَا
стр. 3506
لِأَبِي فُلَانٍ - زَوْجِهَا- حَجَّ هُوَ وَابْنُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَكَانَ الآخَرُ يَسْقِي عَلَيْهِ غُلَامُنَا، قَالَ: «فَعُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً- أَوْ حَجَّةً مَعِي» (١).
وروى الترمذي في سننه من حديث أنس بن مالك ﵄ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ»، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ» (٢).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء الفقراء إلى النبي ﷺ فقالوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ مِنَ الأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ، قَالَ: «أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِأَمْرٍ إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ، إِلَاّ مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ، تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ» (٣).
ومن قصَّر في شهر رمضان بنوافل العبادات من صلاة وصدقة وقراءة قرآن وغير ذلك، فعليه بليلة القدر، قال تعالى: ﴿وَمَا
стр. 3507
أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ [القدر:٢ - ٣]، أي العبادة فيها خير من ثلاثة وثمانين عامًا وبضعة أشهر.
والذي لا يستطيع الصدقة بالمال أو قيام الليل، فقوله: سبحان الله وبحمده يعدل ذلك، روى أبو نعيم في كتابه «معرفة الصحابة» من حديث عبد الله بن حبيب أن النبي ﷺ قال: «مَنْ ضَنَّ بِالْمَالِ أَنْ يُنْفِقَهُ، وَبِاللَّيْلَ أَنْ يُكَابِدَهُ، فَعَلَيهِ بِسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ» (١).
ومن عجز عن الجهاد بنفسه، فإن بر الوالدين يعدل ذلك، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِي ﷺ فَاسْتَأذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» (٢). وفي رواية لأبي داود قال: جِئتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ، قَالَ: «ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا» (٣).
وروى البخاري في صحيحه من حديث عائشة أم المؤمنين ﵄ قالت: استأذنت النبي ﷺ في الجهاد، فقال ﷺ : «جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ» (٤).
وفي رواية: قلت: يا رسول الله على النساء
стр. 3508
جهاد، قال: «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ، الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» (١).
والتيمم عند العجز عن استعمال الماء أو عدمه، وهو وإن كان رخصة فإنه بديل كذلك، روى أبو داود في سننه من حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ» (٢).
ومن لم يستطع قراءة القرآن في صلاته، فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله مع الأذكار الأخرى تعدل ذلك، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن أبي أوفى قال: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْنِي شَيْئًا يُجْزِئُنِي مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ»، قَالَ: فَذَهَبَ أَوْ قَامَ أَوْ نَحَو ذَا، قَالَ: هَذَا لِلَّهِ فَمَا لِي، قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَعَافِنِي، واهْدِنِي، وارْزُقْنِي- أَوْ وارْزُقْنِي، واهْدِنِي، وَعَافِنِي» (٣).
стр. 3509
ومن لم يستطع أن يقرأ ثلث القرآن، فإن سورة الصمد تعدل ذلك، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ لأصحابه: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ؟» فَشَق ذَلِكَ عَليهِم، وَقَالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ» (١).
ومن لم يستطع أن يصوم يومًا ويفطر يومًا فإن صيام ست من شوال مع رمضان يعدل صيام الدهر كله، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي أيوب قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» (٢).
ومن لم يستطع ذكر الله طوال يومه وليلته، فإن هناك من الأذكار ما يعدل ذلك، روى الإمام أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه من حديث أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ مر به وهو يحرك شفتيه، فقال: «مَاذَا تَقُول يَا أَبَا أُمَامَةَ؟» قَالَ: أَذْكُرُ رَبِّي، قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَكْثَرَ أَوْ أَفْضَلَ مِنْ ذِكْرِكَ اللَّيْلِ مَعَ النَّهَارِ، وَالنَّهَارَ مَعَ اللَّيْلِ؟ أَنْ تَقُول: سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ مِلْءَ مَا خَلَقَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا فِي الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ مِلْءَ مَا فِي الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا
стр. 3510
أَحْصَى كِتَابُهُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ كُلِّ شَيْءٍ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ مِلْءَ كُلِّ شَيْءٍ، وَ تَقُولُ الحَمْدُ لِلَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ» (١).
ومن لم يستطع أن يعتق الرقاب، فعليه بقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، فإنها تعدل ذلك، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عِدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَت لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (٢).
ومن لم يستطع صيام النهار وقيام الليل، فإن حسن الخلق يعدل ذلك، روى أبو داود في سننه من حديث عائشة ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْمُؤمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ» (٣).
стр. 3511
ومن لم يستطع صيام النهار، وقيام الليل، والصدقة، فإن الإصلاح بين الناس يعدل ذلك، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَالصَّدَقَةِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ»، قَالَ: «وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ» (١). وفي رواية: «لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ» (٢).
ومنها: صدقة البدن، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» (٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3512
الكلمة الخامسة والثلاثون
شرح حديث مالك بن التيهان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فقال: «مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟» قَالَا: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «وَأَنَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَخْرَجَنِيالَّذِي أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا». فَقَامُوا مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيْنَ فُلانٌ؟» قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ، إِذْ جَاءَ الأَنْصَارِيُّ، فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ للهِ، مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي، قَالَ: فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، فَقَالَ: كُلُوا مِنْ هَذِهِ، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ». فَذَبَحَ لَهُمْ فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتُسْأَلُنَّ
стр. 3513
عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ» (١).
«قوله: «مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَا: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَأَنَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا. فَقَامُوا مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ ... إلى آخره». «هذا فيه ما كان عليه النبي ﷺ وكبار أصحابه ﵃ من التقلل من الدنيا، وما ابتلوا به من الجوع وضيق العيش في أوقات، وقد زعم بعض الناس أن هذا كان قبل فتح الفتوح والقرى عليهم، وهذا زعم باطل، فإن راوي الحديث أبو هريرة ﵁، ومعلوم أنه أسلم بعد فتح خيبر، فإن قيل: لا يلزم من كونه رواه أن يكون أدرك القضية، فلعله سمعها من النبي ﷺ أو غيره، فالجواب: أن هذا خلاف الظاهر ولا ضرورة إليه، بل الصواب خلافه، وأن رسول الله ﷺ لم يزل يتقلب في اليسار والقلة حتى توفي ﷺ ، فتارة يوسر وتارة ينفد ما عنده، كما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة ﵁: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ» (٢). وعن عائشة ﵂: «مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةِ مِنْ طَعَامِ البُرِّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ» (٣)، وَتُوُفِّيَ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عَلَى شَعِيرٍ اسْتَدَانَهُ
стр. 3514
لِأَهْلِهِ (١)، وغير ذلك مما هو معروف.
فكان النبي ﷺ في وقت يوسر، ثم بعد قليل ينفد ما عنده لإخراجه في طاعة الله من وجوه البر وإيثار المحتاجين وضيافة الطارقين وتجهيز السرايا وغير ذلك، وهكذا كان خلق صاحبيه ﵄، بل أكثر أصحابه، وكان أهل اليسار من المهاجرين والأنصار ﵃ مع برهم له ﷺ وإكرامهم إياه وإتحافه بالطرف وغيرها، ربما لم يعرفوا حاجته في بعض الأحيان، لكونهم لا يعرفون فراغ ما كان عنده من القوت بإيثاره به، ومن علم ذلك منهم ربما كان ضيق الحال في ذلك الوقت، كما جرى لصاحبيه.
ولا يعلم أحد من الصحابة علم حاجة النبي ﷺ وهو متمكن من إزالتها إلا بادر إلى إزالتها، لكن كان ﷺ يكتمها عنهم إيثارًا لتحمل المشاق، وحملًا عنهم، وقد بادر أبو طلحة حين قال: سمعت صوت رسول الله ﷺ أعرف فيه الجوع إلى إزالة تلك الحاجة، وكذا حديث جابر وسنذكرهما بعد هذا إن شاء الله تعالى، وكذا حديث أبي شعيب الأنصاري الذي سبق في الباب قبله: «أنه عرف في وجهه ﷺ الجوع فبادر بصنيع الطعام».
وأشباه هذا كثيرة في الصحيح مشهورة، وكذلك كانوا يؤثرون بعضهم بعضًا ولا يعلم أحد منهم ضرورة صاحبه إلا
стр. 3515
سعى في إزالتها، وقد وصفهم الله -سُبْحَانَهُ- وتعالى بذلك، فقال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]، وقال تعالى: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، وأما قولهما ﵄: «أَخْرَجَنَا الجُوعُ»، وقوله ﷺ : «وَأَنَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا» فمعناه: أنهما لما كانا عليه من مراقبة الله تعالى ولزوم طاعته والاشتغال به، فعرض لهما هذا الجوع الذي يزعجهما ويقلقهما ويمنعهما من كمال النشاط للعبادة وتمام التلذذ بها، سَعَيَا في إزالته بالخروج في طلب سبب مباح يدفعانه به، وهذا من أكمل الطاعات وأبلغ أنواع المراقبات، وقد نُهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين وبحضرة طعام تتوق النفس إليه، وفي ثوب له أعلام، وبحضرة المتحدثين ... وغير ذلك مما يشغل قلبه، ونُهي القاضي عن القضاء في حال غضبه وجوعه وهمه وشدة فرحه، وغير ذلك مما يشغل قلبه ويمنعه كمال الفكر. والله أعلم» (١).
ذكر النووي وغيره فوائد لهذا الحديث، فمن ذلك:
جواز ذكر الإنسان ما يناله من ألم ونحوه، لا على سبيل التشكي وعدم الرضا، بل للتسلية والتصبر، كفعله ﷺ هنا، ولالتماس دعاء أو مساعدة على التسبب في إزالة ذلك العارض، فهذا كله ليس بمذموم، إنما يذم ما كان تشكيًا وتسخطًا وتجزعًا.
стр. 3516
جواز الحلف من غير استحلاف.
جواز الإدلال على الصاحب الذي يوثق به، واستتباع جماعة إلى بيته.
استحباب إكرام الضيف بقوله: مرحبًا وأهلًا وشبهه، وإظهار السرور بقدومه، وجعله أهلًا لذلك، كل هذا وشبهه إكرام للضيف، وقد قال ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» (١).
جواز سماع كلام الأجنبية ومراجعتها الكلام للحاجة.
جواز إذن المرأة في دخول منزل زوجها لمن علمت علمًا محققًا أنه لا يكرهه بحيث لا يخلو بها الخلوة المحرمة.
استحباب حمد الله تعالى عند حصول نعمة ظاهرة، وكذا يستحب عند اندفاع نقمة كانت متوقعة، وفي غير ذلك من الأحوال.
وقد قال النووي في الأذكار: «يستحب لمن تجددت له نعمة ظاهرة، أو اندفعت عنه نقمة ظاهرة، أن يسجد شكرًا لله تعالى، وأن يحمد الله تعالى أو يثني عليه بما هو أهله، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة مشهورة، روينا في صحيح البخاري عن عمرو بن ميمون الأودي في مقتل عمر بن الخطاب ﵁ في
стр. 3517
حديث الشورى الطويل: «أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَرْسَلَ ابْنَهُ عَبْدَ اللهِ إلَى عَائِشَةَ ﵂ يَسْتَأْذِنُهَا أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيهِ، فَلَمَّا أَقْبِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ عُمَرُ: مَا لَدَيْكَ؟ قَالَ: الذِي تُحِبُّ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، أذِنَتْ، قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، مَا كَانَ شَيءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ» (١).
وروينا في كتاب الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ رَأَى مُبْتَلًى فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ الْبَلَاءُ» (٢).
قال النووي ﵀: «قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: ينبغي أن يقول هذا الذكر سرًّا بحيث يسمع نفسه ولا يسمعه المبتلى لئلا يتألم قلبه بذلك، إلا أن تكون بليته معصية فلا بأس أن يسمعه ذلك إن لم يخف من ذلك مفسدة» (٣).
استحباب إظهار البشر والفرح بالضيف في وجهه وحمد الله تعالى وهو يسمع، على حصول هذه النعمة، والثناء على ضيفه إن لم يخف عليه فتنة، فإن خاف لم يثن عليه في وجهه؛
стр. 3518
وهذا طريق الجمع بين الأحاديث بجواز ذلك ومنعه (١).
استحباب تقديم الفاكهة على الخبز واللحم وغيرهما.
العذق - بكسر العين - الكياسة، وهي العرجون، والعذق - بفتح العين - النخلة، وإنما قدم لهم هذا العرجون لأنه الذي تيسر له بغير كلفة لا سيما مع تحققه حاجتهم؛ ولأن فيه ألوانًا من التمر والبسر والرطب؛ ولأن الابتداء بما يتفكه به من الحلاوة أولى من حيث إنه أقوى للمعدة لأنه أسرع هضمًا.
جواز الجمع بين طعامين فأكثر على مائدة لقوله: «فأكلوا من تلك الشاة ومن ذلك العذق».
استحباب المبادرة إلى الضيف بما تيسر، وإكرامه بعده بطعام يصنعه له، لا سيما إن غلب على ظنه حاجته في الحال إلى الطعام، وقد يكون شديد الحاجة إلى التعجيل، وقد يشق عليه انتظار ما يصنع له لاستعجاله للانصراف.
كره جماعة من السلف التكلف للضيف، وهو محمول على ما يشق على صاحب البيت مشقة ظاهرة؛ لأن ذلك يمنعه من الإخلاص وكمال السرور بالضيف، وربما ظهر عليه شيء من ذلك فيتأذى به الضيف، وقد يحضر شيئًا يعرف
стр. 3519
الضيف من حاله أنه يشق عليه، وأنه يتكلفه له فيتأذى لشفقته عليه، وكل هذا مخالف لقوله ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ... » (١)،
لأن أكمل إكرامه، إراحة خاطره، وإظهار السرور به، وأما فعل الأنصاري وذبحه للشاة فليس مما يشق عليه، بل لو ذبح أغنامًا بل جمالًا، وأنفق أموالًا في ضيافة رسول الله ﷺ وصاحبيه كان مسرورًا بذلك مغبوطًا فيه. والله أعلم.
جواز الشبع من الحلال، وما جاء في كراهة الشبع فمحمول على المداومة عليه؛ لأنه يقسي القلب وينسي أمر المحتاجين.
قوله: «لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ»: أي سؤال عرض لا سؤال مناقشة، وسؤال إظهار التفضل والمنن، لا سؤالًا يقتضي المعاينة والمحن، والنعيم كل ما يتنعم به، أي: يُستطاب ويتلذذ به، وإنما قال النبي ﷺ هذا استخراجًا للشكر على النعم وتعظيمًا لذلك» (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3520
الكلمة السادسة والثلاثون
شرح حديث: «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ» (١)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
روى الخطيب في تاريخ بغداد من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَوَقَّ الشَّرَّ يُوقَهُ» (١).
هذا حديث عظيم، اشتمل على حكم وتوجيهات وحقائق، أخبر عنها النبي ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فقد اشتمل هذا الحديث العظيم على مسائل:
الأولى: أن بذل الجهد في تحصيل العلم والحرص عليه وسيلة مضمونة لحصوله، فبالتعلم يُنال العلم. والتعلم: هو إتعاب الجسد، والعزم الصادق، وإخلاص النية، فإذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة تحقق بها المراد قطعًا، قال يحيى بن أبي كثير: «لا يستطاع العلم براحة الجسد»، وأخبار الأنبياء
(٧٦) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨) السَّفِينَةُ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾ [الكهف]. قال النبي ﷺ : «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى لَوَدِدْتُ أَنَّهُ كَانَ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَخْبَارِهِمَا» (١). وفي هذا أن الصبر لطلب العلم كلما كان أطول كان الانتفاع أعظم.
والصحابي الجليل جابر ﵁ رحل في طلب حديث من أحاديث النبي ﷺ شهرًا كاملًا.
فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث جابر بن عبد الله قال: بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله ﷺ فاشتريت بعيرًا ثم شددت عليه رحلي فسرت إليه شهرًا حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أُنيس، فقلت
стр. 3523
للبواب: قل له جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديثًا بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَوْ قَالَ: الْعِبَادُ عُرَاةً، غُرْلًا، بُهْمًا»، قَالَ: قُلْنَا: وَمَا «بُهْمًا»؟ قَالَ: «لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ [بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ] قَرُبَ: أنا الْمَلِكُ، أنا الدَّيَّانُ، لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ؛ حَتَّى اللَّطْمَةُ»، قُلْنَا: كَيْفَ وَإِنَّمَا نَأْتِي اللهِ عُرَاةً، غُرْلًا، بُهْمًا؟ قَالَ: «بِالْحَسَنَاتِ وَالسِّيِّئَاتِ» (١).
قال علي بن أحمد الخوارزمي: سمعت عبدالرحمن بن أبي حاتم يقول: «كنا بمصر سبعة أشهر لم نأكل فيها مرقة، كل نهارنا مقسم بمجالس الشيوخ، وبالليل النسخ والمقابلة، فأتينا يومًا أنا ورفيق لي شيخ، فقالوا: هو عليل، فرأينا في طريقنا سمكة أعجبتنا فاشتريناها، فلما صرنا إلى البيت حضر وقت مجلس، فلم يمكننا إصلاحها، ومضينا إلى المجلس، فلم نزل
стр. 3524
حتى أتى علينا ثلاثة أيام، وكادت أن تتغير، فأكلناها نيئة لم يكن لنا فراغ أن نعطيها من يشويها لنا، ثم قال: لا يستطاع العلم براحة الجسد» (١).
ورحل شعبة بن الحجاج في قصة مشهورة إلى الشام والحجاز واليمن في طلب حديث واحد، روى ابن عدي في الكامل ... سمعت نصر بن حماد يقول: كنا قعودًا على باب شعبة نتذاكر، فقلت: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر قال: كنا نتناوب رعية الإبل على عهد رسول الله ﷺ ، قال: فجئت ذات يوم والنبي ﷺ حوله أصحابه، قال: فسمعته يقول:] «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ» [، قَالَ: فَقُلْتُ: بَخٍ بَخٍ، قَالَ: فَجَذَبَنِي رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: الَّذِي قَالَ قَبْلَ أَحْسَنُ، قُلْتُ: وَمَا قَالَ؟ قَالَ: «مَنْ شَهِدَ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِيلَ لَهُ ادْخُلْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتَ»، قال: فخرج شعبة فلطمني ثم رجع، فتنحيت من ناحية، ثم خرج بعد فقال: ما له بعد يبكي، فقال له عبد الله بن إدريس: إنك أسأت إليه! قال: انظر ما يحدث، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء،
стр. 3525
عن عقبة ابن عامر، عن النبي ﷺ .
قال شعبة: أنا قلت لأبي إسحاق: من حدَّثك؟ قال: حدثني عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، قال: سمع عبد الله بن عطاء من عقبة؟ قال: فغضب، ومسعر ابن كدام حاضر، فقال: قد أغضبت الشيخ، قلت: ليصححن هذا الحديث، فقال مسعر بن كدام: عبد الله بن عطاء بمكة، قال شعبة: فرحلت إلى مكة فلقيت عبد الله فسألته، فقال: سعد ابن إبراهيم حدثني، قال شعبة: ثم لقيت مالك بن أنس فقال: سعد بالمدينة لم يحج العام، قال شعبة: فرحلت إلى المدينة فلقيت سعدًا فسألته، فقال: الحديث من عندكم زياد بن مخراق حدثني، قال شعبة: فلما ذكر زياد قلت: أي شيء هذا الحديث بينما هو كوفي إذ صار مكيًّا، إذ صار مدينيًّا، إذ صار بصريًّا؟ قال شعبة: فرحلت إلى البصرة فلقيت زياد بن مخراق فسألته، فقال: ليس الحديث من نايتك، قلت: حدثني به، قال: لا تريده، قلت: حدثني به، قال: حدثني شهر بن حوشب، عن أبي ريحانة، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ . قال شعبة: فلما ذكر شهر قلت: دمَّر علي هذا الحديث، لو صح لي هذا عن رسول الله ﷺ . كان أحب إليَّ من أهلي ومالي والناس أجمعين (١).
فبهذا صاروا أئمة يقتدى بهم، ولا تكاد تمر ساعة على وجه الأرض إلا ودُعي لهم فيها، فذكرهم باق، وأجرهم موصول، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت:٦٩].
стр. 3526
ومن الأمثلة القريبة ما جاء عن العلامة محمد بن الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان، يقول ﵀: «جئت للشيخ في قراءتي عليه، فشرح لي كما كان يشرح، ولكنه لم يشف ما في نفسي على ما تعودت، ولم يرو لي ظمئي، وقمت من عنده وأنا أجد في حاجة إلى إزالة بعض اللبس، وإيضاح بعض المشكل، وكان الوقت ظهرًا، فأخذت الكتب والمراجع فطالعت حتى العصر، فلم أفرغ من حاجتي، فعاودت حتى المغرب فلم أنته أيضًا، فأوقد لي خادمي أعوادًا من الحطب أقرأ على ضوئها كعادة الطلاب، وواصلت المطالعة وأتناول الشاهي الأخضر كلما مللت أو كسلت، والخادم بجواري يوقد الضوء، حتى انبثق الفجر وأنا في مجلسي لم أقم إلا لصلاة فرض أو تناول طعام، وإلى أن ارتفع النهار، وقد فرغت من درسي وزال عني لبسي، ووجدت هذا المحل من الدرس كغيره في الوضوح والفهم» (١).
وللشيخ الألباني ﵀ نبأ عجيب، فقد كان يتردد على المكتبة الظاهرية بدمشق، ويمكث فيها الساعات الطوال، وقد خصصت إدارة المكتبة غرفة له خاصة، وفي مرة من المرات صعد الشيخ ناصر على السلم في المكتبة الظاهرية ليأخذ كتابًا مخطوطًا فتناول الكتاب وفتحه، فبقى واقفًا على السلم يقرأ
стр. 3527
في الكتاب لمدة تزيد على الست ساعات، وهذه الوقفة ليست مريحة على الإطلاق، وإنما هي متعبة أكثر من الوقوف على الأرض، وكان مشغوفًا بالكتابة، فكان ينقل الأسانيد، فقد كتب في الكراريس الكبيرة تقريب السنة بين يدي الأمة ما يقارب أربعين ألف حديث، وعلق على جمع الطرق من هذا الكتاب، ومن ذاك الكتاب قراءة وكتابة، وهكذا وصل الشيخ إلى ما وصل إليه (١).
وللشيخ ابن باز نبأ آخر، فقد كان حريصًا على وقته حتى في حال السفر، فبمجرد ركوبه السيارة وذكره لدعاء السفر، يلتفت إلى من بجانبه من الكتاب، ويقول له: ما معك؟ فنبدأ، فتقرأ عليه بعض الكتب، وتُعرض عليه بعض القضايا والمعاملات، وهكذا حاله وهو ينتظر موعد إقلاع الطائرة، وبعد أن تقلع يكون معه كاتب أو كاتبان أو أكثر، فيتعاقبون القراءة عليه إلى حين وصول الطائرة إلى مكان هبوطها في الرياض أو الطائف أو غيرها.
وذكر الشيخ عبدالرحمن بن دايل، وهو رجل كبير السن، عاش مع سماحة الشيخ ما يقارب أربعين سنة، يقول: كنا في المدينة إبَّان عمل سماحته في الجامعة الإسلامية، وذات يوم
стр. 3528
سافر سماحته إلى قرية بدر التي تقع على الطريق بين جدة والمدينة على الطريق القديم، حيث ذهب لمهمة دعوة يلقي خلالها محاضرة، وكنت أنا والشيخ إبراهيم بن عبدالرحمن الحصين ﵀ معه في السيارة؛ فلما بدأ سيرنا ودعا سماحته بدعاء السفر، التفت ﵀ وقال: توكلوا على الله، يعني ابدؤوا بقراءة المعاملات، فقلنا: يا شيخ - غفر الله لك - نحن دائمًا نقرأ، ولا نتمكن من الخروج خارج المدينة، وهذه هي فرصتنا؛ دعنا نستمتع بالرحلة، وننظر إلى الجبال والأودية، ونتفكر في مخلوقات الله.
فضحك سماحته وقال: اللهم اهدنا فيمن هديت، اللهم اهدنا فيمن هديت؛ ليقرأ الشيخ إبراهيم، وأنت تفكر في مخلوقات الله كما تقول، وبعد أن ينتهي الشيخ إبراهيم، أملي عليك، وينظر الشيخ إبراهيم ويتفكر وقت الإملاء، وهكذا ..
ويقول الشيخ عبدالرحمن بن دايل: أنتم ما أدركتم نشاط سماحته؛ إذ كان في المدينة لا ينام بعد العشاء إلا متأخرًا، وكان لا ينام بعد الفجر، ولا الظهر، ولا العصر (١).
وللشيخ ابن عثيمين نبأ آخر، فقد كان يمضي وقته كله في الدروس والإفتاء والعبادة ولا ينام إلا قليلًا، وفي آخر حياته
стр. 3529
وعند شدة مرضه بالسرطان، كان يجيب الأسئلة عن طريق الهاتف، ويطلب معاملات الناس وهو في المستشفى ليقضيها، ثم طلب أن يلقي درسه في العشر الأواخر من رمضان، وأصر على ذلك، فانتقل معه الأطباء وكان يلقي درسه والأجهزة والأكسجين على جسمه. يَغُوصُ البَحْرُ مَنْ طَلَبَ اللَآلِي
والخلاصة ما قاله أحد الشعراء:
لَأَسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أَوْ أُدِرْكُ المُنَى ... فَمَا انْقَادَتِ الآمَالُ إِلَّا لِصَابِرِ
وقال الشافعي:
بقَدْرِ الكَدِّ تُكْتَسَبُ المَعَالِي ... وَمَنْ طَلَبَ العُلَا سَهِرَ اللَّيَالِي
تَرَومُ العِزَّ ثُمَّ تَنَامُ لَيْلًا ... يَغُوصُ البَحْرُ مَنْ طَلَبَ اللَآلِي
وَمَنْ رَامَ العُلَى مِنْ غَيْرِ كَدٍّ
أَضَاعَ اَلعُمْرَ فِي طَلَبِ المُحَالِ
وقال المتنبي:
وَإِذَا كَانَتِ النُّفُوسُ كِبَارًا
تَعِبَتْ فِي مُرادِهَا الأَجْسَامُ
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3530
الكلمة السابعة والثلاثون
شرح حديث: «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ» (٢)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
فاستكمالًا لشرح حديث: «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ».
المسألة الثانية: قوله ﷺ : «وإنما الحلم بالتحلم»، والحلم هو: العفو والصفح عمن أساء إليك مع القدرة على الانتقام، وهو من الأخلاق الفاضلة التي لم ينل غايتها إلا القليل، وقد تكون هذه الخصلة جبلة للشخص، تفضل الله بها عليه، كما روى مسلم في صحيحه من حديث أشج عبد القيس قال: قال لي رسول الله ﷺ : «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ» (١)،
وفي رواية قال: شَيْءٌ جُبِلْتُ عَلَيْهِ أَوْ شَيْءٌ أَتَخَلَّقُهُ؟ قَالَ: «بَلْ جُبِلْتَ عَلَيْهِ»، قَالَ: الْحَمْدُ لله (٢).
وتحصل بالاكتساب، فبالتعلم يُنال الحلم، قال الأحنف
стр. 3531
ابن قيس: «إني لست بحليم، ولكني أتحالم».
وممن اشتهر بذلك، الصحابي الجليل سيد أهل البادية قيس بن عاصم المنقري التميمي، والأحنف بن قيس التميمي.
ومن عجيب ما جرى، ما ذكره الأحنف بن قيس، فقد قيل له: مما تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم، رأيته يومًا محتبيًا، فأُتي برجل مكتوف وآخر مقتول، فقيل: هذا ابن أخيك قتل ابنك، فالتفت إلى ابن أخيه فقال: يابن أخي بئسما فعلت، أثمت بربك، وقطعت رحمك، ورميت نفسك بسهمك، ثم قال لابن آخر له: قم يا بُنَيَّ فوار أخاك وحُل كتاف ابن عمك، وسق إلى أمه مائة ناقة دية ابنها، فإنها غريبة (١).
ففي هذه وغيرها استحق ﵁ أن يقال فيه:
عَلَيْكَ سَلَامُ اللَّهِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ ... وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحَّمَا
وَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكٌ وَاحِدٌ ... وَلَكِنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا
وإليك قصة وفوده على النبي ﷺ وما فيها من الفوائد والعبر، روى البخاري في الأدب المفرد عن قيس بن عاصم السعدي قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال: «هَذَا سَيِّدُ أَهْلِ الْوَبَرِ»، فقلت: يا رسول الله! ما المال الذي ليس عليّ فيه تبعة من طالب ولا من ضيف؟ فقال رسول الله ﷺ : «نِعْمَ الْمَالُ أَرْبَعُونَ،
стр. 3532
وَالأَكْثَرُ (١) سِتُّونَ، وَوَيْلٌ لأَصْحَابِ الْمِئِينَ إِلا مَنْ أَعْطَى الْكَرِيمَةَ، وَمَنَحَ الْغَزِيرَةَ، وَنَحَرَ السَّمِينَةَ، فَأَكَلَ، وَأَطْعَمَ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ» (٢).
قلت يا رسول الله! ما أكرم هذه الأخلاق، لا يحل بوادٍ أنا فيه من كثرة نَعَمي، فقال: «كَيْفَ تَصْنَعُ بِالْعَطِيَّةِ؟» قُلْتُ: أُعْطِي الْبَكْرَ (٣)، وَأُعْطِي النَّابَ (٤)، قَالَ: «كَيْفَ تَصْنَعُ فِي الْمَنِيحَةِ (٥)؟» قَالَ: إِنِّي لأَمْنَحُ النَّاقَةَ، قَالَ: «كَيْفَ تَصْنَعُ فِي الطَّرُوقَةِ (٦)؟» قَالَ: يَغْدُو النَّاسُ بِحِبَالِهِمْ، وَلا يُوزَعُ (٧) رَجُلٌ مِنْ جَمَلٍ يَخْتَطِمُهُ (٨)، فَيُمْسِكُهُ مَا بَدَا لَهُ، حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَرُدَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَمَالُكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمْ مَالُ مَوَالِيكَ؟» قَالَ: مَالِي، قَالَ: «فَإِنَّمَا لَكَ مِنْ مَالِكَ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ أَعْطَيْتَ فَأَمْضَيْتَ، وَسَائِرُهُ لِمَوَالِيكَ».
فقلت: لا جرم، لئت رجعت لأقلن عددها. فلما حضره الموت جمع بنيه فقال: يا بني، خذوا عني؛ فإنكم لن تأخذوا عن أحد هو أنصح لكم مني، لا تنوحوا علي؛ فإن رسول الله ﷺ
стр. 3533
لم ينح عليه، وقد سمعت النبي ﷺ ينهى عن النياحة، وكفنوني في ثيابي التي كنت أصلي فيها، وسوّدوا أكابركم؛ فإنك إذا سودتم أكابركم لم يزل لأبيكم فيكم خليفة، وإذا سوّدتم أصاغركم هان أكابركم على الناس، وزهدوا فيكم، وأصلحوا عيشكم؛ فإن فيه غنًى عن طلب الناس، وإياكم والمسألة؛ فإنها آخر كسب المرء.
وإذا دفنتموني فسووا علي قبري؛ فإنه كان يكون شيء بيني وبين هذا الحي من بكر بن وائل: خُمشات (١)، فلا آمن سفيهًا أن يأتي أمرًا يُدخل عليكم عيبًا في دينكم (٢).
ومن الحلماء المشهورين: معاوية ﵁، وله في ذلك قصص مشهورة، وكان يقول: «لا حليم إلا ذو تجربة»، وذلك أن الحلم في ظاهره مذلة وعيب، ولكن مع التجارب وحسن النتائج تبين فضله وعظيم منزلته.
أما عن حلمه ﷺ فذاك أمر لا تحويه القراطيس، ولا يحيط به بليغ الكلام، وبالنية إفراد التذكير به بكلمة مستقلة.
стр. 3534
ملاحظة:
قوله ﷺ في الجملتين: إنما هذه تأتي للحصر، ولكن ليس ذلك على الإطلاق كما نبه على ذلك أهل الأصول واللغة.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3535
الكلمة الثامنة والثلاثون
شرح حديث: «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ» (٣)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
المسألة الثالثة: قوله ﷺ : "وَمَنْ يَتَحرَّ الخَيْرُ يْعَطُه، وَمَنْ يَتَوقَّ الشَّرَّ يُوقَهُ" (١).
قوله: «وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ»، قال ابن الأثير: «التحري: القصد والاجتهاد في الطلب، والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول، ومنه الحديث: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ» أي تعمدوا طلبها فيها» (٢).
وهل المقصود بالخير، الخير الديني فقط، أو الديني والدنيوي معًا؟
الذي يظهر أن اللفظ عام يشمل الأمرين معًا، والأمر الدنيوي المباح إذا استعين به على طاعة الله كان خيرًا لصاحبه،
стр. 3536
كما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: « ... وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ هُوَ؛ لِمَنْ أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ، وَالْيَتِيمَ، وَابْنَ السَّبِيلِ» (١).
قوله: يعطه؛ أي أن الله ييسر له ما أراد من الخير، والجزاء من جنس العمل، وفي الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» (٢).
وفي دعاء الاستخارة المشهور: « ... إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي، وَمَعَاشِي، وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، فَاقْدُرْهُ لِي، وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ ... وفي آخر الحديث: وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ» (٣).
قوله في الحديث: «وَمَنْ يَتَوَقَّ الشَّرَّ»، قال في المعجم: توقى من الشيء اتقاه، حذره، وتجنبه، وفي الحديث: «وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ» (٤) أي: تجنبها، لا تأخذها في الصدقة؛ لأنها تكرم على أصحابها، وتعز، فخذ الوسط لا العالي، ولا النازل، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ
стр. 3537
الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]. قوله: يوقه: المعنى إذا اتقى الشر وتجنبه فإن الله يقيه ويصرفه عنه.
روى البخاري في صحيحه من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: «كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي» (١).
ومن القصص التي تذكر في هذا الشأن للاعتبار بها، ما ذكره ابن عباس قال: «لما قبض رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله ﷺ فإنهم اليوم كثير، فقال: يا عجبًا لك يا ابن عباس، أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله ﷺ من فيهم؟ قال: فترك ذلك، وأقبلت أنا أسأل أصحاب رسول الله ﷺ ، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه تسفي الريح علي من التراب، فيخرج فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله ما جاء بك؟ هلا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: لا أنا أحق أن آتيك، قال: فأسأله عن الحديث، قال: فعاش هذا الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع حولي الناس يسألوني، فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني» (٢).
стр. 3538
ومنها قصة تخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك، وما حصل له من هجر النبي ﷺ وأصحابه، وفي أثناء هذا البلاء والهجر الشديد جاءته رسالة من ملك الغساسنة يقول فيها: «أما بعد .. إنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسيك»، فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها (٢). فوقاه الله من الشر والبلاء وتاب عليه.
ومنها ما حصل لأبي عثمان المازني وكان ﵀ في غاية الورع، وقصده يهودي ليقرأ عليه كتاب سيبويه، وبذل له مئة دينار في تدريسه إياه، فامتنع، فقال له المبرد - تلميذه -: جعلت فداك أترد هذه المنفعة مع فاقتك، وشدة إضاقتك؟ فقال: إن هذا الكتاب يشتمل على ثلاثة مئة وكذا وكذا آية من كتاب الله ، ولست أرى أن أُمكن منها ذميًّا غيرة على كتاب الله وحمية له، قال المبرد: فاتفق أن غنت جارية بحضرة الخليفة الواثق:
أَظَلُومُ إِنَّ مُصَابَكُمْ رَجُلًا ... أَهْدَى السَّلَامَ تَحِيَّةً ظُلْمُ
فاختلف من في حضرة الخليفة في إعراب: رجلًا، فمنهم من نصبه وجعله اسم إن، ومنه من رفعه على أنه خبرها، والجارية
стр. 3539
مصرة على أن شيخها أبا عثمان المازني لقنها إياه بالنصب، فأمر الواثق بإحضاره من البصرة إلى بغداد، قال: وسأله عن الرجل بالنصب أم الرفع؟ فأجابه بالنصب، وقال: إن مُصابكم مصدر بمعنى إصابتكم، فعارضه أحد الحضور، فقال المازني: هو بمنزلة قولك: إن ضربك زيد ظلم، فالرجل مفعول مصابكم منصوب به، والدليل عليه أن الكلام معلق إلى أن تقول: ظلم، فيتم، فأعجب الواثق بإجابته بعد حوار دار بينهما، وأمر له بألف دينار، قال المازني: وردني مكرمًا، فلما عدت إلى البصرة، قلت لتلميذي المبرد: تركنا مئة فعوضنا الله ألفًا (١).
ومنها - وهي من أعجب ما ورد: قصة إسلام سلمان الفارسي ﵁ وقد سبق ذكرها في هذا الكتاب (٢).
ملاحظة:
قد يجتهد الإنسان في تحري الخير فلا يعطى، أو يتوقى الشر فلا يوقه، والجواب عن ذلك: أن ما منع مما ظاهره الخير خير له، وما لا يمنع عنه مما ظاهره الشر خير له كذلك، لأن حقائق الأمور وغيبياتها لا يعلمها إلا الله، وفي التنزيل المبارك: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا
стр. 3540
وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة:٢١٦].
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.