← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

كما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: « ... وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ هُوَ؛ لِمَنْ أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ، وَالْيَتِيمَ، وَابْنَ السَّبِيلِ» (١). قوله: يعطه؛ أي أن الله ييسر له ما أراد من الخير، والجزاء من جنس العمل، وفي الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» (٢). وفي دعاء الاستخارة المشهور: « ... إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي، وَمَعَاشِي، وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، فَاقْدُرْهُ لِي، وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ ... وفي آخر الحديث: وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ» (٣). قوله في الحديث: «وَمَنْ يَتَوَقَّ الشَّرَّ»، قال في المعجم: توقى من الشيء اتقاه، حذره، وتجنبه، وفي الحديث: «وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ» (٤) أي: تجنبها، لا تأخذها في الصدقة؛ لأنها تكرم على أصحابها، وتعز، فخذ الوسط لا العالي، ولا النازل، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ

стр. 3537

الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]. قوله: يوقه: المعنى إذا اتقى الشر وتجنبه فإن الله يقيه ويصرفه عنه. روى البخاري في صحيحه من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: «كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي» (١). ومن القصص التي تذكر في هذا الشأن للاعتبار بها، ما ذكره ابن عباس قال: «لما قبض رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله ﷺ فإنهم اليوم كثير، فقال: يا عجبًا لك يا ابن عباس، أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله ﷺ من فيهم؟ قال: فترك ذلك، وأقبلت أنا أسأل أصحاب رسول الله ﷺ ، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه تسفي الريح علي من التراب، فيخرج فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله ما جاء بك؟ هلا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: لا أنا أحق أن آتيك، قال: فأسأله عن الحديث، قال: فعاش هذا الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع حولي الناس يسألوني، فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني» (٢).

стр. 3538

ومنها قصة تخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك، وما حصل له من هجر النبي ﷺ وأصحابه، وفي أثناء هذا البلاء والهجر الشديد جاءته رسالة من ملك الغساسنة يقول فيها: «أما بعد .. إنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسيك»، فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها (٢). فوقاه الله من الشر والبلاء وتاب عليه. ومنها ما حصل لأبي عثمان المازني وكان ﵀ في غاية الورع، وقصده يهودي ليقرأ عليه كتاب سيبويه، وبذل له مئة دينار في تدريسه إياه، فامتنع، فقال له المبرد - تلميذه -: جعلت فداك أترد هذه المنفعة مع فاقتك، وشدة إضاقتك؟ فقال: إن هذا الكتاب يشتمل على ثلاثة مئة وكذا وكذا آية من كتاب الله ، ولست أرى أن أُمكن منها ذميًّا غيرة على كتاب الله وحمية له، قال المبرد: فاتفق أن غنت جارية بحضرة الخليفة الواثق: أَظَلُومُ إِنَّ مُصَابَكُمْ رَجُلًا ... أَهْدَى السَّلَامَ تَحِيَّةً ظُلْمُ فاختلف من في حضرة الخليفة في إعراب: رجلًا، فمنهم من نصبه وجعله اسم إن، ومنه من رفعه على أنه خبرها، والجارية

стр. 3539

مصرة على أن شيخها أبا عثمان المازني لقنها إياه بالنصب، فأمر الواثق بإحضاره من البصرة إلى بغداد، قال: وسأله عن الرجل بالنصب أم الرفع؟ فأجابه بالنصب، وقال: إن مُصابكم مصدر بمعنى إصابتكم، فعارضه أحد الحضور، فقال المازني: هو بمنزلة قولك: إن ضربك زيد ظلم، فالرجل مفعول مصابكم منصوب به، والدليل عليه أن الكلام معلق إلى أن تقول: ظلم، فيتم، فأعجب الواثق بإجابته بعد حوار دار بينهما، وأمر له بألف دينار، قال المازني: وردني مكرمًا، فلما عدت إلى البصرة، قلت لتلميذي المبرد: تركنا مئة فعوضنا الله ألفًا (١). ومنها - وهي من أعجب ما ورد: قصة إسلام سلمان الفارسي ﵁ وقد سبق ذكرها في هذا الكتاب (٢). ملاحظة: قد يجتهد الإنسان في تحري الخير فلا يعطى، أو يتوقى الشر فلا يوقه، والجواب عن ذلك: أن ما منع مما ظاهره الخير خير له، وما لا يمنع عنه مما ظاهره الشر خير له كذلك، لأن حقائق الأمور وغيبياتها لا يعلمها إلا الله، وفي التنزيل المبارك: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا

стр. 3540

وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة:٢١٦]. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3541

الكلمة التاسعة والثلاثون حلمه ﷺ - الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. فإن من الأخلاق الجميلة والصفات الحميدة التي اشتهر بها ﷺ حلمه العظيم، قال تعالى مثنيًا على نبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم:٤]. روى البخاري في صحيحه من حديث عطاء بن يسار ﵁ قال: لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ، قَالَ: أَجَلْ، وَاللهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب:٤٥]. وَحِرزًا لِلأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلا غَلِيظٍ، وَلا سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لا

стр. 3542

إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَيُفْتَحَ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا (١). والحلم: هو العفو والصفح عمن أساء إليك مع القدرة على الانتقام. قال ابن حبان: «الحلم أجمل ما يكون من المقتدر على الانتقام، وهو يشتمل على المعرفة والصبر والأناة والتثبت، ومن يتصف به يكون عظيم الشأن، رفيع المكان، محمود الأجر، مرضي الفعل، وإن من نفاسة اسم «الحلم» وارتفاع قدره أن الله - جل وعلا - تسمى به» (٢). وقال بعض العلماء: «ليس الحليم من ظلم فَحَلُم، حتى إذا قدر انتقم، ولكن الحليم من ظلم فحلم، حتى إذا قدر عفا» (٣). وقد وصف الله به بعض أنبيائه على وجه الثناء والحمد، قال تعالى عن نبي الله إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة:١١٤]، قال ابن كثير ﵀: «كان حليمًا عمن ظلمه وأناله مكروهًا، ولهذا استغفر لأبيه مع شدة أذاه له في قوله: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ

стр. 3543

كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾ [مريم:٤٦ - ٤٧]» (١). وقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ [الصافات:١٠١]. روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود ﵄ قال: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوهُ، فَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ» (٢). وكان النبي ﷺ أكثر الناس حلمًا، ومواقفه في ذلك كثيرة، فمن ذلك: ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَتَقَاضَاه فَأَغْلَظَ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «دَعُوهُ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا»، ثُمَّ قَالَ: «أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ لَا نَجِدُ إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ (٣)، قَالَ: «أَعْطُوهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسُنُكُمْ قَضَاءً» (٤). «وفي الحديث دليل على حسن خلقه ﷺ وحلمه، وقوة صبره على الجفاء مع القدرة على الانتقام» (٥). ومنها ما رواه البخاري ومسلم من حديث أنس بن

стр. 3544

مالك ﵁ أنه قال: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عُنُقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَدْ أَثَّرَ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بعِطَاءٍ (١). قال ابن حجر ﵀: «وفي هذا الحديث بيان حلمه ﷺ وصبره على الأذى في النفس والمال، والتجاوز على جفاء من يريد تألفه على الإسلام، وليتأسى به الولاة بعده في خلقه الجميل من الصفح والإغضاء والدفع بالتي هي أحسن» (٢). وقال القرطبي ﵀: «وهذا الحديث يدل على ما وصف الله به نبيه ﷺ أنه على خلق عظيم، وأنه رؤوف رحيم، فإن هذا الجفاء العظيم الذي صدر من هذا الأعرابي لا يصبر عليه ولا يحلم عنه مع القدرة عليه إلا مثله، ثم ضحكه ﷺ عند هذه الجبذة الشديدة التي انشق البرد عنها وتأثر عنقه بسببها حتى انفلت عن وجهته ورجع إلى نحر الأعرابي، دليل على أن الذي تم له من مقام الصبر والحلم ما تم لأحد» (٣).

стр. 3545

ومنها ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت للنبي ﷺ : هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ: «لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمُ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَاّ بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ ﵇ فَنَادَانِي، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ»، قَالَ: «فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ فَمَا شِئْتَ؟ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ» (١)، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» (٢). ومنها: ما رواه البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد: أن النبي ﷺ ركب حمارًا عليه إكاف، تحته قطيفة فدكية، وأردف وراءه أسامة، وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث ابن الخزرج، وذاك قبل وقعة بدر، حتى مر بمجلس فيه أخلاط من

стр. 3546

المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، فيهم عبد الله بن أُبي، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر عبد الله بن أُبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم عليهم النبي ﷺ ثم وقف فنزل، فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أُبي: أيها المرء! لا أحسن من هذا إن كان ما تقول حقًّا، فلا تؤذنا في مجالسنا، وارجع إلى رحلك، فمن جاءك منا فاقصص عليه، فقال عبد الله ابن رواحة: اغشنا في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، قال: فاستب المسلمون والمشركون واليهود، حتى هموا أن يتواثبوا، فلم يزل النبي ﷺ يخفضهم، ثم ركب دابته حتى دخل على سعد ابن عبادة، فقال: «أَيْ سَعْدُ أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ -يُرِيدُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ- قَالَ: كَذَا وَكَذَا»، قَالَ: اعْفُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللهِ، وَاصْفَحْ، فَواللهِ لَقَدْ أَعْطَاكَ الله الَّذِي أَعْطَاكَ وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ أَنْ يُتَوِّجُوهُ، فَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ، فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَهُ شَرِقَ بِذَلِكَ فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ، فَعَفَا عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ (١). ومنها: ما رواه الإمام أحمد في مسنده وأصله في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله قال: قَاتَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُحَارِبَ خَصَفَةَ بِنَخْلٍ، فَرَأَوْا مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِرَّةً، فَجَاءَ

стр. 3547

رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: غَوْرَثُ بْنُ الْحَارِثِ، حَتَّى قَامَ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: «اللَّهُ»، فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، قَالَ: فَأَخَذَه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟» قَالَ: كُنْ خَيْرَ آخِذٍ، قَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟» قَالَ: لَا، وَلَكِني أُعَاهِدُكَ أَنْ لَا أُقَاتِلَكَ، وَلَا أَكُونُ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، قَالَ: فَذَهَبَ إِلى أَصْحَابِهُ، وَقَالَ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ (١). والأحاديث السابقة تدل على ما كان عليه النبي ﷺ من الحلم والصفح في الدعوة إلى الله والصبر على ذلك، وهذا مصداق قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، والأمثلة كثيرة في حلمه ﷺ ، وما ذكرته غيض من فيض، وقليل من كثير. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3548

الكلمة الأربعون فوائد من حديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عمر ابن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (١). هذا الحديث اتفق العلماء على صحته، وتلقيه بالقبول، وبه صدَّر البخاري كتابه «الصحيح» وأقامه مقام الخطبة له، إشارة إلى أن كل عمل لا يُراد به وجه الله فهو باطل، لا ثمرة له في الدنيا ولا في الآخرة. ولهذا قال عبدالرحمن بن مهدي: «لو صنفت الأبواب لجعلت حديث عمر في كل باب».

стр. 3549

وعنه أنه قال: «من أراد أن يصنف كتابًا، فليبدأ بحديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». وهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور الدين عليها، فروي عن الشافعي أنه قال: «هذا الحديث ثلث العلم»، وعن الإمام أحمد قال: «أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث، حديث عمر: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، وحديث عائشة ﵂: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا»، وحديث النعمان بن بشير: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ»». قال ابن حجر ﵀: «وقد تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم قدر هذا الحديث، قال أبو عبد الله: ليس في إخبار النبي ﷺ شيء أجمع وأغنى وأكثر فائدة من هذا الحديث» (١). وقد اشتمل هذا الحديث على فوائد كثيرة لدخوله في أكثر أبواب العلم، بل كلها، وأقتصر هنا على ثلاث قواعد يجتمع فيها كثير من الحكم والأحكام. الأولى: دل الحديث على أن الأعمال وإن كانت صالحة وعلى السنة لا تقبل إلا بنية خالصة، وذلك أن يريد العامل بعمله وجه الله تعالى، وما لم يكن كذلك فهو مردود غير مقبول، ولذلك قال ﷺ : «وَإِنَّمَا

стр. 3550

لِامْرِئٍ مَا نَوَى» ومثل ﷺ بمثال من الواقع يبين هذا الأمر العظيم، وهو أن المهاجرين صورتهم الظاهرة واحدة، ولكن لما اختلفت النيات كان من هاجر لله ولرسوله مقبول الهجرة، مأجور عليها، ومن هاجر لغير ذلك من أمور الدنيا فهجرته مردودة غير مقبولة، ولا مأجور عليها، وقس على ذلك جميع الأعمال الصالحة، قال ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ» (١). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما قوله ﷺ : «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» (٢). الثانية: أن من عمل عملًا صالحًا موافقًا للسنة إذا لم يخلص فيه نيته، فإنه يكون مشركًا، قال ﷺ فيما يرويه عن ربه-: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (٣). ويبطل بذلك عمله - وإن كان ظاهره خيرًا- ولم يكن له

стр. 3551

منه إلا النصب والتعب، كما قال تعالى: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤)﴾ [الغاشية:٣ - ٤]. الثالثة: بالنية تتميز العبادات بعضها عن بعض، فمن صلى الظهر بنية العصر لم يجزئه ذلك، وكذلك العكس، وإن كانت صورتهما في الفعل واحدة، ومن صام يومًا من أيام رمضان ولم ينوه منه لم يجزئه ذلك عن صوم الفرض على الراجح من أقوال أهل العلم. وتتميز العبادات عن العادات ويختلف الحكم باختلافهما، فمن اغتسل ينوي بذلك التبرد لم يجزئه عن غسل الجنابة مثلًا، ومن أمسك عن المفطرات يومًا كاملًا ولم ينو بذلك التقرب إلى الله، وإنما كانت نيته التداوي ونحوه؛ لم يكن ذلك مسقطًا له عن فرض ولا مجزئًا عن مسنون. فاحرص يا عبد الله على معرفة هذه القواعد والعمل بها تفوز بسعادة الدارين، وتسلم في الدنيا والآخرة. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3552

الكلمة الواحدة والأربعون فوائد من حديث: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ» الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. روى البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ» (١). «وهذا الحديث اشتمل على فوائد جمة، فمن ذلك: أن الأشياء تنقسم إلى ثلاثة أقسام: حلال بيّن، وحرام بيّن، ومشتبه، وحكم كل نوع ومثاله أن نقول: الحلال البيّن: لا يلام أحد على فعله، ومثاله التمتع بما أحل الله من الحبوب والثمار واللباس وغيرها، فهذا

стр. 3553

حلال بيّن ولا معارض له، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢]. الحرام البين: وهذا يلام كل إنسان على فعله، ومثاله: شرب الخمر، وأكل الميتة والخنزير وما أشبه ذلك، فهذا حكمه ظاهر معروف، قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩]. وهناك أمور مشتبهة: وهذه محل الخلاف بين الناس، فتجد الناس يختلفون فيها، فمنهم من يحرم، ومنهم من يحلل، ومنهم من يتوقف، ومنهم من يفصّل. ومثال المشتبه: شرب الدخان كان من المشتبه في أول ظهوره، لكن تبين الآن بعد تقدم الطب، وبعد أن درس الناس حال هذا الدخان قطعًا بأنه حرام، ولا إشكال عندنا في ذلك، وعلى هذا فالدخان عند أول ظهوره كان من الأمور المشتبهة ولم يكن من الأمور البينة، ثم تحقق تحريمه والمنع منه. ٢ - أسباب الاشتباه أربعة: أ- قلة العلم: فقلة العلم توجب الاشتباه؛ لأن واسع العلم يعرف أشياء لا يعرفها الآخرون. ب- قلة الفهم: أي ضعف الفهم، وذلك بأن يكون صاحب علمٍ واسعٍ كثير، ولكنه لا يفهم، فهذا تشتبه عليه الأمور.

стр. 3554

ج- التقصير في التدبر: بأن لا يتعب نفسه في التدبر والبحث ومعرفة المعاني بحجة عدم لزوم ذلك. د- سوء القصد: وهو أعظمها؛ بأن لا يقصد الإنسان إلا نصر قوله فقط بقطع النظر عن كونه صوابًا أو خطأً، فمن هذه نيته فإنه يُحرم الوصول إلى العلم، نسأل الله العافية؛ لأنه يقصد من العلم اتباع الهوى. وهذا الاشتباه لا يكون على جميع الناس بدليلين: أحدهما من النص وهو قوله ﷺ : «لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ»، يعني: وكثيرٌ يعلمهن، والثاني من المعنى، فلو كانت النصوص مشتبهة على جميع الناس، لم يكن القرآن بيانًا ولبقي شيء من الشريعة مجهولًا، وهذا متعذر وممتنع. ٣ - حكمة الله في ذكر المشتبهات: حتى يتبين من كان حريصًا على طلب العلم ومن ليس بحريص. ٤ - أنه لا يمكن أن يكون في الشريعة ما لا يعلمه الناس كلهم: لقوله ﷺ : «لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ». ٥ - الحث على اتقاء الشبهات: لكن هذا مشروط بما إذا قام الدليل على الشبهة، أما إذا لم يقم الدليل على وجود شبهة كان ذلك وسواسًا، لكن إذا وجد ما يوجب الاشتباه، فإن الإنسان مأمور بالورع وترك المشتبه.

стр. 3555

مثال ذلك: ما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ أن قومًا أتوا إلى النبي ﷺ وقالوا: يا رسول الله إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: «سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ»، قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر (١). فهنا هل نتقي هذا اللحم لأنه يُخشى أنهم لم يذكروا اسم الله عليه؟ الجواب: لا نتقيه، لأنه ليس هناك ما يوجب الاتقاء، ولهذا قال النبي ﷺ : «سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ»، فكان في هذا نوعًا من اللوم عليهم، كأنه ﵊ يقول: ليس لكم شأن فيما يفعله غيركم، بل الشأن فيما تفعلونه أنتم، فسموا أنتم وكلوا. ومن هذا ما لو قدّم إليك يهودي أو نصراني ذبيحة ذبحها، فلا تسأل: أذبحتها على طريقة الإسلام أو لا، لأن هذا السؤال لا وجه له، وهو من التعمق. ومن ذلك أيضًا: أن يقع على ثوب الإنسان أثر ولا يدري أنجاسة هو أم لا؟ فهل يتقي هذا الثوب أو لا يتقيه؟ الجواب: ينظر إذا كان هناك احتمال أن تكون نجاسة فإنه يتجنبه، وكلما قوي الاحتمال قوي طلب الاجتناب، وإذا لم

стр. 3556

يكن احتمال فلا يلتفت إليها، ولهذا قطع النبي ﷺ هذا بقوله حين سُئل عن الرجل يشكل عليه أحدث أم لا وهو في الصلاة فقال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (١). فالقاعدة: أنه إذا وجد احتمال الاشتباه وقوي، قوي تركه، وإن ضعف، ضعف تركه، ومتى لم يوجد احتمال أصلًا فإن تركه من التعمق في الدين المنهي عنه. أن الواقع في الشبهات واقع في الحرام: قوله ﷺ : «مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ». حسن تعليم النبي ﷺ : وذلك بضرب الأمثال المحسوسة لتتبين بها المعاني المعقولة، وهذه هي طريقة القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَاّ العَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣]. فمن حسن التعليم أن المعلم يقرب الأشياء المعقولة بالأشياء المحسوسة، لقوله ﷺ : «كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ». هل يؤخذ من قوله ﷺ : «يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى» إقراره للحمى؟ الجواب: أن هذا باب من الإخبار والوقوع، ولا يدل على

стр. 3557

حكم شرعي، والنبي ﷺ قد يذكر الأشياء لوقوعها لا لبيان حكمها، ولهذا أمثلة أخرى: قول النبي ﷺ : «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» (١)، فلا يعني ذلك أن ركوبنا سنن من كان قبلنا جائز، بل هو إخبار عن الواقع. وأخبر النبي ﷺ بأن الظعينة أي المرأة تسير من كذا إلى كذا لا تخشى إلا الله، فلا يعني هذا أنه يجوز لها أن تسافر بلا محرم، لكن هذا ضرب مثل. إذن نقول: هذا الحديث لا يدل على جواز الحمى لأنه ضرب مثل لواقع، وأما حكم الحمى فيتبين بذكر نوعيه وهما: الأول: حمى لمصالح المسلمين، فهذا جائز. الثاني: حمى يختص به الحامي، فهذا حرام؛ لأنه ليس له أن يختص بما كان عامًّا. مثال الأول: أن تُحمى هذه الأرض من أجل أن يُركز فيها أنابيب لإخراج الماء، فهذا جائز بلا شك، أو تُحمى أرض خصبة لدواب المسلمين، كدواب الزكاة والخيل للجهاد في سبيل الله وما أشبه ذلك. مثال الثاني: إذا حماه لنفسه أو لبهائمه.

стр. 3558

أن حمى الله محارمه: يعني المحارم جعلها الله تعالى بمنزلة الحمى لا تُقرب، ولهذا قال العلماء: إذا قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:١٨٧]، فالمراد بالحدود الحرمات، وإذا قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة:٢٢٩]، فالمراد بها الواجبات؛ لأن الله جعل حدودًا محرمات لحفظ النفوس، وحدودًا واجبات لتزكية النفوس؛ لأن النفوس محتاجة إلى تزكية وحماية. سد الذرائع: أي أن كل ذريعة توصل إلى محرم يجب أن تغلق لئلا يحصل الوقوع في المحرم، وسد الذرائع دليل شرعي، جاءت به الشريعة، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨]. فنهى عن سب آلهة المشركين لأنها ذريعة إلى سب الله تعالى، مع أن سب آلهة المشركين سبٌّ بحق، وسب الله تعالى عدوٌ بغير علم. أن من عادة الملوك أن يحموا: لقوله ﷺ : «أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى»، وقد سبق حكم الحمى آنفًا. تأكيد الجمل بأنواع المؤكدات إذا دعت الحاجة إلى هذا: فإذا قال قائل: إن التأكيد فيه تطويل، فتقول: التوكيد تطويل، ولكن إذا دعت الحاجة إليه صار من البلاغة، لقوله ﷺ : «أَلَا ... أَلَا».

стр. 3559

أن المدار في الصلاح والفساد على القلب: إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله. ويتفرع على هذه الفائدة: أنه يجب العناية بالقلب أكثر من العناية بعمل الجوارح؛ لأن القلب عليه مدار الأعمال، والقلب هو الذي يُمتحن عليه الإنسان يوم القيامة، كما قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠)﴾ [العاديات:٩ - ١٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ [الطارق:٨ - ٩]. فطهِّر قلبك من الشرك والبدع والحقد على المسلمين والبغضاء، وغير ذلك من الأخلاق أو العقائد المنافية للشريعة، فإن القلب هو الأصل. في الحديث رد على العصاة: الذين إذا نهوا عن المعاصي قالوا: التقوى هاهنا، وضرب أحدهم على صدره، فاستدل بحق على باطل؛ لأن الذي قال: «التَّقْوَى هَاهُنَا» (١) هو النبي ﷺ ، ومعناه في الحديث: إذا اتقى ما هاهنا اتقت الجوارح، لكن هذا يقول: التقوى هاهنا يعني أنه سيعصي الله، والتقوى تكون في القلب. والجواب: عن هذا التشبيه والتلبيس سهل جدًّا بأن نقول: لو

стр. 3560

صلح ما هاهنا، صلح ما هناك؛ لأن النبي ﷺ قال: « ... إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ». أن تدبير أفعال الإنسان عائد إلى القلب: لقوله ﷺ : « ... إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ». وهل في هذا دليل على أن العقل في القلب؟ الجواب: نعم، فيه إشارة إلى أن العقل في القلب، وأن المدبر هو القلب، والقرآن شاهد بهذا، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج:٤٦]. ولكن كيف تعلقه بالقلب؟ الجواب: هذا شيء لا يُعلم، إنما نحن نؤمن بأن العقل في القلب كما جاء في القرآن، لكننا لا نعلم كيف ارتباطه به» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3561

الكلمة الثانية والأربعون غزوة مؤتة (١) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. فمن الغزوات العظيمة التي خاضها المسلمون في عهده ﷺ غزوة مؤتة، وقد حدثت هذه الغزوة (١) في جمادى الأولى سنة ثمان للهجرة (٢). وسبب هذه الغزوة أن رسول الله ﷺ كان بعث الحارث بن عمير الأزدي ﵁ بكتابه إلى ملك بُصرى، فعرض له وهو في الطريق شُرحبيل بن عمرو الغساني- وكان أميرًا على البلقاء (٣) من أرض الشام من قبل قيصر - فقال له: أين تريد؟ فقال الحارث بن عمير ﵁: الشام، قال: فلعلك من رسل

стр. 3562

محمد؟ فقال: نعم، فأمر به، فأوثق رباطًا، ثم قدمه فضرب عنقه صبرًا (١)، ولم يُقتل لرسول الله ﷺ غيره. وكان قتل السفراء والرسل من أشنع الجرائم، فقد جرت العادة والعرف بعدم قتلهم أو التعرض لهم (٢)، فكانت هذه الحادثة بمثابة إعلان حالة الحرب على المسلمين، فاشتد ذلك على رسول الله ﷺ حين بلغه الخبر، فعند ذلك ندب (٣) رسول الله ﷺ الناس لقتال الغساسنة، فتجهز الناس ثم تهيأوا للخروج، فكان قوام الجيش الذي خرج في هذه الغزوة ثلاثة آلاف مقاتل، وهو أكبر جيش إسلامي، لم يجتمع قبل ذلك إلا في غزوة الأحزاب (٤). وأمَّر رسول الله ﷺ على هذا الجيش مولاه زيد بن حارثة ﵁، وقال رسول الله ﷺ : «عَلَيْكُمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَإنْ أُصِيبَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، فَإنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ»، فقال جعفر ﵁: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما كنت أرغب (٥)

стр. 3563

أن تستعمل علي زيدًا (١)، فقال رسول الله ﷺ : «امْضِ، فَإِنَّكَ لا تَدْرِي فِي أَيِّ ذَلِكَ خَيْرٌ» (٢). وعقد رسول الله ﷺ لواء أبيض، ودفعه إلى زيد بن حارثة ﵁، وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير ﵁، وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا استعانوا بالله عليهم، وقاتلوهم، فأسرع الناس بالخروج وعسكروا بالجُرف (٣). وصول جيش المسلمين إلى معان (٤): تحرك جيش المسلمين من المدينة إلى عدوهم في الشام، وبينما هم في الطريق إذ سمع بمسيرهم عدوهم، فجمعوا لهم، وقام فيهم شرحبيل بن عمرو فجمع أكثر من مائة ألف مقاتل، وقدَّم الطلائع أمامه، فلما نزل المسلمون معان من أرض الشام

стр. 3564

بلغهم أن هرقل قد نزل مآب (١) من أرض البلقاء في مائة ألف من لخم، وجذام، والقين، وتنوخ، وبلي، فكان قوام (٢) جيش الغساسنة والروم مائتي ألف مقاتل (٣). ولم يكن المسلمون أدخلوا في حسابهم لقاء مثل هذا الجيش العرمرم (٤)، الذي فوجئوا به، فأقاموا في معان ليلتين يُفكرون في أمرهم، وينظرون ويتشاورون، هل يكتبون لرسول الله ﷺ يخبرونه بعدد عدوهم، فإما أن يمدهم بالرجال، أو يأمرهم بأمره فيمضوا إليه، ولم يكن هناك رأي بالانسحاب، فانظروا الشجاعة والجرأة (٥). فعند ذلك قام عبد الله بن رواحة ﵁ وعارض هذا الرأي، وشجع الناس قائلًا: يا قوم! والله إن التي تكرهون للتي خرجتم

стр. 3565

تطلبون، الشهادة، وما نقاتل الناس بعددٍ ولا قوةٍ ولا كثرةٍ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور، وإما شهادة. فقال الناس: قد صدق والله ابن رواحة، واستقر الأمر على مقاتلة العدو (١). بدء القتال، وتناوب القادة: وهناك في مؤتة التقى الفريقان، وبدأ القتال المرير، ثلاثة آلاف مقاتل يواجهون مائتي ألف مقاتل، فعلًا معركة عجيبة تشاهدها الدنيا بالدهشة والحيرة، ولكن إذا هبت ريح الإيمان جاءت بالعجائب (٢). أخذ الراية زيد بن حارثة ﵁ حِبُّ رسول الله ﷺ وجعل يقاتل بضراوة بالغة، وبسالة نادرة، والمسلمون معه يقاتلون حتى قُتل طعنًا بالرماح، وخر شهيدًا ﵁. ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب ﵁، وطفق (٣) يقاتل قتالًا ليس له مثيل، حتى إذا ألحمه (٤) القتال نزل عن فرسه

стр. 3566

الشقراء فعقرها (١)، فكان أول فرس يُعقر في الإسلام (٢)، ثم أخذ يقاتل ﵁ على رجليه، وهو يقول: يَا حَبَّذَا الجَنَّةُ واقْتِرَابُهَا ... طَيِّبَةٌ وَبَارِدٌ شَرَابُهَا وَالرُّوْمُ رُوْمٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا ... كَافِرَةٌ بَعِيدَةٌ أَنْسَابُهَا عَلَيَّ إِنْ لَاقَيْتُهَا ضِرَابُهَا فقطعت يمينه ﵁، فأخذ الراية بشماله، فقطعت شماله ﵁، فاحتضن الراية بعضديه حتى استشهد ﵁، فأثابه الله سبحانه بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء، ولذلك سُمي بجعفر الطيار (٣). روى الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄ قال: « ... كُنْتُ فِيهِمْ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، فَالْتَمَسْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَوَجَدْنَاهُ فِي الْقَتْلَى، وَوَجَدْنَا مَا فِي جَسَدِهِ بِضْعًا وَتِسْعِينَ مِنْ طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ» (٤). وفي رواية أخرى في صحيح البخاري عن نافع أن ابن عمر ﵄ أخبره: «أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى جَعْفَرٍ يَوْمَئِذٍ، وَهُوَ قَتِيلٌ،

стр. 3567

فَعَدَدْتُ بِهِ خَمْسِينَ، بَيْنَ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ، لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ فِي دُبُرِهِ -يَعْنِي فِي ظَهْرِهِ» (١). قال الحافظ في الفتح: وفي الحديث بيان فرط شجاعته وإقدامه ﵁ (٢). ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة ﵁، وتقدم بها، وهو على فرسه، فتردد ﵁ بعض التردد من شدة أمر المعركة، ثم أخذ يقول: أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلَنَّهْ ... لَتَنْزِلِنَّ أَوْ لَتُكْرَهِنَّهْ إِنْ أَجْلَبَ النَّاسُ وشَدُّوا الرَّنَّهْ (٣) ... مَا لِي أَرَاكَ تَكْرَهِينَ الجَنَّةْ وقال أيضًا ﵁: يَا نَفْسُ إلَّا تُقْتَلِي تَمُوتِي ... هَذَا حِمَامُ (٤) المَوْتِ قَدْ صَلِيتِ وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ أُعْطِيتِ ... إِنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيْتِ ثم نزل، فأتاه ابن عمٍّ له بعرق (٥) من لحم، فقال: شُدَّ بهذا صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده،

стр. 3568

ثم انتهس (١) منه نهسة، ثم سمع الحطمة (٢) في ناحية الناس، فألقاه من يده، ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قُتل ﵁ (٣). روى الإمام البخاري في صحيحه عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا»، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ (٤). الراية إلى سيف اللَّه المسلول: فلما سقطت الراية باستشهاد عبد الله بن رواحة، وكان رسول الله ﷺ لم يُكلف أحدًا بحملها بعده، تقدم ثابت بن أقرم ﵁، وحمل الراية، وقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، فقالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد ﵁. وفي رواية أخرى أن المسلمين لما قُتل عبد الله بن رواحة ﵁ تفرقوا وانهزموا حتى لم ير اثنان جميعًا، فتقدم ثابت بن أقرم ﵁، فأخذ الراية، ثم سعى بها وأعطاها خالد ابن الوليد ﵁، فقال له خالد: لا آخذها منك، أنت أحق بها، لك سن، وقد شهدت بدرًا، فقال ثابت: والله يا خالد ما أخذتها

стр. 3569

إلا لك، أنت أعلم بالقتال مني، فأخذ خالد بن الوليد ﵁ الراية (١). فلما أخذ خالد ﵁ الراية واجتمع المسلمون إليه، قاتل الكفار قتالًا شديدًا، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن خالد بن الوليد ﵁ أنه قال: «لَقَدِ انْقَطَعَتْ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، فَمَا بَقِيَ فِي يَدِي إِلَّا صَفِيحَةٌ يَمَانِيَةٌ» (٢). وفي لفظ: «لَقَدْ دُقَّ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، وَصَبَرَتْ فِي يَدِي صَفِيحَةٌ لِي يَمَانِيَةٌ» (٣). قال الحافظ في الفتح: وهذا الحديث عن خالد ﵁ يقتضي أن المسلمين قتلوا من المشركين كثيرًا (٤). وقال الحافظ ابن كثير ﵀: «وهذا يقتضي أنهم أثخنوا (٥) فيهم قتلًا، ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم، وهذا وحده دليل مستقل، والله أعلم» (٦).

стр. 3570

عبقرية خالد ﵁ في القتال: قال رسول الله ﷺ وهو يخبر أصحابه بالمدينة - وقد جاءه الوحي بذلك -: « ... حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» (١). قال أبو قتادة ﵁: «فمن يومئذ سُمي خالد بن الوليد سيف الله» (٢). وقد استطاع خالد بن الوليد ﵁ أن يثبت أمام هذا الطوفان من العدو طول النهار، فلما أصبح جعل مقدمة الجيش ساقة، وساقته مقدمة، وميمنته ميسرة، وميسرته ميمنة، فلما لقوا العدو في اليوم التالي أنكر عدوهم حالهم، وقالوا: جاءهم مدد، فلما حمل خالد ﵁ عليهم هزمهم الله أسوأ هزيمة، وقتلوا منهم أعدادًا كبيرة، ثم انحاز خالد ﵁ وانسحب بجيشه شيئًا فشيئًا، حتى انصرف إلى المدينة، ولم يُصب في جيشه أحد خلال هذا الانسحاب (٣). وليس في الدنيا قائد يستطيع أن يُنقذ هذه القبضة من الرجال - بقية الثلاثة آلاف - من وسط هذا اللج (٤)، إلا أن يأتي

стр. 3571

بأعجوبة، وقد أتى بها خالد، واستطاع أن يخرج من لجة (١) البحر من غير أن يبتل، وأن ينسحب من وسط اللهب من غير أن يحترق، وأن يُسجل هذه المنقبة في تاريخ الحروب (٢) (٣). قال شاعر من المسلمين ممن رجع من مؤتة مع من رجع ﵃ يرثي من استشهد: كَفَى حُزْنًا أَنِّي رَجَعْتُ وَجَعْفَرُ ... وَزَيْدٌ وَعَبْدُ اللهِ فِي رَمْسِ (٤) أقَبُرِ قَضَوْا نَحْبَهُمْ لَمَّا مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ ... وَخُلِّفْتُ لِلْبَلْوَى مَعَ المُتَغَبِّرِ والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3572

الكلمة الثالثة والأربعون غزوة مؤتة - دروس وعبر (٢) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. فاستكمالًا للحديث عن غزوة مؤتة، هذه بعض الفوائد المستفادة من هذه الغزوة العظيمة المباركة: «أن هذه المعركة أول صدام مسلح بين المسلمين والنصارى من عرب وعجم، وأثرت تلك المعرفة على مستقبل الدولة الرومانية، وكانت مقدمة لفتح بلاد الشام، وهي خطوة عملية قام بها النبي ﷺ للقضاء على دولة الروم المتجبرة، فقد هزت هيبتها في قلوب العرب، وأعطت درسًا في الروح المعنوية العالية لجيوش المسلمين» (١). المشاورة منهج نبوي أمر الله به، قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، وقد عمل الصحابة بذلك عندما وصلوا إلى معان، ووجدوا أنفسهم أمام هذا الجيش العرمرم

стр. 3573

فتشاوروا، هل يكتبون لرسول الله ﷺ يخبرونه بعدد عدوهم، وأشار عبد الله بن رواحة في المواصلة، وقتال العدو، فكان بذلك الفتح. قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-: «وهذا عظيم جدًّا أن يتقاتل جيشان متعاديان في الدين، أحدهما وهو الفئة التي تقاتل في سبيل الله عدتها ثلاثة آلاف، وأخرى كافرة وعدتها مائتا ألف مقاتل، من الروم مائة ألف، ومن نصارى العرب مائة ألف، يتبارزون ويتصاولون، ثم مع هذا كله لا يُقتل من المسلمين إلا اثنا عشر رجلًا، وقد قُتل من المشركين خلقٌ كثيرٌ، فهذا خالد وحده يقول: لقد اندقت في يدي يومئذ تسعة أسياف، وما صبرت في يدي إلا صفيحة يمانية (١)، فماذا ترى قد قتل بهذه الأسياف كلها؟ دع غيره من الأبطال والشجعان من حملة القرآن، وقد تحكموا في عبدة الصلبان عليهم لعائن الرحمن في ذلك الزمان وفي كل أوان، وهذا مما يدخل في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ يُؤَيِّدُ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)﴾ [آل عمران:١٣]» (٢).

стр. 3574

من المعجزات العظيمة التي حصلت في هذه الغزوة، إخبار النبي ﷺ بتفاصيل المعركة وهو يخطب بالمدينة والمعركة بالشام، وكانت هذه من أعلام النبوة، فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي قتادة ﵁ أنه قال: « ... ثم إن رسول الله ﷺ صعد المنبر، وأمر أن يُنادى: الصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس، قال رسول الله ﷺ : «أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنْ جَيْشِكُمْ هَذَا الْغَازِي؟ إِنَّهُمُ انْطَلِقُوا، حَتَّى لَقُوا الْعَدُوَّ، فَأُصِيبَ زَيْدٌ شَهِيدًا، فَاسْتَغْفِرُوا لَهُ»، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ النَّاسُ، «ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ (١) جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَشَدَّ (٢) عَلَى الْقَوْمِ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا، أَشْهَدُ لَهُ بِالشَّهَادَةِ، فَاسْتَغْفِرُوا لَهُ، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَأَثْبَتَ قَدَمَيْهِ حَتَّى أُصِيبَ شَهِيدًا، فَاسْتَغْفِرُوا لَهُ، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الأُمَرَاءِ هُوَ أَمَّرَ نَفْسَهُ»، ثُمَّ مَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيهِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ هُوَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِكَ، فَانْصُرْهُ» (٣). وفي رواية أخرى قال رسول الله ﷺ : «ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ مِنْ بَعْدِهِ - أَيّ مِنْ بَعْدِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ ﵁ - سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» (٤).

стр. 3575

اختلف أهل التاريخ في المراد بقوله: «حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ»، هل كان القتال فيه هزيمة للمشركين، أو المراد بالفتح انحياز خالد ﵁ بالمسلمين حتى رجعوا إلى المدينة سالمين. قال الحافظ ابن كثير ﵀: «يمكن الجمع بأن خالدًا لما حاز المسلمين وبات، ثم أصبح وقد غير هيئة العسكر كما تقدم، وتوهم العدو أنهم قد جاء لهم مدد، حمل عليهم خالد حينئذ فولوا، فلم يتبعهم ورأى الرجوع بالمسلمين هي الغنيمة الكبرى» (١). شجاعة القائد، وثباته في القتال مما يقوي عزيمة جنوده، ويشد من أزرهم لقتال العدو، وهذا ما حدث مع القادة الثلاثة ثم انتقالها إلى خالد بن الوليد، فقد أبلوا جميعًا بلاءً عظيمًا، كان له أعظم الأثر في ثبات المسلمين وقوتهم. أن الإيمان والعمل الصالح من أعظم أسباب النصر؛ ولذلك وعد الله المؤمنين الصالحين بالنصر في غير آية من كتاب الله، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر:٥١]. أن التوكل على الله من أعظم أسباب النصر، قال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ
следующие страницы →