بأعجوبة، وقد أتى بها خالد، واستطاع أن يخرج من لجة (١) البحر من غير أن يبتل، وأن ينسحب من وسط اللهب من غير أن يحترق، وأن يُسجل هذه المنقبة في تاريخ الحروب (٢)(٣).
قال شاعر من المسلمين ممن رجع من مؤتة مع من رجع ﵃ يرثي من استشهد:
كَفَى حُزْنًا أَنِّي رَجَعْتُ وَجَعْفَرُ ... وَزَيْدٌ وَعَبْدُ اللهِ فِي رَمْسِ (٤) أقَبُرِ
قَضَوْا نَحْبَهُمْ لَمَّا مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ ... وَخُلِّفْتُ لِلْبَلْوَى مَعَ المُتَغَبِّرِ
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3572
الكلمة الثالثة والأربعون
غزوة مؤتة - دروس وعبر (٢)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
فاستكمالًا للحديث عن غزوة مؤتة، هذه بعض الفوائد المستفادة من هذه الغزوة العظيمة المباركة:
«أن هذه المعركة أول صدام مسلح بين المسلمين والنصارى من عرب وعجم، وأثرت تلك المعرفة على مستقبل الدولة الرومانية، وكانت مقدمة لفتح بلاد الشام، وهي خطوة عملية قام بها النبي ﷺ للقضاء على دولة الروم المتجبرة، فقد هزت هيبتها في قلوب العرب، وأعطت درسًا في الروح المعنوية العالية لجيوش المسلمين» (١).
المشاورة منهج نبوي أمر الله به، قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، وقد عمل الصحابة بذلك عندما وصلوا إلى معان، ووجدوا أنفسهم أمام هذا الجيش العرمرم
стр. 3573
فتشاوروا، هل يكتبون لرسول الله ﷺ يخبرونه بعدد عدوهم، وأشار عبد الله بن رواحة في المواصلة، وقتال العدو، فكان بذلك الفتح.
قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-: «وهذا عظيم جدًّا أن يتقاتل جيشان متعاديان في الدين، أحدهما وهو الفئة التي تقاتل في سبيل الله عدتها ثلاثة آلاف، وأخرى كافرة وعدتها مائتا ألف مقاتل، من الروم مائة ألف، ومن نصارى العرب مائة ألف، يتبارزون ويتصاولون، ثم مع هذا كله لا يُقتل من المسلمين إلا اثنا عشر رجلًا، وقد قُتل من المشركين خلقٌ كثيرٌ، فهذا خالد وحده يقول: لقد اندقت في يدي يومئذ تسعة أسياف، وما صبرت في يدي إلا صفيحة يمانية (١)، فماذا ترى قد قتل بهذه الأسياف كلها؟
دع غيره من الأبطال والشجعان من حملة القرآن، وقد تحكموا في عبدة الصلبان عليهم لعائن الرحمن في ذلك الزمان وفي كل أوان، وهذا مما يدخل في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ يُؤَيِّدُ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)﴾ [آل عمران:١٣]» (٢).
стр. 3574
من المعجزات العظيمة التي حصلت في هذه الغزوة، إخبار النبي ﷺ بتفاصيل المعركة وهو يخطب بالمدينة والمعركة بالشام، وكانت هذه من أعلام النبوة، فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي قتادة ﵁ أنه قال: « ... ثم إن رسول الله ﷺ صعد المنبر، وأمر أن يُنادى: الصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس، قال رسول الله ﷺ : «أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنْ جَيْشِكُمْ هَذَا الْغَازِي؟ إِنَّهُمُ انْطَلِقُوا، حَتَّى لَقُوا الْعَدُوَّ، فَأُصِيبَ زَيْدٌ شَهِيدًا، فَاسْتَغْفِرُوا لَهُ»، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ النَّاسُ، «ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ (١) جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَشَدَّ (٢)
عَلَى الْقَوْمِ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا، أَشْهَدُ لَهُ بِالشَّهَادَةِ، فَاسْتَغْفِرُوا لَهُ، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَأَثْبَتَ قَدَمَيْهِ حَتَّى أُصِيبَ شَهِيدًا، فَاسْتَغْفِرُوا لَهُ، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الأُمَرَاءِ هُوَ أَمَّرَ نَفْسَهُ»، ثُمَّ مَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيهِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ هُوَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِكَ، فَانْصُرْهُ» (٣).
وفي رواية أخرى قال رسول الله ﷺ : «ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ مِنْ بَعْدِهِ - أَيّ مِنْ بَعْدِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ ﵁ - سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» (٤).
стр. 3575
اختلف أهل التاريخ في المراد بقوله: «حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ»، هل كان القتال فيه هزيمة للمشركين، أو المراد بالفتح انحياز خالد ﵁ بالمسلمين حتى رجعوا إلى المدينة سالمين.
قال الحافظ ابن كثير ﵀: «يمكن الجمع بأن خالدًا لما حاز المسلمين وبات، ثم أصبح وقد غير هيئة العسكر كما تقدم، وتوهم العدو أنهم قد جاء لهم مدد، حمل عليهم خالد حينئذ فولوا، فلم يتبعهم ورأى الرجوع بالمسلمين هي الغنيمة الكبرى» (١).
شجاعة القائد، وثباته في القتال مما يقوي عزيمة جنوده، ويشد من أزرهم لقتال العدو، وهذا ما حدث مع القادة الثلاثة ثم انتقالها إلى خالد بن الوليد، فقد أبلوا جميعًا بلاءً عظيمًا، كان له أعظم الأثر في ثبات المسلمين وقوتهم.
أن الإيمان والعمل الصالح من أعظم أسباب النصر؛ ولذلك وعد الله المؤمنين الصالحين بالنصر في غير آية من كتاب الله، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر:٥١].
أن التوكل على الله من أعظم أسباب النصر، قال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ
стр. 3576
بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ [آل عمران:١٦٠]، وهذا ما حصل في غزوة مؤتة، فإن الصحابة على قلة عَدَدِهِم وعُدَدِهِم مقابل عدوهم، إلا أنهم توكلوا على الله وقاتلوا، ففتح الله عليهم.
أن قلة عدد جيش المسلمين أمام عدوهم لا يعني ضعفهم وهزيمتهم، ففي الآية الكريمة: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ [البقرة:٢٤٩].
أن الصحابة قدموا أنفسهم وأموالهم فداء لهذا الدين، فهذا جعفر بن أبي طالب ﵁ أحد القادة الثلاثة ضرب بضعًا وتسعين، ما بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، وهو صابر محتسب حتى فارق الحياة، قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ [الأحزاب:٢٣].
عظم منزلة هؤلاء القادة الثلاثة عند ربهم لقوله ﷺ : «مَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا» (١)، لما رأوا من فضل الشهادة.
أن الله عوض جعفر بن أبي طالب عن يديه المقطوعتين عندما كان يحمل الراية بأن جعله يطير في الجنة مع الملائكة، روى الترمذي في سننه من حديث أبي
стр. 3577
هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «رَأَيْتُ جَعْفَرًا يَطِيرُ فِي الْجَنَّةِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ» (١). وهذه منقبة عظيمة له ﵁، وفي صحيح البخاري أن ابن عمر كان إذا سلم على عبد الله بن جعفر يقول: «السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ ذَا الْجَنَاحَيْنِ» (٢). قال أبو عبد الله: الجناحان: كل ناحيتين.
وروى الحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَرَّ بِي جَعْفَرٌ اللَّيْلَةَ فِي مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَهُوَ مُخَضَّبُ (٣) الْجَنَاحَيْنِ بِالدَّمِ» (٤).
«أن في تعيين الرسول ﷺ لثلاثة أمراء على جيش سرية مؤتة لدليل على جواز تعليق الإمارة بشرط، وتولية عدة أمراء بالترتيب.
في نعي الرسول ﷺ الأمراء الثلاثة قبل مجيء خبرهم فيه جواز الإعلام بموت الميت، ولا يكون ذلك من النعي المنهي عنه.
في تأمير المسلمين لخالد بن الوليد بعد استشهاد الأمراء
стр. 3578
الثلاثة، دليل على جواز الاجتهاد في حياة الرسول ﷺ وفيه علم ظاهر من أعلام النبوة.
إن ظهور الحزن على رسول الله ﷺ عندما جاءه خبر استشهاد الأمراء الثلاثة، لدليل على ما جعله الله فيه من الرحمة، ولا ينافي ذلك الرضا بالقضاء، ويؤخذ منه أن ظهور الحزن على الإنسان إذا أصيب بمصيبة لا يخرجه عن كونه صابرًا إذا كان مطمئنًا، بل قد يقال: إن من كان ينزعج بالمصيبة، ويعالج نفسه على الرضا والصبر أرفع رتبة ممن لا يبالي بوقوع المصيبة أصلًا» (١).
فضيلة خالد بن الوليد ومن ذكر معه من الصحابة، حيث قال النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ هُوَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِكَ، فَانْصُرْهُ» (٢).
«لقد تضمنت غزوة مؤتة دروسًا وخبرات عظيمة في لقاء المسلمين الأول مع الروم، أفادوا منها كثيرًا في مستقبل جهادهم معهم، حيث تعرفوا على قوتهم وخططهم وطبيعة أرضهم التي يقاتلون عليها» (٣).
روى الإمام أحمد في مسنده وأصله في صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك الأشجعي قال: «خَرَجْتُ مَعَ
стр. 3579
مَنْ خَرَجَ مَعَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، وَرَافَقَنِي مَدَدِيٌّ (١) مِنْ الْيَمَنِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُ سَيْفِهِ، فَنَحَرَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ جَزُورًا، فَسَأَلَهُ الْمَدَدِيُّ طَائِفَةً مِنْ جِلْدِهِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَاتَّخَذَهُ كَهَيْئَةِ الدَّرَقِ (٢)،
وَمَضَيْنَا فَلَقِينَا جُمُوعَ الرُّومِ وَفِيهِمْ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ لَهُ أَشْقَرَ، عَلَيْهِ سَرْجٌ مُذْهَبٌ وَسِلَاحٌ مُذْهَبٌ، فَجَعَلَ الرُّومِيُّ يُغْرِي بِالْمُسْلِمِينَ، وَقَعَدَ لَهُ الْمَدَدِيُّ خَلْفَ صَخْرَةٍ، فَمَرَّ بِهِ الرُّومِيَّ فَعَرقَبَ فَرَسَهُ (٣)، فَخَرَّ وَعَلاهُ، فَقَتَلَهُ، وَحَازَ فَرَسَهُ وَسِلَاحَهُ .. الحديث» (٤).
قال ابن كثير ﵀: «وفي هذه القصة دليل على أن المسلمين غنموا منهم وسلبوا من أشرافهم، وقتلوا من أمرائهم» (٥).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3580
الكلمة الرابعة والأربعون
غزوة حنين (١)(١)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
غزوة حنين، ويقال لها غزوة أوطاس (٢)، وهو الموضع الذي كانت به الوقعة في آخر الأمر، ويقال لها أيضًا: غزوة هوازن (٣).
قال ياقوت الحموي ﵀: «أوطاس وادٍ في ديار هوازن، فيه كانت وقعة حنين للنبي ﷺ ببني هوازن».
وقال ابن شبيب: «الغور من ذات عرق إلى أوطاس، وأوطاس على نفس الطريق، ونجد من حد أوطاس إلى
стр. 3581
القريتين» (١).
وكان سبب هذه الغزوة أن رسول الله ﷺ لما فتح مكة، وخضعت له قريش، خاف أشراف هوازن وثقيف أن يغزوهم رسول الله ﷺ ، فحشدوا وعزموا على قتاله (٢).
واجتمعت إلى هوازن وثقيف جموع كثيرة من القبائل وهم: نصر، وسعد بن بكر - وهم الذين استرضع فيهم رسول الله ﷺ وناس من هلال، وفي بني جُشم رجل يقال له دُرَيْدُ بن الصِّمَّة (٣) شيخ كبير قد عمي، ليس فيه شيء إلا التيمن (٤) برأيه، ومعرفته بالحرب، وكان شجاعًا مجربًا، وفي ثقيف سيدان لهم، في الأحلاف: قارب بن الأسود، وفي بني مالك: ذو الخمار سُبيع بن الحارث، وأخوه أحمر بن الحارث، وقد بلغ جيش الكفار عشرين ألفًا، وكان جماع أمر الناس إلى مالك بن عوف النصري (٥)، وهو يومئذٍ ابن ثلاثين سنة.
فلما أجمع مالك بن عوف السير إلى رسول الله ﷺ أمر
стр. 3582
الناس أن يسوقوا معهم أموالهم، ونساءهم، وأبناءهم، فسار بهم حتى نزلوا بأوطاس (١).
فقال له دُريد بن الصمة: أين مالك؟ فدُعي إليه فقال له: يا مالك! إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، مالي أسمع رغاء البعير (٢)، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟ (٣) فقال مالك: سقت مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم، قال: ولم ذاك؟ قال مالك: أردت أن أجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله ليقاتل عنهم، فقال له دُريد: راعي ضأن والله، وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم يتبعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، فقال مالك بن عوف: لا والله لا أفعل ذلك، إنك كبرت وكبر عقلك، والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لأتكئن إلى هذا السيف حتى يخرج من ظهري، قالوا: أطعناك، فقال دُريد: هذا يوم لم أشهده ولم يفتني.
ثم أمر مالك بن عوف بالخيل فصُفت، ثم صُفت المقاتلة، ثم صفت النساء من وراء ذلك ثم صُفَّت النعم، ثم قال للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم، ثم شدوا عليهم شدة
стр. 3583
رجلٍ واحد (١).
فلما سمع رسول الله ﷺ باجتماع هوازن، بعث عبد الله ابن أبي حدردٍ الأسلمي ﵁، وأمره أن يدخل في الناس، فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبي حدرد ﵁، فدخل في هوازن، فأقام فيهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله ﷺ ، ثم أقبل حتى أتى رسول الله ﷺ ، فأخبره الخبر (٢).
وبعد أن جمع رسول الله ﷺ المعلومات العسكرية المطلوبة عن جيش هوازن، استعد لمواجهتهم، فاستعار رسول الله ﷺ من صفوان بن أمية - وكان ما زال مشركًا - أدراعًا وسلاحًا، فقال صفوان: أغصبًا يا محمد؟ قال رسول الله ﷺ : «بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ»، فأعار صفوان رسول الله ﷺ مائة درع (٣).
وروى ابن ماجه في سننه، والإمام أحمد في مسنده عن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، عن
стр. 3584
أبيه عن جده أن النبي ﷺ استسلف منه حين غزا حُنينًا ثلاثين أو أربعين ألفًا، فلما قدم قضاها إياه، ثم قال له النبي ﷺ : «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْوَفَاءُ وَالْحَمْدُ» (١).
وبعد أن أقام رسول الله ﷺ بمكة تسعة عشر يومًا (٢)، خرج إلى حنين يوم السبت لست ليالٍ خلون من شهر شوال سنة ثمان للهجرة، واستعمل عتاب بن أسيد ﵁ أميرًا على مكة، وهو أول أمير في الإسلام على مكة (٣).
ومع رسول الله ﷺ اثنا عشر ألفًا من المسلمين: عشرة آلاف الذين جاؤوا معه من المدينة لفتح مكة، وألفان من أهل مكة وهم الطلقاء (٤)، وأكثرهم حديثو عهد بالإسلام، لم يتمكن الإسلام من قلوبهم (٥)، وخرج مع رسول الله ﷺ ناس من
стр. 3585
المشركين مثل: صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو .. وغيرهم.
ويعتبر هذا الجيش أكبر جيش إسلامي يخرج في حياة رسول الله ﷺ إلى ذلك الحين، ولهذا ساد شعور عند بعض الناس (١) أنهم لن يُغلبوا (٢)
من قلة (٣).
قصة نبي من الأنبياء:
فلما علم رسول الله ﷺ بما وقع في قلوب بعض المسلمين من هذا الشعور، وهو الافتخار بكثرتهم والاعتماد عليها، قال لهم: «إِنَّ نَبِيًّا فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَعْجَبَتْهُ أُمَّتُهُ، فَقَالَ: لَنْ يَرُومَ (٤) هَؤُلَاءِ شَيْءٌ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ خَيِّرْهُمْ بَيْنَ إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا
стр. 3586
أَنْ أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَسْتَبِيحَهُمْ، أَوِ الْجُوعَ، أَوِ الْمَوْتَ»، قَالَ: «فَقَالُوا: أَمَّا القَتْلُ أَوِ الْجُوعُ فَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، وَلَكِنِ الْمَوْتُ»، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَمَاتَ فِي ثَلَاثٍ سَبْعُونَ أَلْفًا» (١).
شجرة ذات أنواط (٢):
وفي الطريق إلى حنين رأوا شجرة خضراء عظيمة يقال لها ذات أنواط، كانت العرب تُعلق عليها أسلحتهم، ويذبحون عندها ويعكفون عليها، فقال بعض الناس من الطلقاء ممن هم حديثو عهد بالجاهلية: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط.
فقال رسول الله ﷺ : «اللَّهُ أَكْبَرُ، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)﴾ [الأعراف: ١٣٨]، إِنَّهَا السُّنَنُ (٣)، لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ سُنَّةً سُنَّةً» (٤).
стр. 3587
أكمل رسول الله ﷺ مسيره إلى حنين، فأطنب (١) السير حتى كان عشية، فحضرت الصلاة، فجاء رجل فارس، فقال: يا رسول الله! إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت على جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم (٢) بظُعنهم (٣)، ونعمهم (٤)، ونسائهم اجتمعوا في حنين، فتبسم رسول الله ﷺ ، وقال: «تِلْكَ غَنِيمَةُ الْمُسْلِمِينَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ» (٥).
ثم أكمل رسول الله ﷺ بجيشه حتى وصل إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء لعشر ليالٍ خلون من شوال.
ولما كان من الليل عمد مالك بن عوف إلى أصحابه، فعبأهم في وادي حنين، وكان قد سبق المسلمين إليه، وفرَّق الناس فيه، وأوعز إليهم أن يرشقوا المسلمين بالنبل أول ما يطلعون، ثم يحملوا عليهم حملة رجل واحد.
وفي السحر عبأ رسول الله ﷺ جيشه، وعقد الألوية
стр. 3588
والرايات، ورتب جنده في هيئة صفوف منتظمة، وركب رسول الله ﷺ بغلته البيضاء - التي أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي - ولبس درعين، والمغفر والبيضة، واستقبل الصفوف، وطاف عليهم، فأمرهم وحضهم على القتال، وبشرهم بالفتح إن صبروا وصدقوا.
واستعمل رسول الله ﷺ على بني سليم خالد بن الوليد ﵁، فلم يزل على مقدمته حتى ورد الجِعْرَانَة (١).
وفي صحيح مسلم قال أنس ﵁: وعلى مجنبة خيلنا خالد ابن الوليد ﵁ (٢).
هزيمة المسلمين وفرارهم:
بدأ المسلمون ينحدرون في وادي حنين - وكان منحدرًا شديدًا - وذلك في عماية الصبح (٣)، وهم لا يدرون بوجود كمناء العدو في مضايق هذا الوادي وأحنائه (٤)، وشعابه، فما راعهم (٥) وهم ينحطون إلا الكتائب قد شدت عليهم شدة رجل واحد،
стр. 3589
وبدأ الضرب بخالد بن الوليد ﵁ حتى سقط، وانكشفت خيل بني سليم مولية، وتبعهم أهل مكة، وهم الطلقاء، وبدأ الفرار من كل مكان (١).
قال جابر ﵁: «فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسرى مكتفين عند رسول الله ﷺ » (٢).
وفي صحيح مسلم قال البراء بن عازب ﵁: «فَلَقُوا قَوْمًا رُمَاةً لَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا (٣) مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ» (٤).
فلما رأى أبو سفيان بن حرب هزيمة المسلمين، وكان قد اعتزل هو وصفوان بن أمية، وحكيم بن حزام، ورجال من أهل مكة، وراء تل ينظرون لمن يكون النصر، فقال -وكان حديث عهد بالإسلام: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وصرخ كلدة بن الحنبل (٥) وهو مع أخيه لأمه صفوان بن أمية: ألا بطل
стр. 3590
السحر اليوم، فقال له صفوان: اسكت فضَّ الله فاك (١)،
فوالله لأن يرُبَّني (٢) رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن (٣).
ثبات رسول الله ﷺ -:
وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين، وثبت معه نفر قليل من المهاجرين والأنصار (٤)،
وأهل بيته، فيهم: أبو بكر، وعمر،
стр. 3591
وعلي بن أبي طالب والعباس، وابنه الفضل، وأبو سفيان بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وأيمن بن عبيد، وهو ابن أم أيمن حاضنة رسول الله ﷺ ، وأسامة بن زيد، وأخذ رسول الله ﷺ ينادي: «إِلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ! هَلُموُا إِلَيَّ! أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، أَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ»، لكن لم يلتفت منهم أحد (١).
ثم أخذ رسول الله ﷺ يركض ببغلته (٢) قِبَل المشركين، وهو يقول:
«أَنَا النِّبِيُّ لَا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ» (٣)
والعباس ﵁ آخذ بلجام بغلته ﷺ ، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بركابها يكفانها عن الإسراع نحو العدو، وهو ﷺ
стр. 3592
لا يألو يسرع نحو المشركين (١).
«وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة، إنه في مثل هذا اليوم في حومة الوغى (٢)، وقد انكشف عنه جيشه، وهو مع ذلك على بغلته، وليست سريعة الجري، ولا تصلح لكر ولا لفر ولا لهرب، وهو مع هذا أيضًا يركضها إلى وجوههم، وينوه باسمه ليعرفه من يعرفه، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين، وما هذا كله إلا ثقة بالله، وتوكلًا عليه، وعلمًا منه بأنه سينصره ويتم ما أرسله به، ويظهر دينه على سائر الأديان» (٣).
ثم نزل رسول الله ﷺ عن بغلته، فاستنصر ربه ودعاه قائلًا: «اللَّهُمَّ! نَزِّلْ نَصْرَكَ (٤)، اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ أَنْ لَا تُعْبَدَ بَعْدَ اليَوْمِ» (٥).
وقال رسول الله ﷺ : «اللَّهُمَّ بِكَ أُحَاوِلُ (٦)، وَبِكَ أُصَاوِلُ (٧)،
стр. 3593
وَبِكَ أُقَاتِلُ» (١).
وأخذ رسول الله ﷺ يقاتل، والصحابة الذين ثبتوا يقاتلون معه، ويتقون به لشجاعته وثباته ﷺ كعادتهم في مثل هذه المواقف الصعبة.
قال البراء بن عازب ﵁: «كنا، والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به -يعني النبي ﷺ » (٢).
وقال علي بن أبي طالب ﵁: «كنا إذا احمر البأس، ولقي القوم القوم، اتقينا برسول الله ﷺ ، فما يكون منا أحد أدنى إلى القوم منه» (٣)(٤).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3594
الكلمة الخامسة والأربعون
غزوة حنين (٢)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
فاستكمالًا للحديث عن غزوة حنين: قال رسول الله ﷺ لعمه العباس ﵁، وكان رجلًا صيِّتًا (١):
«يَا عَبَّاسُ! نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ» (٢).
وفي رواية أخرى قال أنس ﵁: فنادى رسول الله ﷺ : «يَا لَلْمُهَاجِرِينَ! يَا لَلْمُهَاجِرِينَ»، ثم قال: «يَا لَلأَنْصَارِ! يَا لَلأَنْصَارِ» (٣).
فلما سمع المسلمون نداء العباس ﵁ أقبلوا، وهم يقولون: لبيك لبيك.
стр. 3595
ويذهب الرجل ليُثني بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه، فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه وتُرسه، ويقتحم عن بعيره، ويُخلِّي سبيله، فيؤم (١) الصوت حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ (٢).
قال العباس ﵁: «فوالله لكأن عطفتهم (٣)، حين سمعوا صوتي، عطفة البقر على أولادها» (٤).
وتجالد الناس مجالدة شديدة، وأشرف رسول الله ﷺ من على بغلته كالمتطاول عليها ينظر إلى قتالهم، ثم قال: «الآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ» (٥). ثم أخذ حصيات (٦)
فرمى بهن وجوه الكفار، وقال: «شَاهَتِ الْوُجُوهُ»، فلم يبق منهم أحدٌ إلا امتلأت عيناه وفمه ترابًا (٧).
ثم قال رسول الله ﷺ : «انْهَزَمُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، انْهَزَمُوا
стр. 3596
وَرَبِّ الْكَعْبَةِ» (١).
ثم أيد الله رسوله ﷺ والمؤمنين بأن أنزل ملائكته لإرهاب الكفار، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾ [التوبة:٢٥ - ٢٧].
روى الإمام الذهبي بسند جيد عن عبدالرحمن مولى أم برثن، عمن شهد حنينًا كافرًا، قال: لما التقيا والمسلمون لم يقوموا لنا حلب شاةٍ، فجئنا نهش سيوفنا بين يدي رسول الله، حتى إذا غشيناه إذا بيننا وبينه رجال حسان الوجوه، فقال: شاهت الوجوه، فارجعوا، فهُزمنا من ذلك الكلام (٢).
وروى الإمام أحمد في مسنده عن يعلى بن عطاء قال: فحدثني أبناؤهم، عن آبائهم، أنهم قالوا: «وَسَمعْنِا صَلْصَلَةً (٣)
بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ كَإِمْرَارِ الْحَدِيدِ عَلَى الطِّسْتِ الْجَدِيدِ،
стр. 3597
فَهَزمَهُمُ اللهُ» (١).
روى ابن إسحاق في السيرة عن ابن عباس ﵄ قال: ولم تقاتل الملائكة في يوم سوى بدر من الأيام، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عددًا ومددًا لا يضربون (٢).
متابعة الكفار:
وكان رسول الله ﷺ قد قال يومئذ: «مَنْ قَتَلَ كَافِرًا (٣)، فَلَهُ سَلَبُهُ»، فقتل أبو طلحة الأنصاري ﵁ يومئذ عشرين رجلًا، وأخذ أسلابهم (٤).
شجاعة أم سليم ﵂:
وكانت أم سليم ﵂ - والدة أنس بن مالك ﵁، وزوج أبي طلحة الأنصاري ﵁ قد خرجت مع زوجها، وكان معها خنجر، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس ﵁ قال: أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرًا، فكان معها، فرآها أبو طلحة، فقال: يا رسول الله! هذه أم سليم معها خنجر،
стр. 3598
فقال لها رسول الله ﷺ : «مَا هَذَا الْخِنْجَرُ؟».
قالت: اتخذته، إن دنا مني أحد من المشركين بقرت (١) به بطنه، فجعل رسول الله ﷺ يضحك، ثم قالت ﵂: يا رسول الله! اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك، فقال رسول الله ﷺ : «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَفَى وَأَحْسَنَ» (٢).
قصة صاحب الجمل الأحمر:
قال جابر بن عبد الله ﵄: « ... وكان أمام هوازن رجل ضخم على جمل أحمر، في يده راية سوداء في رأس رمح طويل له أمام الناس، وهوازن خلفه، فإذا أدرك طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفع لمن وراءه فاتبعوه، فرصد (٣) له علي بن أبي طالب ﵁، ورجل من الأنصار، كلاهما يريده، فضرب علي ﵁ عرقوبي (٤) الجمل، فوقع على عجزه (٥)، وضرب الأنصاري ساقه، فطرح قدمه بنصف ساقه، فوقع، واقتتل الناس حتى كانت الهزيمة (٦).
стр. 3599
أبو قتادة ﵁ وقتيله:
ونفَّل رسول الله ﷺ يومئذ أبا قتادة الحارث بن ربعي ﵁، سلب رجل قتله، فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما عن أبي قتادة ﵁ قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حُنَيْنٍ فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا (١)
رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَدَرْتُ إِليهِ حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَاءِهِ فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ، وَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ: مَا للنَّاسِ؟ قُلتُ: أَمْرُ اللهِ ﵄، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا (٢)، وَجَلَسَ النَّبِيُ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلْبُهُ»، فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقُمْتُ فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الثَّالِثَةَ، فَقُمْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ؟» فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْم: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَسَلْبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي فَأَرْضِهِ مِنْ حَقِّهِ».
فقال أبو بكر الصديق ﵁: لاها الله! (٣) إذًا لا يعمد (٤) إلى
стр. 3600
أسد من أُسد الله، يقاتل عن الله، وعن رسوله ﷺ ، فيعطيك سلبه، فقال رسول الله ﷺ : «صَدَقَ فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ».
قال أبو قتادة: فأعطاني، فبعت الدرع، فابتعت (١)
به مخرفًا (٢) في بني سلمة (٣)، فإنه لأول مالٍ تأثلته (٤) في الإسلام (٥).
قال الإمام البغوي في شرح السنة: «وفي الحديث دليل على أن كل مسلم قتل مشركًا في القتال يستحق سلبه من بين سائر الغانمين، وأن السلب لا يُخمس قل ذلك أم كثر، روى مسلم في صحيحه أن سلمة بن الأكوع قتل مشركًا، فجاء بجمله يقوده عليه رحله وسلاحه، فقال النبي ﷺ : «مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟»، قالوا: ابن الأكوع، قال رسول الله ﷺ : «لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ» (٦). وسواء نادى الإمام بذلك أو لم يناد، وسواء كان القاتل بارز المقتول، أو لم يبارزه؛ لأن أبا قتادة قتل القتيل قبل قول الرسول ﷺ : «مَنْ
стр. 3601
قَتَلَ قَتِيلا فَلَهُ سَلْبُهُ»، ولم يكن بينهما مبارزة، ثم جعل النبي ﷺ جميع سلبه له، فكان ذلك القول من الرسول ﷺ شرع حُكْمٍ، وهذا قول جماعة من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، ومن بعدهم، وإليه ذهب الأوزاعي والشافعي (١).
شدة سلمة بن الأكوع ﵁ -:
روى الإمام مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ هوازن، فبينا نحن نتضحى (٢) مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل على جمل أحمر، فأناخه (٣)، ثم انتزع طلقًا (٤) من حقبه (٥) فقيد به الجمل، ثم تقدم يتغدى مع القوم، وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة في الظهر (٦)، وبعضنا مشاة، إذ خرج يشتد، فأتى جمله، فأطلق قيده، ثم أناخه وقعد عليه، فأثاره، فاشتد به الجمل، [وهو طليعة (٧) للكفار]، فاتَّبعه رجل على ناقة ورقاء (٨)، قال سلمة?: وخرجت أشتدُّ، فكنت
стр. 3602
عند ورك (١) الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام (٢) الجمل فأنخته، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت (٣) سيفي، فضربت رأس الرجل، فندر (٤)، ثم جئت بالجمل أقوده، عليه رحله وسلاحه، فاستقبلني رسول الله ﷺ والناس معه، فقال: «مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟».
قالوا: ابن الأكوع، فقال رسول الله ﷺ : «لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ» (٥).
الرسول ﷺ يبحث عن خالد بن الوليد ﵁ -:
تقدم في بداية أمر حنين هزيمة المسلمين، وأن هوازن استطاعت من خلال الكمائن أن تضرب مقدمة المسلمين مما أدى إلى فرارهم، ومن بين الذين جُرحوا وسقطوا من شدة الجراح خالد بن الوليد ﵁، فلما أنزل الله نصره على المؤمنين، وفرت هوازن، أخذ رسول الله ﷺ يسأل عن خالد بن الوليد ﵁، فقد روى ابن حبان في صحيحه بسند صحيح عن عبدالرحمن بن أزهر ﵁ قال: أن خالد بن الوليد ﵁ خرج مع رسول الله ﷺ
стр. 3603
يوم حنين، فكان على خيل رسول الله ﷺ ، فلقد رأيت النبي ﷺ وهو يقول: «مَنْ يَدُلُّ عَلَى رَحْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ؟».
قال ابن الأزهر: فمشيت، أو قال: سعيت بين يديه، وأنا محتلم أقول: من يدل على رحل خالد بن الوليد؟
حتى دُللنا على رحله، فإذا هو قاعد مستند إلى مؤخر رحله، فأتاه رسول الله ﷺ ، فنظر إلى جرحه، قال الزهري: وحسبت أنه قال: ونفث فيه رسول الله ﷺ (١).
وظل المسلمون يتبعون الكفار حتى تفرقوا في كل وجه، لا يلوي أحد على أحد، وأسلم عند ذلك ناس كثير من أهل مكة - وهم الطلقاء - لما رأوا من نصر الله لرسوله ﷺ ، وأنزل الله تعالى في يوم حنين قوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦].
وهكذا انهزم الكفار هزيمة منكرة، وغَنِمَ المسلمون
стр. 3604
نساءهم وذراريهم وأنعامهم.
مطاردة الكفار وسرية أبي عامر ﵁ إلى أوطاس:
وكان سببها أن هوازن لما انهزمت ذهبت فرقة منهم فيهم رئيسهم مالك بن عوف النصري، فلجؤوا إلى الطائف، فتحصنوا بها، وسارت فرقة فعسكروا بمكان يقال له أوطاس، فبعث رسول الله ﷺ إليهم سرية من أصحابه بقيادة أبي عامر الأشعري ﵁، وهو عم (١) أبي موسى الأشعري ﵁، فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما عن أبي موسى ﵁ أنه قال: لما فرغ رسول الله ﷺ من حنين، بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقي دُريد بن الصمة فقتل (٢)
دريد، وهزم الله أصحابه، قال أبو موسى ﵁: وبعثني مع أبي عامر فرُمي أبو عامر في ركبته، رماه جُشمي (٣) بسهم فأثبته في ركبته، فانتهيت إليه، فقلت: يا عم من رماك؟
فأشار أبو عامر إلى أبي موسى، فقال: إن ذاك قاتلي تراه ذلك الذي رماني، فقصدت له فاعتمدته فلحقته، فلما رآني
стр. 3605
ولى عني ذاهبًا فاتبعته، وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألست عربيًا؟ ألا تثبت؟ فكف، فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته، ثم رجعت إلى أبي عامر، فقلت: إن الله قد قتل صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فنزعته فنزا (١) منه الماء، فقال: يا ابن أخي، انطلق إلى رسول الله ﷺ فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك أبو عامر: استغفر لي.
قال أبو موسى ﵁: واستعملني أبو عامر على الناس، ومكث يسيرًا، ثم إنه مات، فلما مات رجعت إلى النبي ﷺ ، فدخلت عليه، وهو في بيت على سرير مرمل (٢)،
وعليه فراش، وقد أثر رمال السرير بظهر رسول الله ﷺ وجنبيه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقلت له: قال: قل له يستغفر لي، فدعا رسول الله ﷺ بماء فتوضأ منه، ثم رفع يديه، ثم قال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ»، حتى رأيت بياض إبطيه، ثم قال: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ مِنَ النَّاسِ»، فقلت: ولي يا رسول الله! فاستغفر، فقال النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ مُدْخَلًا كَرِيمًا» (٣).
стр. 3606
جمع الغنائم:
وأمر رسول الله ﷺ بالغنائم، فجمعت، وكان السبي ستة آلاف من النساء والأطفال، والإبل أربعة وعشرون ألفًا، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة، فجعل عليها مسعود بن عمرو الغفاري ﵁، ثم أمر بها فحُبست بالجعرانة، ولم يقسمها حتى انصرف من غزوة الطائف (١).
شهداء المسلمين في غزوة حنين:
كانت خسارة المسلمين طفيفة جدًّا، فقد استشهد من المسلمين يوم حنين أربعة نفر، وهم: أيمن بن عبيد ابن أم أيمن، ويزيد بن زمعة الأسدي، وسراقة بن الحارث الأنصاري، وأبو عامر الأشعري أمير سرية أوطاس ﵃ جميعًا (٢).
وجُرح منهم: عبد الله بن أبي أوفى، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن إسماعيل قال: رأيت بيد ابن أبي أوفى ضربة، قال: ضُربتها مع النبي ﷺ يوم حنين (٣).
стр. 3607
وجُرح كذلك خالد بن الوليد ﵁ كما تقدم (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3608
الكلمة السادسة والأربعون
غزوة الطائف (١)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
وهذه الغزوة في الحقيقة امتداد لغزوة حنين (١)، وذلك أن معظم فلول (٢) هوازن وثقيف دخلوا الطائف مع قائدهم مالك ابن عوف النصري، وتحصنوا بها، فسار إليهم رسول الله ﷺ بعد فراغه من حنين، وذلك في شهر شوال سنة ثمانٍ للهجرة.
وكانت ثقيف لما انهزموا من حنين وأوطاس، تحصنوا بحصونهم المنيعة في الطائف.
طريق رسول اللَّه ﷺ إلى الطائف وحصارها:
تحرك رسول الله ﷺ إلى الطائف، وقد جعل على مقدمته خالد بن الوليد ﵁، حتى نزل قريبًا من حصن الطائف، فضرب
стр. 3609
عسكره هناك، وفرض على أهلها الحصار (١)، وأشرفت ثقيف، وأقاموا يرمون المسلمين بالنبال والحجارة رميًا شديدًا، حتى أصيب ناس من المسلمين بجراح، فاضطر رسول الله ﷺ أن يرتفع بعسكره إلى مسجد الطائف اليوم، فعسكر هناك، وكان مع رسول الله ﷺ من نسائه أم سلمة ﵂.
قصة المخنث:
فدخل رسول الله ﷺ على أم سلمة ﵂، وعندها أخوها عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، ومُخنث (٢) يدعى هيتا (٣)، فسمعه رسول الله ﷺ وهو يقول لعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة: يا عبد الله! إن فتح الله عليكم الطائف غدًا، فعليك بابنة (٤) غيلان (٥)، فإنها تُقبل بأربع، وتدبر بثمان (٦)، فقال
стр. 3610
رسول الله ﷺ : «لا يَدْخُلَنَّ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُنَّ» (١).
قال الحافظ في الفتح: ويُستفاد منه حجب النساء عمن يفطن لمحاسنهن، وهذا الحديث أصل في إبعاد من يُستراب (٢) به في أمر من الأمور (٣).
رمي الرسول ﷺ أهل الطائف بالمنجنيق:
ونصب رسول الله ﷺ المنجنيق على أهل الطائف، وقذف به القذائف، وهذا أول منجنيق يُرمى به في الإسلام، كما نثر رسول الله ﷺ الحسك (٤) حول الحصن.
ثم أخذ رسول الله ﷺ يحث أصحابه ﵃ على الرمي، فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي في سننه عن أبي نجيح (٥)
السلمي ﵁ قال: حاصرنا مع النبي ﷺ حصن