← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

جمع الغنائم: وأمر رسول الله ﷺ بالغنائم، فجمعت، وكان السبي ستة آلاف من النساء والأطفال، والإبل أربعة وعشرون ألفًا، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة، فجعل عليها مسعود بن عمرو الغفاري ﵁، ثم أمر بها فحُبست بالجعرانة، ولم يقسمها حتى انصرف من غزوة الطائف (١). شهداء المسلمين في غزوة حنين: كانت خسارة المسلمين طفيفة جدًّا، فقد استشهد من المسلمين يوم حنين أربعة نفر، وهم: أيمن بن عبيد ابن أم أيمن، ويزيد بن زمعة الأسدي، وسراقة بن الحارث الأنصاري، وأبو عامر الأشعري أمير سرية أوطاس ﵃ جميعًا (٢). وجُرح منهم: عبد الله بن أبي أوفى، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن إسماعيل قال: رأيت بيد ابن أبي أوفى ضربة، قال: ضُربتها مع النبي ﷺ يوم حنين (٣).

стр. 3607

وجُرح كذلك خالد بن الوليد ﵁ كما تقدم (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3608

الكلمة السادسة والأربعون غزوة الطائف (١) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. وهذه الغزوة في الحقيقة امتداد لغزوة حنين (١)، وذلك أن معظم فلول (٢) هوازن وثقيف دخلوا الطائف مع قائدهم مالك ابن عوف النصري، وتحصنوا بها، فسار إليهم رسول الله ﷺ بعد فراغه من حنين، وذلك في شهر شوال سنة ثمانٍ للهجرة. وكانت ثقيف لما انهزموا من حنين وأوطاس، تحصنوا بحصونهم المنيعة في الطائف. طريق رسول اللَّه ﷺ إلى الطائف وحصارها: تحرك رسول الله ﷺ إلى الطائف، وقد جعل على مقدمته خالد بن الوليد ﵁، حتى نزل قريبًا من حصن الطائف، فضرب

стр. 3609

عسكره هناك، وفرض على أهلها الحصار (١)، وأشرفت ثقيف، وأقاموا يرمون المسلمين بالنبال والحجارة رميًا شديدًا، حتى أصيب ناس من المسلمين بجراح، فاضطر رسول الله ﷺ أن يرتفع بعسكره إلى مسجد الطائف اليوم، فعسكر هناك، وكان مع رسول الله ﷺ من نسائه أم سلمة ﵂. قصة المخنث: فدخل رسول الله ﷺ على أم سلمة ﵂، وعندها أخوها عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، ومُخنث (٢) يدعى هيتا (٣)، فسمعه رسول الله ﷺ وهو يقول لعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة: يا عبد الله! إن فتح الله عليكم الطائف غدًا، فعليك بابنة (٤) غيلان (٥)، فإنها تُقبل بأربع، وتدبر بثمان (٦)، فقال

стр. 3610

رسول الله ﷺ : «لا يَدْخُلَنَّ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُنَّ» (١). قال الحافظ في الفتح: ويُستفاد منه حجب النساء عمن يفطن لمحاسنهن، وهذا الحديث أصل في إبعاد من يُستراب (٢) به في أمر من الأمور (٣). رمي الرسول ﷺ أهل الطائف بالمنجنيق: ونصب رسول الله ﷺ المنجنيق على أهل الطائف، وقذف به القذائف، وهذا أول منجنيق يُرمى به في الإسلام، كما نثر رسول الله ﷺ الحسك (٤) حول الحصن. ثم أخذ رسول الله ﷺ يحث أصحابه ﵃ على الرمي، فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي في سننه عن أبي نجيح (٥) السلمي ﵁ قال: حاصرنا مع النبي ﷺ حصن

стр. 3611

الطائف، فسمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ بَلَغَ بِسَهْمٍ فَلَهُ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ لَهُ عَدْلُ مُحَرَّرٍ (١)، وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ». قال أبو نجيح ﵁: فبلغت يومئذ ستة عشر سهمًا (٢). ولما كان القتال تراشقًا بالسهام عن بعد، استخدم المسلمون «الدبابة» (٣)؛ ليحموا بها أنفسهم من السهام، حتى يصلوا إلى الحصن، فعندما رأتهم ثقيف، ألقت عليهم قطعًا من حديد محماة بالنار، فأحرقت الدبابة فخرجوا من تحتها، فرموهم بالنبال، فقتلوا منهم رجالًا. إسلام عبيد من الطائف: ثم نادى منادي رسول الله ﷺ : أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر! فنزل إليه ثلاثة وعشرون رجلًا، فيهم: نفيع بن مسروح، تسور حصن الطائف وتدلى ببكرة مستديرة،

стр. 3612

يُستقى عليها الماء، فكناه رسول الله ﷺ أبا بكرة، فأسلم هؤلاء العبيد، فأعتقهم رسول الله ﷺ ، فلما أسلمت ثقيف بعد ذلك سألوا رسول الله ﷺ أن يرد إليهم أبا بكرة، فأبى رسول الله ﷺ عليهم، وقال: «هُوَ طَلِيقُ اللَّهِ، وَطَلِيقُ رَسُولِهِ»، فكان مولى لرسول الله ﷺ (١). رؤيا رسول اللَّه ﷺ ورحيل المسلمين: ذكر رسول الله ﷺ لأبي بكر الصديق ﵁ أنه رأى رؤيا، وهو محاصر ثقيفًا، فقال رسول الله ﷺ : «يَا أَبَا بَكْرٍ إِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أُهْدِيَتْ لِي قَعْبَةٌ (٢) مَمْلُوءَةٌ زُبْدًا فَنَقَرَهَا دِيكٌ فَهَرَاقَ مَا فِيهَا»، فقال أبو بكر ﵁: ما أظن أن تُدرك منهم يومك هذا ما تريد، فقال رسول الله ﷺ : «وَأَنَا لَا أَرَى ذَلِكَ» (٣). ولما طال حصار الطائف واستعصى على المسلمين، ولم يؤذن لرسول الله ﷺ بفتح الطائف، قال لعمر بن الخطاب ﵁: «نَادِ فِي النَّاسِ إِنَّا قَافِلُونَ (٤) إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، فثقل ذلك على المسلمين واستنكروه، وقالوا: نذهب ولا نفتحه،

стр. 3613

فقال رسول الله ﷺ : «اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ»، فغدوا فأصابهم جراح، فقالوا: يا رسول الله! أحرقتنا نبال ثقيف، فادع الله عليهم، فقال رسول الله ﷺ : «اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا، وَائْتِ بِهِمْ»، ثم قال رسول الله ﷺ : «إِنَّا قَافِلُونَ غَدَاً إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، فسروا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحلون ورسول الله ﷺ يضحك (١). وقد استجاب الله لرسول الله ﷺ ، فأتى بثقيف مسلمين، قبل أن يرتحل رسول الله ﷺ من الجعرانة. إسلام سراقة بن مالك الجعشمي ﵁ -: غادر رسول الله ﷺ الطائف متوجهًا إلى الجعرانة، وفي الطريق لقيه سراقة بن مالك الجعشمي، فدخل في كتيبة من خيل الأنصار، فجعلوا يقرعونه بالرماح ويقولون: إليك إليك، ماذا تريد؟ قال سراقة: فدنوت من رسول الله ﷺ وهو على ناقته، والله لكأني أنظر إلى ساقه في غرزه (٢) كأنها جمارة (٣)، قال: فرفعت

стр. 3614

يدي بالكتاب، ثم قلت: يا رسول الله! هذا كتابك لي (١)، أنا سراقة بن مالك بن جعشم. فقال رسول الله ﷺ : «يَوْمُ وَفَاءٍ، وَبِرٍّ، ادْنُهْ». قال سراقة ﵁: فدنوت منه، فأسلمت، ثم تذكرت شيئًا أسأل رسول الله ﷺ عنه فما أذكره، إلا أني قلت: يا رسول الله! الضالة من الإبل تغشى حياضي، وقد ملأتها لإبلي، هل لي من أجر في أن أسقيها؟ قال ﷺ : «نَعَمْ، فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ حَرَّى (٢) أَجْرٌ». قال سراقة ﵁: ثم رجعت إلى قومي، فسقت إلى رسول الله ﷺ صدقتي (٣). قسمة الغنائم بالجعرانة: ثم قدم رسول الله ﷺ الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة، فنزل بها، وأقام بها ثلاث عشرة ليلة لا يقسم الغنائم، يبتغي أن يقدم عليه وفد هوازن مسلمين،

стр. 3615

فيحرزوا (١) ما أصيب منهم، فلما لم يجئه أحد أمر بتقسيم الغنائم. البدء بالمؤلفة قلوبهم (٢) وهم سادات العرب: أول من أعطى رسول الله ﷺ من الغنائم هم سادات العرب، يتألفهم إلى الإسلام، فأعطى أبا سفيان بن حرب مئة من الإبل (٣). وأعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن الحارث ابن عمه ﷺ مئة من الإبل، وأعطى رسول الله ﷺ الأقرع بن حابس التميمي مئة من الإبل، وأعطى رسول الله ﷺ عُيينة بن حصن الفزاري مئة من الإبل، وأعطى رسول الله ﷺ علقمة بن عُلاثة (٤) مئة من الإبل، وأعطى رسول الله ﷺ العباس بن مرداس دون ذلك، فأنشأ يقول: أَتَجْعَلَ نَهْبِي وَنَهْبَ العُبَيْـ ... ـدِ (٥) بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالَأقْرَعِ

стр. 3616

فَمَا كَاَن بَدْرٌ وَلَا حَابِسٌ ... يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي مَجْمَعِ وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا ... وَمَنْ تَخْفِضِ اليَوْمَ لَا يُرْفَعِ فأتم له رسول الله ﷺ المائة من الإبل (١). وأعطى رسول الله ﷺ حكيم بن حزام مئة من الإبل، ثم سأله مئة أخرى، فأعطاه إياها، ثم سأله فأعطاه (٢)، ثم قال له رسول الله ﷺ : «يَا حَكِيمُ! إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى». قال حكيم: فقلت: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لا أرزأ (٣) أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا. فكان أبو بكر ﵁ يدعو حكيمًا ليعطيه فيأبى أن يقبل منه شيئًا، ثم إن عمر ﵁ دعاه ليعطيه، فأبى أن يقبل منه، فقال عمر ﵁: إني أُشهدكم معشر المسلمين، أني أعرض عليه حقه

стр. 3617

من هذا الفيء (١)، فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيمٌ أحدًا من الناس شيئًا بعد رسول الله ﷺ حتى تُوفي (٢). قال الحافظ في الفتح: وإنما امتنع حكيم من أخذ العطاء، مع أنه حقه؛ لأنه خشي أن يقبل من أحد شيئًا فيعتاد الأخذ، فتتجاوز به نفسه إلى ما لا يريده، ففطمها عن ذلك، وترك ما يريبه إلى ما لا يريبه (٣). وأعطى رسول الله ﷺ صفوان بن أمية - وكان ما زال مشركًا - مئة من الإبل، ثم مئة ثانية، ثم مئة ثالثة. قال صفوان: أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين، وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ (٤). وأعطى رسول الله ﷺ الحارث بن هشام مئة من الإبل، وأعطى سهيل بن عمرو مئة من الإبل (٥)، وأعطى حويطب بن

стр. 3618

عبد العُزى مئة من الإبل (١). وأعطى رسول الله ﷺ آخرين خمسين خمسين، وأربعين أربعين، حتى شاع في الناس أن محمدًا ﷺ يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، فازدحمت عليه الأعراب يطلبون المال حتى اضطروه إلى سمرة (٢)، فخطفت (٣) رداؤه ﷺ ، فقال: «أَعْطُونِي رِدَائِي، فَلَوْ كَانَ عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ (٤) نَعَمًا (٥) لَقَسَمْتُهَا بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا، وَلَا كَذَّابًا، وَلَا جَبَانًا» (٦) (٧). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3619

الكلمة السابعة والأربعون غزوة الطائف (٢) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. فاستكمالًا للحديث عن غزوة الطائف، روى مسلم في صحيحه من حديث أنس ﵁ أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ ، فأمر له رسول الله ﷺ بشاءٍ بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: أي قوم أسلموا، فوالله إن محمدًا ليعطي عطاء من لا يخاف الفقر. قال أنس ﵁: «إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يُسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها» (١). ولما انتهت هذه الغزوة العظيمة، نادى رسول الله ﷺ صفوان بن أمية، وقال له: «إِنَّا قَدْ فَقَدْنَا مِنْ أَدْرَاعِكَ أَدْرَاعًا (٢)،

стр. 3620

فَهَلْ نَغْرَمُ (١) لَكَ؟»، قال: لا يا رسول الله، لأن في قلبي اليوم ما لم يكن يومئذ (٢). «لا تُوطَأُ الحُبْلَى (٣) حَتَّى تَضَعَ»: ولما فرق رسول الله ﷺ السبايا، نادى مناديه: «لا تُوطَأُ الحُبْلَى حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً» (٤). روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أن رسول الله ﷺ يوم حنين، بعث جيشًا إلى أوطاس، فلقوا عدوًا، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ تحرجوا من غشيانهم من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ (٥) مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ

стр. 3621

أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٤]، أي فهن لكم حلال إذا انقضت (١) عدتهن (٢). شأن ذي الخويصرة التميمي: ثم أتى رسول الله ﷺ رجل، هو ذو الخويصرة التميمي، واسمه حُرقُوصُ (٣) بن زهير السعدي، يعترض على قسمة الرسول ﷺ ، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: أتى رجل رسول الله ﷺ بالجعرانة، منصرفه من حنين، وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله ﷺ يقبض منها، يعطي الناس، فقال: يا محمد! اعدل. فقال رسول الله ﷺ : «وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلْ؟ لَقَدْ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلْ». فقال عمر بن الخطاب ﵁: دعني يا رسول الله دعني فأقتل هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ : «مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ تَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي، إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا

стр. 3622

يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» (١). وفي رواية أخرى في مسند الإمام أحمد قال رسول الله ﷺ : «لَا، دَعُوهُ فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لَهُ شِيعَةٌ (٢) يَتَعَمَّقُونَ (٣) فِي الدِّينِ حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهُ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ (٤)، يَنْظُرُ فِي النَّصْلِ (٥) فَلا يَجِدُ شَيْئًا، ثُمَّ فِي الْقَدَحِ (٦) فَلا يُوجَدُ شَيْءٌ، ثُمَّ فِي الفَوْقِ (٧) فَلا يُوجَدُ شَيْءٌ، سَبَقَ الْفَرْثَ (٨) وَالدَّمَ» (٩). عَتْبُ الأنصار وخطبة رسول اللَّه ﷺ فيهم: أعطى رسول الله ﷺ كل الناس من الغنائم إلا الأنصار

стр. 3623

- ﵃ أجمعين، فوجدوا (١) على رسول الله ﷺ في أنفسهم، وقال أحداثهم (٢): يغفر الله لرسول الله ﷺ ! يعطي قريشًا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم (٣). وفي رواية أخرى قالوا: إذا كانت الشدة فنحن نُدعى، وتُعطى الغنائم غيرنا (٤)، وكثرت فيهم القالة حتى قال قائلهم: لقي رسول الله ﷺ قومه (٥). فانطلق سعد بن عبادة ﵁ سيد الأنصار، فأتى رسول الله ﷺ ، فدخل عليه، وقال: يا رسول الله! إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، فقسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظامًا في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء. فقال رسول الله ﷺ : «فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟». قال: يا رسول الله! ما أنا إلا امرؤ من قومي (٦). فقال رسول الله: «فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ»

стр. 3624

فخرج سعد، فجمع الأنصار في قبة من أدم، فلما اجتمعوا أتاه سعد، فقال: يا رسول الله! قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار. فأتاهم رسول الله ﷺ ، فحمد الله، وأثنى عليه بالذي هو له أهل، ثم قال: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ، وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ، أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ؟ وَمُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً (١) فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟»، قالوا: بل الله ورسوله أَمَنُّ وأفضل، فقال رسول الله ﷺ : «أَلَا تُجِيبُونِي يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ؟»، قالوا: وبماذا نجيبك يا رسول الله؟ ولله ولرسوله المن والفضل، فقال رسول الله ﷺ : «أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ، وَلَصَدَقْتُمْ، وَصُدِّقْتُمْ، أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَعَائِلا فَأَغْنَيْنَاكَ»، ثم قال ﷺ : «أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ فِي لُعَاعَةٍ (٢) مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا أَقْوَامًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَّلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ؟ أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ فَوَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ، الأَنْصَارُ شِعَارٌ (٣)،

стр. 3625

وَالنَّاسُ دِثَارٌ (١)، اللَّهُمَّ ارحَمِ الأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ الأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ»، فبكى الأنصار ﵃ حتى أخضلوا (٢) لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسمًا وحظًا (٣). ترتيب عجيب: قال الحافظ في الفتح: وقد رتب رسول الله ﷺ ما من الله عليهم على يده من النعم ترتيبًا بالغًا، فبدأ بنعمة الإيمان التي لا يوازيها شيء من أمر الدنيا، وثنى بنعمة الألفة، وهي أعظم من نعمة المال؛ لأن الأموال تُبذل في تحصيلها، وقد لا تُحصل، وقد كانت الأنصار قبل الهجرة في غاية التنافر والتقاطع، فزال ذلك كله بالإسلام كما قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٣] (٤).

стр. 3626

نذر عمر بن الخطاب ﵁ -: أخرج الشيخان في صحيحيهما عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أن عمر بن الخطاب ﵁ سأل رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة، بعد أن رجع من الطائف (١)، فقال: يا رسول الله! إني نذرت في الجاهلية (٢) أن أعتكف يومًا في المسجد الحرام، فكيف ترى؟ فقال رسول الله ﷺ : «اذْهَبْ فَاعْتَكِفْ يَوْمًا». وقال: وكان رسول الله ﷺ قد أعطاه جارية (٣) من الخُمس، فلما أعتق رسول الله ﷺ سبايا الناس، سمع عمر بن الخطاب ﵁ أصواتهم يقولون: أعتقنا رسول الله ﷺ . فقال عمر ﵁: ما هذا؟ قالوا: أعتق رسول الله ﷺ سبايا الناس، فقال عمر: يا عبد الله! اذهب إلى تلك الجارية فخل سبيلها (٤).

стр. 3627

قدوم وفد هوازن: وبعد أن قُسمت الغنائم قدم وفد هوازن على رسول الله ﷺ ، وكانوا أربعة عشر رجلًا، ورأسهم: زهير بن صرد، فبايعوا رسول الله ﷺ على الإسلام، ثم قالوا: يا رسول الله! إنا أصلٌ وعشيرة، فمُن علينا، مَنَّ الله عليك، فإنه قد نزل بنا من البلاء ما لا يخفى عليك، وقال زهير بن صرد، أحد بني سعد بن بكر (١): يا رسول الله، إنما في الحظائر (٢) عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، ولو أنا مَلحْنَا (٣) الحارث بن أبي شمر (٤)، أو للنعمان بن المنذر (٥)، ثم نزل منا بمثل الذي نزلت به، رجونا عطفه وعائدته (٦) علينا، وأنت خير المكفولين، ثم سألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم. فقال رسول الله ﷺ : «مَعِي مَنْ تَرَوْنَ، وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيُ، وَإِمَّا الْمَالُ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِكُمْ».

стр. 3628

وكان رسول الله ﷺ أنظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل (١) من الطائف، فلما تبين لهم أن رسول الله ﷺ غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين، قالوا: فإنا نختار سبينا، فقال رسول الله ﷺ : «أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ، فَإِذَا صَلَّيْتُ الظُّهْرَ، فَقُولُوا: إِنَّا نَسْتَشْفع بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَبِالمُؤْمِنِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي نِسَائِنَا وَأَبْنَائِنَا». فلما صلى رسول الله ﷺ بالناس الظهر، قاموا فتكلموا بالذي أمرهم به رسول الله ﷺ ، فقام رسول الله ﷺ في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ»، ثم قال رسول الله ﷺ : «أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ». وقال المهاجرون: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ، وقال عيينة بن حصن: أما ما كان لي ولبني فزارة، فلا، وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم، فلا، وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم، فلا، فقالت الحيان: كذبت، بل هو لرسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، رُدُّوا عَلَيْهِمْ نِسَاءَهُمْ

стр. 3629

وَأَبْنَاءَهُمْ، فَمَنْ تَمَسَّكَ بِشَيْءٍ مِنْ الْفَيْءِ، فَلَهُ عَلَيْنَا سِتَّةُ فَرَائِضَ (١) مِنْ أَوَّلِ شَيْءٍ يُفِيئُهُ اللَّهُ عَلَيْنَا»، فرد الناس على هوازن جميع السبي (٢). إسلام مالك بن عوف النصري: وقدم بعد ذلك مالك بن عوف رئيس هوازن فأسلم، وقد كان رسول الله ﷺ سأل وفد هوازن عن مالك بن عوف: ما فعل؟ فقالوا: هو بالطائف مع ثقيف، فأمر رسول الله ﷺ بحبس أهله عند عمتهم أم عبد الله بن أبي أمية بمكة، وقد قال رسول الله ﷺ لوفد هوازن: «أَخْبِرُوا مَالِكًا أَنَّهُ إِنْ أَتَانِي مُسْلِمًا رَدَدْتُ إِلَيْهِ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، وَأَعْطَيْتُهُ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ». فلما أُخبر مالك بذلك، أمر براحلته فهُيئت له، ثم خرج من الطائف ليلًا، حتى أتى رسول الله ﷺ فأدركه بالجعرانة، وقيل: بمكة، فأسلم وحسن إسلامه، فرد عليه رسول الله ﷺ أهله وماله، وأعطاه مائة من الإبل، ثم استعمله رسول الله على

стр. 3630

من أسلم من قومه، فكان يقاتل بهم ثقيفًا، لا يخرج لهم سرح (١) إلا أغار عليه حتى ضيق عليهم (٢) (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3631

الكلمة الثامنة والأربعون فوائد ومسائل فقهية من غزوة حنين (١) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. «كان الله قد وعد رسوله - وهو الصادق الوعد - أنه إذا فتح مكة دخل الناس في دينه أفواجًا، ودانت له العرب بأسرها، فلما تم له الفتح المبين، اقتضت حكمته تعالى أن أمسك قلوب هوازن ومن تبعها عن الإسلام وأن يجمعوا ويتألبوا لحرب رسول الله ﷺ والمسلمين؛ ليظهر أمر الله وتمام إعزازه لرسوله ونصره لدينه، ولتكون غنائمهم شكرانًا لأهل الفتح، وليُظهر الله سبحانه رسوله وعباده وقهره لهذه الشوكة العظيمة التي لم يلق المسلمون مثلها، فلا يقاومهم بعدُ أحدٌ من العرب، ولغير ذلك من الحكم الباهرة التي تلوح للمتأملين وتبدو للمتوسمين. واقتضت حكمته -سُبْحَانَهُ- أن أذاق المسلمين أولًا مرارة الهزيمة والكسرة مع كثرة عددهم وعُددهم وقوة شوكتهم،

стр. 3632

لتُطامن (١) رؤوسًا رُفعت بالفتح ولم تدخل بلده وحرمه كما دخله رسول الله ﷺ واضعًا رأسه منحنيًا على ناقته حتى إن ذقنه تكاد أن تمس وسط رحله تواضعًا لربه وخضوعًا لعظمته، واستكانة لعزته أن أحل له حرمه وبلده، ولم يُحله لأحدٍ قبله ولا لأحدٍ بعده (٢). وليبين سبحانه لمن قال: «لن نُغلب اليوم من قلة» (٣) أن النصر إنما هو من عنده، وأنه من ينصره فلا غالب له، ومن يخذله فلا ناصر له غيره، وأنه سبحانه هو الذي تولى نصر رسوله ودينه لا كثرتكم التي أعجبتكم، فإنها لم تُغن عنكم شيئًا فوليتم مدبرين، فلما انكسرت قلوبهم أُرسلت إليها خلع الجبر مع بريد: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة:٢٦]. وقد اقتضت حكمته أن خِلَع النصر وجوائزه إنما تُفَضُّ (٤)

стр. 3633

على أهل الانكسار؛ ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ [القصص:٥ - ٦]. ومنها: أن الله سبحانه لمَّا منع الجيش غنائم مكة، فلم يغنموا منها ذهبًا ولا فضة، ولا متاعًا، ولا سبيًا، ولا أرضًا، كما روى أبو داود (١) عن وهب بن مُنبه قال: «سألت جابرًا: هل غنموا يوم الفتح شيئًا؟ قال: لا»، وكانوا قد فتحوها بإيجاف الخيل والركاب، وهم عشرة آلاف وفيهم حاجة إلى ما يحتاج إليه الجيش من أسباب القوة، فحرَّك سبحانه قلوب المشركين لغزوهم، وقذف في قلوبهم إخراج أموالهم ونعمهم وشائهم وسبيهم معهم، نُزلًا وضيافة وكرامة لحزبه وجنده. وتمم تقديره سبحانه بأن أطمعهم في الظفر وألاح لهم مبادئ النصر ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا، فلما أنزل الله نصره على رسوله وأوليائه، وبردت الغنائم لأهلها، وجرت فيها سهام الله ورسوله، قيل: لا حاجة لنا في دمائكم ولا في نسائكم وذراريكم، فأوحى سبحانه إلى قلوبهم التوبة والإنابة، فجاؤوا مسلمين، فقيل: إن من شُكران إسلامكم وإتيانكم أن نرد عليكم نساءكم وأبناءكم وسبيكم و ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا

стр. 3634

مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)﴾ [الأنفال:٧٠]. ومنها: أن الله سبحانه افتتح غزو العرب بغزوة بدرٍ، وختم غزوهم بغزاة حنين، ولهذا يقرن بين هاتين الغزاتين بالذكر فيقال: «بدر وحنين»، وإن كان بينهما سبع سنين، والملائكة قاتلت بأنفسها مع المسلمين في هاتين الغزاتين، والنبي ﷺ رمى وجوه المشركين بالحصباء فيهما، وبهاتين الغزاتين طفئت جمرة العرب لغزو رسول الله ﷺ والمسلمين، فالأولى: خوَّفتهم وكسرت من حدهم، والثانية استفرغت قواهم واستنفدت سهامهم وأذلت جمعهم حتى لم يجدوا بُدًّا من الدخول في دين الله. ومنها: أن الله سبحانه جبر بها أهل مكة وفرَّحهم بما نالوه من النصر والمغنم، فكانت كالدواء لما نالهم من كسرهم وإن كان عين جبرهم، وعرَّفهم تمام نِعَمه عليهم بما صرف عنهم من شر هوازن، وأنه لم يكن لهم بهم طاقة، وإنما نُصروا عليهم بالمسلمين، ولو أُفردوا عنهم لأكلهم عدوهم. إلى غير ذلك من الحكم التي لا يحيط بها إلا الله. وفيها من الفقه: أن الإمام ينبغي له أن يبعث العيون ومن يدخل بين عدوه ليأتيه بخبرهم، وأن الإمام إذا سمع بقصد عدوه له وفي جيشه قوة ومنعة لا يقعد ينتظرهم، بل يسير إليهم

стр. 3635

كما سار رسول الله ﷺ إلى هوازن حتى لقيهم بحنين. وفيها: أن الإمام له أن يستعير سلاح المشركين وعدتهم لقتال عدوه، كما استعار النبي ﷺ أدراع صفوان وهو يومئذ مشرك. ومنها: أن من تمام التوكل استعمال الأسباب التي نصبها الله لمسبباتها قدرًا وشرعًا، فإن رسول الله ﷺ وأصحابه أكمل الخلق توكلًا، وإنما كانوا يلقون عدوهم وهم متحصنون بأنواع السلاح. ودخل رسول الله ﷺ مكة والبيضة على رأسه، وقد أنزل الله عليه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، وكثير ممن لا تحقيق عنده ولا رسوخ في العلم يستشكل هذا، ويتكايس في الجواب تارة بأن هذا فعله تعليمًا للأمة، وتارة بأن هذا كان قبل نزول الآية. ووقعت مسألة في مصر سأل عنها بعض الأمراء وقد ذُكر له حديث ذكره أبو القاسم بن عساكر في تاريخه الكبير (١) أن

стр. 3636

رسول الله ﷺ كان بعد أن أهدت له اليهودية الشاة المسمومة لا يأكل طعامًا قُدِّم له حتى يأكل منه من قدَّمه. قالوا: وفي هذا أسوة للملوك في ذلك، فقال قائل: كيف يُجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، فإذا كان الله سبحانه قد ضمن له العصمة، فهو يعلم أنه لا سبيل لبشر عليه، فأجاب بعضهم بأن هذا يدل على ضعف الحديث، وبعضهم بأن هذا قبل نزول الآية، فلما نزلت لم يكن ليفعل ذلك بعدها. ولو تأمل هؤلاء أن ضمان الله له العصمة لا ينافي تعاطيه لأسبابها لأغناهم عن هذا التكلف، فإن هذا الضمان له من ربه تعالى لا يناقض احتراسه من الناس ولا ينافيه، كما أن إخبار الله - سُبْحَانَهُ - له بأنه يُظهر دينه على الدين كله ويُعليه لا يناقض أمره بالقتال وإعداد العُدة والقوة ورباط الخيل والأخذ بالجد والحذر والاحتراس من عدوه ومحاربته بأنواع الحرب والتورية، فكان إذا أراد الغزوة ورَّى بغيرها؛ وذلك لأن هذا إخبار من الله سبحانه عن عاقبة حاله ومآله بما يتعاطاه من الأسباب التي جعلها مُفضية إلى ذلك مقتضية له، وهو ﷺ أعلم بربه وأتبع لأمره من أن يُعطل الأسباب التي جعلها الله

стр. 3637

بحكمته موجبة لما وعده به من النصر والظفر وإظهار دينه وغلبته لعدوه، وهذا كما أنه - سُبْحَانَهُ - ضمن له حياته حتى يُبلِّغ رسالاته ويظهر دينه، وهو يتعاطى أسباب الحياة من المأكل والمشرب والملبس والمسكن. وهذا موضع يغلط فيه كثير من الناس، حتى آل ذلك ببعضهم إلى أن ترك الدعاء وأنه لا فائدة فيه - زَعَم - لأن المسؤول إن كان قد قُدِّر ناله ولا بُدَّ، وإن لم يقدر لم ينله، فأي فائدة في الاشتغال بالدعاء؟ ثم تكايس في الجواب بأن قال: الدعاء عبادة، فيقال لهذا الغالط: بقي عليك قسمٌ آخر وهو الحق: أنه قد قُدِّر له مطلوبه بسبب إن تعاطاه حصل له المطلوب وإن عطَّل السبب فاته المطلوب، والدعاء من أعظم الأسباب في حصول المطلوب. وفيها: جواز عقر فرس العدو ومركوبه إذا كان ذلك عونًا على قتله، كما عقر عليٌّ بعير حامل راية الكفار، وليس هذا من تعذيب الحيوان المنهي عنه. وفيها: عفو رسول الله ﷺ عمن هم بقتله، ولم يعاجله بل دعا له ومسح صدره حتى عاد كأنه ولي حميم. ومنها: ما ظهر في هذه الغزاة من معجزات النبوة وآيات الرسالة من إخباره لشيبة بما أضمر في نفسه، ومن ثباته وقد

стр. 3638

تولى عنه الناس وهو يقول: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ وقد استقبلته كتائب المشركين. ومنها: إيصال الله -سُبْحَانَهُ- قبضته ﷺ التي رمى بها إلى عيون أعدائه على البعد منه، وبركته في تلك القبضة حتى ملأت أعين القوم، إلى غير ذلك من معجزاته فيها، كنزول الملائكة للقتال معه حتى رآهم العدو جهرة ورآهم بعض المسلمين (١). ومنها: جواز انتظار الإمام بقسم الغنائم إسلام الكفار ودخولهم في الطاعة فيرد عليهم غنائمهم وسبيهم، وفي هذا دليل لمن يقول: إن الغنيمة إنما تملك بالقسمة لا بمجرد الاستيلاء عليها، إذ لو ملكها المسلمون بمجرد الاستيلاء لم يستأن بهم النبي ﷺ ليردها عليهم، وعلى هذا فلو مات من الغانمين أحدٌ قبل القسمة أو إحرازها بدار الإسلام رُدَّ نصيبه على بقية الغانمين دون ورثته، وهذا مذهب أبي حنيفة، ولو

стр. 3639

مات قبل الاستيلاء لم يكن لورثته شيء، ولو مات بعد القسمة فسهمُه لورثته. وهذا العطاء الذي أعطاه النبي ﷺ لقريش والمؤلفة قلوبهم هل هو من أصل الغنيمة، أو من الخمس، أو من خمس الخمس؟ فقال الشافعي ومالك: «هو من خمس الخمس» (١)، وهو سهمه ﷺ الذي جعله الله له من الخمس، وهو غير الصفي وغير ما يصيبه من المغنم، لأن النبي ﷺ لم يستأذن الغانمين في تلك العطية، ولو كان العطاء من أصل الغنيمة لاستأذنهم لأنهم ملكوها بحوزها والاستيلاء عليها، وليس من أصل الخمس لأنه مقسوم على خمسة، فهو إذًا من خمس الخمس. وقد نص الإمام أحمد على أن النفل يكون من أربعة أخماس الغنيمة، وهذا العطاء هو من النفل، نفَّل النبي ﷺ به رؤوس القبائل والعشائر ليتألفهم به وقومهم على الإسلام، فهو أولى بالجواز من تنفيل الثلث بعد الخمس والربع بعده (٢) لما فيه من

стр. 3640

تقوية الإسلام وشوكته وأهله واستجلاب عدوه إليه؛ وهكذا وقع سواءً، كما قال بعض هؤلاء الذين نفلهم: «لقد أعطاني رسول الله ﷺ وإنه لأبغض الخلق إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إلي» (١). فما ظنك بعطاء قوَّى الإسلام وأهله، وأذل الكفر وحزبه، واستجلب به قلوب رؤوس القبائل والعشائر الذين إذا غضبوا غضب لغضبهم أتباعهم، وإذا رضوا رضوا لرضاهم، فإذا أسلم هؤلاء لم يتخلف عنهم أحد من قومهم؛ فللَّه ما أعظم موقع هذا العطاء وما أجداه وأنفعه للإسلام وأهله. ومعلوم أن الأنفال لله ولرسوله، يقسمها رسوله حيث أمره لا يتعدى الأمر، فلو وضع الغنائم بأسرها في هؤلاء لمصلحة الإسلام العامة لما خرج عن الحكمة والمصلحة والعدل. ولما عميت أبصار ذي الخويصرة التميمي وأضرابه عن هذه المصلحة والحكمة قال له قائلهم: «اعدل فإنك لم تعدل»، وقال مُشبهه: «إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله» (٢)، ولعمر الله إن هؤلاء من أجهل الخلق برسوله ومعرفته بربه وطاعته له، وتمام عدله، وإعطائه لله ومنعه لله.

стр. 3641

ولله سبحانه أن يقسم الغنائم كما يحب، وله أن يمنعها الغانمين جملة كما منعهم غنائم مكة وقد أوجفوا عليها بخيلهم وركابهم، وله أن يسلط عليها نارًا من السماء تأكلها (١)، وهو في ذلك كله أعدل العادلين وأحكم الحاكمين، وما فعل ما فعله من ذلك عبثًا ولا قدَّره سدى، بل هو عين المصلحة والحكمة والعدل والرحمة، مصدره كمال علمه وعزَّته وحكمته ورحمته؛ ولقد أتم نعمته على قوم ردهم إلى منازلهم برسوله يقودونه إلى ديارهم، وأرضى من لم يعرف قدر هذه النعمة بالشاء والبعير، كما يُعطى الصغير ما يناسب عقله ومعرفته ويعطى العاقل اللبيب ما يناسبه، وهذا فضله وهذا فضله، وليس هو سبحانه تحت حجر أحد من خلقه فيوجبون عليه بعقولهم ويُحرمون، ورسوله منفذ لأمره. فإن قيل: فلو دعت حاجة الإمام في وقت من الأوقات إلى مثل هذا مع عدوه، هل يسوغ له ذلك؟ قيل: الإمام نائب عن المسلمين يتصرف لمصالحهم وقيام الدين، فإن تعين ذلك للدفع عن الإسلام والذب عن حوزته واستجلاب رؤوس أعدائه إليه ليأمن المسلمون شرَّهم ساغ له

стр. 3642

ذلك، بل تعيَّن عليه، وهل تُجوز الشريعة غير هذا؟! فإنه وإن كان في الحرمان مفسدة، فالمفسدة المتوقعة من فوات تأليف هذا العدو أعظم، ومبنى الشريعة على دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما، وتحصيل أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما، بل بناء مصالح الدنيا والدين على هذين الأصلين. وبالله التوفيق. قوله ﷺ : «فَلَهُ سَلَبُهُ» دليل على أن له سلبه كله غير مخموس، وقد صرح بهذا في قوله لسلمة بن الأكوع لما قتل قتيلًا: «لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَع» (١). وفي المسألة ثلاثة مذاهب، هذا أحدها. والثاني: أنه يُخمس كالغنيمة، وهذا قول الأوزاعي وأهل الشام، وهو مذهب ابن عباس لدخوله في آية الغنيمة. والثالث: أن الإمام إن استكثره خمسه وإن استقله لم يخمسه، وهو قول إسحاق وفعله عمر بن الخطاب ﵁، فروى سعيد في سننه (٢) عن ابن سيرين أن البراء ابن مالك بارز مرزبان

стр. 3643

الزارة (١) بالبحرين فطعنه فدقَّ صلبه وأخذ سُواريه وسلبه، فلما صلى عمر الظهر أتى البراء (٢) في داره، فقال: «إنا كُنَّا لا نخمس السلب، وإن سلب البراء قد بلغ مالًا وأنا خامسه»، فكان أول سلب خُمس في الإسلام سلب البراء، بلغ ثلاثين ألفًا. والأول أصح، فإن رسول الله ﷺ لم يخمس السلب وقال: هو له أجمع، ومضت على ذلك سنته وسنة الصديق بعده، وما رآه عمر اجتهاد أداه إليه رأيه. والحديث يدل على أنه من أصل الغنيمة، فإن النبي ﷺ قضى به للقاتل ولم ينظر في قيمته وقدره واعتبار خروجه من خُمس الخمس، وقال مالك (٣): هو من خمس الخمس. ويدل على أنه يستحقه من يسهم له ومن لا يسهم له من صبي وامرأة وعبد ومشرك، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يستحق السلب إلا من يستحق السهم؛ لأن السهم المجمع عليه إذا لم يستحقه العبد والصبي والمرأة والمشرك، فالسلب أولى، والأول أصح للعموم، ولأنه جارٍ مجرى قول الإمام: من فعل

стр. 3644

كذا أو دل على حصنٍ أو جاء برأس فله كذا، مما فيه تحريض على الجهاد، والسهم مستحق بالحضور وإن لم يكن منه فعل والسلب مستحق بالفعل، فجرى مجرى الجعالة. وفيه دلالة على أنه يستحق سلب جميع من قتله وإن كثروا، وقد ذكر أبو داود أن أبا طلحة قتل يوم حنين عشرين رجلًا فأخذ أسلابهم» (١) (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3645

الكلمة التاسعة والأربعون فوائد ومسائل فقهية من غزوة حنين (٢) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. ١ - جواز وطء المسبية بعد الاستبراء، وإن كان لها زوج انفسخ نكاحها بالسبي، فقد سأل الصحابة الرسول ﷺ في سبي أوطاس، فنزلت الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٤] (١). ٢ - النهي عن قتل النساء والأطفال والشيوخ والأجراء ممن لا يشتركون في القتال ضد المسلمين، روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر: «أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتِ فِي بَعْضِ مَغَازِي النَّبِيِّ ﷺ مَقْتُولَةً، فَأَنكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَتْلَ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ» (٢). وفي سنن أبي داود من حديث رباح بن ربيع قال: «كُنَّا مَعَ
следующие страницы →