ولله سبحانه أن يقسم الغنائم كما يحب، وله أن يمنعها الغانمين جملة كما منعهم غنائم مكة وقد أوجفوا عليها بخيلهم وركابهم، وله أن يسلط عليها نارًا من السماء تأكلها (١)، وهو في ذلك كله أعدل العادلين وأحكم الحاكمين، وما فعل ما فعله من ذلك عبثًا ولا قدَّره سدى، بل هو عين المصلحة والحكمة والعدل والرحمة، مصدره كمال علمه وعزَّته وحكمته ورحمته؛ ولقد أتم نعمته على قوم ردهم إلى منازلهم برسوله يقودونه إلى ديارهم، وأرضى من لم يعرف قدر هذه النعمة بالشاء والبعير، كما يُعطى الصغير ما يناسب عقله ومعرفته ويعطى العاقل اللبيب ما يناسبه، وهذا فضله وهذا فضله، وليس هو سبحانه تحت حجر أحد من خلقه فيوجبون عليه بعقولهم ويُحرمون، ورسوله منفذ لأمره.
فإن قيل: فلو دعت حاجة الإمام في وقت من الأوقات إلى مثل هذا مع عدوه، هل يسوغ له ذلك؟
قيل: الإمام نائب عن المسلمين يتصرف لمصالحهم وقيام الدين، فإن تعين ذلك للدفع عن الإسلام والذب عن حوزته واستجلاب رؤوس أعدائه إليه ليأمن المسلمون شرَّهم ساغ له
стр. 3642
ذلك، بل تعيَّن عليه، وهل تُجوز الشريعة غير هذا؟! فإنه وإن كان في الحرمان مفسدة، فالمفسدة المتوقعة من فوات تأليف هذا العدو أعظم، ومبنى الشريعة على دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما، وتحصيل أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما، بل بناء مصالح الدنيا والدين على هذين الأصلين. وبالله التوفيق.
قوله ﷺ : «فَلَهُ سَلَبُهُ» دليل على أن له سلبه كله غير مخموس، وقد صرح بهذا في قوله لسلمة بن الأكوع لما قتل قتيلًا: «لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَع» (١).
وفي المسألة ثلاثة مذاهب، هذا أحدها.
والثاني: أنه يُخمس كالغنيمة، وهذا قول الأوزاعي وأهل الشام، وهو مذهب ابن عباس لدخوله في آية الغنيمة.
والثالث: أن الإمام إن استكثره خمسه وإن استقله لم يخمسه، وهو قول إسحاق وفعله عمر بن الخطاب ﵁، فروى سعيد في سننه (٢) عن ابن سيرين أن البراء ابن مالك بارز مرزبان
стр. 3643
الزارة (١) بالبحرين فطعنه فدقَّ صلبه وأخذ سُواريه وسلبه، فلما صلى عمر الظهر أتى البراء (٢)
في داره، فقال: «إنا كُنَّا لا نخمس السلب، وإن سلب البراء قد بلغ مالًا وأنا خامسه»، فكان أول سلب خُمس في الإسلام سلب البراء، بلغ ثلاثين ألفًا.
والأول أصح، فإن رسول الله ﷺ لم يخمس السلب وقال: هو له أجمع، ومضت على ذلك سنته وسنة الصديق بعده، وما رآه عمر اجتهاد أداه إليه رأيه.
والحديث يدل على أنه من أصل الغنيمة، فإن النبي ﷺ قضى به للقاتل ولم ينظر في قيمته وقدره واعتبار خروجه من خُمس الخمس، وقال مالك (٣): هو من خمس الخمس.
ويدل على أنه يستحقه من يسهم له ومن لا يسهم له من صبي وامرأة وعبد ومشرك، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يستحق السلب إلا من يستحق السهم؛ لأن السهم المجمع عليه إذا لم يستحقه العبد والصبي والمرأة والمشرك، فالسلب أولى، والأول أصح للعموم، ولأنه جارٍ مجرى قول الإمام: من فعل
стр. 3644
كذا أو دل على حصنٍ أو جاء برأس فله كذا، مما فيه تحريض على الجهاد، والسهم مستحق بالحضور وإن لم يكن منه فعل والسلب مستحق بالفعل، فجرى مجرى الجعالة.
وفيه دلالة على أنه يستحق سلب جميع من قتله وإن كثروا، وقد ذكر أبو داود أن أبا طلحة قتل يوم حنين عشرين رجلًا فأخذ أسلابهم» (١)(٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3645
الكلمة التاسعة والأربعون
فوائد ومسائل فقهية من غزوة حنين (٢)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
١ - جواز وطء المسبية بعد الاستبراء، وإن كان لها زوج انفسخ نكاحها بالسبي، فقد سأل الصحابة الرسول ﷺ في سبي أوطاس، فنزلت الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٤] (١).
٢ - النهي عن قتل النساء والأطفال والشيوخ والأجراء ممن لا يشتركون في القتال ضد المسلمين، روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر: «أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتِ فِي بَعْضِ مَغَازِي النَّبِيِّ ﷺ مَقْتُولَةً، فَأَنكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَتْلَ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ» (٢).
وفي سنن أبي داود من حديث رباح بن ربيع قال: «كُنَّا مَعَ
стр. 3646
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ، فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ، فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ: «انْظُرْ عَلَامَ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ؟» فَجَاءَ فَقَالَ: عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ، فَقَالَ: «مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ»، قَالَ: وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ: «قُلْ لِخَالِدٍ لَا يَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلَا عَسِيفًا» (١). والعسيف: الأجير.
قال ابن حجر ﵀: «وخالد أول مشاهده مع النبي ﷺ غزوة الفتح، وفي ذلك العام كانت غزوة حنين، ومفهوم الحديث السابق أنها لو قاتلت لقتلت، واتفق الجميع كما نقل ابن بطال وغيره على منع القصد إلى قتل النساء والولدان، أما النساء فلضعفهن، وأما الولدان فلقصورهم عن فعل الكفر، ولما في استبقائهم جميعًا من الانتفاع بهم، إما برق أو بالفداء فيمن يجوز أن يُفادى به» (٢). أهـ
٣ - في قول بعض الصحابة عندما خرجوا إلى حنين ومروا بسدرة يعكف (٣) عليها المشركون وينوطون بها أسلحتهم، يُقال لها ذات أنواط، فقالوا: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، قال الشيخ صالح الفوزان: «فيه بطلان التبرك بالأشجار، والأحجار، وأنه شرك؛ لأن موسى ﵇ قال:
стр. 3647
﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾ [الأعراف:١٤٠]، فدل على أن من يتبرك بشجر أو حجر فقد اتخذه إلهًا، وهذا هو الشرك، واختلاف اللفظ لا يؤثر مع اتفاق المعنى، هؤلاء قالوا: «اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط» وبنو إسرائيل قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨] والرسول جعل هذا مثل هذا، وإن اختلف اللفظ.
أما قول عبدة القبور عن عبادتهم للقبور، هذا ليس بشرك، هذا توسل، حمية للأولياء، فإن النبي ﷺ قال: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (١). فدل على أن تعظيم القبور والتبرك بها يجعلها أوثانًا تعبد من دون الله، فالعبرة في المعاني لا في الألفاظ، فاختلاف الألفاظ لا يؤثر، وإن سموه توسلًا، أو سموه إظهارًا لشرف الصالحين، أو وفاء بحقهم علينا، كما يقولون: هذا هو الشرك، سواء بسواء، فالذي يتبرك بالحجر أو الشجر أو بالقبر قد اتخذه إلهًا، وإن كان يزعم أنه ليس بإله، فالأسماء لا تغير الحقائق» (٢).
٤ - أن حسن المقاصد لا تغير من الحكم الشرعي شيئًا، هؤلاء لهم مقصد حسن، ولكن النبي ﷺ لم يعتبر مقاصدهم، بل
стр. 3648
أنكر هذا، كما قال ابن مسعود: «كم من مريد للخير لم يصبه» (١).
٥ - خطورة التشبه بالكفار والمشركين؛ لأنها تؤدي إلى الشرك، ولهذا قال ﷺ : «لَتَتْبعُنَّ سَنَنَ الْذِينَ مَنْ قَبْلَكُمْ» (٢). ففي الحديث التحذير من التشبه بالمشركين والكفار في أفعالهم، وعاداتهم الخاصة، وتقاليدهم وطقوسهم» (٣).
٦ - فيه مشروعية الخطبة عند الأمر الذي يحدث سواء كان خاصًّا أم عامًّا (٤)، «ولقد خطب النبي ﷺ خطبة بليغة، ما سمع في باب الاسترضاء أروع من هذه الخطبة البليغة الجامعة بين الحق والصراحة والرقة والاستعطاف» (٥).
٧ - «ترتيب النبي ﷺ للخطبة ترتيبًا بليغًا، وقد أُوتي جوامع الكلم، فبدأ بنعمة الإيمان التي لا يوازيها شيء من أمر الدنيا، وثنى بنعمة الألفة وهي أعظم من نعمة المال؛ لأن الأموال تبذل في تحصيلها وقد لا تحصل، وقد كانت الأنصار قبل الهجرة في غاية التنافر والتقاطع لما وقع
стр. 3649
بينهم من حرب بعاث وغيرها، فزال ذلك كله بالإسلام، كما قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٣].
٨ - إقامة الحجة على الخصم وإفحامه بالحق عند الحاجة إليه.
٩ - حسن أدب الأنصار في تركهم المماراة والمبالغة في الحياء.
١٠ - فيه مناقب عظيمة لهم لما اشتمل على ثناء الرسول ﷺ البالغ عليهم، وأن الكبير ينبه الصغير على ما يغفل عنه، ويوضح له وجه الشبهة ليرجع إلى الحق.
١١ - المعاتبة واستعطاف المعاتب وإعتابه عن عتبه بإقامة حجة من عتب عليه والاعتذار والاعتراف.
١٢ - فيه علم من أعلام النبوة لقوله: «ستلقون بعدي»، فكان كما قال.
١٣ - وفيه أن من طلب حقه من الدنيا لا عتب عليه في ذلك.
١٤ - جواز تخصيص بعض المخاطبين في الخطبة.
١٥ - تسلية من فاته شيء من الدنيا مما حصل له من ثواب الآخرة، والحض على طلب الهداية والألفة والغنى، وأن المنة لله ورسوله على الإطلاق، وتقديم جانب الآخرة
стр. 3650
على الدنيا، والصبر عما فات منها ليدخر ذلك لصاحبه في الآخرة، والآخرة خير وأبقى» (١).
١٦ - قال ابن حجر: «قال ابن القيم: اقتضت حكمة الله أن فتح مكة كان سببًا لدخول كثير من قبائل العرب في الإسلام، وكانوا يقولون: دعوه وقومه، فإن غلبهم دخلنا في دينه، وإن غلبوه كفونا أمره، فلما فتح الله عليه استمر بعضهم على ضلاله، فجمعوا له وتأهبوا لحربه، وكان من الحكمة في ذلك أن يظهر أن الله نصر رسوله لا بكثرة من دخل في دينه من القبائل، ولا بانكفاف قومه عن قتاله» (٢).
١٧ - «أن النبي ﷺ لما أمَّر عثمان بن أبي العاص على الطائف، أمره أن يبني مسجدًا محل طواغيتهم، وهذا يدل على جواز جعل الكنائس والبيع وأمكنة الأصنام مساجد، وكذلك فعل الصحابة ﵃ حينما فتحوا البلاد» (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فأما أماكن الكفر والمعاصي التي لم يكن فيها عذاب، فإذا جعلت مكانًا للإيمان أو الطاعة فهذا حسن، كما أمر النبي ﷺ أهل الطائف أن يجعلوا المسجد مكان طواغيتهم، وأمر أهل
стр. 3651
اليمامة أن يتخذوا المسجد مكان بيعة كانت عندهم (١).
١٨ - «ركوبه ﷺ البغلة في ذلك الموطن مبالغة في الثبات والصبر، ويدل على العزم على عدم الفرار، كما قد فعل حين انهزم الناس عنه وهو مقبل على العدو، يركض ببغلته نحوهم، وقد زاد على ذلك كما ذكر في الرواية الأخرى، أنه نزل بالأرض على عادة الشجعان في المنازلة، وهذا كله يدل على أنه ﷺ كان أشجع الناس وأثبتهم في الحرب؛ ولذلك قال الصحابة ﵃: إن الشجاع منا للذي يلوذ بجانبه» (٢).
١٩ - أن الغاية من الجهاد إسلام الناس وليس الغنائم والمكاسب المالية، فالرسول ﷺ يعد زعيم الطائف إن أسلم أن يرد عليه أهله وماله ومائة من الإبل مكافأة له، وترغيبًا له للدخول في الإسلام، ليبين له الرسول ﷺ مدى الحرص عليه وعلى إسلامه، وأن لا رغبة في استرقاق أهله ومصادرة ماله.
٢٠ - التشديد في النهي عن الغلول، فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أم حبيبة بنت العرباض عن أبيها أن
стр. 3652
رسول الله ﷺ كان يأخذ الوبرة من فيء الله - - فيقول: «مَا لِي مِنْ هَذَا إلَّا مِثْلَ مَا لِأَحَدِكُمْ إلَّا الْخُمُسَ، وهُوَ مَرْدُودٌ فِيكُمْ، فَأَدُّوا الْخَيْطَ وَالْمِخْيَطَ فَمَا فَوْقَهُمَا، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُولَ، فَإِنَّهُ عَارٌ وَشَنَارٌ عَلَى صَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١).
٢١ - شجاعة أم سليم، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أنس ﵁ أن أم سليم? اتخذت يوم حنين خنجرًا، فكان معها، فرآها أبو طلحة، فقال: يا رسول الله! هذه أم سليم معها خنجر، فقال لها رسول الله ﷺ : «مَا هَذَا الخِنْجَرُ»، قالت: اتخذته، إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه، فجعل رسول الله ﷺ يضحك، قالت: يا رسول الله: اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك، فقال رسول الله ﷺ : «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَفَى وَأَحْسَنَ» (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3653
الكلمة الخمسون
فوائد ومسائل فقهية من فتح الطائف
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
فاستكمالًا للحديث عن فتح الطائف، هذه بعض الفوائد والمسائل الفقهية، فمن ذلك: جواز القتال في الأشهر الحرم ونسخ تحريم ذلك.
فإن رسول الله ﷺ خرج من المدينة إلى مكة في أواخر رمضان بعد مضي ثمان عشرة ليلة منه، والدليل عليه ما رواه أحمد في مسنده (١):
حدثنا إسماعيل عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس أنه مر مع رسول الله ﷺ
стр. 3654
زمن الفتح على رجل يحتجم بالبقيع لثمان عشرة خلت من رمضان، وهو آخذ بيدي فقال: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ»، وهذا أصح من قول من قال: إنه خرج لعشرٍ خلون من رمضان، وهذا الإسناد على شرط مسلم، فقد روى به بعينه: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» (١).
وأقام بمكة تسع عشرة ليلة يقصر الصلاة (٢)، ثم خرج إلى هوازن فقاتلهم وفرغ منهم، ثم قصد الطائف فحاصرهم بضعًا وعشرين ليلة في قول ابن إسحاق، وثمان عشرة ليلة في قول ابن سعد، وأربعين ليلة في قول مكحول (٣).
فإذا تأملت ذلك علمت أن بعض مدة الحصار في ذي القعدة ولابد، ولكن قد يقال: لم يبتدئ القتال إلا في شوال، فلما شرع فيه لم يقطعه للشهر الحرام، ولكن من أين لكم أنه ﷺ ابتدأ قتالًا في شهر حرام؟ وفرقٌ بين الابتداء والاستدامة (٤).
ومنها: جواز غزو الرجل وأهله معه، فإن النبي ﷺ كان معه في هذه الغزاة أم سلمة وزينب (٥).
стр. 3655
ومنها: جواز نصب المنجنيق على الكفار ورميهم به، وإن أفضى إلى قتل من لم يقاتل من النساء والذرية.
ومنها: أن العبد إذا أبق من المشركين ولحق بالمسلمين صار حرًا، قال سعيد بن منصور (١): حدثنا يزيد بن هارون عن الحجاج] عن الحكم [عن مِقْسَم عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يعتق العبيد إذا جاؤوا قبل مواليهم.
وروى سعيد (٢) أيضًا قال: قضى رسول الله ﷺ في العبد وسيده قضيتين: قضى أن العبد إذا خرج من دار الحرب قبل سيده أنه حر، فإن خرج سيده بعده لم يُرد عليه، وقضى أن السيد إذا خرج قبل العبد ثم خرج العبد رُد على سيده.
وعن الشعبي عن رجل من ثقيف قال: سألنا رسول الله ﷺ أن يرد علينا أبا بكرة وكان عبدًا لنا، أتى رسول الله ﷺ وهو مُحاصر ثقيفًا فأسلم، فأبى أن يرده علينا وقال: «هُوَ طَلِيقُ اللَّهِ،
стр. 3656
ثُمَّ طَلِيقُ رَسُولِهِ»، فلم يرده علينا (١).
قال ابن المنذر (٢): وهذا قول كل من نحفظ عنه من أهل العلم.
ومنها: أن الإمام إذا حاصر حصنًا ولم يُفتح عليه، ورأى مصلحة المسلمين في الرحيل عنه، لم يلزمه مصابرته وجاز له ترك مصابرته، وإنما تلزم المصابرة إذا كان فيها مصلحة راجحة على مفسدتها.
ومنها: أنه أحرم من الجعرانة بعمرة وكان داخلًا إلى مكة، وهذه هي السنة لمن دخلها من طريق الطائف وما يليه، وأما ما يفعله كثير ممن لا علم عندهم من الخروج من مكة إلى الجعرانة ليُحرم منها بعمرة ثم يرجع إليها، فهذا لم يفعله رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه البتة، ولا استحبه أحد من أهل العلم، وإنما يفعله عوام الناس- زعموا - اقتداءً بالنبي ﷺ وغلطوا، فإنه إنما أحرم منها داخلًا إلى مكة، لم يخرج منها إلى الجعرانة ليحرم منها؛ فهذا لون وسنته لون، وبالله التوفيق.
ومنها: استجابة الله سبحانه لرسوله ﷺ دعاءه لثقيف أن
стр. 3657
يهديهم ويأتي بهم وقد حاربوه وقاتلوه وقتلوا جماعة من أصحابه وقتلوا رسول رسوله الذي أرسله إليهم يدعوهم إلى الله، ومع هذا كله فدعا لهم ولم يدع عليهم، وهذا من كمال رحمته ورأفته ونصيحته صلوات الله وسلامه عليه.
ومنها: كمال محبة الصديق له وقصده التقرب إليه والتحبب بكل ما يمكنه، ولهذا ناشد المغيرة أن يدعه هو يبشر النبي ﷺ بقدوم وفد الطائف ليكون هو الذي سره وفرحه بذلك، وهذا يدل على أنه يجوز للرجل أن يسأل أخاه أن يؤثره بقربة من القرب، وأنه يجوز للرجل أن يؤثر بها أخاه، وقول من قال من الفقهاء: لا يجوز الإيثار بالقرب، لا يصح.
وقد آثرت عائشة عمر بن الخطاب بدفنه في بيتها جوار النبي ﷺ (١)، وسألها عمر ذلك فلم يُكره له السؤال ولا لها البذل، وعلى هذا فإذا سأل الرجل غيره أن يؤثره بمقامه في الصف الأول لم يكره له السؤال، ولا لذلك البذل، ونظائره.
ومن تأمل سيرة الصحابة وجدهم غير كارهين لذلك، ولا ممتنعين عنه، وهل هذا إلا كرم وسخاء، وإيثار على النفس بما هو من أعظم محبوباتها، وتفريحًا لأخيه المسلم، وتعظيمًا لقدره، وإجابة له إلى ما سأله، وترغيبًا له في الخير؛ وقد يكون
стр. 3658
ثواب كل واحد من هذه الخصال راجحًا على ثواب تلك القربة، فيكون المؤثر بها ممن تاجر فبذل قربة وأخذ أضعافها.
وعلى هذا فلا يمتنع أن يؤثر صاحب الماء بمائه أن يتوضأ به ويتيمم هو، إذ كان لابد من تيمم أحدهما، فآثر أخاه وحاز فضيلة الإيثار وفضيلة الطهر بالتراب، ولم يمنع من هذا كتاب ولا سنة ولا مكارم أخلاق.
وعلى هذا فإذا اشتد العطش بجماعة وعاينوا التلف، ومع بعضهم ماء فآثر به على نفسه واستسلم للموت كان ذلك جائزًا، ولم نقل إنه قاتل لنفسه ولا إنه فعل محرمًا، بل هذا غاية الجود والسخاء، كما قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]، وقد جرى هذا بعينه لجماعة من الصحابة في فتوح الشام، وعُدَّ ذلك في مناقبهم وفضائلهم.
وهل إهداء القُرَبِ المجمع عليها المتنازع فيها إلى الميت إلا إيثار بثوابها؟ وهو عين الإيثار بالقرب، فأي فرق بين أن يؤثره بفعلها ليُحرز ثوابها وبين أن يعمل ثم يؤثره بثوابها؟ وبالله التوفيق.
ومنها: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يومًا واحدًا، فإنها شعائر الكفر والشرك وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع
стр. 3659
القدرة البتة، وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانًا وطواغيت تُعبد من دون الله والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، أو أعظم شركًا عندها وبها، وبالله المستعان.
ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد فيها أنها تخلق وترزق وتميت وتحيي، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القُذة بالقذة، وأخذوا مأخذهم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم، فصار المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقلَّ العلماء، وغلبت السفهاء، وتفاقم الأمر، واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
ومنها: جواز صرف الإمام الأموال التي تصير إلى هذه
стр. 3660
المشاهد والطواغيت في الجهاد ومصالح المسلمين، فيجوز للإمام بل يجب عليه أن يأخذ أموال هذه الطواغيت التي تُساق إليها كلها ويصرفها على الجند والمقاتلة ومصالح الإسلام، كما أخذ النبي ﷺ أموال اللات وأعطاها لأبي سفيان يتألفه بها وقضى منها دين عروة والأسود.
وكذلك يجب عليه أن يهدم هذه المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانًا، وله أن يقطعها للمقاتلة أو يبيعها ويستعين بأثمانها على مصالح المسلمين، وكذلك الحكم في أوقافها، فإن وقفها والوقف عليها باطل وهو مال ضائع، فيُصرف في مصالح المسلمين، فإن الوقف لا يصح إلا في قربة وطاعة لله ورسوله، فلا يصح الوقف على مشهدٍ ولا قبرٍ يُسرج عليه ويُعظم، وينذر له ويحج إليه، ويُعبد من دون الله ويُتخذ وثنًا من دونه، وهذا مما لا يخالف فيه أحد من أئمة الإسلام ومن اتبع سبيلهم.
ومنها: أن وادي وج - وهو واد بالطائف - حرم يحرم صيده وقطع شجره، وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فالجمهور قالوا: ليس في البقاع حرم إلا مكة والمدينة، وأبو حنيفة خالفهم في حرم المدينة، وقال الشافعي في أحد قوليه: وجٌّ حرم يحرم صيده وشجره، واحتج لهذا القول بحديثين: أحدهما هذا الذي تقدم (١)، والثاني: حديث عروة بن الزبير عن أبيه الزبير أن
стр. 3661
النبي ﷺ قال: «إِنَّ صَيْدَ وَجٍّ، وَعِضَاهَهُ حَرَمٌ مُحَرَّمٌ لِلَّهِ» (١).
وهذا الحديث يعرف بمحمد بن عبد الله بن إنسان عن أبيه عن عروة، قال البخاري في تاريخه (٢): لا يتابع عليه.
قلت: وفي سماع عروة من أبيه نظر، وإن كان قد رآه (٣)، والله أعلم. أ هـ
والراجح أن وادي وج ليس بحرم؛ لأن الأحاديث الواردة في ذلك لم تصح.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3662
الكلمة الواحدة والخمسون
الرؤى التي رآها النبي ﷺ وأوّلها
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
فقد تقدم في كلمة سابقة الكلام على الرؤى وأقسامها، وبعض الأخطاء التي يقع فيها الناس في الرؤيا، وسيكون الكلام في هذه الكلمة عن الرؤى التي رآها النبي ﷺ وأوّلها:
الرؤيا الأولى:
روى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «رَأَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، كَأَنَّا فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ، فَأُتِينَا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ، فَأَوَّلْتُ الرِّفْعَةَ لَنَا فِي الدُّنْيَا، وَالْعَاقِبَةَ فِي الآخِرَةِ، وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ» (١).
«وتأويله ﷺ دليل على أن تفسير الرؤيا قد يؤخذ من اشتقاق كلماتها، فإنه ﷺ أخذ من عقبة حسن العاقبة، ومن رافع الرفعة، ومن رطب بن طاب: لذاذة الدين وكماله، وقد
стр. 3663
قال علماء أهل العبارة: أن لها أربعة طرق:
أحدها: ما يشتق من الأسماء كما ذكرناه آنفاً.
وثانيها: ما يُعتبر مثاله: ويميز شكله كدلالة معلم الكتاب على القاضي، والسلطان، وصاحب السجن، ورأس السفينة، وعلى الوصي والوالد.
وثالثها: ما يعبره المعنى المقصود من ذلك الشيء المرئي، كدلالة فعل السفر على السفر، وفعل السوق على المعيشة، وفعل الدار على الزوجة والجارية.
ورابعها: التعبير بما تقدم له ذكر في القرآن والسنة، أو الشعر، أو كلام العرب وأمثالها، وكلام الناس وأمثالهم، أو خبر معروف، أو كلمة حكمة وذلك كنحو تعبير الخشب بالمنافق لقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤]، وكتعبير القارورة بالمرأة لقوله ﷺ : «رِفْقًا بِالقَوَارِيرِ» يعني ضعفة النساء» (١).
«والسفينة: تعبر بالنجاة لقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت:١٥].
والحجارة: بقسوة القلب لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ
стр. 3664
بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤]، وغير ذلك» (١).
الرؤيا الثانية:
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي موسى أن النبي ﷺ قال: «رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهْلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ، وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا، فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَأَيْتُ فِيهَا أَيْضًا بَقَرًا -وفي رواية: تُذْبَحُ (٢) - وَاللَّهُ خَيْرٌ، فَإِذَا هُمُ النَّفَرُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ بَعْدُ، وَثَوَابُ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بَعْدُ يَوْمَ بَدْرٍ» (٣).
«قوله: «وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ»، هذا نص في رؤيته لدار هجرته، ولهذه الحالة الدالة على قضية يوم أُحد كانت منامًا واحدًا، وقد تأول ﷺ السيف هنا بالقوم الذي كانوا معه الناصرين له أخذًا من معنى السيف؛ لأنه به يُنتصر ويُعتضد في اللقاء كما يعتضد بالأنصار والأولياء، وقد
стр. 3665
يتأول على وجوه متعددة في غير هذا الموضع، فقد يدل على الولد، والوالد، والعم، والعصبة، والزوجة، والسلطان، والحجة القاطعة، وذلك بحسب ما يظهر من أحوال الرائي والمرئي ووقت الرؤيا، وإنما تأول انقطاع صدر السيف بقتل من قتل يوم أُحد لأنهم كانوا معظم صدر عسكره، إذ كان فيهم عمه حمزة وغيره من أشراف المهاجرين والأنصار، فاقتبس صدر القوم من صدر السيف، والقطع الذي رئي فيه قطع أعمار المقتولين، وهزه للسيف هو حملهم إياهم على الجهاد وحثهم عليه.
قوله ﷺ : «ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ»: فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، يعني والله أعلم ما صنع الله لهم بعد أُحد، وذلك أنهم لم ينكلوا عن الجهاد، ولا ضعفوا ولا استكانوا لما أصابهم يوم أحد، لكن جددوا نياتهم وقووا إيمانهم وعزماتهم، فخرجوا على ما بهم من الضعف والجراح، فغزوا غزوة حمراء الأسد، مستظهرين على عدوهم بالقوة والجلد، ثم فتح الله عليهم ونصرهم في غزوة بني النضير، ثم في غزوة ذات الرقاع، ثم لم يزل الله يجمع المؤمنين ويكثرهم ويفتح عليهم إلى بدر الثانية، وكانت في شهر شعبان من السنة الرابعة من الهجرة، وبعد تسعة أشهر ونصف شهر من أُحد، فما فتح الله عليه به في هذه المدة هو المراد هنا.
стр. 3666
قوله ﷺ : «وَثَوَابُ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بَعْدُ يَوْمَ بَدْرٍ»: يستحيل أن يكون يوم بدر هنا هو غزوة بدر الكبرى، لتقدم بدر الكبرى على أُحد بزمان طويل؛ لأن بدر الأولى في شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة، وكانت أُحد في السنة الثالثة والنصف من شوال، ولذلك قال علماؤنا إن يوم بدر في هذا الحديث هو يوم بدر الثاني، وكان من أمرها أن قريشًا لما أصابت في أحد من أصحاب النبي ﷺ ما أصابت وأخذوا في الرجوع نادى أبو سفيان يسمع النبي ﷺ ، فقال: موعدكم يوم بدر في العام المقبل، فأمر النبي ﷺ بعض أصحابه أن يجيبه بنعم، فلما كان العام المقبل - وهي السنة الرابعة من الهجرة - خرج في شعبان إلى بدر الثانية، فوصل إلى بدر، وأقام هناك ينتظر أبا سفيان، وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى بلغ عسفان، ثم إنهم غلبهم الخوف فرجعوا، واعتذروا بأن العام عام جدب، وكان عذرًا محتاجًا إلى عذر، فأخزى الله المشركين، ونصر المؤمنين، ثم إن النبي ﷺ لم يزل منصورًا، وبما يفتح الله عليه مسرورًا، إلى أن أظهر الله تعالى دينه على الأديان، وأخمد كلمة الكفر والطغيان.
الرؤيا الثالثة:
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ فِي
стр. 3667
يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا، فَأُوحِيَ إِلَيَّ فِي المَنَامِ أَنِ أنْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ بَعْدِي، فَكَانَ أَحَدُهُمَا العَنْسِيُّ صَاحِبُ صَنْعَاءَ، وَالآخَرُ مُسَيْلِمَةُ صَاحِبُ اليَمَامَةِ» (١).
قوله: «فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ بَعْدِي»: أي يظهران ويغلبان بعد موتي، وإلا فقد كانا موجودين في حياة النبي ﷺ متبعين، وقد دل على هذا قوله في الرواية الأخرى: فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما، ووجه مناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا: أن أهل صنعاء وأهل اليمامة كانا قد أسلما وكانا كالساعدين للإسلام، فلما ظهر فيهما هذان الكذابان وتبهرجا لهما بترهاتهما وزخرفا أقوالهما، فانخدع الفريقان بتلك البهرجة، فكان البلدان للنبي ﷺ بمنزلة يديه؛ لأنه كان يعتضد بهما، والسواران فيهما هما مسيلمة وصاحب صنعاء بما زخرفا من أقوالهما.
ونفخ النبي ﷺ : هو أن الله أهلكهما على أيدي أهل دينه، أما مسيلمة فقد قُتل في معركة اليمامة في عهد أبي بكر الصديق ﵁، وأما صاحب صنعاء، فقد قتل على يد فيروز الديلمي، وقيس بن مكشوح، وكان ذلك في خلافة أبي بكر
стр. 3668
الصديق على الصحيح من أقوال أهل العلم لقوله ﷺ «يَخْرُجَانِ بَعْدِي» أي بعد وفاتي. والله أعلم» (١).
الرؤيا الرابعة:
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي لأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ»، قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «العِلْمَ» (٢).
قال المهلب: اللبن يدل على الفطرة والسنة والقرآن والعلم.
قال ابن حجر ﵀: «وقد جاء في بعض الأحاديث المرفوعة تأويله بالفطرة كما في حديث الإسراء والمعراج» (٣).
«وذكر الدينوري أن اللبن المذكور في هذا يختص بالإبل، وأنه أشار به إلى مال حلال وعلم وحكمة، قال: ولبن البقر خصب السنة، ومال حلال وفطرة أيضًا، ولبن الشاة مال وسرور وصحة جسم، وألبان الوحش شك في الدين، وألبان السباع
стр. 3669
غير محمودة إلا أن لبن اللبوة مال مع عداوة لذي أمر.
وفي الحديث مشروعية قص الكبير رؤياه على من دونه، وإلقاء العالم المسائل واختبار أصحابه في تأويلها، وأن من الأدب أن يرد الطالب علم ذلك إلى معلمه، فالذي يظهر أنه لم يرد منهم أن يعبروها، وإنما أراد أن يسألوه عن تعبيرها ففهموا مراده فسألوه فأفادهم، وكذلك ينبغي أن يسلك هذا الأدب في جميع الحالات المشابهة.
قال ابن أبي جمرة: وفي الحديث أن علم النبي ﷺ بالله لا يبلغ أحد درجته فيه؛ لأنه شرب حتى رأى الري يخرج من أطرافه، وأما إعطاؤه فضله عمر، ففيه إشارة إلى ما حصل لعمر من العلم بالله، بحيث كان لا يأخذه في الله لومة لائم، وفيه أن من الرؤيا ما يدل على الماضي والحال والمستقبل، قال: وهذه أولت على الماضي، فإن رؤياه هذه تمثيل قد وقع؛ لأن الذي أعطيه من العلم كان قد حصل له، وكذلك أعطيه عمر فكانت فائدة هذه الرؤيا تعريف قدر النسبة بين ما أعطيه من العلم وما أعطيه عمر» (١).
الرؤيا الخامسة:
روى البخاري في صحيحه من حديث سالم بن عبد الله
стр. 3670
عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «رَأَيْتُ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ، خَرَجَتْ مِنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى قَامَت بِمَهْيَعَةَ وَهِيَ الْجُحْفَةُ، فَأَوَّلْتُ أَنَّ وَبَاءَ الْمَدِينَةِ نُقِلَ إِلَيْهَا» (١).
قال المهلب: «هذه الرؤيا من قسم الرؤيا المعبرة وهي مما ضرب به المثل ووجه التمثيل، أنه شق من اسم السوداء السوء والداء، فتأول خروجها بما جمع اسمها، وتأول من ثوران شعر رأسها أن الذي يسوء ويثير الشر يخرج من المدينة.
قال القيرواني المعبر: كل شيء غلبت عليه السوداء في أكثر وجوهها فهو مكروه، وقال غيره: ثوران الرأس يئول بالحمى لأنها تثير البدن بالاقشعرار، وارتفاع الرأس لا سيما من السوداء فإنها أكثر استيحاشًا» (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3671
الكلمة الثانية والخمسون
الخيل
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
قال الله تعالى: ﴿ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)﴾ [العاديات:١ - ٥].
وقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران: ١٤].
وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
وقال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ [النحل: ٨].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ: فَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ،
стр. 3672
وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَلِرَجُلٍ وِزْرٌ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ: فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيُعِدُّهَا لَهُ، فَلَا تُغَيِّبُ شَيْئًا فِي بُطُونِهَا إِلَاّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرًا، وَلَوْ رَعَاهَا فِي مَرْجٍ، مَا أَكَلَتْ مِنْ شَيْءٍ إِلَاّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا أَجْرًا، وَلَوْ سَقَاهَا مِنْ نَهْرٍ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ قَطْرَةٍ تُغَيِّبُهَا فِي بُطُونِهَا أَجْرٌ - حَتَّى ذَكَرَ الأَجْرَ فِي أَبْوَالِهَا وَأَرْوَاثِهَا- وَلَوْ اسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ، كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا أَجْرٌ، وَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ: فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا تَكَرُّمًا وَتَجَمُّلًا، وَلَا يَنْسَى حَقَّ ظُهُورِهَا، وَبُطُونِهَا فِي عُسْرِهَا وَيُسْرِهَا، وَأَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ وِزْرٌ فَالَّذِي يَتَّخِذُهَا أَشَرًا وَبَطَرًا، وَبَذَخًا وَرِيَاءَ النَّاسِ، فَذَاكَ الَّذِي هِيَ عَلَيْهِ وِزْرٌ» (١).
قال ابن حجر ﵀: «في هذا الحديث بيان أن الخيل إنما تكون في نواصيها الخير والبركة إذا كان اتخاذها في الطاعة أو في الأمور المباحة، وإلا فهي مذمومة» (٢).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ، فَفَرَسٌ لِلرَّحْمَنِ، وَفَرَسٌ لِلإِنْسَانِ، وَفَرَسٌ لِلشَّيْطَانِ، فَأَمَّا فَرَسُ الرَّحْمَنِ: فَالَّذِي يُرْبَطُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَعَلَفُهُ وَرَوْثُهُ وَبَوْلُهُ، وَذَكَرَ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَأَمَّا فَرَسُ الشَّيْطَانِ: فَالَّذِي يُقَامَرُ أَوْ يُرَاهَنُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا فَرَسُ الإِنْسَانِ: فَالْفَرَسُ يَرْتَبِطُهَا الإِنْسَانُ يَلْتَمِسُ بَطْنَهَا، فَهِيَ تَسْتُرُ
стр. 3673
مِنْ فَقْرٍ» (١).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث سهل ابن الحنظلية أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْمُنْفِقَ عَلَى الْخَيْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَالْبَاسِطِ يَدَيْهِ بِالصَّدَقَةِ لَا يَقْبِضُهَا» (٢).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَهْلُهَا مُعَانُونَ عَلَيْهَا، فَامْسَحُوا بِنَوَاصِيهَا، وَادْعُوا لَهَا بِالْبَرَكَةِ، وَقَلِّدُوهَا، وَلَا تُقَلِّدُوهَا بِالأَوْتَارِ» (٣).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي قتادة عن رسول الله ﷺ قال: «خَيْرُ الْخَيْلِ الأَدْهَمُ (٤)،الَأقْرَحُ (٥)،
стр. 3674
الأَرْثَمُ (١)، المُحَجَّلُ (٢) ثَلَاثٍ، مُطْلَقُ الْيَمِينِ (٣)، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَدْهَمَ، فَكُمَيْتٌ عَلَى هَذِهِ الشِّيَةِ» (٤)(٥).
قال البخاري ﵀ في كتابه الصحيح: بَابُ الجهاد ماض مع البر والفاجر لقول النبي ﷺ : «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الأَجْرُ وَالمَغْنَمُ» (٦).
وفي رواية مسلم من حديث جرير بن عبد الله قال: رأيت رسول الله ﷺ يلوي ناصية فرس بأصبعيه وهو يقول: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الأَجْرُ وَالمَغْنَمُ» (٧).
وقال النبي ﷺ : «الْبَرَكَةُ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ» (٨)(٩).
قال الخطابي ﵀: «فيه إشارة إلى أن المال الذي يكتسب باتخاذ الخيل من خير وجوه الأموال وأحبها، والعرب تسمي
стр. 3675
المال خيرًا كما تقدم في الوصايا في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠].
وقال ابن عبدالبر: «فيه إشارة إلى تفضيل الخيل على غيرها من الدواب؛ لأنه لم يأت عنه ﷺ في شيء غيرها مثل هذا القول» (١).
وروى الحاكم في المستدرك من حديث عقبة أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَغْزُوَ، فَاشْتَرِ فَرَسًا أَغَرَّ مُحَجَّلًا مُطْلَقَ الْيُمْنَى، فَإِنَّكَ تَغْنَمُ وَتَسْلَمُ» (٢).
وروى أبو داود في سننه من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «يُمْنُ (٣) الْخَيْلِ فِي شُقْرِهَا» (٤).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَسٍ عَرَبِيٍّ إِلَّا يُؤَذَنُ لَهُ مَعَ كُلِّ فَجْرٍ يَدْعُو بِدَعْوَتَيْنِ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ خَوَّلْتَنِي مَنْ خَوَّلْتَنِي مِنْ بَنِي آَدَمَ، فَاجْعَلْنِي مِنْ أَحَبِّ أَهْلِهِ وَمَالِهِ إِلَيْهِ .. أَوْ أَحَبِّ أَهْلِهِ
стр. 3676
وَمَالِهِ» (١).
وكان النبي ﷺ يسمى الأُنثى من الخيل فرسًا، فقد روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يسمي الأنثى من الخيل فرسًا (٢).
وكان النبي ﷺ يكره الشكال من الخيل (٣).
منزلة الخيل:
وللخيل منزلة عظيمة في نفوس أصحابها، ولا سيما الخيل العربية الأصلية منها، لما تتصف به من الشجاعة والشهامة والوفاء لأصحابها، والخيل تقاتل مع صاحبها في المعارك؛ ولذلك جعل النبي ﷺ للفرس سهمين ولصاحبها سهم من الغنيمة، وإذا سقط صاحب الفرس عنها فإنها لا تفارقه، وفي أبيات من قصيدة الأمير تركي بن حميد ﵀:
стр. 3677
والعز فوق معسكرات السواديس ... إلى قصدت اللي بالأشياء رحومي
يا زينهن عقب النكوفة مقاويس ... وعلى الطريح مصوبرات كظومي
ومما جاء من الشعر في الخيل:
أَحِبُّوا الخَيْلَ وَاصْطَبِرُوا عَلَيْهَا ... فَإِنَّ العِزَّ فِيهَا والجَمَالَا
إِذَا مَا الخَيْلُ ضَيَّعَهَا أُنَاسٌ ... رَبَطْنَاهَا فَأَشْرَكَتِ العِيَالَا
نُقَاسِمُهَا المَعِيشَةَ كُلَّ يَوْمٍ ... وَنَكْسُوهَا البَرَاقِعَ وَالجِلَالَا
يقول المتنبي:
أَعَزُّ مَكَانٍ فِي الدُّنَا سَرْجُ سَابِحٍ ... وَخَيْرُ جَلِيسٍ فِي الزَّمَانِ كِتَابُ
ومن الأمثلة: الخيل ميامين: أي مباركات.
روى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن رسول الله ﷺ رئي وهو يمسح فرسه بردائه، فسُئل عن ذلك فقال: «إِنِّي عُوتِبْتُ اللَّيْلَةَ فِي الْخَيْلِ» (١).
قال ابن حجر ﵀: «روى أبو عبيدة في كتاب الخيل أنهم كانوا يستحبون إناث الخيل في الغارات والبيات، وروى الوليد بن مسلم في الجهاد له من طريق عبادة بن نسي وابن محيريز أنهم كانوا يستحبون إناث الخيل في الغارات والبيات
стр. 3678
ولما خفي من أمور الحرب، ويستحبون الفحول في الصفوف والحصون ولما ظهر من أمور الحرب، وروى عن خالد بن الوليد أنه كان لا يقاتل إلا على أنثى؛ لأنها تدفع البول وهي أقل صهلًا، والفحل يحبسه في جريه حتى ينفتق ويؤذي بصهيله» (١).
وقال عمر ﵁: «عليكم بإناث الخيل فإن بطونها كنز، وظهورها حرز» (٢).
تنبيه:
من نعيم الجنة ركوب الخيل، حيث شاء المؤمن، روى الترمذي في سننه من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه أن رجلًا قال: يا رسول الله: هل في الجنة من خيل؟ قال: «إِنِ اللَّهُ أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ، فَلَا تَشَاءُ أَنْ تُحْمَلَ فِيهَا عَلَى فَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطِيرُ بِكَ فِي الجَنَّةِ حَيْثُ شِئْتَ» (٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3679
الكلمة الثالثة والخمسون
الإبل
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
فمن المخلوقات العظيمة التي ذكرها الله في كتابه الإبل، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ [الغاشية:١٧].
قال ابن كثير ﵀: «فإنها خلق عجيب، وتركيبها غريب، فإنها في غاية القوة والشدة، وهي مع ذلك تلين للحمل الثقيل، وتنقاد للقائد الضعيف، وتؤكل وينتفع بوبرها، ويُشرب لبنها، ونبهوا بذلك لأن العرب غالب دوابهم كانت الإبل، وكان شريح القاضي يقول: اخرجوا بنا حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت؟» (١).
وإنما أمر الله سبحانه بالنظر إليها والتفكر فيها لأن ذلك يدل على عظمة خالقها سبحانه.
стр. 3680
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
كما أن خلقها الظاهري عجيب، فإن من صفاتها وخلائقها وما جبلت عليه ما هو أعجب وأعجب، ومن خالطها أو استمع إلى ما يذكره أهلها عرف ذلك.
وقد جعلها الله آية معجزة لنبي من أنبيائه وهو صالح ﵇، قال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)﴾ [هود: ٦٤ - ٦٥].
والإبل بالجملة محبوبة لدى كثير من الناس لا سيما العرب، ومن حبهم لها وتعلقها بها أنهم يؤثروها على كثير من المحاب الدنيوية، ويدفعون عنها ويستميتون دونها، وعلى هذه المعاني يدل قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ [التكوير: ٤] (١).
أما منافعها، فهي على سبيل الإجمال على قسمين:
القسم الأول: منافع دينية، وهي ما يتعلق بها من الأحكام الشرعية، فمن ذلك: