وَمَالِهِ» (١).
وكان النبي ﷺ يسمى الأُنثى من الخيل فرسًا، فقد روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يسمي الأنثى من الخيل فرسًا (٢).
وكان النبي ﷺ يكره الشكال من الخيل (٣).
منزلة الخيل:
وللخيل منزلة عظيمة في نفوس أصحابها، ولا سيما الخيل العربية الأصلية منها، لما تتصف به من الشجاعة والشهامة والوفاء لأصحابها، والخيل تقاتل مع صاحبها في المعارك؛ ولذلك جعل النبي ﷺ للفرس سهمين ولصاحبها سهم من الغنيمة، وإذا سقط صاحب الفرس عنها فإنها لا تفارقه، وفي أبيات من قصيدة الأمير تركي بن حميد ﵀:
стр. 3677
والعز فوق معسكرات السواديس ... إلى قصدت اللي بالأشياء رحومي
يا زينهن عقب النكوفة مقاويس ... وعلى الطريح مصوبرات كظومي
ومما جاء من الشعر في الخيل:
أَحِبُّوا الخَيْلَ وَاصْطَبِرُوا عَلَيْهَا ... فَإِنَّ العِزَّ فِيهَا والجَمَالَا
إِذَا مَا الخَيْلُ ضَيَّعَهَا أُنَاسٌ ... رَبَطْنَاهَا فَأَشْرَكَتِ العِيَالَا
نُقَاسِمُهَا المَعِيشَةَ كُلَّ يَوْمٍ ... وَنَكْسُوهَا البَرَاقِعَ وَالجِلَالَا
يقول المتنبي:
أَعَزُّ مَكَانٍ فِي الدُّنَا سَرْجُ سَابِحٍ ... وَخَيْرُ جَلِيسٍ فِي الزَّمَانِ كِتَابُ
ومن الأمثلة: الخيل ميامين: أي مباركات.
روى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن رسول الله ﷺ رئي وهو يمسح فرسه بردائه، فسُئل عن ذلك فقال: «إِنِّي عُوتِبْتُ اللَّيْلَةَ فِي الْخَيْلِ» (١).
قال ابن حجر ﵀: «روى أبو عبيدة في كتاب الخيل أنهم كانوا يستحبون إناث الخيل في الغارات والبيات، وروى الوليد بن مسلم في الجهاد له من طريق عبادة بن نسي وابن محيريز أنهم كانوا يستحبون إناث الخيل في الغارات والبيات
стр. 3678
ولما خفي من أمور الحرب، ويستحبون الفحول في الصفوف والحصون ولما ظهر من أمور الحرب، وروى عن خالد بن الوليد أنه كان لا يقاتل إلا على أنثى؛ لأنها تدفع البول وهي أقل صهلًا، والفحل يحبسه في جريه حتى ينفتق ويؤذي بصهيله» (١).
وقال عمر ﵁: «عليكم بإناث الخيل فإن بطونها كنز، وظهورها حرز» (٢).
تنبيه:
من نعيم الجنة ركوب الخيل، حيث شاء المؤمن، روى الترمذي في سننه من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه أن رجلًا قال: يا رسول الله: هل في الجنة من خيل؟ قال: «إِنِ اللَّهُ أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ، فَلَا تَشَاءُ أَنْ تُحْمَلَ فِيهَا عَلَى فَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطِيرُ بِكَ فِي الجَنَّةِ حَيْثُ شِئْتَ» (٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3679
الكلمة الثالثة والخمسون
الإبل
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
فمن المخلوقات العظيمة التي ذكرها الله في كتابه الإبل، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ [الغاشية:١٧].
قال ابن كثير ﵀: «فإنها خلق عجيب، وتركيبها غريب، فإنها في غاية القوة والشدة، وهي مع ذلك تلين للحمل الثقيل، وتنقاد للقائد الضعيف، وتؤكل وينتفع بوبرها، ويُشرب لبنها، ونبهوا بذلك لأن العرب غالب دوابهم كانت الإبل، وكان شريح القاضي يقول: اخرجوا بنا حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت؟» (١).
وإنما أمر الله سبحانه بالنظر إليها والتفكر فيها لأن ذلك يدل على عظمة خالقها سبحانه.
стр. 3680
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
كما أن خلقها الظاهري عجيب، فإن من صفاتها وخلائقها وما جبلت عليه ما هو أعجب وأعجب، ومن خالطها أو استمع إلى ما يذكره أهلها عرف ذلك.
وقد جعلها الله آية معجزة لنبي من أنبيائه وهو صالح ﵇، قال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)﴾ [هود: ٦٤ - ٦٥].
والإبل بالجملة محبوبة لدى كثير من الناس لا سيما العرب، ومن حبهم لها وتعلقها بها أنهم يؤثروها على كثير من المحاب الدنيوية، ويدفعون عنها ويستميتون دونها، وعلى هذه المعاني يدل قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ [التكوير: ٤] (١).
أما منافعها، فهي على سبيل الإجمال على قسمين:
القسم الأول: منافع دينية، وهي ما يتعلق بها من الأحكام الشرعية، فمن ذلك:
стр. 3681
١ - الهدي والأضاحي: قال الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾ [الحج: ٣٦]، فهي أفضل ما يتقرب به إلى الله في الهدي والأضاحي، وقد كان هدي النبي ﷺ في حجته مائة بدنة نحر منها ثلاث وستون بيده، وجمهور أهل العلم على أنه يجزئ عن سبعة، ودليلهم ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر ابن عبد الله قال: «نَحَرْنَا فِيِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: «فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي، ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى الْبَيْتِ وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ، فَمَا حُرِّمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حَلَالًا» (٢)،
وهذا يدل على استحباب بعث الهدي إلى البيت الحرام من البلاد البعيدة، ولو لم يصحبها المُهدي؛ لأن الإهداء إلى البيت صدقة على مساكين الحرم، وتعظيم للبيت، وتقرب إلى الله تعالى بإراقة الدماء في طاعته (٣).
стр. 3682
٢ - الوضوء من أكل لحومها: روى مسلم في صحيحه من حديث جابر بن سمرة: «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأْ»، قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ» (١).
وظاهر هذا الحديث هو الراجح من كلام أهل العلم.
وفي الحديث: «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الإِبِلِ، فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الشَّيَاطِينِ» (٢). ومعاطن الإبل: هي مباركها التي تأوي إليها وتقيم فيها.
٣ - الدية: الأصل في الدية هي الإبل لقوله ﷺ : «وَفِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ» (٣). وقوله ﷺ : «قَتِيلَ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ بِالسَّوْطِ أَوِ الْعَصَا مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ؛ أَرْبَعُونَ مِنْهَا فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» (٤).
٤ - وجوب الزكاة فيها إذا بلغت نصابًا وحال عليها الحول، وتمت شروط الوجوب الأخرى، والزكاة ثاني أركان الإسلام،
стр. 3683
وهي تزكية للمال، وتطهير له، وسد لحاجة الفقراء والمساكين، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣].
وأما منافعها الدنيوية، فهي على ستة أضرب:
١ - شرب ألبانها: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ [النحل: ٦٦]، وفي هذا من العبر أن الدم والفرث لا يستساغ في طعام أو شراب، ومع ذلك يخرج الله من بينهما هذا الشراب الطيب لونًا ورائحة، وغذاء ودواء.
قال رسول الله ﷺ فيما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عباس ﵄: «إِذَاَ أَكَلَ أَحَدكُم طَعَامًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ، وَمَنْ سَقَاهُ اللَّهُ لَبَنًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَزِدْنَا مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِئُ مَكَانَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ غَيْرَ اللَّبَنِ» (١).
قال القرطبي ﵀: «ثم إن في الدعاء بالزيادة منه علامة الخصب، وظهور الخيرات، وكثرة البركات، فهو مبارك كله» (٢).
قال ابن القيم ﵀: «اللبن أنفع المشروبات للبدن الإنساني
стр. 3684
لما اجتمع فيه من التغذية والدموية، ولاعتباره حال الطفولية، وموافقته للفطرة الأصلية» (١).
٢ - أكل لحومها: قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١)﴾ [المؤمنون: ٢١].
وفي صحيح مسلم من حديث جابر ﵁: «أن النبي ﷺ لما نحر هديه وكان مئة ناقة، أمر من كل ناقة بضعة «وهي القطعة» من اللحم فطبخت فشرب من مرقها، وأكل من لحمها» (٢).
ولحوم الإبل من أنفع اللحوم لمن اعتادها، تُقوى بها الأجسام وتشتد، لا سيما التي ترعى البوادي، وتأكل أحرار البقول.
٣ - ركوب الإبل: وللركوب نوع من الإبل توصف بالنجائب، وتسمى في زماننا الجيش، وتتميز بسرعتها، والراحة في الركوب عليها لحسن سيرها، مع تحملها لقطع المسافات الطويلة، والصبر على الجوع والعطش، ولا تعرف هذه الصفات مجتمعة في غير الإبل.
ووردت السنة بمشروعية المسابقة على الإبل، وإجازة أخذ
стр. 3685
السبق، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ» (١).
وقد كان للنبي ﷺ ناقة نجيبة تسمى القصواء، وكانت لا تسبق، ومن طريف ما جاءت به السنة في ذكر هذه الناقة أن النبي ﷺ لما بركت به في غزوة الحديبية قال الناس: خلأت القصواء، خلأت القصواء، وهذا عيب شديد، فدافع عنها النبي ﷺ ونفى عنها هذا العيب وقال: «مَا خَلَأَتِ القَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيلِ» (٢).
فجاء أعرابي على قعود فسبقها، فقال النبي ﷺ : «حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ» (٣).
ولم يزل العرب قديمًا وحديثًا قبل وجود مراكب الحديد، يتنافسون في اختيار النجائب الأصلية، ولهم في مدحها والافتخار بها الأشعار مدونة في مظانها.
٤ - الحمل عليها: قال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧)﴾ [النحل:٧]، وفي الإبل ما هو مخصص لحمل الأثقال
стр. 3686
ويسمونها عرب الجزيرة الزمل وهي تحمل من الأثقال ما لا يحمله سواها مع سهولة الانقياد لأصحابها.
٥ - الانتفاع منها بأصوافها وأوبارها وجلودها في صنع الأخبية وأنواع من اللباس والمتاع والأثاث التي لا تنحصر أنواعه، وذلك هو الدفء الذي ذكره الله بقوله: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ [النحل:٥].
وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾ [النحل:٨٠].
٦ - التداوي بها: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس قال: «قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِلِقَاحٍ وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الْخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ فَأَمَرَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ وَأُلْقُوا فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ» (١).
قال ابن القيم ﵀: قال صاحب القانون: «واعلم أن لبن
стр. 3687
النوق دواء نافع لما فيه من الجلاء برفقٍ وما فيه من خاصية، وأن هذا اللبن شديد المنفعة، فلو أن إنسانًا أقام عليه بدل الماء والطعام شُفي به، وقد جُرب ذلك في قوم دفعوا إلى بلاد العرب فقادتهم الضرورة إلى ذلك، فعُوفوا (١). وأنفع الأبوال: بول الجمل الأعرابي وهو النجيب (٢)(٣).
٧ - الجمال والزينة: قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦)﴾ [النحل:٦].
قال قتادة: «ولأنها إذا راحت وهو رجوعها بالعشي من المرعى توفر حسنها، وعظم شأنها، وتعلقت القلوب بها؛ لأنها إذ ذاك أعظم ما تكون أسمنة وضروعًا، ولهذا المعنى قدم الرواح على السراح، لتكامل درها وسرور النفس بها إذ ذاك» (٤).
стр. 3688
وفي الحديث: «الإِبِلُ عِزٌّ لِأَهْلِهَا، وَالْغَنَمُ بَرَكَةٌ، وَالْخَيْرُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (١).
«وهذا جدول لبيان زكاة الإبل:
ممم جدول
م ... العدد ... المقدار الواجب ... إيضاح
من ... إلى
١ ... ٥ ... ٩ ... شاة ... من الغنم
٢ ... ١٠ ... ١٤ ... شاتان ... من الغنم
٣ ... ١٥ ... ١٩ ... ثلاث شياه ... من الغنم
٤ ... ٢٠ ... ٢٤ ... أربع شياه ... من الغنم
٥ ... ٢٥ ... ٣٥ ... بنت مخاض ... وهي ما تم لها سنة
٦ ... ٣٦ ... ٤٥ ... بنت لبون ... وهي ما تم لها سنتان
٧ ... ٤٦ ... ٦٠ ... حقة ... وهي ما تم لها ثلاث سنوات
٨ ... ٦١ ... ٧٥ ... جذعة ... وهي ما تم لها أربع سنين
٩ ... ٧٦ ... ٩٠ ... بنتا لبون ... -
١٠ ... ٩١ ... ١٢٠ ... حقتان ... -
فما زاد على ١٢٠ فالواجب في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة» (٢)(٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3689
الكلمة الرابعة والخمسون
الغنم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦)﴾ [النحل: ٥ - ٦].
والأنعام هي الإبل والبقر والغنم، وحيث إن الكلام عن الغنم فسيكون التفصيل عن بيان فضلها ومنافعها الدينية وما يتعلق بها من أحكام شرعية، ومنافعها الدنيوية التي امتن الله بها على عباده.
أولًا: فضلها:
ذكر الله الغنم في أكثر من آية في كتابه، قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ [النحل:٥].
стр. 3690
وقال تعالى ممتنًا على هذه الأمة بإباحة شحوم الغنم والبقر التي عاقب الله تعالى اليهود بحرمانها فقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦].
وقال تعالى في قصة إبراهيم وإسماعيل: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ [الصافات:١٠٧]، قال المفسرون: «أي كبش عظيم، والكبش هو ذكر الغنم».
وقال ﷺ عن الغنم: «إِنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ» (١).
وقال ﷺ : «الْغَنَمُ بَرَكَةٌ» (٢).
وقال ﷺ لأم هانئ: «اتَّخِذِي غَنَمًا فَإِنَّ فِيهَا بَرَكَةً» (٣).
قال القرطبي: «وجوه البركة في الغنم ما فيها من اللباس والطعام والشراب وكثرة الأولاد، فإنها تلد في العام ثلاث مرات (٤)، إلى ما يتبعها من السكينة، وتحمل صاحبها على خفض الجناح، ولين الجانب» (٥).
стр. 3691
روى البخاري في الأدب المفرد من حديث ابن عباس قال: «عَجِبْتُ لِلْكِلَابِ وَالشَّاءِ، إِنَّ الشَّاءَ يُذْبَحُ مِنْهَا فِي السَّنَةِ كَذَا وَكَذَا، وَيُهْدَى كَذَا وَكَذَا، وَالْكَلْبُ تَضَعُ الْكَلْبَةُ الْوَاحِدَةُ كَذَا وَكَذَا، وَالشَّاءُ أَكْثَرُ مِنْهَا» (١).
ثانيًا: الأحكام الشرعية المتعلقة بها:
١ - الهدي: قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وهذا يشمل الهدي الواجب في الحج والهدي التطوعي المرسل إلى البيت الحرام، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: «أَهْدَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَرَّةً إِلَى الْبَيْتِ غَنَمًا فَقَلَّدَهَا» (٢).
٢ - الأضاحي: قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾ [الحج:٣٦]، وقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].
وفي الصحيحين من حديث أنس ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى
стр. 3692
بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ» (١). فسر الأملح: بأنه الأبيض الذي يخالطه سواد، كما جاء عند مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ» (٢). قال القاضي عياض: «معناه أن قوائمه وبطنه وما حول عينيه أسود» (٣).
وتجزئ الشاة عن واحد، أي يضحي المسلم بالشاة عن نفسه، وتجزئ من حيث الثواب عنه وعن أهل بيته؛ لأن الرسول ﷺ كان يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله، ولحديث أبي أيوب الأنصاري: «كَانَ الرَّجُلُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ» (٤).
٣ - العقيقة: فقد عق رسول الله ﷺ عن الحسن والحسين كبشين كبشين (٥)، ومقدار ما يذبح عن الذكر شاتان متقاربتان سنًّا وشبهًا، وعن الأنثى شاة واحدة لحديث أم كرز الكعبية ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ». قال أبو داود: سمعت أحمد
стр. 3693
يقول: «مُكَافِئَتَانِ: أَيْ مُسْتَوِيَتَانِ أَوْ مُقَارِبَتَانِ» (١).
٤ - الصلاة في مراحها: روى البيهقي في سننه الكبرى من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صَلُّوا فِي مُرَاحِ (٢) الْغَنَمِ، وَامْسَحُوا رُغَامَهَا (٣) فَإِنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ» (٤).
٥ - لا وضوء لمن أكل من لحمها: روى مسلم في صحيحه من حديث جابر بن سمرة أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : «أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأْ»، قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ»، قَالَ: أُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الإِبِلِ؟ قَالَ: «لَا» (٥).
٦ - الفرار من الفتن: روى البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ
стр. 3694
بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ» (١).
وقد اختار الله لأنبيائه رعي الغنم تهيئة لهم لرعاية الناس بعد تكليفهم بدعوتهم، قال تعالى عن موسى ﵇: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨)﴾ [طه: ١٧ - ١٨].
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ»، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ» (٢).
قال العلماء: «والحكمة من إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة؛ لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع، وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها، واحتياجها إلى المعاهدة، ألفوا من ذلك الصبر على الأمة، وعرفوا اختلاف طباعها، وتفاوت عقولها، فجبروا كسرها، ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحملهم
стр. 3695
لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول وهلة لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم» (١). أهـ
وقد أخبر النبي ﷺ أن أهل الغنم أهل سكينة ووقار، فروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «رَأْسُ الكُفْرِ نَحْوَ المَشْرِقِ، وَالفَخْرُ وَالخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الخَيْلِ وَالإِبِلِ، وَالفَدَّادِينَ أَهْلِ الوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الغَنَمِ» (٢).
وأما المنافع الدنيوية فكثيرة، منها:
١ - الجمال والزينة: قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦)﴾ [النحل: ٦]، فأهل الأنعام يجدون عند رؤيتها سارحة، وعند رواحها سرورًا وغبطة، ويحصل لهم من النظر إليها من انشراح النفس ما يحملهم على شكر المنعم بها عليهم.
٢ - أكل لحومها: قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ [النحل: ٥].
٣ - شرب ألبانها وما ينتج عنها من الزبد والسمن والأقط والجبن وغير ذلك: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً
стр. 3696
نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ [النحل: ٦٦]، «أي يتخلص الدم بياضه وطعمه وحلاوته من بين فرث ودم في باطن الحيوان، فيسري كل إلى موطنه إذا نضج الغذاء في معدته، تصرف منه دم إلى العروق،] ولبن إلى الضرع [، وبول إلى المثانة، وروث إلى المخرج، وكل منها لا يشوب الآخر، ولا يمازجه بعد انفصاله عنه ولا يتغير به. لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ: أي: لا يغص] به أحد [» (١).
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ، وَمَنْ سَقَاهُ اللَّه لَبَنًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَزِدْنَا مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِئُ مَكَانَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَّا اللَّبَنُ» (٢).
قال القرطبي: «وفي الدعاء بالزيادة منه علامة الخصب، وظهور الخيرات والبركات، فهو مبارك كله» (٣).
وقال ابن القيم ﵀: «واللبن أنفع المشروبات للبدن الإنساني، لما اجتمع فيه من التغذية والدموية، ولاعتباره حال
стр. 3697
الطفولية وموافقته للفطرة الأصلية» (١).
٤ - الانتفاع بجلودها وأشعارها وأصوافها: قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾ [النحل: ٨٠].
قال ابن كثير ﵀: «يذكر ﵎ تمام نعمه على عبيده بما جعل لهم من البيوت التي هي سكن لهم يأوون إليها، ويستترون بها، وينتفعون بها سائر وجوه الانتفاع، وجعل لهم أيضًا من جلود الأنعام بيوتًا، أي: من الأدم يستخفون حملها في أسفارهم ليضربوها لهم في إقامتهم في السفر والحضر، ولهذا قال: ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾: أي الغنم، وَأَوْبَارِهَا: أي الإبل، وَأَشْعَارِهَا: أي المعز، والضمير عائد على الأنعام في أَثَاثًا: أي تتخذون منه أثاثًا: وهو المال، وقيل: المتاع، وقيل: الثياب، والصحيح أعم من هذا كله فإنه يتخذ من الأثاث البسط والثياب وغير ذلك، ويتخذ مالًا وتجارة» (٢).
٥ - الانتفاع ببعض أجزائها في الأشياء الطبية: وفي كتب الطب أدوية مستخرجة من أجزاء الحيوان، ذكر جملة منها
стр. 3698
الدميري في كتابه: حياة الحيوان الكبرى، وفي عصرنا الحاضر اتخذوا من أمعائها خيوطًا تخاط بها العمليات الجراحية وغير ذلك مما لا يحصى، وصدق الله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨].
«وهذا جدول يبين كيفية زكاة الغنم (١):
ممم جدول
العدد ... المقدار الواجب
من ... إلى
٤٠ ... ١٢٠ ... شاة
١٢١ ... ٢٠٠ ... شاتان
٢٠١ ... ٣٠٠ ... ثلاث شياه فما زاد على ذلك ففي كل مئة شاة
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3699
الكلمة الخامسة والخمسون
قصة أصحاب الجنة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
فلقد قص الله علينا القصص في كتابه لنأخذ منها الدروس والعبر، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ [يوسف: ٣].
ومن هذه القصص: قصة أصحاب الجنة، قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) أَوْسَطُهُمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا
стр. 3700
يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [طه:١٧ - ٣٣] (١).
«هذا مثل ضربه الله لكفار قريش، فيما أنعم به عليهم من إرسال الرسول العظيم الكريم إليهم، فقابلوه بالتكذيب والمخالفة، قال ابن عباس ﵄: «هم كفار قريش».
فيقول تعالى: إنا بلونا هؤلاء المكذبين بالخير، وأمهلناهم، وأمددناهم بما شئنا من مال وولد وطول عمر ونحو ذلك مما يوافق أهواءهم، لا لكرامتهم علينا، بل ربما يكون استدراجًا لهم من حيث لا يعلمون، فاغترارهم بذلك نظير اغترار أصحاب الجنة الذين هم فيها شركاء، حين أينعت أشجارها، وزهت ثمارها، وآن وقت صرامها وجزموا أنها في أيديهم وطوع أمرهم، وأنه ليس ثم مانع يمنعهم منها، ولهذا أقسموا وحلفوا من غير استثناء أنهم سيصرمونها؛ أي: يجذونها مصبحين، ولم يدروا أن الله
стр. 3701
بالمرصاد، وأن العذاب سيخلفهم عليها ويبادرهم إليها.
قيل: لأنهم كانوا إخوة، وقد ورثوا هذه الجنة عن أبيهم، وكان يتصدق منها كثيرًا، فلما صار أمرها إليهم استهجنوا أمر أبيهم، وأرادوا استغلالها من غير أن يُعطوا الفقراء شيئًا.
قال سعيد بن جبير: قيل: كانوا من أهل اليمن من قرية يقال لها ضروان، قريبة من صنعاء، وقيل: كانوا من أهل الحبشة، وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة، فكان ما استغله منها يرد فيها ما يحتاج إليه، ويدخر لعياله قوت سنتهم، ويتصدق بالفاضل، فلما مات وورثه بنوه قالوا: لقد كان أبونا أحمق إذ كان يصرف من هذه شيئًا للفقراء، ولو أنَّا منعناهم لتوفر ذلك علينا، فلما عزموا على ذلك عوقبوا بنقيض قصدهم، فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية، رأس المال والربح والصدقة، فلم يبق لهم شيء.
﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: عذاب نزل عليها ليلًا، ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ فأبادها، وأتلفها ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ أي: كالليل المظلم، وذهبت الأشجار والثمار.
هذا وهم لا يشعرون بهذا الواقع الملم، ولهذا تنادوا فيما بينهم لما أصبحوا؛ يقول بعضهم لبعض: ﴿اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾.
فانطلقوا قاصدين لها ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ فيما بينهم بمنع
стр. 3702
حق الله تعالى، ويقولون: ﴿لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ أي: بكروا قبل انتشار الناس، وتواصوا مع ذلك بمنع الفقراء والمساكين، ومن شدة حرصهم وبخلهم أنهم يتخافتون بهذا الكلام مخافتة خوفًا أن يسمعهم أحد فيخبر الفقراء.
﴿وَغَدَوْا﴾ في هذه الحالة الشنيعة والقسوة وعدم الرحمة ﴿عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: على إمساك ومنع لحق الله جازمين بقدرتهم عليها.
﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ على الوصف الذي ذكر الله كالصريم، ﴿قَالُوا﴾ من الحيرة والانزعاج، ﴿إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ أي تائهون عليها، لعلها غيرها، فلما تحققوها ورجعت إليهم عقولهم؛ قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ منها، فعرفوا حينئذ أنه عقوبة.
فـ ﴿أَوْسَطُهُمْ﴾ أي: أعدلهم وأحسنهم طريقة: ﴿أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ أي تنزهون الله عما لا يليق به، ومن ذلك ظنكم أن قدرتكم مستقلة، فلولا استثنيتم وقلتم: إن شاء الله، وجعلتم مشيئتكم تابعة لمشيئته؛ لما جرى عليكم ما جرى.
فـ ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أي: استدركوا بعد ذلك، ولكن بعدما وقع العذاب على جنتهم، الذي لا يرفع، ولكن لعل تسبيحهم هذا وإقرارهم على أنفسهم بالظلم ينفعهم في تخفيف الإثم ويكون توبة.
стр. 3703
ولهذا ندموا ندامة عظيمة، ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾ فيما أجروه وفعلوه، ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ أي: متجاوزين للحد في حق الله وحق عباده، ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ فهم رجوا الله أن يبدلهم خيرًا منها، ووعدوا أن سيرغبون إلى الله ويلحون عليه في الدنيا؛ فإن كانوا كما قالوا، فالظاهر أن الله أبدلهم في الدنيا خيرًا منها؛ لأن من دعا الله صادقًا ورغب إليه ورجاه، أعطاه سؤاله.
قال تعالى معظمًا ما وقع: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾ أي: الدنيوي لمن أتى بأسباب العذاب أن يسلبه الله الشيء الذي طغى به وبغى وآثر الحياة الدنيا وأن يزيله عنه أحوج ما يكون إليه، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ من عذاب الدنيا، ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فإن من علم ذلك، أوجب له الانزجار عن كل سبب يوجب العقاب ويحرم الثواب» (١).
وقد اشتملت الآيات الكريمات على فوائد كثيرة، فمن ذلك:
١ - «اشتمال القرآن على القصص وضرب الأمثال بها للاعتبار.
٢ - أن من سنة الله ابتلاء العباد بالنعم والمصائب، قال تعالى:
стр. 3704
﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥].
٣ - أن للمساكين حقًّا في الثمار والزروع، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].
٤ - ذم البخل بالواجب، وسوء عاقبته.
٥ - التأكيد على الاستثناء فيما يعد الإنسان بفعله، أي قول: إن شاء الله، لقوله سبحانه: ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم:١٨]، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤].
٦ - أن ترك الاستثناء من أسباب الحرمان، ويدل على هذا أيضًا حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «قَالَ سُلَيْمَانُ ﵇: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً، كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَطَافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا فَلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ» (١).
٧ - وجوب الخوف من بأس الله، والحذر من أسبابه.
٨ - أن بأس الله يأتي على غرة، والإنسان نائم أو سادر في
стр. 3705
غفلته، كما قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٩].
٩ - أن ما ينزل بالعباد من عقوبات هو بتدبير وتقدير من رب العباد، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩].
١٠ - الدلالة على مكر الله بأصحاب الجنة؛ حيث أتلف الله جنتهم من غير أن يشعروا بشيء من ذلك، ولذا قاموا في الصباح مسرعين مستخفين.
١١ - أن صاحب القصد السيئ يعاقب بنقيض قصده شرعًا وقدرًا.
١٢ - أن التسبيح والذكر يمنع صاحبه من التمادي في العصيان، ويرفع العقاب، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤].
١٣ - أن أصحاب الجنة اعترفوا بذنبهم وسبحوا ربهم.
١٤ - أن أصحاب الجنة مسلمون، فقولهم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ [الإسراء: ١٠٨] فيه إقرار بتوحيد الربوبية، وقولهم: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢)﴾ [القلم:٣٢] فيه
стр. 3706
إقرار بتوحيد الألوهية.
١٥ - أن ما عاقب الله به أصحاب الجنة هو سنة الله فيمن عصاه، وبخل بما أوجب الله عليه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ [الأنفال: ٣٨].
١٦ - تحريم الحيل التي يُتوصل بها إلى استحلال محرم أو إسقاط واجب، وأنه لا يحل بها - أي بالحيل - الحرام، ولا يسقط بها الواجب.
١٧ - أن عذاب الآخرة أعظم من عذاب الدنيا، وجاء التصريح بأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة في قوله ﷺ للمتلاعنين: «إِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ» (١).
١٨ - أنه لا تلازم بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فقد يعذب العبد في الدنيا، ويعفى عنه في الآخرة، وقد يعذب في الآخرة دون الدنيا، وقد يجمع له العذابان في الدنيا والآخرة .. نعوذ بالله من أسباب سخطه وعقابه.
١٩ - أن من خيرة الله للعبد أن يعاقبه في الدنيا لينجو من عذاب الآخرة، ويشهد لذلك قوله ﷺ : «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ
стр. 3707
عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (١)(٢). لكن لا يجوز للعبد أن يسأل ذلك، بل يسأل الله العفو والعافية.
٢٠ - أن المعاصي سبب لزوال النعم، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾ [النحل:١١٢]».
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3708
الكلمة السادسة والخمسون
قصة أصحاب القرية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
فمن القصص العظيمة التي قصها الله علينا في كتابه، قصة أصحاب القرية، قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَمَا أَنْزَلْنَا
стр. 3709
عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾ [يس: ١٣ - ٢٩] (١).
«﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ من الله تعالى؛ يأمرونهم بعبادة الله وحده وإخلاص الدين له، وينهونهم عن الشرك والمعاصي.
﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ أي قويناهما بثالث، فصاروا ثلاثة رسل، اعتناءً من الله بهم، وإقامة للحجة بتوالي الرسل إليهم، ﴿فَقَالُوا﴾ لهم: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾.
فأجابوهم بالجواب الذي ما زال مشهورًا عند من رد دعوة الرسل، فقالوا: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ أي فما الذي فضلكم علينا وخصكم من دوننا؟! قالت الرسل لأممهم: إن نحن إلا بشر مثلكم، ولكن الله يمن على من يشاء من عباده، ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي أنكروا عموم الرسالة، ثم أنكروا أيضًا المخاطبين لهم، فقالوا: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾.
فقالت هؤلاء الرسل الثلاثة: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ فلو كنا كاذبين؛ لأظهر الله خزينا ولبادرنا بالعقوبة.
﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ أي: البلاغ المبين الذي
стр. 3710
يحصل به توضيح الأمور المطلوب بيانها، وما عدا هذا من آيات الاقتراح أو من سرعة العذاب؛ فليس إلينا، وإنما وظيفتنا التي هي البلاغ المبين قمنا بها وبيَّنَّاها لكم؛ فإن اهتديتم، فهو حظكم وتوفيقكم، وإن ضللتم، فليس لنا من الأمر شيء.
فقال أصحاب القرية لرسلهم: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ أي: لم نر على قدومكم علينا واتصالكم بنا إلا الشر، وهذا من أعجب العجائب؛ أن يجعل من قدم عليهم بأجل نعمة ينعم الله بها على العباد، وأجل كرامة يكرمهم بها، وضرورتهم إليها فوق كل ضرورة، قد قدم بحالة شر زادت على الشر الذي هم عليه واستشأموا بها، ولكن الخذلان وعدم التوفيق يصنع بصاحبه أعظم مما يصنع به عدوه، ثم توعدوهم فقالوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ أي: لنقتلنكم رجمًا بالحجارة أشنع القتلات، ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
فقالت لهم رسلهم: ﴿طَائِرُكُمْ﴾ وهو ما معهم من الشرك والشر المقتضي لوقوع المكروه، والنقمة وارتفاع المحبوب والنعمة ﴿ذُكِّرْتُمْ﴾ أي: بسبب أنا ذكرناكم ما فيه صلاحكم وحظكم قلتم لنا ما قلتم، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ متجاوزون للحد متجرهمون في قولكم، فلم يزدهم دعاؤهم إلا نفورًا واستكبارًا.
﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ حرصًا على نصح قومه
стр. 3711
حين سمع ما دعت إليه الرسل وآمن به وعلم ما رد به قومه عليهم، فقال لهم: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ فأمرهم باتباعهم، ونصحهم على ذلك، وشهد لهم بالرسالة.
ثم ذكر تأييدًا لما شهد به ودعا إليه، فقال: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ أي: اتبعوا من نصحكم نصحًا يعود إليكم بالخير، وليس يريد منكم أموالكم ولا أجرًا على نصحه لكم وإرشاده؛ فهذا موجب لاتباع من هذا وصفه، بقي أن يقال: فلعله يدعو ولا يأخذ أجرة ولكنه ليس على الحق، فدفع هذا الاحتراز بقوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ لأنهم لا يدعون إلا لما يشهد العقل الصحيح بحسنه، ولا ينهون إلا بما يشهد العقل الصحيح بقبحه.
فكأن قومه لم يقبلوا نصحه، بل عادوا لائمين له على اتباع الرسل وإخلاص الدين لله وحده، فقال: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: وما المانع لي من عبادة من هو المستحق للعبادة؛ لأنه الذي فطرني وخلقني ورزقني وإليه مآل جميع الخلق فيجازيهم بأعمالهم؛ فالذي بيده الخلق والرزق والحكم بين العباد في الدنيا والآخرة هو الذي يستحق أن يُعبد ويُثنى عليه ويُمجد دون من لا يملك نفعًا ولا ضرًّا ولا عطاءً ولا منعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، ولهذا قال: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ لأنه لا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه؛ فلا تُغني شفاعتهم عني شيئًا ﴿وَلَا
стр. 3712
يُنْقِذُونِ﴾ من الضرر الذي أراده الله بي ﴿إِنِّي إِذًا﴾ أي: إن عبدت آلهة هذا وصفها ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ فجمع في هذا الكلام بين نصحهم، والشهادة للرسل بالرسالة والاهتداء، والإخبار بتعين عبادة الله وحده، وذكر الأدلة عليها، وأن عبادة غيره باطلة، وذكر البراهين عليها والأخبار بضلال من عبدها، والإعلان بإيمانه جهرًا مع خوفه الشديد من قتلهم، فقال: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾.
فقتله قومه لما سمعوا منه وراجعهم بما راجعهم به ﴿قِيلَ﴾ له في الحال ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ قال مخبرًا بما وصل إليه من الكرامة على توحيده وإخلاصه وناصحًا لقومه بعد وفاته كما نصح لهم في حياته ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ أي بأي شيء غفر لي، فأزال عني أنواع العقوبات ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ بأنواع المثوبات والمسرات؛ أي: لو وصل علم ذلك إلى قلوبهم؛ لم يقيموا على شركهم.
قال الله في عقوبة قومه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: ما احتجنا أن نتكلف في عقوبتهم فننزل جندًا من السماء لإتلافهم ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ لعدم الحاجة إلى ذلك، وعظمة اقتدار الله تعالى، وشدة ضعف بني آدم، وأنهم أدنى شيء يصيبهم من عذاب الله يكفيهم.
стр. 3713
﴿إِنْ كَانَتْ﴾ أي: ما كانت عقوبتهم ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ أي: صوتًا واحدًا تكلم به بعض ملائكة الله ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ قد تقطعت قلوبهم في أجوافهم وانزعجوا لتلك الصيحة فأصبحوا خامدين، لا حياة بعد ذلك العتو والاستكبار، ومقابلة أشرف الخلق بذلك الكلام القبيح وتجبرهم عليهم» (١).
ومن فوائد الآيات الكريمات:
١ - «جواز تعدد الرسل مع اتحاد المرسل إليه؛ لأن الله أرسل لهذه القرية اثنين ثم عززهما بثالث، وفي هذا تقوية فعلية.
٢ - إن الذين يكذبون الرسل ليس عندهم إلا المكابرة، وليس عندهم حجة عقلية أو نقلية؛ لقولهم: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾، فإن الرسول لو كان ملكًا ولم يكن بشرًا لما أطاقوا التلقي عنه، ولا احتملوا ذلك، فكان من حكمة الله إرسال الرسل من البشر، ولو كانوا كذبة لأهلكهم الله.
٣ - أن الرسل عليهم الصلاة والسلام ليس عليهم هداية الخلق، وإنما عليهم إبلاغ الرسالة لقولهم: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، وفي الحديث: «يَأْتِي النَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ
стр. 3714
وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ» (١).
٤ - إن الله لا يدع الخلق بلا رسل لقوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
٥ - أنهم تطيروا بالرسل: أي تشاءموا، وحقيقة الأمر أن الرسل ﵈ محل تفاؤل، وليس محلًّا للتشاؤم؛ لأن في اتباعهم الخير، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف:٩٦].
٦ - بيان نصح هذا الرجل لقومه من وجهين: الأول: أنه جاء من مكان بعيد ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾. الوجه الثاني: أنه جاء يشتد ﴿يَسْعَى﴾ فيستفاد منه أنه ينبغي للإنسان انتهاز الفرص في إنذار قومه ومناصحتهم، وأن لا يتوانى، فيقول: غدًا أذهب إليهم، أو في آخر النهار، أو ما أشبه ذلك، فيبادر بالنصيحة والموعظة؛ لأن هذا الرجل جاء يسعى.
٧ - ومنها أيضًا: أنه ينبغي التلطف بالقول في دعوة الغير لقوله ﴿يَاقَوْمِ﴾ فإن هذا يستوجب اتباعه، وقبول نصحه؛
стр. 3715
لأن للإنسان حدبًا وشفقة على قومه» (١).
٨ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾ أن من توفر فيه هذان الأمران كانت دعوته واجبة القبول، وهما: ألا يأخذ على دعوته أجرًا سوى ما يرجوه من ربه، وأن يكون من المهتدين، وذلك يشمل هدايته في دعوته وهدايته في نفسه، وفي ضمن هذا التنبيه للداعي إلى الله كما يدعو الناس بقوله أن يدعوهم بعمله.
٩ - ومن فوائد الآية الكريمة أنه يجب على من دعا إلى الله أن يكون على بصيرة وعلى علم؛ لأن هذا هو وصف الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهم يدعون إلى الله على هدى منه، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]، وأما من يدعو على غير هدى فإنه قد يفسد أكثر مما يصلح؛ لأن الذي يدعو على غير علم ربما يجعل الشيء الحرام حلالًا، والحلال حرامًا وهو لا يدري، فيحصل بذلك فساد في الدين والعقيدة، قال ابن القيم ﵀: «وإذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد، وأجلها وأفضلها، فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، بل لابد في