حين سمع ما دعت إليه الرسل وآمن به وعلم ما رد به قومه عليهم، فقال لهم: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ فأمرهم باتباعهم، ونصحهم على ذلك، وشهد لهم بالرسالة.
ثم ذكر تأييدًا لما شهد به ودعا إليه، فقال: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ أي: اتبعوا من نصحكم نصحًا يعود إليكم بالخير، وليس يريد منكم أموالكم ولا أجرًا على نصحه لكم وإرشاده؛ فهذا موجب لاتباع من هذا وصفه، بقي أن يقال: فلعله يدعو ولا يأخذ أجرة ولكنه ليس على الحق، فدفع هذا الاحتراز بقوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ لأنهم لا يدعون إلا لما يشهد العقل الصحيح بحسنه، ولا ينهون إلا بما يشهد العقل الصحيح بقبحه.
فكأن قومه لم يقبلوا نصحه، بل عادوا لائمين له على اتباع الرسل وإخلاص الدين لله وحده، فقال: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: وما المانع لي من عبادة من هو المستحق للعبادة؛ لأنه الذي فطرني وخلقني ورزقني وإليه مآل جميع الخلق فيجازيهم بأعمالهم؛ فالذي بيده الخلق والرزق والحكم بين العباد في الدنيا والآخرة هو الذي يستحق أن يُعبد ويُثنى عليه ويُمجد دون من لا يملك نفعًا ولا ضرًّا ولا عطاءً ولا منعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، ولهذا قال: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ لأنه لا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه؛ فلا تُغني شفاعتهم عني شيئًا ﴿وَلَا
стр. 3712
يُنْقِذُونِ﴾ من الضرر الذي أراده الله بي ﴿إِنِّي إِذًا﴾ أي: إن عبدت آلهة هذا وصفها ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ فجمع في هذا الكلام بين نصحهم، والشهادة للرسل بالرسالة والاهتداء، والإخبار بتعين عبادة الله وحده، وذكر الأدلة عليها، وأن عبادة غيره باطلة، وذكر البراهين عليها والأخبار بضلال من عبدها، والإعلان بإيمانه جهرًا مع خوفه الشديد من قتلهم، فقال: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾.
فقتله قومه لما سمعوا منه وراجعهم بما راجعهم به ﴿قِيلَ﴾ له في الحال ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ قال مخبرًا بما وصل إليه من الكرامة على توحيده وإخلاصه وناصحًا لقومه بعد وفاته كما نصح لهم في حياته ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ أي بأي شيء غفر لي، فأزال عني أنواع العقوبات ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ بأنواع المثوبات والمسرات؛ أي: لو وصل علم ذلك إلى قلوبهم؛ لم يقيموا على شركهم.
قال الله في عقوبة قومه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: ما احتجنا أن نتكلف في عقوبتهم فننزل جندًا من السماء لإتلافهم ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ لعدم الحاجة إلى ذلك، وعظمة اقتدار الله تعالى، وشدة ضعف بني آدم، وأنهم أدنى شيء يصيبهم من عذاب الله يكفيهم.
стр. 3713
﴿إِنْ كَانَتْ﴾ أي: ما كانت عقوبتهم ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ أي: صوتًا واحدًا تكلم به بعض ملائكة الله ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ قد تقطعت قلوبهم في أجوافهم وانزعجوا لتلك الصيحة فأصبحوا خامدين، لا حياة بعد ذلك العتو والاستكبار، ومقابلة أشرف الخلق بذلك الكلام القبيح وتجبرهم عليهم» (١).
ومن فوائد الآيات الكريمات:
١ - «جواز تعدد الرسل مع اتحاد المرسل إليه؛ لأن الله أرسل لهذه القرية اثنين ثم عززهما بثالث، وفي هذا تقوية فعلية.
٢ - إن الذين يكذبون الرسل ليس عندهم إلا المكابرة، وليس عندهم حجة عقلية أو نقلية؛ لقولهم: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾، فإن الرسول لو كان ملكًا ولم يكن بشرًا لما أطاقوا التلقي عنه، ولا احتملوا ذلك، فكان من حكمة الله إرسال الرسل من البشر، ولو كانوا كذبة لأهلكهم الله.
٣ - أن الرسل عليهم الصلاة والسلام ليس عليهم هداية الخلق، وإنما عليهم إبلاغ الرسالة لقولهم: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، وفي الحديث: «يَأْتِي النَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ
стр. 3714
وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ» (١).
٤ - إن الله لا يدع الخلق بلا رسل لقوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
٥ - أنهم تطيروا بالرسل: أي تشاءموا، وحقيقة الأمر أن الرسل ﵈ محل تفاؤل، وليس محلًّا للتشاؤم؛ لأن في اتباعهم الخير، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف:٩٦].
٦ - بيان نصح هذا الرجل لقومه من وجهين: الأول: أنه جاء من مكان بعيد ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾. الوجه الثاني: أنه جاء يشتد ﴿يَسْعَى﴾ فيستفاد منه أنه ينبغي للإنسان انتهاز الفرص في إنذار قومه ومناصحتهم، وأن لا يتوانى، فيقول: غدًا أذهب إليهم، أو في آخر النهار، أو ما أشبه ذلك، فيبادر بالنصيحة والموعظة؛ لأن هذا الرجل جاء يسعى.
٧ - ومنها أيضًا: أنه ينبغي التلطف بالقول في دعوة الغير لقوله ﴿يَاقَوْمِ﴾ فإن هذا يستوجب اتباعه، وقبول نصحه؛
стр. 3715
لأن للإنسان حدبًا وشفقة على قومه» (١).
٨ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾ أن من توفر فيه هذان الأمران كانت دعوته واجبة القبول، وهما: ألا يأخذ على دعوته أجرًا سوى ما يرجوه من ربه، وأن يكون من المهتدين، وذلك يشمل هدايته في دعوته وهدايته في نفسه، وفي ضمن هذا التنبيه للداعي إلى الله كما يدعو الناس بقوله أن يدعوهم بعمله.
٩ - ومن فوائد الآية الكريمة أنه يجب على من دعا إلى الله أن يكون على بصيرة وعلى علم؛ لأن هذا هو وصف الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهم يدعون إلى الله على هدى منه، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]، وأما من يدعو على غير هدى فإنه قد يفسد أكثر مما يصلح؛ لأن الذي يدعو على غير علم ربما يجعل الشيء الحرام حلالًا، والحلال حرامًا وهو لا يدري، فيحصل بذلك فساد في الدين والعقيدة، قال ابن القيم ﵀: «وإذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد، وأجلها وأفضلها، فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، بل لابد في
стр. 3716
كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى أقصى حد يصل إليه السعي، ويكفي في هذا شرف العلم أن صاحبه يحوز به هذا المقام، والله يؤتي فضله من يشاء» (١). أهـ
١٠ - «الحث على الحلم وكظم الغيظ، والحلم عن أهل الجهل، والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي والتَّشمُّر في تخليصه والتلطف في افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء عليه، ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته، والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة أصنام» (٢).
١١ - «أنه لما قُتل أدخله الله الجنة، فيه إثبات نعيم القبر لقوله: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ مع أن الساعة لم تقم بعد، ولم يدخل الناس الجنة، ويدل على ذلك آيات من القرآن لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [النحل: ٣٢]، فيستفاد من هذه الآية وغيرها أن الميت ينعم في قبره كأنه دخل الجنة؛ لأنه يفرش له من الجنة، ويفتح له باب من الجنة، فيرى مقعده فيها، ويأتيه من ريحها وطيبها كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، بل ثبت في مسند الإمام من حديث عبدالرحمن بن كعب عن
стр. 3717
أبيه كعب بن مالك أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يُرْجِعهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ» (١).
١٢ - إخلاص العبادة لله تعالى لقوله: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾ [يس: ٢٢]، فكيف أشرك معه هذه الآلهة وهي لا تنفع ولا تضر.
١٣ - أن القوم أحقر وأذل من أن نرسل إليهم ملائكة من السماء لهلاكهم، بل كان الأمر أيسر من ذلك، صيحة واحدة لم تتكرر فبادتهم عن بكرة أبيهم، وانتقم الله لرسله لتكذيبهم، ولقتلهم وليه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
١٤ - أن المؤمن دائمًا ناصحًا محبًّا للآخرين الخير، قال قتادة: «تمنى على الله أن يعلم قومه ما عاين من كرامة الله»، ومقصوده أنهم لو اطلعوا على ما حصل له من هذا الثواب والجزاء والنعيم المقيم لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل، فنصح لقومه حيًّا وميتًا، ورضي عنه، فقد كان حريصًا على هداية قومه.
стр. 3718
١٥ - قوة شخصية هذا الرجل، وصدعه بالحق أمام قومه، حيث أعلن أمامهم أنه آمن بربهم الذي يستلزم أن يكونوا مخلصين له بالعبادة إذا كان ربًّا لهم، كأنه أقام الحجة عليهم، فإذا كان ربكم فوجب عليكم أن توحدوه ولا تتخذوا معه آلهة، زد على ذلك أنه تحداهم، فقال ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ فإني لا أبالي بكم.
١٦ - أن من أدخله الله الجنة، فقد أكرمه لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾ [المعارج:٣٥] والإكرام هو التعظيم والتوقير والتبجيل، وهو من أعظم ما تتوق إليه نفوس ذوي الهمم» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3719
الكلمة السابعة والخمسون
قصة أصحاب الكهف (١)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
فمن القصص التي قصها الله علينا في كتابه، قصة أصحاب الكهف، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ رَبَّنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ
عليه من الأخبار العظيمة، والآيات الباهرة والعجائب الغريبة، والكهف هو الغار في الجبل، قال شعيب الجبائي: «واسم كهفهم حيزم»، وأما الرقيم، فعن ابن عباس أنه قال: «لا أدري ما المراد به»، وقيل: هو الكتاب المرقوم فيه أسماؤهم وما جرى لهم، كُتب من بعدهم، اختاره ابن جرير وغيره، وقيل: هو اسم الجبل الذي فيه كهفهم، وقيل غير ذلك والله أعلم.
قال شعيب الجبائي: «واسم كلبهم حمران»، واعتناء اليهود بأمرهم ومعرفة خبرهم يدل على أن زمانه متقدم على ما ذكره بعض المفسرين أنهم كانوا بعد المسيح، وأنهم كانوا نصارى، والظاهر من السياق أن قومهم كانوا مشركين يعبدون الأصنام».
قال كثير من المفسرين والمؤرخين وغيرهم: كانوا في زمن ملك يقال له دقيانوس، وكانوا من أبناء الأكابر، وقيل: من أبناء الملوك، واتفق اجتماعهم في يوم عيد لقومهم، فرأوا ما يتعاطاه قومهم من السجود للأصنام والتعظيم للأوثان، فنظروا بعين البصيرة، وكشف الله عن قلوبهم حجاب الغفلة، وألهمهم رشدهم، فعلموا أن قومهم ليسوا على شيء، فخرجوا عن دينهم، وانتموا إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
ويقال: إن كل واحد منهم لما أوقع الله في نفسه ما هداه إليه من التوحيد، انحاز عن الناس، واتفق اجتماع هؤلاء الفتية
стр. 3722
في مكان واحد، كما صح في البخاري: «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» (١).
فكل منهم سأل الآخر عن أمره وعن شأنه، فأخبره بما هو عليه، واتفقوا على الانحياز عن قومهم، والتبري منهم، والخروج من بين أظهرهم، والفرار بدينهم منهم، وهو المشروع حال الفتن وظهور الشرور، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ أي: بدليل ظاهر على ما ذهبوا إليه، وصاروا من الأمر عليه: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: وإذا قد فارقتموهم في دينهم وتبرأتم مما يعبدون من دون الله، وذلك لأنهم كانوا يشركون مع الله، كما قال الخليل: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧].
وهكذا هؤلاء الفتية قال بعضهم لبعض: إذ قد فارقتم قومكم في دينهم، فاعتزلوهم بأبدانكم لتسلموا منهم أن يوصلوا إليكم شرًّا ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾ أي: يسبل عليكم ستره، وتكونوا تحت
стр. 3723
حفظه وكنفه، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير.
ثم ذكر تعالى صفة الغار الذي آووا إليه، وأن بابه موجه إلى نحو الشمال، وأعماقه إلى جهة القبلة، وذلك أنفع الأماكن؛ أن يكون المكان قبليًّا، وبابه نحو الشمال، فقال تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ﴾ وقُرئ: ﴿تَزْوَرُّ﴾ ﴿عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ فأخبر أن الشمس -يعني في زمن الصيف وأشباهه- تشرق أول طلوعها في الغار في جانبه الغربي، ثم تشرع في الخروج منه قليلًا قليلًا، وهو ازورارها ذات اليمين فترتفع في جو السماء وتتقلص عن باب الغار، ثم إذا تضيفت للغروب تشرع في الدخول فيه من جهته الشرقية قليلًا قليلًا إلى حين الغروب، كما هو المشاهد في مثل هذا المكان، والحكمة في دخول الشمس إليه في بعض الأحيان أن لا يفسد هواؤه ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: بقاؤهم على هذه الصفة دهرًا طويلًا من السنين، لا يأكلون ولا يشربون، ولا تتغذى أجسادهم في هذه المدة الطويلة من آيات الله وبرهان قدرته العظيمة ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ قال بعضهم: لأن أعينهم مفتوحة؛ لئلا تفسد بطول الغمض ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ وَذَاتَ﴾ قيل: في كل عام يتحولون مرة من جنب إلى جنب، ويُحتمل أكثر من ذلك. فالله أعلم.
стр. 3724
﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ وقال بعضهم: الوصيد أُسكفة الباب، والمراد أن كلبهم الذي كان معهم، وصحبهم حال انفرادهم من قومهم، لزمهم ولم يدخل معهم في الكهف، بل ربض على بابه ووضع يديه على الوصيد، وهذا من جملة أدبه، ومن جملة ما أُكرموا به؛ فإن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب، ولما كانت التبعية مؤثرة، حتى في كلب هؤلاء صار باقيًا معهم ببقائهم؛ لأن من أحب قومًا سعد بهم، فإذا كان هذا في حق كلب، فما ظنك بمن تبع أهل الخير وهو أهل للإكرام، وقد ذكر كثير من القصاص والمفسرين لهذا الكلب نبأً وخبرًا طويلًا، أكثره متلقى من الإسرائيليات، وكثير منها كذب، ومما لا فائدة فيه، كاختلافهم في اسمه ولونه.
وأما اختلاف العلماء في محلة هذا الكهف، فقال كثيرون: هو بأرض أيلة، وقيل: بأرض نينوي، وقيل: بالبلقاء، وقيل: ببلاد الروم، وهو أشبه. والله أعلم.
ولما ذكر الله تعالى ما هو الأنفع من خبرهم والأهم من أمرهم، ووصف حالهم، حتى كأن السامع راءٍ، والمخبر مشاهد لصفة كهفهم، وكيفيتهم في ذلك الكهف وتقلبهم من جنب إلى جنب، وأن كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد، قال: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ أي: لما عليهم من المهابة والجلالة في أمرهم الذي صاروا إليه، ولعل الخطاب ههنا لجنس
стр. 3725
الإنسان المخاطب، لا لخصوصية الرسول ﷺ كقوله: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧)﴾ [التين: ٧]، أي: أيها الإنسان؛ وذلك لأن طبيعته البشرية تفر من رؤية الأشياء المهيبة غالبًا، ولهذا قال: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾، ودل على أن الخبر ليس كالمعاينة، كما جاء في الحديث؛ لأن الخبر قد حصل ولم يحصل الفرار ولا الرعب.
ثم ذكر تعالى أنه بعثهم من رقدتهم بعد نومهم بثلاثمائة سنة وتسع سنين، لما استيقظوا قال بعضهم لبعض: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ أي: بدراهمكم هذه، يعني التي معهم إلى المدينة، ويقال: كان اسمها دفسوس ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ أي: أطيب مالًا، ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ أي: بطعام تأكلونه، وهذا من زهدهم وورعهم ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ أي: في دخوله إليها ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾ أي إن عدتم إلى ملتهم بعد إذ أنقذكم الله منها؛ وهذا كله لظنهم أنهم إنما رقدوا يومًا أو بعض يوم أو أكثر من ذلك، ولم يحسبوا أنهم قد رقدوا أزيد من ثلاثمائة سنة، وقد تبدلت الدول أطوارًا عديدة، وتغيرت البلاد ومن عليها، وذهب أولئك القرن الذين كانوا فيهم، وجاء غيرهم وذهبوا، وجاء غيرهم، ولهذا لما خرج أحدهم وهو تيذوسيس - فيما قيل - وجاء إلى المدينة متنكرًا؛ لئلا يعرفه
стр. 3726
أحد من قومه فيما يحسبه، تنكرت له البلاد واستنكره من رآه من أهلها، واستغربوا شكله وصفته ودراهمه، فيقال: إنهم حملوه إلى متوليهم، وخافوا من أمره أن يكون جاسوسًا، أو تكون له صولة يخشون من مضرتها، فيقال: إنه هرب منهم، ويقال: بل أخبرهم خبره ومن معه، وما كان من أمرهم، فانطلقوا معه ليريهم مكانهم، فلما قربوا من الكهف، دخل إلى إخوانه، فأخبرهم حقيقة أمرهم، ومقدار ما رقدوا، فعلموا أن هذا من قدرة الله، فيقال: إنهم استمروا راقدين، ويقال: بل ماتوا بعد ذلك.
وأما أهل البلدة، فيقال: إنهم لم يهتدوا إلى موضعهم من الغار، وعمَّى الله عليهم أمرهم، ويقال: لم يستطيعوا دخوله حِسًّا، ويقال: مهابة لهم.
واختلفوا في أمرهم؛ فقائلون يقولون: ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾ أي: سدوا عليهم باب الكهف؛ لئلا يخرجوا أو لئلا يصل إليهم ما يؤذيهم، وآخرون، وهم الغالبون على أمرهم قالوا: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ أي معبدًا يكون مباركًا لمجاورته هؤلاء الصالحين، وهذا كان شائعًا فيمن كان قبلنا، فأما في شرعنا فقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (١).
стр. 3727
وأما قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ فمعنى أعثرنا: أطلعنا على أمرهم الناس، قال كثير من المفسرين: ليعلم الناس أن المعاد حق، وأن الساعة لا ريب فيها، إذا علموا أن هؤلاء القوم رقدوا أزيد من ثلاثمائة سنة، ثم قاموا، كما كانوا من غير تغير منهم، فإن من أبقاهم كما هم قادر على إعادة الأبدان وإن أكلتها الديدان، وعلى إحياء الأموات وإن صارت أجسامهم وعظامهم رفاتًا، وهذا مما لا يشك فيه المؤمنون ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠]، وهذا يحتمل عود الضمير في قوله: ﴿لِيَعْلَمُوا﴾ إلى أصحاب الكهف، إذ علمهم بذلك من أنفسهم أبلغ من علم غيرهم بهم، ويحتمل أن يعود على الجميع. والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ فذكر اختلاف الناس في كميتهم، فحكى ثلاثة أقوال وضعف الأولين، وقرر الثالث، فدل على أنه الحق؛ إذ لو قيل غير ذلك لحكاه، ولو لم يكن هذا الثالث هو الصحيح لوهَّاه، فدل على ما قلناه، ولما كان النزاع في مثل هذا لا طائل تحته ولا جدوى عنده، أرشد نبيه ﷺ إلى الأدب في مثل هذا الحال، إذا اختلف الناس فيه أن يقول: الله أعلم. ولهذا قال: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ وقوله:
стр. 3728
﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ أي من الناس ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً﴾ أي سهلًا، ولا تتكلف إعمال الجدال في مثل هذا الحال، ولا تستفت في أمرهم أحدًا من الرجال؛ ولهذا أبهم تعالى عدتهم في أول القصة، فقال: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ ولو كان في تعيين عدتهم كبير فائدة لذكرها عالم الغيب والشهادة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾ أدب عظيم أرشد الله تعالى إليه، وحث خلقه عليه، وهو ما إذا قال أحدهم: إني سأفعل في المستقبل كذا، فيشرع له أن يقول: إن شاء الله؛ ليكون ذلك تحقيقًا لعزمه؛ لأن العبد لا يعلم ما في غدٍ، ولا يدري أهذا الذي عزم عليه مقدر أم لا، وليس هذا الاستثناء تعليقًا، وإنما هو تحقيقي، ولهذا قال ابن عباس ﵄: «إنه يصح إلى سنة، ولكن قد يكون في بعض المحال لهذا ولهذا»، كما تقدم في قصة سليمان ﵇، حين قال: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقيل له: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فطاف، فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان، قال رسول الله ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ» (١).
стр. 3729
وقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ وذلك لأن النسيان قد يكون من الشيطان، فذكر الله يطرده عن القلب، فيتذكر ما كان قد نسيه، وقوله: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ أي: إذا اشتبه أمر وأشكل حال، والتبس أقوال الناس في شيء، فارغب إلى الله ييسره لك، ويسهله عليك، ثم قال: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ لما كان في الإخبار بطول مدة لبثهم فائدة عظيمة، ذكرها تعالى، وهذه التسع المزيدة بالقمرية، وهي لتكميل ثلاثمائة شمسية، فإن كل مائة قمرية تنقص عن الشمسية ثلاث سنين ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ أي: إذا سُئلت عن مثل هذا، وليس عندك في ذلك نقل، فرد الأمر في ذلك إلى الله : ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو العالم بالغيب، فلا يُطْلِعُ عليه إلا من شاء من خلقه ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ يعني: أنه يضع الأشياء في محالها؛ لعلمه التام بخلقه، وبما يستحقونه، ثم قال: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ أي: بل هو المنفرد بالملك والمتصرف فيه، وحده لا شريك له» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3730
الكلمة الثامنة والخمسون
فوائد من قصة أصحاب الكهف (٢)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
إن قصة أصحاب الكهف وإن كانت عجيبة، فليست أعجب آيات الله التي أطلعناك عليها، فقد آتيناك من الآيات ما هو أعجب وأعظم عبرة للمعتبرين، ومن فوائد هذه القصة:
١ - «أن من أوى إلى الله آواه الله، ولطف به، وجعله سببًا لهداية الضالين؛ فإن الله لطف بهم في هذه النومة الطويلة إبقاء على إيمانهم وأبدانهم من فتنة قومهم وقتلهم، وجعل هذه القومة من آياته التي يستدل بها على كمال قدرة الله، وتنوع إحسانه، وليعلم العباد أن وعد الله حق.
٢ - الحث على تحصيل العلوم النافعة والمباحثة فيها؛ لأن الله بعثهم لأجل ذلك، وببحثهم ثم بعلم الناس بحالهم حصل البرهان والعلم بأن وعد الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها.
стр. 3731
٣ - الأدب فيمن اشتبه عليه العلم أن يرده إلى عالمه، وأن يقف عند ما يعرف.
٤ - صحة الوكالة في البيع والشراء وصحة الشركة في ذلك، لقولهم ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾.
٥ - جواز أكل الطيبات، والتخير من الأطعمة ما يلائم الإنسان ويوافقه، إذا لم تخرج إلى حد الإسراف المنهي عنه، لقوله: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾.
٦ - الحث والتحرز والاستخفاء، والبعد عن مواقع الفتن في الدين، واستعمال الكتمان الذي يدرأ عن الإنسان الشر.
٧ - في القصة شدة تمسك هؤلاء الفتية بدينهم، وذلك بتركهم ديارهم وأموالهم والاعتزال خوفًا من أن يُفتنوا في دينهم.
٨ - ذكر ما اشتمل عليه الشر من المضار والمفاسد الداعية لبغضه وتركه، وأن هذه الطريقة طريقة المؤمنين.
٩ - أن قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ فيه دليل على أن هؤلاء القوم الذين بعثوا في زمانهم أناس أهل تدين؛ لأنهم عظموهم هذا التعظيم حتى عزموا على اتخاذ مسجد على كهفهم، وهذا وإن كان ممنوعًا- وخصوصًا في شريعتنا - فالمقصود بيان أن ذلك الخوف
стр. 3732
العظيم من أهل الكهف وقت إيمانهم ودخولهم في الغار أبدلهم الله به بعد ذلك أمنًا وتعظيمًا من الخلق، وهذه عوائد الله فيمن تحمل المشاق من أجله أن يجعل له العاقبة الحميدة.
١٠ - أن كثرة البحث وطوله في المسائل التي لا أهمية لها لا ينبغي الانهماك به لقوله: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً﴾.
١١ - أن سؤال من لا علم له في القضية المسئول فيها أو لا يوثق به منهي عنه لقوله: ﴿وَلَا فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾.
١٢ - أن اتخاذ المساجد على القبور من عمل أهل الكتاب قبل هذه الأمة، وقد بين ذلك رسول الله ﷺ وحذر منه، وحرمه على أمته لما يفضي إلى الشرك، وعبادة غير الله، ففي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصَّالِحُ، أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ» (١).
وروى مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: «لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا» (٢)» (٣).
стр. 3733
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3734
الكلمة التاسعة والخمسون
قصة الرجلين: المؤمن والكافر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
قال تعالى في سورة الكهف، بعد قصة أصحاب الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ أَنَا مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا
стр. 3735
(٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا
وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾ [الكهف: ٣٢ - ٤٤].
قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾ يعني لكفار قريش في عدم اجتماعهم بالضعفاء والفقراء، وازدرائهم بهم، وافتخارهم عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣)﴾ [يس:١٣]، والمشهور أن هذين كانا رجلين مصطحبين، وكان أحدهما مؤمنًا والآخر كافرًا، ويقال: إنه كان لكل منهما مال، فأنفق المؤمن ماله في طاعة الله ومرضاته ابتغاء وجهه، وأما الكافر فإنه اتخذ له بستانين، وهما الجنتان المذكورتان في الآية، على الصفة والنعت المذكور؛ فيهما أعناب، ونخل تحف تلك الأعناب، والزروع في خلال ذلك، والأنهار سارحة هاهنا وهاهنا للسقي والتنزه، وقد استوسقت (١)
فيهما الثمار، واضطربت فيهما الأنهار، وابتهجت الزروع والثمار، وافتخر مالكهما على صاحبه المؤمن الفقير قائلًا له: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ?﴾ أي: وأمنع جنابًا، ومراده أنه خير منه، ومعناه: ماذا أغنى عنك إنفاقك ما كنت تملكه في الوجه الذي صرفته فيه؟ كان الأولى بك أن تفعل كما فعلت لتكون مثلي.
فافتخر على صاحبه ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أي: وهو على غير طريقة مرضية ﴿قَالَ مَا
стр. 3736
أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ وذلك لما رأى من اتساع أرضها، وكثرة مائها وحسن نبات أشجارها؛ ولو قد بادت كل واحدة من هذه الأشجار، لاستخلف مكانها أحسن منها، وزروعها دارة لكثرة مياهها، ثم قال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ فوثق بزهرة الحياة الدنيا الفانية، وكذب بوجود الآخرة الباقية الدائمة، ثم قال: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ أي: ولئن كان ثم آخرة ومعاد، فلأجدن هنالك خيرًا من هذا، وذلك لأنه اغتر بدنياه، واعتقد أن الله لم يعطه ذلك فيها إلا لحبه له وحُظوته عنده، كما قال العاص بن وائل، فيما قص الله من خبره وخبر خباب بن الأرت في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ [مريم: ٧٧ - ٧٨]، وقال تعالى إخبارًا عن الإنسان إذا أنعم الله عليه: ﴿هَذَا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت:٥٠]، قال الله تعالى: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠)﴾ [فصلت: ٥٠]، وقال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، أي: لعلم الله في أني أستحقه، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ [القصص:٧٨].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ
стр. 3737
آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ [سبأ: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦].
ولما اغتر هذا الجاهل بما خوله الله به في الدنيا، فجحد الآخرة، وادعى أنها إن وجدت ليجدن عند ربه خيرًا مما هو فيه، وسمعه صاحبه يقول ذلك ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ أي: يجادله: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ أي: أجحدت المعاد وأنت تعلم أن الله خلقك من تراب، ثم من نطفة، ثم طورك أطوارًا، حتى صرت رجلًا سويًّا سميعًا بصيرًا، تعلم وتبطش وتفهم، فكيف أنكرت المعاد والله قادر على البداءة ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ أي: لكن أنا أقول بخلاف ما قلت، وأعتقد خلاف معتقدك ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ أي: لا أعبد سواه، وأعتقد أنه يبعث الأجساد بعد فنائها، ويعيد الأموات ويجمع العظام الرفات، وأعلم أن الله لا شريك له في خلقه، ولا في ملكه، ولا إله غيره، ثم أرشده إلى ما كان الأولى به أن يسلكه عند دخول جنته، فقال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ ولهذا يستحب لكل من أعجبه شيء من ماله أو أهله أو حاله أن يقول كذلك.
ثم قال المؤمن للكافر: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ
стр. 3738
السَّمَاءِ﴾، قال ابن عباس والضحاك وقتادة: أي عذابًا من السماء، والظاهر أنه المطر المزعج الباهر، الذي يقتلع زروعها وأشجارها ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ وهو التراب الأملس الذي لا نبات فيه ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ وهو ضد المعين السارح ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ يعني: فلا تقدر على استرجاعه، قال الله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ أي: جاءه أمر أحاط بجميع حواصله، وخرَّب جنته، ودمرها ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ أي: خربت بالكلية، فلا عودة لها، وذلك ضد ما كان عليه أمَّل، حيث قال: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ وندم على ما كان سلف منه من القول الذي كفر بسببه بالله العظيم، فهو يقول: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾. قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ أي: لم يكن له أحد يتدارك ما فرط من أمره، وما كان له قدرة في نفسه على شيء من ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾ [الطارق: ١٠].
قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ كقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ [الفرقان: ٢٦]، فالحكم الذي لا يُرد ولا يُمانع ولا يُغالب - في تلك الحال وفي كل حال - لله الحق. ومنهم من رفع ﴿الحَقُّ﴾ جعله صفة لـ ﴿الْوَلَايَةُ﴾ وهما متلازمان، وقوله ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أي:
стр. 3739
معاملته خير لصاحبها ثوابًا، وهو الجزاء، وخير عُقبًا، وهو العاقبة في الدنيا والآخرة» (١).
وقد اشتملت هذه القصة على فوائد جمة، منها:
الاعتبار بحال الذي أنعم الله عليه نعمًا دنيوية، فألهته عن آخرته وأطغته، وعصى الله فيها، أن مآلها الانقطاع والاضمحلال، وأنه وإن تمتع بها قليلًا فإنه يحرمها طويلًا.
«أنه لا ينبغي لأحد أن يركن إلى الحياة الدنيا، ولا يغتر بها، ولا يثق بها، بل يجعل طاعة الله والتوكل عليه في كل حال نصب عينيه، وليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده، قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠)﴾ [القصص:٦٠].
أن من قدم شيئًا على طاعة الله والإنفاق في سبيله عُذب به، وربما سلب منه معاملة له بنقيض قصده.
أن الواجب قبول نصيحة الأخ المشفق، وأن مخالفته وبال ودمار على من رد النصيحة الصحيحة» (٢).
أن ما يعطيه الله الكافر ليس دليلًا على محبته ورضاه، قال
стр. 3740
تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة:٥٥].
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: «إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ، فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ» (١). ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤].
أن ما يعطيه الله الكافر من نعم الدنيا، إنما ذلك لهوان الدنيا عنده، وحقارتها، وابتلاء لهم وفتنة، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾ [الأحقاف:٢٠].
أن المؤمن إذا رأى ما يعجبه من مال أو ولد أو حال، عليه أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله؛ فإن ذلك أحفظ له من العين، وفي الآية: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.
«الإرشاد إلى التسلي عن لذات الدنيا وشهواتها بما عند الله من الخير، لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنَا مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا
стр. 3741
(٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾.
الدعاء بتلف مال من كان ماله سبب طغيانه وكفره وخسرانه، خصوصًا إن فضل نفسه بسببه على المؤمنين وفخر عليهم.
أن المسلم العاقل المقبل على كتاب ربه وسنة نبيه تدبرًا وفهمًا يدرك أن كل ما هو فيه من نعيم من صحة وعافية، ومن سعة رزق، وكثرة مال، بل حتى العلم والصلاح وغيره، إنما محض فضل من الله لا بفضله ولا علمه، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، وقال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٣]، ولذا كانت عاقبة قارون وخيمة عندما قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [القصص:٧٨].
إن ولاية الله وعدمها إنما تتضح نتيجتها إذا انجلى الغبار وحق الجزاء، ووجد العاملون أجرهم ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾ [الكهف:٤٤]، أي عاقبة ومآلًا» (١).
«أن الندامة لا تنفع إذا حان القدر، ونفذ الأمر الحتم» (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3742
الكلمة الستون
قصة أصحاب أيلة الذين اعتدوا في السبت
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
فمن القصص التي ذكرها الله في كتابه، قصة أصحاب أيلة الذين اعتدوا في السبت، قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ [الأعراف: ١٦٣ - ١٦٦].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾ [البقرة: ٦٥ - ٦٦].
стр. 3743
وقال تعالى: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧)﴾ [النساء:٤٧].
«قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والسُدي، وغيرهم: هم أهل أيلة، زاد ابن عباس: بين مَدْين والطور، قالوا: وكانوا متمسكين بدين التوراة في تحريم السبت في ذلك الزمان، فكانت الحيتان قد ألفت منهم السكينة في مثل هذا اليوم؛ وذلك أنه كان يحرم عليهم الاصطياد فيه، وكذلك جميع الصنائع والتجارات والمكاسب، فكانت الحيتان في مثل يوم السبت، يكثر غشيانها لمحلتهم من البحر؛ فتأتي من ههنا وههنا ظاهرة آمنة مسترسلة، فلا يهيجونها ولا يذعرونها.
﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ وذلك لأنهم كانوا يصطادونها فيما عد السبت، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ أي: نخبرهم بكثرة الحيتان في يوم السبت ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي: بسبب فسقهم المتقدم، فلما رأوا ذلك، احتالوا على اصطيادها في يوم السبت، بأن نصبوا الحبال والشباك والشصوص، وحفروا الحفر التي يجري معها الماء إلى مصانع قد أعدوها، إذا دخلها السمك لا يستطيع أن يخرج منها، ففعلوا ذلك في يوم الجمعة، فإذا جاءت الحيتان مسترسلة يوم السبت؛ علقت بهذه المصايد، فإذا خرج سبتهم أخذوها، فغضب الله عليهم ولعنهم؛ لما احتالوا على خلاف أمره، وانتهكوا محارمه
стр. 3744
بالحيل التي هي ظاهرة للناظر، وهي في الباطن مخالفة محضة، فلما فعل ذلك طائفة منهم، افترق الذين لم يفعلوا ذلك فرقتين؛ فرقة أنكروا عليهم صنيعهم هذا، واحتيالهم على مخالفة الله وشرعه في ذلك الزمان، وفرقة أخرى لم يفعلوا ولم ينهوا، بل أنكروا على الذين نهوا، وقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ يقولون لهم: ما الفائدة في نهيكم هؤلاء وقد استحقوا العقوبة لا محالة؟ فأجابتهم الطائفة المنكرة بأن قالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أي: فيما أمرنا به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فنقوم به خوفًا من عذابه، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: ولعل هؤلاء يتركون ما هم عليه من هذا الصنيع، فيقيهم الله عذابه، ويعفو عنهم إذا هم رجعوا واستمعوا، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: لم يلتفتوا إلى من نهاهم عن هذا الصنيع الشنيع الفظيع ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ وهم الفرقة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهم المرتكبون الفاحشة ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ وهو الشديد المؤلم
الموجع ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ثم فسر العذاب الذي أصابهم بقوله: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ وسنذكر ما ورد من الآثار في ذلك.
والمقصود هنا أن الله تعالى أخبر أنه أهلك الظالمين، ونجى المؤمنين المنكرين، وسكت عن الساكتين، وقد اختلف
стр. 3745
فيهم العلماء على قولين: فقيل: إنهم من الناجين، وقيل: إنهم من الهالكين، والصحيح الأول عند المحققين، وهو الذي رجع إليه ابن عباس إمام المفسرين، وذلك عند مناظرة مولاه عكرمة، فكساه من أجل ذلك حلة سنية؛ تكرمة، قلت: وإنما لم يذكروا من الناجين؛ لأنهم وإن كرهوا ببواطنهم تلك الفاحشة، إلا أنهم كان ينبغي لهم أن يحملوا ظواهرهم بالعمل المأمور به من الإنكار القولي، الذي هو أوسط المراتب الثلاث، التي أعلاها الإنكار باليد، ذات البنان، وبعدها الإنكار القولي باللسان، وثالثها الإنكار بالجنان، فلما لم يذكِّروا لم يُذكَرُوا مع الناجين، إذ لم يفعلوا الفاحشة، بل أنكروا.
وقد روى عبدالرزاق عن ابن جريج عن رجل عن عكرمة عن ابن عباس وحكى مالك عن ابن رومان، وشيبان عن قتادة وعطاء الخراساني ما مضمونه: أن الذي ارتكبوا هذا الصنع، اعتزلهم بقية أهل البلد، ونهاهم من نهاهم منهم، فلم يقبلوا، فكانوا يبيتون وحدهم ويغلقون بينهم وبينهم أبوابًا، حاجزًا لما كانوا يترقبون من هلاكهم، فأصبحوا ذات يوم وأبواب ناحيتهم مغلقة لم يفتحوها، وارتفع النهار واشتد الضحاء، فأمر بقية أهل البلد رجلًا أن يصعد على سلالم، ويُشرف عليهم من فوقهم، فلما أشرف عليهم، إذا هم قردة لها أذناب يتعاوون ويتعادون، ففتحوا عليهم الأبواب فجعلت القردة تعرف قراباتهم، ولا
стр. 3746
تعرفهم قراباتهم، فجعلوا يلوذون بهم، ويقول لهم الناهون: ألم ننهكم عن صنيعكم، فتُشير القردة برؤوسها: أن نعم.
ثم بكى عبد الله بن عباس، وقال: إنا لنرى منكرات كثيرة، ولا ننكرها، ولا نقول فيها شيئًا، وقال العوفي عن ابن عباس: صار شباب القرية قردة، وشيوخها خنازير، وقال الضحاك عن ابن عباس: إنه لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل هؤلاء ولم يشربوا ولم ينسلوا» (١).
ومن فوائد الآيات الكريمات:
أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الشعائر التي يحفظ الله بها الدين، وتقي المجتمع من الشرور والمعاصي، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وفي الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه من حديث النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ
стр. 3747
نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا» (١).
٢ - أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجب للعنة الله لقوله تعالى: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤٧]، وقوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩].
أن السكوت عن المنكر مع القدرة على التغيير موجبًا للعقوبة لما فيه من المفاسد العظيمة، وفي الحديث: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْ عِنْدَهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكْمُ» (٢).
٤ - أن إنكار المنكر على ثلاث مراتب، إما باليد، أو اللسان، أو القلب، وهو أقلها، وفي الحديث: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ،
стр. 3748
وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» (١).
٥ - أن من مقاصد إنكار المنكر المعذرة إلى الله، وإقامة الحجة على المأمور، ولعل الله أن يهديه فيعمل بمقتضى ذلك الأمر والنهي، لقوله تعالى: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤].
٦ - أن الناجين من الأمم هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)﴾ [الأعراف: ١٦٥].
٧ - «أن الفرقة التي لم تعمل المنكر نجت على الصحيح من أقوال العلماء؛ لأن الله خص الهلاك بالظالمين، وهو لم يذكر أنهم ظالمون، فدل على أن العقوبة خاصة بالمعتدين في السبت، ولأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، فاكتفوا بإنكار ذلك، ولأنهم أنكروا عليهم بقولهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، فأبدوا من غضبهم عليهم ما يقتضي أنهم كارهون أشد الكراهة لفعلهم، وأن الله
стр. 3749
سيعاقبهم أشد العقوبة» (١).
٨ - ما أهون الخلق على الله إذا هم عصوه؛ ولذلك عاقبهم الله بأعظم عقوبة، وهو أنه مسخهم قردة خاسئين، أي أذلاء صاغرين، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ [الأعراف:١٦٦].
٩ - أن الله أهلكهم بعد أن مسخهم قردة، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا، أَوْ يُعَذِّبْ قَوْمًا، فَيَجْعَلَ لَهُمْ نَسْلًا، وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ» (٢).
١٠ - «أن الله قال: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦]، أي لمن حضرها من الأمم وبلغه خبرها ممن هو في وقتهم، وما خلفها: أي من بعدها، فتقوم على العباد حجة الله، وليرتدعوا عن معاصيه، ولكنها لا تكون موعظة نافعة إلا للمتقين، وأما من عداهم فلا ينتفعون بالآيات» (٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3750
الكلمة الواحدة والستون
الفتور أسبابه وعلاجه
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد ..
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ» (١). وفي رواية أخرى من حديث أبي هريرة ﵁: «فَإِنْ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ، وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالَأصَابِعِ فَلَا تَعُدُّوهُ» (٢).
وفي هذين الحديثين حقائق في غاية الأهمية أخبرنا عنها المصطفى ﷺ ، وإليك البيان:
الحقيقة الأولى: إن لكل عابد شرة وحِدَّة، وهو النشاط في العبادة بصورة تدعو إلى الانتباه والإعجاب. وهو مشاهد