تعرفهم قراباتهم، فجعلوا يلوذون بهم، ويقول لهم الناهون: ألم ننهكم عن صنيعكم، فتُشير القردة برؤوسها: أن نعم.
ثم بكى عبد الله بن عباس، وقال: إنا لنرى منكرات كثيرة، ولا ننكرها، ولا نقول فيها شيئًا، وقال العوفي عن ابن عباس: صار شباب القرية قردة، وشيوخها خنازير، وقال الضحاك عن ابن عباس: إنه لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل هؤلاء ولم يشربوا ولم ينسلوا» (١).
ومن فوائد الآيات الكريمات:
أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الشعائر التي يحفظ الله بها الدين، وتقي المجتمع من الشرور والمعاصي، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وفي الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه من حديث النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ
стр. 3747
نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا» (١).
٢ - أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجب للعنة الله لقوله تعالى: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤٧]، وقوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩].
أن السكوت عن المنكر مع القدرة على التغيير موجبًا للعقوبة لما فيه من المفاسد العظيمة، وفي الحديث: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْ عِنْدَهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكْمُ» (٢).
٤ - أن إنكار المنكر على ثلاث مراتب، إما باليد، أو اللسان، أو القلب، وهو أقلها، وفي الحديث: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ،
стр. 3748
وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» (١).
٥ - أن من مقاصد إنكار المنكر المعذرة إلى الله، وإقامة الحجة على المأمور، ولعل الله أن يهديه فيعمل بمقتضى ذلك الأمر والنهي، لقوله تعالى: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤].
٦ - أن الناجين من الأمم هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)﴾ [الأعراف: ١٦٥].
٧ - «أن الفرقة التي لم تعمل المنكر نجت على الصحيح من أقوال العلماء؛ لأن الله خص الهلاك بالظالمين، وهو لم يذكر أنهم ظالمون، فدل على أن العقوبة خاصة بالمعتدين في السبت، ولأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، فاكتفوا بإنكار ذلك، ولأنهم أنكروا عليهم بقولهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، فأبدوا من غضبهم عليهم ما يقتضي أنهم كارهون أشد الكراهة لفعلهم، وأن الله
стр. 3749
سيعاقبهم أشد العقوبة» (١).
٨ - ما أهون الخلق على الله إذا هم عصوه؛ ولذلك عاقبهم الله بأعظم عقوبة، وهو أنه مسخهم قردة خاسئين، أي أذلاء صاغرين، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ [الأعراف:١٦٦].
٩ - أن الله أهلكهم بعد أن مسخهم قردة، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا، أَوْ يُعَذِّبْ قَوْمًا، فَيَجْعَلَ لَهُمْ نَسْلًا، وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ» (٢).
١٠ - «أن الله قال: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦]، أي لمن حضرها من الأمم وبلغه خبرها ممن هو في وقتهم، وما خلفها: أي من بعدها، فتقوم على العباد حجة الله، وليرتدعوا عن معاصيه، ولكنها لا تكون موعظة نافعة إلا للمتقين، وأما من عداهم فلا ينتفعون بالآيات» (٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3750
الكلمة الواحدة والستون
الفتور أسبابه وعلاجه
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد ..
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ» (١). وفي رواية أخرى من حديث أبي هريرة ﵁: «فَإِنْ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ، وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالَأصَابِعِ فَلَا تَعُدُّوهُ» (٢).
وفي هذين الحديثين حقائق في غاية الأهمية أخبرنا عنها المصطفى ﷺ ، وإليك البيان:
الحقيقة الأولى: إن لكل عابد شرة وحِدَّة، وهو النشاط في العبادة بصورة تدعو إلى الانتباه والإعجاب. وهو مشاهد
стр. 3751
في كثير من الناس، وخصوصًا الشباب، فإنه يرى منهم أول التزامهم نشاطًا شديدًا، وحرصًا ومثابرة على العبادات والطاعات، وحضور مجالس العلم والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر .. وغير ذلك.
الحقيقة الثانية: أن هؤلاء العباد -أو ما يسمون في زماننا هذا الملتزمون، أو شباب الصحوة- يحدث لبعضهم بعد ذلك النشاط والقوة ضعفًا وكسلًا، وتهاونًا وفتورًا، وهم في ذلك على مراتب:
المرتبة الأولى: من سلكوا حال فتورهم طريق الاستقامة، وذلك بلزوم السنة، وتجنب البدعة، وأحاطوا أعمالهم في أنفسهم وفي دعوة غيرهم بالتسديد والمقاربة، وسلوك الطريق الوسط الذي لا غلو فيه، ولا جفاء، ولا إفراط ولا تفريط، ويعود السبب إلى توفيق الله لهم حال حدتهم وشرتهم إلى التمسك بأصول صحيحة ثابتة، إما كتب لأهل العلم من السلف الصالح وأئمة الهدى، أو طلب العلم على مشايخ وعلماء أهل فضل وسنة، أو رفقة صالحة قد هداهم الله إلى الصراط المستقيم بالحق يهدون وبه يعدلون، قال ﷺ : «سدِّدُوا وقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا» (١).
стр. 3752
قال أبو حاتم ﵀: «سددوا: يريد به كونوا مسددين، والتسديد لزوم طريقة النبي ﷺ واتباع سنته، وقوله: وقاربوا: يريد به لا تحملوا على الأنفس من التشديد ما لا تطيقون، وأبشروا فإن لكم الجنة إذا لزمتم طريقتي في التسديد وقاربتم في الأعمال» (١).
٢ - المرتبة الثانية: من كان فتورهم ضعف في العبادة، وتقصير في العمل، وربما الوقوع في بعض الذنوب والمعاصي عن شهوة لا عن شبهة، فهؤلاء إذا وجدوا من يعظهم ويذكرهم فحري أن ينشطوا، ويقوى ضعفهم، ويقل تفريطهم.
٣ - المرتبة الثالثة: من كان فتورهم إلى بدع وضلالات اتباعًا للهوى وحبًّا للظهور والشهرة، والتعلق بالشبهات في استحلال المحرمات، وقد يتمادى بهم ذلك إلى الانقلاب على أعقابهم - نسأل الله العافية والسلامة -.
الحقيقة الثالثة: اشتمل هذا البيان منه ﷺ على سبب هذا الداء وبيان دواؤه، وأن سببه هو عين دواؤه حين ترك ولم يعمل به، وينحصر ذلك في أمرين ذُكرا في الحديثين السابقين:
أولهما: ترك لزوم السنة ظاهرًا.
ثانيهما: ترك تجريد القلب بالإخلاص لله الإخلاص التام
стр. 3753
الذي لا يكون للنفس منه نصيب باطنًا.
مظاهر الفتور العائد إلى الانحراف:
أن العظة والتذكير لا يؤثر فيهم وذلك لقساوة حدثت لقلوبهم، وران أطبق عليها بما كانوا يكسبون.
حبهم للجدل والمراء ومعارضة الحق، وقد قال ﷺ : «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ» ثُمَّ تَلَا: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف:٥٨] (١)، وفي التنزيل المبارك: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ قَوْمًا إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة:١١٥].
تحليلهم لكثير مما كان حرامًا عندهم قبل نكوسهم، وكذلك العكس، وذلك بوقوعهم في الفتنة كما أخبر بذلك حذيفة ﵁ حين سُئل: «كيف يعرف الرجل منا، هل أصابته الفتنة أم لا؟ فأجاب: إذا أحب أحدكم أن يعلم أصابته الفتنة أم لا؟ فلينظر، فإن كان رأى حلالًا كان يراه حرامًا، فقد أصابته الفتنة، وإن كان يرى حرامًا كان يراه حلالًا فقد أصابته» (٢).
стр. 3754
تتبع زلات العلماء وجعلها منهج حياة مع الاستماتة في الدفاع عنها، وهم في كل ما تقدم لا تسهل عليهم التوبة، ويبغضون من يدعوهم إليها؛ لأنهم يرون أن في توبتهم إقرار واعتراف بما هم عليه من الضلال والزيغ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾ [غافر:٥٦].
الخاتمة:
-وأختم هذه الكلمة بتوجيه النصح إلى أهل العلم والدعاة إلى الله بأن يرشدوا من يدعونهم إلى لزوم الكتاب السنة، ومنهج السلف الصالح في فهم نصوصهما، والاقتداء بهم في الأعمال والأخلاق، والاجتهاد في إصلاح القلوب وتخليصها من الأهواء المضلة، والبدع المهلكة.
نسأل الله أن يهدينا إلى الحق، وأن يثبتنا عليه، وأن يقينا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلال بعد الهدى.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3755
الكلمة الثانية والستون
المنهجية في طلب العلم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران:١٨].
قال القرطبي ﵀: «في هذه الآية دليل على فضل العلم، وشرف العلماء وفضلهم، فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه، واسم ملائكته، كما قرن اسم العلماء».
وقال في شرف العلم لنبيه ﷺ : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه:١١٤]. فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يسأله المزيد منه، كما أمره أن يستزيده من العلم، وقال ﷺ : «إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ» (١)، وهذا شرف للعلماء عظيم، ومحل لهم في الدين خطير» (٢).
стр. 3756
قال الزمخشري -عند قول الله تعالى عن داود وسليمان ﵉: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ [النمل: ١٥]: «في الآية دليل على شرف العلم، وأناقة محله، وتقدم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من أجل النعم وأجزل القسم، وأن من أوتيه فقد أُوتي فضلًا على كثير من عباد الله» (١).
وروى البخاري ومسلم من حديث معاوية بن أبي سفيان أن النبي ﷺ قال: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». قال ابن حجر ﵀: «ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين - أي يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع - فقد حرم الخير؛ لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهًا ولا طالب فقه، فيصح أن يوصف بأنه ما أريد به الخير، وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم» (٢).
«الفائدة الأولى:
لابد لطالب العلم من مراعاة عدة أمور عند طلبه لأي علم من العلوم:
أولًا: حفظ متن مختصر فيه:
فإذا كنت تطلب النحو: فإن كنت مبتدئًا فلا أرى أحسن من
стр. 3757
متن الأجرومية، لأنه واضح وجامع وحاصر وفيه بركة، ثم متن ألفية ابن مالك؛ لأنها خلاصة علم النحو كما قال هو نفسه:
أَحْصَى مِنَ الكَافِيَةِ الْخُلَاصَةْ ... كَمَا اقْتَضَى غِنًى بِلَا خَصَاصَةْ
وأما في الفقه: فمتن زاد المستقنع، لأنه كتاب مخدوم بالشروح والحواشي والتدريس، وإن كان بعض المتون الأخرى أحسن منه من وجه، لكن هو أحسن من حيث كثرة المسائل الموجودة فيه، ومن حيث إنه مخدوم.
وأما في الحديث: فمتن عمدة الأحكام، وإن ترقيت فبلوغ المرام، وإن كنت تقول إما هذا أو هذا، فبلوغ المرام أحسن؛ لأنه أكثر جمعًا للأحاديث، ولأن الحافظ ابن حجر ﵀ بين درجة الحديث.
وأما في التوحيد: فمن أحسن ما قرأنا متن كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب، وأما في توحيد الأسماء والصفات فمن أحسن ما قرأت العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، فهو كتاب جامع مبارك مفيد، وهلم جرا، خذ من كل فن تطلبه متنًا مختصرًا فيه واحفظه.
ثانيًا: ضبطه وشرحه على شيخ متقن، وتحقيق ألفاظه، وما كان زائدًا أو ناقصًا.
ثالثًا: عدم الاشتغال بالمطولات:
وهذه الفقرة مهمة لطالب العلم، فلابد لطالب العلم أن
стр. 3758
يتقن المختصرات أولًا حتى ترسخ العلوم في ذهنه ثم يُفيض إلى المطولات، لكن بعض الطلبة قد يغرب فيطالع المطولات ثم إذا جلس مجلسًا قال: قال صاحب المغني، قال صاحب المجموع، قال صاحب الإنصاف، قال صاحب الحاوي، ليظهر أنه واسع الاطلاع، وهذا خطأ؛ نحن نقول: ابدأ بالمختصرات حتى ترسخ العلوم في ذهنك، ثم إذا منَّ الله عليك، فاشتغل بالمطولات، وقياس ذلك بالأمر المحسوس أن ينزل مَنْ لم يتعلم السباحة إلى بحر عميق، فإنه لا يستطيع أن يتخلص فضلًا عن أن يتقن.
رابعًا: لا تنتقل من مختصر إلى آخر بلا موجب:
فهذا من باب الضجر، وهذه آفة عظيمة تقطع على الطالب طلبه، وتضيع عليه أوقاته، فإذا كان كل يوم له كتاب يقرأ فيه، فهذا خطأ في منهج طالب العلم، فإذا قررت كتابًا من كتب العلم فاستمر فيه، ولا تقول: أقرأ كتابًا أو فصلًا من هذا الكتاب ثم أنتقل للآخر، فإن هذا مضيعة للوقت.
خامسًا: اقتناص الفوائد والضوابط العلمية:
فهناك فوائد لا تكاد تطرأ على الذهن، أو يندر ذكرها والتعرض لها، أو تكون مستجدة تحتاج إلى بيان الحكم فيها، فهذه اقتنصها، وقيدها بالكتابة، ولا تقل: هذه معلومة عندي،
стр. 3759
ولا حاجة أن أقيدها، لأنها سرعان ما تُنسى، وكم من فائدة تمر بالإنسان فيقول: هذه سهلة ما تحتاج إلى قيد، ثم بعد فترة وجيزة يتذكرها ولا يجدها.
لذلك احرص على اقتناص الفوائد التي يندر وقوعها أو يتجدد وقوعها، ومن أحسن ما ألف في هذا الموضوع كتاب العلامة ابن القيم ﵀ بدائع الفوائد فقد جمع فيه من بدائع العلوم، ما لا تكاد تجده في كتاب آخر، فهو جامع في كل فن، كلما طرأ على باله مسألة أو سمع فائدة قيدها، ولهذا تجد فيه من علم العقائد، والفقه، والحديث، والتفسير، والنحو، والبلاغة .. وغيرها.
وأيضًا احرص على الاهتمام بالضوابط.
ومن الضوابط: ما يذكره العلماء تعليلًا للأحكام، فإن كل التعليلات للأحكام الفقهية تعتبر ضوابط؛ لأنها تبنى عليها الأحكام، فهذه احتفظ بها، وسمعت أن بعض الإخوان يتتبع هذه الضوابط في الروض المربع ويحررها، وقلت: من الأحسن أن يقوم بهذا طائفة، تتبع الروض المربع من أوله إلى آخره كلما ذكر علة تُقيد، لأن كل علة يبنى عليها مسائل كثيرة، إذ أن العلم له ضابط، فكل ضابط يدخل تحته جزئيات كثيرة.
فمثلًا إذا شك في طهارة ماء أو بنجاسته فإنه يبني على
стр. 3760
اليقين، فهذه العلة تعتبر حكمًا وتعتبر ضابطًا.
أيضًا يعلل بأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، فإذا شك في نجاسة طاهر فهو طاهر، أو في طهارة نجس فهو نجس؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، فإذا حرص طالب العلم ودوّن كلما مر عليه من هذه التعليلات وحررها وضبطها، ثم حاول في المستقبل أن يبني عليها مسائل جزئية لكان في هذا فائدة كبيرة له ولغيره.
سادسًا: جمع النفس للطلب:
فلا يشتتها يمينًا ويسارًا، اجمع النفس على الطلب ما دمت مقتنعًا بأن هذا منهجك وسبيلك، وأيضًا اجمع نفسك على الترقي فيه لا تبقى ساكنًا، فكِّر فيما وصل إليه علمك من المسائل والدلائل حتى تترقى شيئًا فشيئًا، واستعن بمن تثق به من زملائك وإخوانك فيما إذا احتاجت المسألة إلى استعانة، ولا تستحي أن تقول: يا فلان ساعدني على تحقيق هذه المسألة بمراجعة الكتب، الحياء لا ينال العلم به أحد، فلا ينال العلم مستحيي ولا مستكبر.
الفائدة الثانية:
مما ينبغي لطالب العلم مراعاته، تلقي العلم عن الأشياخ؛ لأنه يستفيد بذلك فوائد عدة:
стр. 3761
اختصار الطريق: فبدلاً من أن يذهب يقلب في بطون الكتب وينظر ما هو القول الراجح وما سبب رجحانه، وما هو القول الضعيف وما سبب ضعفه، بدلاً من ذلك كله يمد إليه المعلم ذلك بطريق سهل ويعرض له خلاف أهل العلم في المسائل على قولين أو ثلاثة مع بيان الراجح، والدليل كذا، وهذا لا شك أنه نافع لطالب العلم.
السرعة في الإدراك: فطالب العلم إذا كان يقرأ على عالم، فإنه يدرك بسرعة أكثر مما لو ذهب يقرأ في الكتب؛ لأنه إذا قرأ في الكتب تمر عليه العبارات المشكلة والغامضة فيحتاج إلى التدبر وتكرار العبارة، مما يأخذ منه الوقت والجهد، وربما فهمها على وجه خطأ وعمل بها.
الربط بين طلاب العلم والعلماء الربانيين: لذلك القراءة على العلماء أجدى وأفضل من قراءة الإنسان لنفسه.
الفائدة الثالثة:
الحفظ ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: غريزي: يهبه الله تعالى لمن يشاء، فتجد الإنسان تمر عليه المسألة والبحث فيحفظه ولا ينساه.
القسم الثاني: كسبي: بمعنى أن يمرن الإنسان نفسه على الحفظ، ويتذكر ما حفظ، فإذا عود نفسه تذكر ما حفظ سهل
стр. 3762
عليه حفظه.
الفائدة الرابعة:
من الأمور التي ينبغي لطالب العلم أن يهتم بها المذاكرة، والمذاكرة نوعان:
النوع الأول: مذاكرة مع النفس: بأن تجلس مثلاً جلسة وحدك ثم تعرض مسألة من المسائل أو مسألة قد مرت عليك، ثم تأخذ في محاولة عرض الأقوال وترجيح ما قيل في هذه المسألة بعضها على بعض، وهذه سهلة على طالب العلم، وتساعد على مسألة المناظرة السابقة.
النوع الثاني: مذاكرة مع الغير: بأن يختار من إخوانه الطلبة من يكون عونًا له على طلب العلم، مفيدًا له، فيجلس معه ويتذاكران، يقرآن مثلًا ما حفظاه، كل واحد يقرأ على الآخر قليلًا، أو يتذاكران في مسألة من المسائل بالمراجعة أو بالمفاهمة إن قدرا على ذلك، فإن هذا مما ينمي العلم ويزيده، لكن إياك والشغب والصلف؛ لأن هذا لا يفيد.
الفائدة الخامسة:
زكاة العلم تكون بأمور:
الأمر الأول: نشر العلم: نشر العلم من زكاته، فكما يتصدق
стр. 3763
الإنسان بشيء من ماله، فهذا العالم يتصدق بشيء من علمه، وصدقة العلم أبقى دومًا وأقل كلفة ومؤنة، أبقى دومًا؛ لأنه ربما كلمة من عالم تُسمع ينتفع بها أجيال من الناس. وما زلنا حتى الآن ننتفع بأحاديث أبي هريرة ﵁، ولم ننتفع بدرهم واحد من الخلفاء الذين كانوا في عهده، وكذلك العلماء ننتفع بكتبهم ومعهم زكاة وأي زكاة، وهذه الزكاة لا تنقص العلم، بل تزيده كما قيل:
يَزِيدُ بِكَثْرَةِ الإِنْفَاقِ مِنْهُ ... وَيَنْقُصُ أَنْ بِهِ كَفًّا شَدَدْتَا
الأمر الثاني: العمل به: لأن العمل به دعوة إليه بلا شك، وكثير من الناس يتأسون بالعالم، بأخلاقه وأعماله أكثر مما يتأسون بأقواله، وهذا لا شك زكاة.
الأمر الثالث: الصدع بالحق: وهذا من جملة نشر العلم ولكن النشر قد يكون في حال السلامة وحال الأمن على النفس، وقد يكون في حال الخوف على النفس، فيكون صدَّاعًا بالحق.
الأمر الرابع: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لا شك أن هذا من زكاة العلم، لأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عارف للمعروف وعارف للمنكر، ثم قائم بما يجب عليه من هذه المعرفة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 3764
الفائدة السادسة:
في المقصود ببركة العلم:
قبل بيان المقصود بالبركة في العلم لابد أن نعرف البركة، فهي كما يقول العلماء: الخير الكثير الثابت، ويعيدون ذلك إلى اشتقاق هذه الكلمة، فإنها من البركة وهي مجمع الماء، والبركة التي هي مجمع الماء مكان واسع، ماؤه كثير ثابت، فالبركة هي الخيرات الكثيرة الثابتة من كل شيء: من المال ومن الولد ومن العلم؟ وكل شيء أعطاه الله لك تسأل الله - سُبْحَانَهُ - البركة فيه؛ لأن الله إذا لم يبارك لك فيما أعطاك حرمت خيرًا كثيرًا.
ما أكثر الناس الذين عندهم المال الكثير وهم في عداد الفقراء. لماذا؟ لأنهم لا ينتفعون بمالهم، تجد عندهم من الأموال ما لا يحصى، لكن يقصر على أهله في النفقة، وعلى نفسه ولا ينتفع بماله، والغالب أن من كانت هذه حاله وبخل بما يجب عليه، أن يسلط الله على أمواله آفات تذهبها، كثير من الناس عنده أولاد لكن أولاده لم ينفعوه، عندهم عقوق واستكبار على الأب، حتى أنه - أي الولد - يجلس إلى صديقه الساعات الطويلة يتحدث إليه ويأنس به ويفضي إليه أسراره، لكنه إذا جلس عند أبيه، فإذا هو كالطير المحبوس في القفص
стр. 3765
والعياذ بالله - لا يأنس بأبيه، ولا يتحدث إليه، ولا يفضي إليه بشيء من أسراره، ويستثقل حتى رؤية والده: فهؤلاء لم يبارك لهم في أولادهم.
أما البركة في العلم، فتجد بعض الناس قد أعطاه الله علمًا كثيرًا لكنه بمنزلة الأمي، فلا يظهر أثر العلم عليه في عباداته، ولا في أخلاقه، ولا في سلوكه، ولا في معاملته مع الناس، بل قد يكسبه العلم استكبارًا على عباد الله وعلوًّا عليهم واحتقارًا لهم، وما علم هذا أن الذي منَّ عليه بالعلم هو الله، وأن الله لو شاء لكان مثل هؤلاء الجهال.
تجده قد أعطاه الله علمًا، ولكنه لم ينفع الناس بعلمه، لا بتدريس ولا بتوجيه، ولا بتأليف، بل هو منحصر على نفسه، لم يبارك الله له في العلم، وهذا بلا شك حرمان عظيم، مع أن العلم من أبرك ما يعطيه الله العبد؛ لأن العلم إذا علمته غيرك، ونشرته بين الأمة، أجرت على ذلك، وإذا منَّ الله عليك بطلبة يذكرونك ما نسيت ويفتحون عليك ما جهلت، فهذا من نعمة الله عليك، فهذا من فوائد نشر العلم أنه يزيد إذا علمت العلم، كما قال القائل مقارنًا بين المال والعلم، يقول في العلم:
يَزِيدُ بِكَثْرَةِ الإِنْفَاقِ مِنْهُ ... وَينْقُصُ أَن بِهِ كَفًّا شَدَدْتَا
إذا شددت به كفًّا، وأمسكته نقص، أي تنساه، ولكن إذا
стр. 3766
نشرته يزداد.
وينبغي للإنسان عند نشر العلم أن يكون حكيمًا في التعليم، بحيث يلقي على الطلبة المسائل التي تحتملها عقولهم، فلا يأتي إليهم بالمعضلات، بل يربيهم بالعلم شيئًا فشيئًا.
ولهذا قال بعضهم في تعريف العالم الرباني: العالم الرباني هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره.
ونحن نعْلَمُ جميعًا أن البناء ليس يؤتى به جميعًا حتى يوضع على الأرض، فيصبح قصرًا مشيدًا، بل يبنى لبنة لبنة حتى يكتمل البناء، فينبغي للمعلم أن يراعي أذهان الطلبة بحيث يلقي إليهم ما يمكن لعقولهم أن تدركه، ولهذا يؤمر العلماء أن يحدثوا الناس بما يعرفون.
قال ابن مسعود ﵁: «ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» (١).
كذلك أيضًا ينبغي للمعلم أن يعتني بالأصول والقواعد؛ لأن الأصول والقواعد هي التي يبنى عليها العلم.
وقد قال العلماء: من حُرم الأصول حُرم الوصول؛ أي لا يصل إلى الغاية إذا حرم الأصول، فينبغي أن يلقي على الطلبة
стр. 3767
القواعد والأصول التي تتفرع عليها المسائل الجزئية؛ لأن الذي يتعلم على المسائل الجزئية لا يستطيع أن يهتدي إذا أتته معضلة فيعرض حكمها؛ لأنه ليس عنده أصل» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3768
الكلمة الثالثة والستون
تغسيل الميت وأحكامه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
فهذه نبذة تتعلق بتغسيل الميت والأحكام المتعلقة بذلك:
١ - «غسل الميت فرض كفاية، فينبغي لمن قام بذلك أن ينوي أنه مؤد لهذه الفريضة لينال أجرها وثوابها من الله تعالى» (١).
٢ - «المسلم لا يجوز أن يغسل الكافر، أو يحمل جنازته، أو يكفنه، أو يصلي عليه، أو يتبع جنازته، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:١٣]، فالآية تدل بعمومها على تحريم تغسيله، وحمله، واتباع جنازته، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾
стр. 3769
[التوبة:٨٤]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١١٣]، لكن إذا لم يوجد من يدفنه من الكفار، فإن المسلم يواريه بأن يلقيه في حفرة منعًا للتضرر بجثته، ولإلقاء قتلى بدر في القليب، وهكذا يجب أن يكون موقف المسلم من الكافر حيًّا وميتًا، موقف التبرئ والبغضاء، وكذا حكم المرتد، كتارك الصلاة عمدًا، وصاحب البدعة المكفرة» (١).
٣ - إذا مات الميت وجب على طائفة من الناس أن يبادروا إلى غسله لقول النبي ﷺ للذي وقصته راحلته: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (٢)، وقول النبي ﷺ : «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ» (٣).
٤ - الغاسل مؤتمن على الميت، فيجب عليه أن يفعل ما يلزم في تغسيله وغيره.
٥ - الغاسل مؤتمن على الميت، فيجب عليه أن يستر ما رآه فيه من مكروه؛ لقول النبي ﷺ : «مَنْ غَسَّلَ مُسْلِمًا فَكَتَمَ عَلَيْهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ أَرْبَعِينَ مَرَّةً، وَمَنْ حَفَرَ لَهُ فَأَجَنَّهُ أَجْرَى عَلَيْهِ كَأَجْرِ مَسْكَنٍ أَسْكَنَهُ إِيَّاهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَفَّنَهُ كَسَاهُ
стр. 3770
اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سُنْدُسِ وَإِسْتَبْرَقِ الْجَنَّةِ» (١).
٦ - الغاسل مؤتمن على الميت، فلا ينبغي أن يمكن أحدًا من الحضور عنده إلا من يحتاج إليه لمساعدته في تقليب الميت، وصب الماء ونحوه.
٧ - لا يغسل الرجل المرأة إلا أن تكون زوجته، ولا المرأة الرجل إلا أن يكون زوجها، إلا من هو دون سبع سنين، فيغسله الرجل والمرأة سواء كان ذكرًا أم أنثى، لحديث عائشة ﵂: «لَوْ كُنْتُ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا غَسَّلَ النَّبِيَّ ﷺ غَيْرُ نِسَائِهِ» (٢). وقال النبي ﷺ لعائشة: «لَوْ مِتِّ قَبْلِي لَغَسَّلْتُكِ، وَكَفَّنْتُكِ» (٣)، وغسلت أسماء بنت عميس زوجها أبا بكر الصديق.
قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن المرأة تغسل الصبي الصغير؛ لأنه لا عورة له في الحياة، فكذا بعد الموت، ولأن إبراهيم ابن النبي ﷺ غسله
стр. 3771
النساء، وليس لامرأة غسل ابن سبع سنين فأكثر، ولا لرجل غسل ابنة سبع سنين فأكثر» (١).
٨ - «يستحب للغاسل إذا فرغ أن يغتسل كما يغتسل للجنابة، فإن لم يغتسل فلا حرج عليه» (٢)، لحديث ابن عمر ﵄: كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل، ومنا من لم يغتسل (٣).
٩ - «الأفضل أن يختار لتغسيل الميت ثقة عارف بأحكام التغسيل؛ لأنه حكم شرعي له صفة مخصوصة لا يتمكن من تطبيقها إلا عالم بها على الوجه الشرعي، لا سيما إذا كانوا من أهله وأقاربه؛ لأن الذين تولوا غسله ﷺ كانوا من أهله، كعلي ﵁ وغيره، وأولى الناس بغسله وصيه الذي أوصى أن يغسله، ثم أبوه، ثم جده، ثم الأقرب فالأقرب من عصباته، ثم ذوو أرحامه» (٤).
١٠ - شهيد المعركة لا يغسل، لأن النبي ﷺ : «أَمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ
стр. 3772
أَنْ يُدْفَنُوا فِي ثِيَابِهِم، وَلَمْ يُغَسَّلُوا، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ» (١). وكذلك لا يكفن ولا يصلى عليه بل يدفن بثيابه.
١١ - «السقط، وهو الولد يسقط من بطن أمه قبل تمامه ذكرًا كان أو أنثى إذا بلغ أربعة أشهر غسل، وكفن، وصلي عليه؛ لأنه بعد أربعة أشهر يكون إنسانًا.
١٢ - يشترط أن يكون الماء الذي يُغسل به الميت طهورًا مباحًا، وأن يغسل في مكان مستور، ولا ينبغي حضور من لا علاقة له بتغسيل الميت» (٢).
وقد وردت أحاديث في غسل الميت كثيرة، فمن ذلك ما رواه أبو داود في سننه من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: «لَمَّا أَرَادُوا غَسْلَ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ ثِيَابِهِ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا، أَمْ نَغْسِلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ؟ فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّوْمَ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَذَقْنُهُ فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ: أَنْ اغْسِلُوا النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ، فَقَامُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَغَسَلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ، يَصُبُّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ وَيُدَلِّكُونَهُ بِالْقَمِيصِ دُونَ أَيْدِيهِمْ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ
بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا]» (١).
«وأما صفة تغسيل الميت فهي كالآتي:
يكون التغسيل في مكان مستور عن الأنظار، ومسقوف من بيت أو خيمة ونحوها إن أمكن.
يُستر ما بين سرة الميت وركبته وجوبًا قبل التغسيل، ثم يجرد من ثيابه، ويوضع على سرير الغسل منحدرًا نحو رجليه، لينصب عنه الماء وما يخرج منه.
ويكون التغسيل: بأن يرفع الغاسل رأس الميت إلى قرب جلوسه، ثم يمر على بطنه ويعصره برفق؛ ليخرج منه ما هو مستعد للخروج، ويُكثرُ صَبَّ الماء حينئذ؛ ليذهب بالخارج، ثم يلف الغاسل على يده خرقة خشنة؛ فينجي الميت، وينقي المخرج بالماء.
ثم ينوي التغسيل، ويسمي، ويوضئه كوضوء الصلاة، إلا في المضمضة والاستنشاق، فيكفي عنهما مسح الغاسل أسنان الميت ومنخريه بأُصبعيه مبلولتين أو عليهما خرقة مبلولة بالماء، ولا يدخل الماء فمه ولا أنفه، ثم يغسل رأسه ولحيته برغوة سدر أو صابون.
стр. 3775
* ثم يغسل ميامن جسده، وهي: صفحة عنقه اليمنى، ثم يده اليمنى وكتفه، ثم شِقَّ صدره الأيمن وجنبه الأيمن وفخذه الأيمن وساقه وقدمه الميامن، ثم يقلبه على جنبه الأيسر، فيغسل شق ظهره الأيمن، ثم يغسل جانبه الأيسر كذلك، ثم يقلبه على جنبه الأيمن، فيغسل شق ظهره الأيسر، ويستعمل السدر مع الغسل أو الصابون، ويُستحب أن يلف على يده خرقة حال التغسيل.
* والواجب غسلة واحدة إن حصل الإنقاء، والمستحب ثلاث غسلات، وإن لم يحصل الإنقاء زاد في الغسلات حتى ينقي إلى سبع غسلات، ويستحب أن يجعل في الغسلة الأخيرة كافورًا؛ لأنه يُصلِّب بدن الميت، ويطيبه، ويبرده، فلأجل ذلك يُجعل في الغسلة الأخيرة؛ ليبقى أثره.
* ثم ينشف الميت بثوب ونحوه، ويقص شاربه، وتقلم أظفاره إن طالت، ويؤخذ شعر إبطيه، ويُجعل المأخوذ معه في الكفن، ويُضفر شعر رأس المرأة ثلاثة قرون، ويسدل من ورائها.
* وأما إذا تعذر غسل الميت لعدم الماء، أو خيف تقطعه بالغسل، كالمجذوم والمحترق، أو كان الميت امرأة مع رجال ليس فيهم زوجها، أو رجلًا مع نساء ليس فيهم
стр. 3776
زوجته، فإن الميت في هذه الأحوال يُيمم بالتراب، بمسح وجهه وكفيه من وراء حائل على يد الماسح، وإن تعذر غسل بعض الميت، غُسل ما أمكن غسله منه، ويمم عن الباقي» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3777
الكلمة الرابعة والستون
تكفين الميت وأحكامه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
١ - بعد الفراغ من غسل الميت، يجب تكفينه لأمر النبي ﷺ بذلك للمحرم الذي وقصته الناقة، فقال: «كَفِّنُوهُ» (١)، وهو فرض كفاية إذا فعله من فيه كفاية سقط الإثم عن الباقين.
٢ - معرفة الفضل والأجر العظيم لمن تولى تكفين الميت المسلم، لحديث أبي رافع وفيه: «مَنْ كَفَّنَ مَيِّتًا كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ سُنْدُسِ وَإِسْتَبْرَقِ الْجَنَّةِ» (٢).
٣ - الكفن أو ثمنه من مال الميت، ولو لم يخلف غيره، لحديث خباب بن الأرت قال: هاجرنا مع رسول الله ﷺ نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير قُتل يوم أحد،
стр. 3778
فلم يوجد له شيء، وفي رواية: ولم يترك إلا نمرة، فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه، فقال رسول الله ﷺ : «ضَعُوهَا مِمَّا يَلِي رَأْسَهُ -وفي رواية: غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ الإِذْخِرَ (١)»، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها- أي يجتنيها (٢).
٤ - يكفن المحرم في ثوبيه الذي مات فيهما ولا يغطى رأسه ولا وجهه، ولا يطيب؛ لحديث ابن عباس ﵄ في الذي وقصته راحلته: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» (٣). وفي لفظ مسلم: «وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا وَجْهَهُ» (٤).
٥ - وينبغي أن يكون الكفن طائلاً سابغًا يستر جميع بدنه لحديث جابر بن عبد الله ﵁: أن النبي ﷺ قام خطيب يومًا، فذكر رجلًا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير
стр. 3779
طائل، وقُبر ليلًا، فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل حتى يُصلى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، وقال النبي ﷺ : «إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ» (١). قال العلماء: والمراد بإحسان الكفن نظافته وكثافته وستره وتوسطه، وليس المراد به السرف فيه والمغالاة ونفاسته.
٦ - فإن ضاق الكفن عن ذلك ولم يتيسر السابغ، ستر به رأسه، وما طال من جسده، وما بقي منه مكشوفًا جعل عليه شيء من الإذخر أو غيره من الحشيش. وفيه حديثان:
الأول: عن خباب بن الأرت في قصة مصعب، وقوله ﷺ في نمرته: «ضَعُوهَا مِمَّا يَلِي رَأْسَهُ -وفي رواية: غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ الإِذْخِرَ» (٢).
الثاني: عن حارثة بن مضرب قال: «دَخَلْتُ عَلَى خَبَّابٍ وَقَدِ اكْتَوَى فِي بَطْنِهِ سَبْعًا، فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ»، لَتَمَنَّيْتُهُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا أَمْلِكُ دِرْهَمًا، وَإِنَّ فِي جَانِبِ بَيْتِي الآنَ لَأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، قَالَ: ثُمَّ أُتِيَ بِكَفَنِهِ فَلَمَّا رَأَىهُ بَكَى وَقَالَ: لَكِنَّ حَمْزَةَ لَمْ يُوجَدْ لَهُ كَفَنٌ إِلَّا بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ،
стр. 3780
إِذَا جُعِلَتْ عَلَى قَدَمَيْهِ قَلَصَتْ عَنْ رَأْسِهِ، حَتَّى مُدَّتْ عَلَى رَأْسِهِ، وَجُعِلَ عَلَى قَدَمَيْهِ الإِذْخِرُ» (١).
٧ - وإذا قَلَّت الأكفان وكثرت الموتى، جاز تكفين الجماعة منهم في الكفن الواحد ويقدم أكثرهم قرآنًا إلى القبلة لحديث أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ أتى على حمزة بن عبد المطلب فوقف عليه فرآه قد مثل به، فقال: «لَوْلَا أَنْ تَجِدَ صَفِيَّةُ فِي نَفْسِهَا لَتَرَكْتُهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الْعَافِيَةُ (٢)
-وقال زيد بن الحباب: تَأْكُلَهُ العَاهَةُ - حَتَّى يُحْشَرَ مِنْ بُطُونِهَا»، ثم قال: دعا بنمرة فكفنه فيها، قال: وكانت إذا مدت على رأسه بدت قدماه، وإذا مدت على قدميه بدا رأسه، قال: فكثر القتلى وقلت الثياب، قال: فكان يكفن أو يكفن الرجلين - شك صفوان - والثلاثة في الثوب الواحد، قال: وكان رسول الله ﷺ يسأل عن أكثرهم قرآنًا فيقدمه إلى القبلة، قال: فدفنهم رسول الله ﷺ ولم يصل عليهم، وقال زيد ابن الحباب: «فكان الرجل والرجلان والثلاثة يكفنون في ثوب واحد» (٣).
стр. 3781
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «معنى الحديث أنه كان يقسم الثوب الواحد بين الجماعة، فيكفن كل واحد ببعضه للضرورة، وإن لم يستر إلا بعض بدنه، يدل عليه تمام الحديث أنه كان يسألُ عن أكثرهم قرآنًا فيقدمه في اللحد، فلو أنهم في ثوب واحد جملة لسأل عن أفضلهم قبل ذلك كي لا يؤدي إلى نقص التكفين وإعادته» (١). أهـ
٨ - لا يجوز نزع ثياب الشهيد التي قُتل فيها، بل يدفن وهي عليه، لقول النبي ﷺ في قتلى أحد: «زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ» (٢).
٩ - يستحب تكفينه بثوب واحد أو أكثر فوق ثيابه كما فعل رسول الله ﷺ بمصعب بن عمير وحمزة بن عبد المطلب ﵄.
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث الزبير بن العوام قال: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ تَسْعَى، حَتَّى إِذَا كَادَتْ أَنْ تُشْرِفَ عَلَى الْقَتْلَى، قَالَ: فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَرَاهُمْ، فَقَالَ: «الْمَرْأَةَ الْمَرْأَةَ»، قَالَ الزُّبَيْرُ: فَتَوَسَّمْتُ أَنَّهَا أُمِّي صَفِيَّةُ، قَالَ: فَخَرَجْتُ أَسْعَى إِلَيْهَا، فَأَدْرَكْتُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِيَ إِلَى الْقَتْلَى، قَالَ: فَلَدَمَتْ فِي صَدْرِي، وَكَانَتِ
٣ - أن يكون أحدها ثوب حبرة إذا تيسّر، لقوله ﷺ : «إِذَا تُوُفِّيَ أَحَدُكُمْ فَوَجَدَ شَيْئًا فَلْيُكَفَّنْ فِي ثَوْبٍ حِبَرَةٍ (١)» (٢).
قال الشيخ الألباني ﵀: «واعلم أنه لا تعارض بين هذا الحديث، وبين الحديث الأول في البياض: «وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ»، لإمكان التوفيق بينهما يوجه من وجوه الجمع الكثيرة المعلومة عند العلماء، ويخطر في بالي الآن وجهان:
الأول: أن تكون الحبرة بيضاء مخططة، ويكون الغالب عليها البياض، فحينئذ يشملها الحديث الأول باعتبار أن العبرة في كل شيء بالغالب عليه، وهذا إذا كان الكفن ثوبًا واحدًا، وأما إذا كان أكثر فالجمع أيسر، وهو الوجه الآتي: أن يجعل كفن واحد حبرة وما بقي أبيض، وبذلك يعمل بالحديثين معًا» (٣).
٤ - تبخيره ثلاثًا لقوله ﷺ : «إِذَا أَجْمَرْتُمُ الْمَيِّتَ، فَأَجْمِرُوهُ ثَلَاثًا» (٤).
стр. 3784
وهذا الحكم لا يشمل المحرم.
٥ - لا يجوز المغالاة في الكفن، ولا الزيادة فيه على الثلاثة؛ لأنه خلاف ما كفن فيه رسول الله ﷺ ، وفيه إضاعة للمال، ولا سيما والحي أولى به، قال أبو بكر الصديق ﵁: «إن الحي أحق بالجديد- لما قيل له عند تعيينه لثوب من أثوابه في كفنه: إن هذا خَلق» (٢)(٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3785
الكلمة الخامسة والستون
حمل الجنازة واتباعها، والمسائل المتعلقة بذلك
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
حمل الجنازة واتباعها فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وهو من حقوق المسلم على المسلم، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ»، قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ» (١).
وروى البخاري ومسلم من حديث البراء بن عازب ﵁: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَنَصْرِ