← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «معنى الحديث أنه كان يقسم الثوب الواحد بين الجماعة، فيكفن كل واحد ببعضه للضرورة، وإن لم يستر إلا بعض بدنه، يدل عليه تمام الحديث أنه كان يسألُ عن أكثرهم قرآنًا فيقدمه في اللحد، فلو أنهم في ثوب واحد جملة لسأل عن أفضلهم قبل ذلك كي لا يؤدي إلى نقص التكفين وإعادته» (١). أهـ ٨ - لا يجوز نزع ثياب الشهيد التي قُتل فيها، بل يدفن وهي عليه، لقول النبي ﷺ في قتلى أحد: «زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ» (٢). ٩ - يستحب تكفينه بثوب واحد أو أكثر فوق ثيابه كما فعل رسول الله ﷺ بمصعب بن عمير وحمزة بن عبد المطلب ﵄. وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث الزبير بن العوام قال: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ تَسْعَى، حَتَّى إِذَا كَادَتْ أَنْ تُشْرِفَ عَلَى الْقَتْلَى، قَالَ: فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَرَاهُمْ، فَقَالَ: «الْمَرْأَةَ الْمَرْأَةَ»، قَالَ الزُّبَيْرُ: فَتَوَسَّمْتُ أَنَّهَا أُمِّي صَفِيَّةُ، قَالَ: فَخَرَجْتُ أَسْعَى إِلَيْهَا، فَأَدْرَكْتُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِيَ إِلَى الْقَتْلَى، قَالَ: فَلَدَمَتْ فِي صَدْرِي، وَكَانَتِ

стр. 3782

امْرَأَةً جَلْدَةً، قَالَتْ: إِلَيْكَ لَا أَرْضَ لَكَ، قَالَ: فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَزَمَ عَلَيْكِ، قَالَ: فَوَقَفَتْ وَأَخْرَجَتْ ثَوْبَيْنِ مَعَهَا، فَقَالَتْ: هَذَانِ ثَوْبَانِ جِئْتُ بِهِمَا لِأَخِي حَمْزَةَ، فَقَدْ بَلَغَنِي مَقْتَلُهُ فَكَفِّنُوهُ فِيهِمَا، قَالَ: فَجِئْنَا بِالثَّوْبَيْنِ لِنُكَفِّنَ فِيهِمَا حَمْزَةَ، فَإِذَا إِلَى جَنْبِهِ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ قَتِيلٌ، قَدْ فُعِلَ بِهِ كَمَا فُعِلَ بِحَمْزَةَ، قَالَ: فَوَجَدْنَا غَضَاضَةً وَحَيَاءً أَنْ نُكَفِّنَ حَمْزَةَ فِي ثَوْبَيْنِ، وَالأَنْصَارِيُّ لَا كَفَنَ لَهُ، فَقُلْنَا: لِحَمْزَةَ ثَوْبٌ، وَلِلْأَنْصَارِيِّ ثَوْبٌ، فَقَدَرْنَاهُمَا فَكَانَ أَحَدُهُمَا أَكْبَرَ مِنَ الآخَرِ، فَأَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا فَكَفَّنَّا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الثَّوْبِ الَّذِي طَارَ لَهُ» (١). يستحب في الكفن أمور: ١ - البياض: لقوله ﷺ : «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» (٢). ٢ - كونه ثلاثة أثواب لحديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كُفن في ثلاثة أثواب يمانية بيض سحولية من كرسف (٣)، ليس فيهن قميص ولا عمامة] أُدرج فيها إدراجًا [(٤).

стр. 3783

٣ - أن يكون أحدها ثوب حبرة إذا تيسّر، لقوله ﷺ : «إِذَا تُوُفِّيَ أَحَدُكُمْ فَوَجَدَ شَيْئًا فَلْيُكَفَّنْ فِي ثَوْبٍ حِبَرَةٍ (١)» (٢). قال الشيخ الألباني ﵀: «واعلم أنه لا تعارض بين هذا الحديث، وبين الحديث الأول في البياض: «وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ»، لإمكان التوفيق بينهما يوجه من وجوه الجمع الكثيرة المعلومة عند العلماء، ويخطر في بالي الآن وجهان: الأول: أن تكون الحبرة بيضاء مخططة، ويكون الغالب عليها البياض، فحينئذ يشملها الحديث الأول باعتبار أن العبرة في كل شيء بالغالب عليه، وهذا إذا كان الكفن ثوبًا واحدًا، وأما إذا كان أكثر فالجمع أيسر، وهو الوجه الآتي: أن يجعل كفن واحد حبرة وما بقي أبيض، وبذلك يعمل بالحديثين معًا» (٣). ٤ - تبخيره ثلاثًا لقوله ﷺ : «إِذَا أَجْمَرْتُمُ الْمَيِّتَ، فَأَجْمِرُوهُ ثَلَاثًا» (٤).

стр. 3784

وهذا الحكم لا يشمل المحرم. ٥ - لا يجوز المغالاة في الكفن، ولا الزيادة فيه على الثلاثة؛ لأنه خلاف ما كفن فيه رسول الله ﷺ ، وفيه إضاعة للمال، ولا سيما والحي أولى به، قال أبو بكر الصديق ﵁: «إن الحي أحق بالجديد- لما قيل له عند تعيينه لثوب من أثوابه في كفنه: إن هذا خَلق» (٢) (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3785

الكلمة الخامسة والستون حمل الجنازة واتباعها، والمسائل المتعلقة بذلك الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. حمل الجنازة واتباعها فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وهو من حقوق المسلم على المسلم، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ»، قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ» (١). وروى البخاري ومسلم من حديث البراء بن عازب ﵁: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَنَصْرِ

стр. 3786

الْمَظْلُومِ، وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ، وَرَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ» (١). واتباع الجنائز على أمرين، وكل منهما فعل رسول اللَّه ﷺ : ١ - يصلي عليها ثم ينصرف، وله قيراط من الأجر لحديث أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِبِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ» (٢). ٢ - يتبعها إلى القبر ثم يقف حتى تُدفن وله قيراطان، للحديث السابق. ٣ - الفضل العظيم الوارد في اتباع الجنازة، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا

стр. 3787

اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (١). وهذا الفضل في اتباع الجنائز إنما هو للرجال دون النساء لنهي النبي ﷺ لهن عن اتباعها، وهو نهي تنزيه، فقد قالت أم عطية?: «كُنَّا نُنْهَى عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» (٢). أما الصلاة على الميت فإنها مشروعة لهن كالرجال (٣). ٤ - «يستحب للماشي مع الجنازة أن يكون مشتغلاً بذكر الله تعالى، والفكر فيما يلقاه الميت وما يكون مصيره، وحاصل ما كان فيه، وأن هذا آخر الدنيا ومصير أهلها، وليحذر كل الحذر من الحديث بما لا فائدة فيه، فإن هذا وقت فكر وذكر، تقبح فيه الغفلة واللهو والاشتغال بالحديث الفارغ، فإن الكلام بما لا فائدة فيه منهي عنه في جميع الأحوال، فكيف في هذا الحال؟» (٤). ٥ - ولا يجوز أن نتبع الجنائز بما يخالف الشريعة، قال الشيخ الألباني ﵀: «وقد جاء النص فيها على أمرين: رفع الصوت بالبكاء واتباعها بالبخور، وذلك في قوله ﷺ

стр. 3788

فيما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة قال: «لَا تُتْبَعُ الْجِنَازَةُ بِنَارٍ، وَلَا صَوْتٍ» (١). ويلحق بذلك رفع الصوت بالذكر أمام الجنازة لأنه بدعة، قال قيس بن عباد: «كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الجنائز» (٢)، ولأن فيه تشبهًا بالنصارى، فإنهم يرفعون أصواتهم بشيء من أناجيلهم وأذكارهم مع التمطيط والتلحين والتحزين، وأقبح من ذلك تشييعها بالعزف على الآلات الموسيقية أمامها عزفًا حزينًا كما يفعل في بعض البلاد الإسلامية تقليدًا للكفار، والله المستعان» (٣). قال النووي ﵀: «واعلم أن الصواب والمختار ما كان عليه السلف ﵃ من السكون في حال السير مع الجنازة، فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك. والحكمة فيه ظاهرة، وهي أنه أسكن لخاطره، وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة وهو المطلوب في هذا الحال، فهذا هو الحق، ولا تغترن بكثرة من يخالفه، فقد قال أبو علي الفضيل ابن عياض ﵀ ما معناه: «الزم طرق الهدى، ولا

стр. 3789

يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين». وقد روينا في سنن البيهقي ما يقتضي ما قلته، يشير إلى قول قيس بن عباد: وأما ما يفعله الجهلة من القُراء على الجنازة بدمشق وغيرها من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن موضعه فحرام بإجماع العلماء، وقد أوضحت قبحه وغلظ تحريمه وفسق من تمكن من إنكاره فلم ينكره في كتاب آداب القُراء والله المستعان» (١). ٦ - القيام للجنازة إذا مرت مشروع لما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ» (٢). وروى البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله قال: «مَرَّ بِنَا جَنَازَةٌ، فَقَامَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَقُمْنَا بِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الجِنَازَةَ فَقُومُوا» (٣). وفي رواية مسلم: «إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ» (٤) وفي رواية: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟» (٥). وهذه الأحاديث وغيرها تدل

стр. 3790

على مشروعية القيام للجنازة إذا مرت لمن كان قاعدًا لأمر النبي ﷺ ولفعله ﵊. وروى مسلم في صحيحه من حديث علي قال: «رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فَقُمْنَا، وَقَعَدَ فَقَعَدْنَا - يَعْنِي فِي الْجَنَازَةِ» (١). قال النووي بعد ما ذكر خلاف العلماء: «فيكون الأمر للندب والقعود بيانًا للجواز، ولا يصح دعوى النسخ في مثل هذا لأن النسخ إنما يكون إذا تعذر الجمع بين الأحاديث- ولم يتعذر. والله أعلم (٢). ورجح الإمام ابن القيم ما ذهب إليه النووي في الجمع بين الأحاديث (٣)، ورجح بعضهم النسخ لما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث علي بن أبي طالب قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمَرَنَا بِالْقِيَامِ فِي الْجِنَازَةِ، ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَرَنَا بِالْجُلُوسِ» (٤). قال الشيخ عبدالعزيز بن باز ﵀: «السنة لمن تبع الجنازة ألا يجلس حتى توضع من أعناق الرجال على الأرض،

стр. 3791

وأما الانصراف فإن المشروع لمتبعها ألا ينصرف حتى توضع في القبر ويفرغ من دفنها، وهذا كله على سبيل الاستحباب» (١). ٧ - الإسراع بالجنازة من غير رمل مشروع، لما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» (٢). قال ابن القيم ﵀: «وأما دبيب الناس اليوم خطوة خطوة فبدعة مكروهة، مخالفة للسنة، ومتضمنة للتشبه بأهل الكتاب اليهود» (٣). قال الشيخ عبدالعزيز بن باز ﵀: «المقصود بالإسراع بالجنازة - المشي - ويدخل ضمنًا الصلاة عليها وتغسيلها، والسرعة في تجهيزها، وظاهر الحديث يعم الجميع من حيث المعنى» (٤). ٨ - يجوز المشي أمامها وخلفها، وعن يمينها ويسارها، على أن

стр. 3792

يكون قريبًا منها، إلا الراكب فيسير خلفها، لما رواه الإمام أحمد من حديث المغيرة بن شعبة قال: «الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ، وَالْمَاشِي يَمْشِي خَلْفَهَا، وَأَمَامَهَا، وَيَمِينِهَا، وَشِمَالَهَا قَرِيبًا، وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْعَافِيَةِ وَالرَّحْمَةِ» (١). والأفضل أن يكون المشي خلفها، لما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث علي أنه قال: «إِنَّ فَضْلَ الْمَشْيِ خَلْفَهَا عَلَى بَيْنِ يَدَيْهَا، كَفَضْلِ صَلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فِي جَمَاعَةٍ عَلَى الْوَحْدَةِ» (٢). ٩ - يجوز الركوب بشرط أن يسير وراءها لقوله ﷺ : «الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ» (٣). قال الشيخ الألباني ﵀: «لكن الأفضل المشي لأنه المعهود عنه ﷺ ولم يرد أنه ركب معها، بل قال ثوبان ﵁: إن رسول الله ﷺ أُتي بدابة وهو مع الجنازة فأبى أن يركبها، فلما انصرف أُتي بدابة فركب، فقيل له، فقال: «إِنَّ المَلَائِكَةَ كَانَتْ تَمْشِي فَلَمْ أَكُنْ لِأَرْكَبَ وَهُمْ يَمْشُونَ، فَلَمَّا ذَهَبُوا رَكِبْتُ» (٤).

стр. 3793

وأما الركوب بعد الانصراف عنها فجائز بدون كراهة، لما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن سمرة قال: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِفَرَسٍ مُعْرَوْرًى (١)، فَرَكِبَهُ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ جَنَازَةِ ابْنِ الدَّحْدَاحِ، وَنَحْنُ نَمْشِي حَوْلَهُ (٢)، وفي لفظ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ابْنِ الدَّحْدَاحِ، ثُمَّ أُتِيَ بِفَرَسٍ عُرْيٍ فَعَقَلَهُ رَجُلٌ فَرَكِبَهُ، فَجَعَلَ يَتَوَقَّصُ (٣) بِهِ وَنَحْنُ نَتَّبِعُهُ، نَسْعَى خَلْفَهُ، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُعَلَّقٍ -أَوْ مُدَلًّى- فِي الْجَنَّةِ لِابْنِ الدَّحْدَاحِ- أَوْ قَالَ شُعْبَةُ: لِأَبِي الدَّحْدَاحِ» (٤). ١٠ - السنة حمل الجنازة على الأعناق إذا تيسر ذلك، ويجوز حملها على السيارة لبعد المسافة أو الحر الشديد، أو ما أشبه ذلك، لأن حملها على السيارة أو غيرها يفوت الغاية من حملها وتشييعها، وهي تذكر بالآخرة كما في حديث رسول الله ﷺ : «وَاتَّبِعُوا الْجَنَائِزَ تُذَكِّرُكُمُ الآخِرَةَ» (٥). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «والأفضل حملها على الأكتاف

стр. 3794

لما في ذلك من المباشرة بحمل الجنازة، ولأنه إذا مرت الجنازة بالناس في الأسواق عرفوا أنها جنازة ودعوا لها، ولأنه أبعد عن الفخر والأبهة، إلا أن يكون هناك حاجة أو ضرورة، فلا بأس أن تحمل على سيارة، مثل أن تكون أوقات أمطار، أو حر شديد، أو برد شديد، أو قلة المشيعين» (١). ١١ - استحب بعض أهل العلم تغطية نعش المرأة بما يسمى بالمكبة، وهي عبارة عن خشب أو جريد مثل القبة، فوقها ثوب، تكون فوق السرير. قال ابن قدامة: «ويستحب أن يترك فوق سرير المرأة شيء من الخشب أو الجريد، مثل القبة، يترك فوقه ثوب ليكون أستر لها، وقد روى أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ أول من صُنع لها ذلك بأمرها». وعللوا ذلك بأنه أستر للمرأة. فقد روى أبو نعيم في حلية الأولياء، والبيهقي في السنن الكبرى من حديث أم جعفر بنت محمد بن جعفر أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: «يَا أَسْمَاءُ إِنِّي قَدِ اسْتَقْبَحْتُ مَا يُصْنَعُ بِالنِّسَاءِ، إِنَّهُ يُطْرَحُ عَلَى الْمَرْأَةِ الثَّوْبُ فَيَصِفُهَا، فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: يَا بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَلَا أُرِيكِ شَيْئًا رَأَيْتُهُ

стр. 3795

بِالْحَبَشَةِ؟ فَدَعَتْ بِجَرَائِدَ رَطْبَةٍ فَحَنَّتْهَا، ثُمَّ طَرَحَتْ عَلَيْهَا ثَوْبًا، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: مَا أَحْسَنَ هَذَا وَأَجْمَلَهُ تُعْرَفُ بِهِ الْمَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ، فَإِذَا مِتُّ أَنَا فَاغْسِلِينِي أَنْتِ وَعَلِيٌّ وَلَا يَدْخُل عَلَيَّ أَحَدٌ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ غَسَّلَهَا عَلِيٌّ، وَأَسْمَاءُ ﵄» (١). قال الشيخ الألباني ﵀: «فانظر إلى فاطمة بضعة النبي ﷺ كيف استقبحت أن يصف الثوب المرأة وهي ميتة، فلا شك أن وصفه إياها وهي حية أقبح وأقبح». أهـ والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3796

الكلمة السادسة والستون دفن الميت وأحكامه (١) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول االله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. «١ - يجب دفن الميت - أي مواراة جيفته في حفرة - بحيث لا تنبشه السباع، ولا تخرجه السيول المعتادة، ولا خلاف في ذلك، وهو ثابت في الشريعة ثبوتًا ضروريًا» (١)، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾ [عبس: ٢١]، حتى لو كان كافرًا، وفي ذلك حديثان: الأول: عن جماعة من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو طلحة الأنصاري والسياق له: «أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ أَمَرَ يَومَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ (٢) قُرَيْشٍ فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ (٣) مِنْ

стр. 3797

أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ» (١). الثاني: عن علي ﵁ قال: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ، قَالَ: «اذْهَبْ فَوَارِ أَبَاكَ، ثُمَّ لَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي»، فَذَهَبْتُ فَوَارَيْتُهُ وَجِئْتُهُ، فَأَمَرَنِي فَاغْتَسَلْتُ، وَدَعَا لِي (٢). ٢ - إذا ماتت المرأة الحامل والولد حي يتحرك، فإنه يجب إخراجه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]. «٣ - لا يدفن المسلم مع الكافر، ولا الكافر مع المسلم، بل يدفن المسلم في مقابر المسلمين، والكافر في مقابر المشركين، كذلك كان الأمر على عهد النبي ﷺ ، واستمر إلى عصرنا هذا، فكان هذا إجماعًا عمليًّا على إفراد مقابر المسلمين عن مقابر الكافرين. روى أبو داود في سننه من حديث بشير ابن الخصاصية قال: بَيْنَمَا أَنَا أُمَاشِي رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: «لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا»، ثُمَّ مَرَّ بِقُبُورِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ:

стр. 3798

«لَقَدْ أَدْرَكَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا» (١). فدل هذا على التفريق بين قبور المسلمين وقبور المشركين» (٢). «٤ - السنة الدفن في المقبرة؛ لأن النبي ﷺ كان يدفن الموتى في مقبرة البقيع كما تواترت الأخبار بذلك، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه دفن في غير المقبرة إلا ما تواتر أن النبي ﷺ دفن في حجرته وذلك من خصوصياته ﵊» (٣). ٥ - يدفن شهداء المعركة في مواطن استشهادهم ولا ينقلون إلى المقابر، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث جابر ابن عبد الله قال: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ لِيُقَاتِلَهُمْ، وَقَالَ لِي أَبِي عَبْدُ اللهِ: يَا جَابِرُ لَا عَلَيْكَ أَنْ تَكُونَ فِي نَظَّارِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ، حَتَّى تَعْلَمَ إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُنَا، فَإِنِّي واللهِ لَوْلَا أَنِّي أَتْرُكُ بَنَاتٍ لِي بَعْدِي لَأَحْبَبْتُ أَنْ تُقْتَلَ بَيْنَ يَدَيَّ، قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا فِي النَّظَّارِينَ، إِذْ جَاءَتْ عَمَّتِي بِأَبِي وَخَالِي عَادِلَتَهُمَا عَلَى نَاضِحٍ، فَدَخَلَتْ بِهِمَا الْمَدِينَةَ لِتَدْفِنَهُمَا فِي مَقَابِرِنَا، إِذْ لَحِقَ رَجُلٌ يُنَادِي:

стр. 3799

أَلَا إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَرْجِعُوا بِالْقَتْلَى، فَتَدْفِنُوهَا فِي مَصَارِعِهَا حَيْثُ قُتِلَتْ، فَرَجَعْنَا بِهِمَا فَدَفَنَّاهُمَا حَيْثُ قُتِلَا» (١). ٦ - لا يدفن الميت في الأوقات الثلاث المضيقة، أو الليل إلا لضرورة، روى مسلم في صحيحه من حديث عقبة ابن عامر قال: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ (٢) حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» (٣). وأما الليل، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث جابر ابن عبد الله: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ، فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ، وَقُبِرَ لَيْلًا، فَزَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ» (٤). ولذا اختلف العلماء، فمنهم من قال بالجواز مطلقًا،

стр. 3800

ومنهم من قال أنه مكروه، وذهب ابن حزم إلى التحريم. قال الإمام أحمد: لا بأس بذلك، وقال: أبو بكر دفن ليلًا، وعلي دفن فاطمة ليلًا، وحديث عائشة ﵂: سمعنا صوت المساحي من آخر الليل في دفن النبي ﷺ ، وممن دُفن ليلًا عثمان وعائشة وابن مسعود .. وغيرهم. قال النووي: «المقصود تعمد تأخير الدفن إلى هذه الأوقات، فأما إذا وقع الدفن في هذه الأوقات بلا تعمد فلا يكره» (١). قال ابن القيم ﵀: «والذي ينبغي أن يقال في ذلك والله أعلم، أنه متى كان الدفن ليلًا لا يفوت به شيء من حقوق الميت، والصلاة عليه، فلا بأس به، وعليه تدل أحاديث الجواز، وإن كان يفوت بذلك حقوقه والصلاة عليه وتمام القيام عليه، نُهي عن ذلك، وعليه يدل الزجر. وبالله التوفيق» (٢) (٣). ٧ - لا حرج في دفن الاثنين أو أكثر في قبر واحد عند الضرورة، ويقدم أفضلهم، وفي ذلك أحاديث منها: ما رواه البخاري في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ

стр. 3801

وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ»، فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ» (١). وهذا يدل على فضل حامل القرآن على غيره. ٨ - جمع الأقارب في مقبرة واحدة حسن لما رواه أبو داود في سننه من حديث المطلب قال: لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، أُخْرِجَ بِجَنَازَتِهِ فَدُفِنَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْه -قَالَ كَثِيرٌ: قَالَ الْمُطَّلِبُ: قَالَ الَّذِي يُخْبِرُنِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ ذِرَاعَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، حِينَ حَسَرَ عَنْهُمَا، ثُمَّ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقَالَ: «أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي» (٢). قال ابن قدامة ﵀: «وجمع الأقارب في الدفن حسن لقول النبي ﷺ لعثمان بن مظعون: «أدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي» (٣). ولأن ذلك أسهل لزيارتهم وأكثر للترحم عليهم (٤). ٩ - تعميق القبر وتوسيعه، ويجب إعماق القبر وتوسيعه، وفيه

стр. 3802

حديثان: الأول: رواه أبو داود في سننه من حديث هشام بن عامر قال: جَاءَتِ الأَنْصَارُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالُوا: أَصَابَنَا قَرْحٌ وَجَهْدٌ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا، قَالَ: «احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا، وَاجْعَلُوا الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي الْقَبْرِ»، قِيلَ: فَأَيُّهُمْ يُقَدَّمُ؟ قَالَ: «أَكْثَرُهُمْ قُرْآنًا»، قَالَ: أُصِيبَ أَبِي يَوْمَئِذٍ عَامِرٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ- أَوْ قَالَ: وَاحِدٌ (١). الثاني: عن رجل من الأنصار قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَأَنَا غُلامٌ مَعَ أَبِي، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى حُفَيْرَةِ الْقَبْرِ، فَجَعَلَ يُوصِي الْحَافِرَ وَيَقُولُ: «أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ الرَّأْسِ، وَأَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ الرِّجْلَيْنِ، لَرُبَّ عَذْقٍ لَهُ فِي الْجَنَّةِ» (٢). واستحسن الشافعي وغيره أن يكون عمقه قدر قامة، وقال أحمد يعمق إلى الصدر، ورأى عمر بن عبدالعزيز أن يكون حفر القبر إلى السرة، وهي متقاربة (٣). وجاء في فتوى اللجنة الدائمة: يعمق تعميقًا يمنع خروج الريح،

стр. 3803

وحفر السباع له (١). يجوز في القبر اللحد والشق، لجريان العمل عليهما في عهد النبي ﷺ ، ولكن الأول أفضل، وفي ذلك أحاديث: الأول: روى ابن ماجه في سننه من حديث أنس بن مالك قال: لما توفي النبي ﷺ كان بالمدينة رجل يلحد وآخر يضرح (٢)، فقالوا: نستخير ربنا ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه، فأُرسل إليهما، فسبق صاحب اللحد، فلحدوا للنبي ﷺ (٣). الثاني: روى أبو داود في سننه من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» (٤). «واللحد في القبر: هو أن يحفر في الأرض الصلبة إلى أسفل طولًا، ثم يميل الحافر بالحفر إلى جانبه الذي من جهة القبلة ليوضع الميت في الحفر الجانبي مستقبلاً القبلة، ولا يتيسر ذلك إلا في الأرض الصلبة أو المتماسكة، والشق هو: أن يحفر القبر في الأرض طولًا فقط ليوضع الميت في ذلك طولًا، ويكون

стр. 3804

ذلك في الأرض الرخوة غير المتماسكة، كالأرض الرملية» (١). فهذه الأحاديث وغيرها تدل على أن اللحد أفضل من الشق؛ لأن الله اختاره لنبيه، والشق جائز عند الحاجة إليه، كأن تكون الأرض رخوة (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3805

الكلمة السابعة والستون دفن الميت وأحكامه (٢) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. فاستكمالاً للحديث عن أحكام دفن الميت الذي ورد في الكلمة السابقة، فمن ذلك: ١ - «أن الذي يتولى إنزال الميت الرجال، ولو كان المتوفى أنثى لأنه المعهود في عهد النبي ﷺ ، وجرى عليه عمل المسلمين حتى اليوم؛ ولأنهم الأقوى على ذلك، روى البيهقي في سننه من حديث عبدالرحمن بن أبزى أن عمر بن الخطاب ﵁ -كبر على زينب بنت جحش أربعًا، ثم أرسل إلى أزواج النبي ﷺ من يدخلها قبرها؟ وكان عمر يعجبه أن يدخلها قبرها، فأرسلن إليه ﵁ -ن يدخلها قبرها من كان يراها في حياتها، قال: صدقن (١).

стр. 3806

ولأن النساء لو تولت إنزال الميت لأفضى ذلك إلى انكشاف شيء من أبدانهن أمام الأجانب، وهو غير جائز» (١). ٢ - يُغطى قبر المرأة عند إدخالها في القبر لئلا يظهر ولا يبرز من معالم جسدها شيء، قال ابن قدامة: «لا نعلم في استحباب هذا بين أهل العلم خلافًا، ثم قال -بعد أن ذكر بعض الآثار في ذلك: لأن المرأة عورة، ولا يؤمن أن يبدو منها شيء فيراه الحاضرون» (٢). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «أن هذا مما فعله السلف واستحبه العلماء ﵏؛ لأن هذا أستر لها، ولئلا تبرز معالم جسمها، ولكن هذا ليس بواجب، ويكون هذا التخمير أو التسجية إلى أن يصف اللبن عليها» (٣). ٣ - أولياء الميت أحق بإنزاله: لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال:٧٥]، ولحديث علي ﵁ -قال: «غَسَّلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ مَا يَكُونُ مِنَ الْمَيِّتِ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَكَانَ طَيِّبًا حَيًّا وَمَيِّتًا»، وولي دفنه وإجنانه (٤) دون

стр. 3807

الناس أربعة: علي، والعباس، والفضل، وصالح مولى رسول الله ﷺ ، ولُحِد لرسول الله لحدًا، ونصب عليه اللبن نصبًا (١). وروى أبو داود في سننه من حديث عامر قال: «غَسَّلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلِيٌّ، وَالْفَضْلُ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَهُمْ أَدْخَلُوهُ قَبْرَهُ». قال: حدثنا مرحب - أو أبو مرحب- أنهم أدخلوا معهم عبدالرحمن بن عوف، فلما فرغ علي قال: «إِنَّمَا يَلِي الرَّجُلَ أَهْلُهُ» (٢). ٤ - يجوز للزوج أن يتولى بنفسه دفن زوجته، لما روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة ﵂ قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ في اليوم الذي بُدئ فيه، فقلت: وارأساه، فقال: «وَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ، فَهَيَّأْتُكِ وَدَفَنْتُكِ»، قالت: فقلت -غيرى: كأني بك في ذلك اليوم عروسًا ببعض نسائك، قال: «وَأَنَا وَارَأْسَاهْ! ادْعُوا لِي أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ لِأَبِي بَكْرٍ كِتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ، وَيَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ: أَنَا أَوْلَى، وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ» (٣). لكن ذلك مشروط بما إذا كان لم يطأ تلك الليلة

стр. 3808

وإلا لم يشرع له دفنها وكان غيره هو الأولى بدفنها، ولو كان أجنبيًا لحديث أنس ﵁ قال: شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ عَلَى القَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟» فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا، قَالَ: «فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا»، فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا فَقَبَرَهَا (١). قال الحافظ ابن حجر ﵀: «في الحديث إيثار البعيد العهد عن الملاذ في مواراة الميت - ولو كان امرأة - على الأب والزوج، وقيل: إنما آثره بذلك لأنها كانت صنعته وفيه نظر، فإن ظاهر السياق أنه اختاره ﷺ لذلك لكونه لم يقع منه في تلك الليلة جماع» (٢). ٥ - السُنة إدخال الميت من مؤخر القبر، لحديث أبي إسحاق قال: «أَوْصَى الْحَارِثُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْقَبْرَ مِنْ قِبَلِ رِجْلِي الْقَبْرِ وَقَالَ: هَذَا مِنَ السُّنَّةِ» (٣). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن سيرين قال: «كُنْتُ مَعَ أَنَسٍ فِي جِنَازَةٍ، فَأَمَرَ بِالْمَيِّتِ فَسُلَّ مِنْ قِبَلِ رِجْلَ

стр. 3809

الْقَبْرِ» (١). ٦ - يقول عند إدخال الميت القبر: «بسم الله، وعلى ملة رسول الله» والدليل حديث ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا وضع الميت في القبر قال - وفي لفظ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ فِي الْقُبُورِ فَقُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» (٢). وفي رواية: «مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» (٣). ٧ - أن يجعل الميت في قبره على جنبه اليمين، ووجهه قبالة القبلة، ورأسه إلى يمين القبلة، ورجلاه إلى يسارها، وعلى هذا جرى عمل أهل الإسلام من عهد رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، وهكذا كل مقبرة على ظهر الأرض (٤)، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: « ... الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» (٥). ٨ - تُحَلُّ عن الميت العقد إذا وضع الميت داخل القبر على

стр. 3810

جنبه الأيمن، قال ابن قدامة ﵀: «وأما حل العقد من عند رأسه ورجليه، فمستحب، لأن عقدها كان للخوف من انتشارها، وقد أُمن ذلك بدفنه» (١). وقال الشيخ عبدالعزيز بن باز ﵀ في حل العقد عن الميت في القبر: «هذا هو الأفضل لفعل الصحابة» (٢). ٩ - يستحب لمن عند القبر أن يحثو من التراب ثلاث حثيات بيديه جميعًا بعد الفراغ من سد اللحد، لحديث أبي هريرة ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، ثُمَّ أَتَى قَبْرَ الْمَيِّتِ، فَحَثَى عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا» (٣). قال النووي: «السنة لمن كان على القبر أن يحثو في القبر ثلاث حثيات بيديه جميعًا من قبل رأسه» (٤). وقال الشيخ عبدالعزيز بن باز ﵀: «وهذا يدل على أنه يستحب لمن حضر الدفن أن يشارك مع الناس ولو بثلاث حثيات» (٥).

стр. 3811

١٠ - يسن بعد الفراغ من دفنه أمور: الأول: أن يرفع القبر عن الأرض قليلاً نحو شبر، ولا يُسوى بالأرض، وذلك ليتميز فيصان ولا يهان، لحديث جابر ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُلْحِدَ لَهُ لَحْدٌ، وَنُصِبَ عَلَيْهِ اللَّبِنُ نَصَبًا، وَرُفِعَ قَبْرُهُ مِنَ الأَرْضِ نَحْوًا مِنْ شِبْرٍ» (١). قال الشافعي ﵀: «وأحب أن لا يُزاد في القبر تراب من غيره؛ لأنه إذا زيد ارتفع جدًّا، وإنما أحب أن يشخص على وجه الأرض شبرًا أو نحوه» (٢). الثاني: أن يجعل مسنمًا لحديث سفيان التمار أنه رأى قبر النبي ﷺ مسنمًا (٣). الثالث: أن يعلمه بحجر أو نحوه ليدفن إليه من يموت من أهله، لحديث المطلب - وهو ابن عبد الله بن المطلب بن حنطب ﵁ - قال: لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، أُخْرِجَ بِجَنَازَتِهِ فَدُفِنَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، قَالَ الْمُطَّلِبُ: قَالَ الَّذِي يُخْبِرُنِي ذَلِكَ عَنْ

стр. 3812

رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ ذِرَاعَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ حَسَرَ عَنْهُمَا ثُمَّ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ وَقَالَ: «أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي» (١). قال الشيخ عبدالعزيز بن باز ﵀: «لا بأس بوضع علامة على القبر ليعرف، كحجر، أو عظم، أو حديد، من غير كتابة ولا أرقام، لأن الأرقام كتابة، وقد صح النهي عن النبي ﷺ عن الكتابة على القبر، أما وضع حجر على القبر أو صبغ الحجر بالأسود أو الأصفر حتى يكون علامة على صاحبه فلا يضر» (٢). ١١ - توضع على القبر الحصباء لحديث القاسم قال: «دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: يَا أُمَّهِ اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ، فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ لَا مُشْرِفَةٍ، وَلَا لَاطِئَةٍ، مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ [اللؤلؤي]: يُقَالُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مُقَدَّمٌ وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَعُمَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، رَأْسُهُ عِنْدَ رِجْلَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ » (٣).

стр. 3813

والبطحاء في هذا الحديث هو الحصى الصغار (١)، وقوله: «ولا لاطئة، يقال: لطئ بالأرض إذا لزق» (٢)، قال ابن قدامة: والمشرف ما رفع كثيرًا (٣)، وقال أيضًا: ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر ليعلم أنه قبر فيتوقى ويترحم على صاحبه (٤). وقد وردت آثار تدل على وضع الحصباء على القبور، فقد روى البيهقي في سننه من حديث جعفر بن محمد عن أبيه: أن النبي ﷺ رش على قبر إبراهيم ابنه الماء ووضع عليه حصباء (٥)، وغيرها من الآثار، قال النووي ﵀: «ويستحب أن يوضع على القبر حصباء وهو الحصى الصغار (٦). رش القبر بالماء بعد الانتهاء من أعمال الدفن، قال ابن

стр. 3814

قدامة: «ويستحب أن يرش على القبر ماء، ليلتزق ترابه (١). وقد ورد حديث جعفر بن محمد السابق، وذكر ابن أبي شيبة آثار أخرى، قال الشيخ عبدالعزيز بن باز في حكم وضع الحصباء على القبر ورشه بالماء: «هذا مستحب إذا تيسر ذلك لأنه يثبت التراب ويحفظه، ويروى أنه وضع على قبر النبي ﷺ بطحاء، ويستحب أن يرش بالماء حتى يثبت ويبقى القبر واضحًا معلومًا حتى لا يمتهن» (٢). وقال الشيخ ابن عثيمن ﵀: «لا بأس أن يُرش القبر؛ لأن الماء يمسك التراب فلا يذهب يمينًا ويسارًا» (٣) (٤). ١٣ - يجوز إخراج الميت من القبر لغرض صحيح، كما لو دفن قبل غسله وتكفينه ونحو ذلك، لما رواه البخاري في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله قال: «أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَمَا أُدْخِلَ حُفْرَتُهُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ،] وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا» (٥).

стр. 3815

ولا يستحب للرجل أن يحفر قبره قبل أن يموت، فإن النبي ﷺ لم يفعل ذلك هو ولا أصحابه، والعبد لا يدري أين يموت، وإذا كان مقصود الرجل الاستعداد للموت، فهذا يكون بالعمل الصالح (١). سُئلت اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية عن طريقة دفن الميت باختصار؟ فكانت الإجابة: «أما طريقة دفن الميت وتوجيهه في قبره، فالمستحب أن يدخل رأسه من الجهة التي ستكون فيها رجلاه من القبر إذا تيسر ذلك، ثم يسل سلًّا حتى يتم وضعه في لحده الذي جعل له في الحفر مما يلي القبلة على جنبه الأيمن، روي ذلك عن عبد الله بن عمر وأنس وعبد الله بن يزيد الأنصاري والنخعي والشافعي ﵃، ويدل عليه ما روى الإمام أحمد بإسناده عن عبد الله بن يزيد الأنصاري، أن الحارث أوصاه أن يليه عند موته، فصلى عليه ثم دخل القبر، فأدخله من رجلي القبر، وقال: هذه السنة (٢)، وهذا يقتضي سنة النبي ﷺ ،

стр. 3816

وروى ابن عمر وابن عباس أن النبي ﷺ سل من قبل رأسه سلًّا، فإن كان الأسهل على من يتولون دفنه أن يدخلوه القبر من جانبه الذي يلي القبلة معترضًا، أو من جهته التي سيكون فيها رأسه فلا حرج؛ لأن استحباب إدخاله من جهة القبر التي ستكون فيها رجلاه إنما كان لسهولة ذلك على من يتولى دفنه، والرفق به وبهم، فإذا كان الأسهل غيره كان مستحبًّا، والأمر في ذلك واسع، والمقصود مراعاة ما كان عليه العمل في عهد الصحابة ﵃ طلبًا للسنة، وتحقيقًا للسهولة والرفق، فإن اعترض ما يجعل غيره أسهل وأرفق عُمل به. ويوضع الميت في اللحد على جنبه الأيمن مستقبلاً القبلة بوجهه، ويوضع تحت رأسه شيء مرتفع لبنة، أو حجر، أو تراب، كما يصنع الحي، ويدنى من الجدار القبلي من القبر لئلا ينقلب على وجهه، ويسند بشيء من وراء ظهره لئلا ينقلب إلى خلفه، وينصب عليه لبن من خلفه نصبًا، ويسد ما بين اللبن من خلل بالطين لئلا يصل إليه التراب؛ لقول سعد بن أبي وقاص: وانصبوا علي اللبن نصبًا كما صُنع برسول الله ﷺ ، فإن لم يكن لبن وضع حجر أو قصب أو حشيش ونحو ذلك بما يتيسر، ثم يهال عليه التراب. ويقول من تولى دفنه حين وضعه في اللحد: بسم الله وعلى ملة رسول الله ﷺ ، لما روى الترمذي عن ابن عمر ﵄ -

стр. 3817

أن النبي ﷺ كان إذا أدخل الميت القبر قال: «بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (١)» (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3818

الكلمة الثامنة والستون من بدع الجنائز الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد .. فهذه جملة من بدع الجنائز التي انتشرت بين الناس، أذكرها للعلم بها والابتعاد عنها، ذكرها الشيخ الألباني ﵀ في كتابه أحكام الجنائز (١): «غسل الميت: ١ - وضع رغيف وكوز ماء في الموضع الذي غُسِل فيه الميت ثلاث ليال بعد موته. ٢ - إيقاد السراج أو القنديل في الموضع الذي غُسل فيه الميت ثلاث ليال من غروب الشمس إلى طلوعها، وعند بعضهم سبع ليال، وبعضهم يزيد على ذلك، ويفعلون مثله في الموضع الذي مات فيه. ٣ - ذكر الغاسل ذكرًا من الأذكار عند كل عضو يغسله.

стр. 3819

٤ - الجهر بالذكر عند غسل الجنازة وتشييعها. ٥ - سدل شعر الميتة من بين ثدييها. الكفن والخروج بالجنازة: ١ - نقل الميت إلى أماكن بعيدة لدفنه عند قبور الصالحين كأهل البيت ونحوهم. ٢ - قول بعضهم: إن الموتى يتفاخرون في قبورهم بالأكفان وحُسنها، ويعللون ذلك بأن من كان من الموتى في كفنه دناءة يعايرونه بذلك. ٣ - كتابة اسم الميت وأنه يشهد الشهادتين، وأسماء أهل البيت ﵃ بتربة الحسين ﵁ إن وجدت، وإلقاء ذلك في الكفن. ٤ - كتابة دعاء على الكفن. ٥ - تزيين الجنازة. ٦ - حمل الأعلام أمام الجنازة. ٧ - وضع العمامة على الخشبة، ويلحق به الطربوش وإكليل العروس وكل ما يدل على شخصية الميت. ٨ - حمل الأكاليل والآس والزهور وصورة الميت أمام الجنازة!

стр. 3820

٩ - ذبح الخرفان عند خروج الجنازة تحت عتبة الباب، واعتقاد بعضهم أنه إذا لم يفعل ذلك مات ثلاثة من أهل الميت. ١٠ - حمل الخبز والخرفان أمام الجنازة وذبحها بعد الدفن وتفريقها مع الخبز. ١١ - اعتقاد بعضهم أن الجنازة إذا كانت صالحة خف ثقلها على حامليها وأسرعت. ١٢ - إخراج الصدقة مع الجنازة، ومنه إسقاء العرقسوس والليمون ونحوه. ١٣ - التزام البدء في حمل الجنازة باليمين. ١٤ - حمل الجنازة عشر خطوات من كل جانب من جوانبها الأربعة (١). ١٥ - الإبطاء في السير بها. ١٦ - التزاحم على النعش (٢).
следующие страницы →