وروى ابن عمر وابن عباس أن النبي ﷺ سل من قبل رأسه سلًّا، فإن كان الأسهل على من يتولون دفنه أن يدخلوه القبر من جانبه الذي يلي القبلة معترضًا، أو من جهته التي سيكون فيها رأسه فلا حرج؛ لأن استحباب إدخاله من جهة القبر التي ستكون فيها رجلاه إنما كان لسهولة ذلك على من يتولى دفنه، والرفق به وبهم، فإذا كان الأسهل غيره كان مستحبًّا، والأمر في ذلك واسع، والمقصود مراعاة ما كان عليه العمل في عهد الصحابة ﵃ طلبًا للسنة، وتحقيقًا للسهولة والرفق، فإن اعترض ما يجعل غيره أسهل وأرفق عُمل به.
ويوضع الميت في اللحد على جنبه الأيمن مستقبلاً القبلة بوجهه، ويوضع تحت رأسه شيء مرتفع لبنة، أو حجر، أو تراب، كما يصنع الحي، ويدنى من الجدار القبلي من القبر لئلا ينقلب على وجهه، ويسند بشيء من وراء ظهره لئلا ينقلب إلى خلفه، وينصب عليه لبن من خلفه نصبًا، ويسد ما بين اللبن من خلل بالطين لئلا يصل إليه التراب؛ لقول سعد بن أبي وقاص: وانصبوا علي اللبن نصبًا كما صُنع برسول الله ﷺ ، فإن لم يكن لبن وضع حجر أو قصب أو حشيش ونحو ذلك بما يتيسر، ثم يهال عليه التراب.
ويقول من تولى دفنه حين وضعه في اللحد: بسم الله وعلى ملة رسول الله ﷺ ، لما روى الترمذي عن ابن عمر ﵄ -
стр. 3817
أن النبي ﷺ كان إذا أدخل الميت القبر قال: «بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (١)» (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3818
الكلمة الثامنة والستون
من بدع الجنائز
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
فهذه جملة من بدع الجنائز التي انتشرت بين الناس، أذكرها للعلم بها والابتعاد عنها، ذكرها الشيخ الألباني ﵀ في كتابه أحكام الجنائز (١):
«غسل الميت:
١ - وضع رغيف وكوز ماء في الموضع الذي غُسِل فيه الميت ثلاث ليال بعد موته.
٢ - إيقاد السراج أو القنديل في الموضع الذي غُسل فيه الميت ثلاث ليال من غروب الشمس إلى طلوعها، وعند بعضهم سبع ليال، وبعضهم يزيد على ذلك، ويفعلون مثله في الموضع الذي مات فيه.
٣ - ذكر الغاسل ذكرًا من الأذكار عند كل عضو يغسله.
стр. 3819
٤ - الجهر بالذكر عند غسل الجنازة وتشييعها.
٥ - سدل شعر الميتة من بين ثدييها.
الكفن والخروج بالجنازة:
١ - نقل الميت إلى أماكن بعيدة لدفنه عند قبور الصالحين كأهل البيت ونحوهم.
٢ - قول بعضهم: إن الموتى يتفاخرون في قبورهم بالأكفان وحُسنها، ويعللون ذلك بأن من كان من الموتى في كفنه دناءة يعايرونه بذلك.
٣ - كتابة اسم الميت وأنه يشهد الشهادتين، وأسماء أهل البيت ﵃ بتربة الحسين ﵁ إن وجدت، وإلقاء ذلك في الكفن.
٤ - كتابة دعاء على الكفن.
٥ - تزيين الجنازة.
٦ - حمل الأعلام أمام الجنازة.
٧ - وضع العمامة على الخشبة، ويلحق به الطربوش وإكليل العروس وكل ما يدل على شخصية الميت.
٨ - حمل الأكاليل والآس والزهور وصورة الميت أمام الجنازة!
стр. 3820
٩ - ذبح الخرفان عند خروج الجنازة تحت عتبة الباب، واعتقاد بعضهم أنه إذا لم يفعل ذلك مات ثلاثة من أهل الميت.
١٠ - حمل الخبز والخرفان أمام الجنازة وذبحها بعد الدفن وتفريقها مع الخبز.
١١ - اعتقاد بعضهم أن الجنازة إذا كانت صالحة خف ثقلها على حامليها وأسرعت.
١٢ - إخراج الصدقة مع الجنازة، ومنه إسقاء العرقسوس والليمون ونحوه.
١٣ - التزام البدء في حمل الجنازة باليمين.
١٤ - حمل الجنازة عشر خطوات من كل جانب من جوانبها الأربعة (١).
١٥ - الإبطاء في السير بها.
١٦ - التزاحم على النعش (٢).
стр. 3821
ترك الاقتراب من الجنازة.
ترك الإنصات في الجنازة، هذا النص يشمل رفع الصوت بالذكر كما في الفقرة بعدها، وتحدث الناس بعضهم مع بعض .. ونحو ذلك.
الجهر بالذكر أو بقراءة القرآن أو «البُردة» أو «دلائل الخيرات» ونحو ذلك.
الذكر خلف الجنازة بالجلالة أو «البردة» أو «الدلائل» والأسماء الحسنى.
القول خلفها: «الله أكبر الله أكبر، أشهد أن الله يحيي ويميت وهو حي لا يموت، سبحان من تعزز بالقدرة والبقاء، وقهر العباد بالموت والفناء».
الصياح خلف الجنازة بـ «استغفروا له يغفر الله لكم» ونحوه.
الصياح بلفظ الفاتحة عند المرور بقبر أحد الصالحين، وبمفارق الطرق.
قول المشاهد للجنازة: «الحمد لله الذي لم يجعلني من السواد المخترم».
стр. 3822
اعتقاد بعضهم أن الجنازة إذا كانت صالحة تقف عند قبر الولي عند المرور به على الرُغم من حامليها.
القول عند رؤيتها: «هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، اللَّهم زدنا إيمانًا وتسليمًا».
اتباع الميت بمجمرة.
الطواف بالجنازة حول الأضرحة -يعني أضرحة الأولياء.
الطواف بها حول البيت العتيق سبعًا.
الإعلام بالجنائز على أبواب المساجد.
إدخال الميت من باب الرحمة في المسجد الأقصى، ووضعه بين الباب والصخرة، واجتماع بعض المشايخ يقرؤون بعض الأذكار.
الرثاء عند حضور الجنازة في المسجد قبل الصلاة عليها أو بعدها، وقبل رفعها أو عقب دفن الميت عند القبر.
التزام حمل الجنازة على السيارة وتشييعها على السيارات (١).
حمل بعض الأموات على عربة المدفع.
стр. 3823
الصلاة عليها:
١ - الصلاة على جنائز المسلمين الذين ماتوا في أقطار الأرض صلاة الغائب بعد الغروب من كل يوم.
٢ - قول بعضهم عند الصلاة عليها: «سبحان من قهر عباده بالموت، وسبحان الحي الذي لا يموت».
٣ - نزع النعلين عند الصلاة عليها ولو لم يكن فيهما نجاسة ظاهرة ثم الوقوف عليهما.
٤ - وقوف الإمام عند وسط الرجل وصدر المرأة.
٥ - قراءة دعاء الاستفتاح.
٦ - الرغبة عن قراءة الفاتحة وسورة معها.
٧ - الرغبة عن التسليم فيها (١).
٨ - قول البعض عقب الصلاة عليها بصوت مرتفع: ما تشهدون فيه؟ فيقول الحاضرون كذلك: كان من الصالحين، ونحوه.
الدفن وتوابعه:
١ - ذبح الجاموس عند وصول الجنازة إلى المقبرة قبل دفنها وتفريق اللحم على من حضر.
стр. 3824
٢ - وضع دم الذبيحة التي ذُبحت عند خروج الجنازة من الدار في قبر الميت.
٣ - الذكر حول سرير الميت قبل دفنه.
٤ - الأذان عند إدخال الميت في قبره.
٥ - جعل شيء من تربة الحسين ﵁ مع الميت عند إنزاله في القبر لأنها أمان من كل خوف.
٦ - فرش الرمل تحت الميت لغير ضرورة.
٧ - جعل الوسادة أو نحوها تحت رأس الميت في القبر.
٨ - رش ماء الورد على الميت في قبره.
٩ - إهالة الحاضرين التراب بظهور الأكف مسترجعين (١).
١٠ - قراءة ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ في الحثوة الأولى، و ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ في الثانية، و ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] في الثالثة.
١١ - القول في الحثوة الأولى: بسم الله، وفي الثانية: الملك لله، وفي الثالثة: القدرة لله، وفي الرابعة: العزة لله، وفي الخامسة: العفو والغفران لله، وفي السادسة: الرحمة لله، ثم يقرأ في السابعة قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ... الآية﴾
стр. 3825
ويقرأ قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ ... الآية﴾.
١٢ - قراءة السبع سور: الفاتحة، والمعوذتين، والإخلاص، و ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾، وهذا الدعاء: اللَّهم إني أسألك باسمك العظيم، وأسألك باسمك الذي هو قوام الدين، وأسألك ... وأسألك .. وأسألك .. وأسألك باسمك الذي إذا سُئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت، رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعُزرائيل ... الخ، كل ذلك عند دفن الميت (١).
١٣ - قراءة فاتحة الكتاب عند رأس الميت، وفاتحة البقرة عند رجليه (٢).
١٤ - قراءة القرآن عند إهالة التراب على الميت.
١٥ - تلقين الميت.
١٦ - نصب حجرين على قبر المرأة.
١٧ - الرثاء عقب دفن الميت عند القبر.
стр. 3826
١٨ - نقل الميت قبل الدفن أو بعده إلى المشاهد الشريفة.
١٩ - السكن عند الميت بعد دفنه في بيت في التربة أو قربها.
٢٠ - امتناعهم من دخول البيت إذا رجعوا من الدفن حتى يغسلوا أطرافهم من أثر الميت.
٢١ - وضع الطعام والشراب على القبر ليأخذه الناس.
٢٢ - الصدقة عند القبر.
٢٣ - صب الماء على القبر من قبل رأسه، ثم يدور عليه، وصب الفاضل على وسطه (١)» (٢).
وأختم بكلام الإمام الشوكاني ﵀ -عندما علق على حديث أبي الهياج الأسدي عن علي ﵁ أنه قال: «أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ» (٣):
«ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولًا أوليًّا القبب والمشاهد المعمورة على القبور، وأيضًا هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبي ﷺ فاعل ذلك كما سيأتي، وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد
стр. 3827
يبكي لها الإسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر، فجعلوها مقصدًا لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال وتمسحوا بها، واستغاثوا، وبالجملة أنهم لم يدعوا شيئًا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف لا عالمًا ولا متعلمًا، ولا أميرًا ولا وزيرًا، ولا ملكًا، وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرًا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرًا، فإذا قيل له بعد ذلك احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكأ، وأبى واعترف بالحق، وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال أنه تعالى ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة، فيا علماء الدين، ويا ملوك المسلمين، أي رزء للإسلام أشد من الكفر، وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله، وأي مصيبة يُصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة، وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن هذا الشرك البين واجبًا.
стр. 3828
لَقَدْ أسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيًّا ... وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي
وَلَوْ نَارًا نَفَخْتَ بِهَا أَضَاءَتْ ... وَلكِنْ أَنْتَ تَنْفُخُ فِي رَمَادِ (١)
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3829
الكلمة التاسعة والستون
البيوع: قواعد وحكم وفوائد (١)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
«فإن البيع جائز بالكتاب والسنة والإجماع، والنظر الصحيح، قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥].
وأما السنة فمثل قوله ﷺ : «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَكَانَا جَمِيعًا» (١). وغيره من الأحاديث.
وأما الإجماع، فمعلوم بالضرورة من دين الإسلام، وأما النظر الصحيح فلأن الإنسان يحتاج لما في يد غيره من متاع الدنيا، ولا وسيلة إلى ذلك إلا بالظلم، وأخذه منه قهرًا أو بالبيع» (٢).
стр. 3830
قال ابن قدامة: «وأجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة والحكمة تقتضيه؛ لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه، وصاحبه لا يبذله بغير عوض، ففي شرع البيع وتجويزه وصول كل واحد منهما إلى غرضه ودفع حاجته» (١).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «البيع في اللغة أعم من البيع شرعًا، فهو أخذ شيء وإعطاء شيء حتى لو كان على سبيل العارية أو الوديعة، فإذا مددت إليك شيئًا أُعيرك إياه، فهو بيع في اللغة؛ لأنه مأخوذ من الباع، إذ أن كل واحد من المتعاطين يمد باعه إلى الآخر» (٢).
«وفي الاصطلاح: هو مبادلة مال بمال ولو في الذمة، أو منفعة مباحة على التأبيد غير ربا وقرض، فقولهم: مبادلة مال بمال، والمراد بالمال هنا كل عين مباحة النفع بلا حاجة، كالذهب والفضة والشعير والبر والتمر والملح والسيارات .. وغيرها.
وقولهم: أو منفعة مباحة، أي مبادلة مال بمنفعة مباحة، واشتراط كونها مباحة احترازًا من المنفعة غير المباحة، وقولهم: ولو في الذمة، لو هنا ليست إشارة خلاف، ولكن
стр. 3831
المعنى أن المال الذي يقع العقد عليه قد يكون حاضرًا، وقد يكون في الذمة، فالبيع يشمل هذا وهذا» (١).
وينقسم البيع إلى قسمين: حلال وحرام:
١ - أما الحلال كبيع الطعام، واللباس غير المحرم، والحيوانات، والسيارات ... وغيرها، والحكمة منه حاجة الناس إلى ذلك، والله تعالى لم يبح شيئًا إلا وفيه منفعة للعباد.
٢ - الحرام كبيع المعازف، والخمور، والدخان، والخنزير، والأصنام .. وغير ذلك، والحكمة من تحريمه، إن هذه الأشياء حرمها الله، والله لا يحرم شيئًا إلا وفيه ضرر على العبد في دينه أو دنياه، أو يشغل عن أداء عبادة واجبة.
من القواعد في البيع:
١ - الصدق والبيان: لما جاء في الصحيحين من حديث حكيم بن حزام أن النبي ﷺ قال: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» (٢). فقوله: «فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا» أي بين كل واحد لصاحبه ما يحتاج إلى بيانه من عيب
стр. 3832
ونحوه في السلعة والثمن، وصدق في ذلك (١)، ومعنى قوله «بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا» أي كثر نفع المبيع والثمن، ومعنى قوله «مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» أي ذهبت بركته وهي زيادته ونماؤه.
٢ - تحريم الغش: فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنالَتْ أصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟» قَالَ: أصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «أفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» (٢). قال ابن حجر الهيتمي: «الغش المحرم أن يعلم ذو السلعة من نحو بائع أو مشتر فيها شيئًا لو اطلع عليه مريد أخذها ما أخذها بذلك المقابل (٣).
ويكون الغش بمحاولة إخفاء العيب في السلعة، ويكون بطرق أخرى كالغش في ذاتية البضاعة، أو عناصرها، أو كميتها، أو وزنها، أو صفاتها الجوهرية، أو مصدرها، كأن يكذب ويكتب عليها صنعت في البلد الفلاني وهو مشهور بجودة بضاعته، وهي قد صنعت في بلد آخر، لكي يغري
стр. 3833
المشتري بشرائها.
٣ - «تحريم الغرر: فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر، والأصل في النهي التحريم ما لم يصرفه صارف، وبيع الحصاة له صور، فمن ذلك: أن يقول: ارم هذه الحصاة، فعلى أي شاة من هذا القطيع وقعت فهي لك بكذا، فرمى الحصاة وسقطت على شاة هزيلة جدًّا، فاشتراها بمئة وهي لا تساوي عشرين فخسر، وجاء عقد آخر فقال: بعت عليك الشاة التي تصبها هذه الحصاة إذا رميتها، فرمى الحصاة، وقد اشترى الشاة بخمسين فوقعت على شاة تساوي مئة، فغنم والبائع خسر، عكس الأولى، إذن هذا غرر؛ لأن كل عقد دار بين الغُنم والغُرم فهو مَيْسِر لا يجوز، وعلى هذا قس، وبهذا يتبين أن بيع الحصاة داخل في النهي عن بيع الغرر، ويؤخذ مما تقدم قاعدة: أن كل بيع فيه غرر فهو محرم.
والغرر كل ما فيه جهالة، واحتمال للغنم أو الغرم، لأن ذلك من الميسر، فإن حقيقة الميسر هي أنها معاملة تقع بين متغالبين يكون أحدهما إما غانمًا أو غارمًا، فبيع الغرر من الميسر، والحكمة في النهي عنه ظاهرة جدًّا؛ لأنه إذا كان غانمًا أداه ذلك إلى الجشع، والطمع، والانسياب وراء
стр. 3834
المادة والدنيا لأنه كسب، فيريد أن يستمر هذا الكسب، فنجده يلهو بدنياه عن دينه، وإن كان الأمر بالعكس بأن كان غارمًا ألحقه من الندم والحزن وكراهة صاحبه الذي غلبه ما يوجب العداوة بينهما، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة:٩١]» (١).
قال النووي ﵀: «النهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة، كبيع المعدوم، والآبق، والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وما لا يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير، واللبن في الضرع، وبيع الحمل في البطن، وبيع ثوب من الأثواب، وشاة من الشياه، ونظائر ذلك، وكل ذلك باطل لأنه غرر كبير من غير حاجة» (٢).
والغرر أنواع، فمنه: بيع المعدوم: كبيع حبل الحبلة، كما جاء في صحيح البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ نهى عن بيع حبل الحبلة، قال ابن عمر:
стр. 3835
وهو البيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة، ويلد ولدها (١).
ومنه بيع المعجوز عن تسليمه: كالجمل الشارد، أو العبد الآبق. والنوع الثالث: بيع المجهول المطلق، أو المجهول الجنس، أو المجهول القدر.
ومن صوره بيع الملاقيح: وهو ما في ظهور الذكور يلقحها الفحل في بطن الأنثى، بأن يقول صاحب الفحل: أبيع عليك ضراب فحلي من ناقتك، فيضربها هذه المرة، فأبيع عليك هذا الضراب، فلا يجوز لأنه أجهل من بيع الحمل، فإن هذا اللقاح قد يكون صحيحًا، وقد يكون فاسدًا، فإذا منع الحمل فهذا من باب أولى.
ومنه بيع المضامين: وهي الحوامل، والمراد ما في بطونها، وقد ورد النهي عن بيع الحمل حتى تضع كما تقدم، ومنه بيع الثمار قبل بدو صلاحها، خوفًا من تلفها، أو حدوث عيب بها قبل أخذها، روى البخاري ومسلم من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: «أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ» (٢).
وفي الصحيحين من حديث ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ
стр. 3836
عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع (١)، ويعرف بدو صلاحها باحمرار ثمار النخيل أو اصفرارها، وفي العنب أن يَسْودَّ وتبدو الحلاوة فيه، وفي الحب أن ييبس ويشتد، ونحو ذلك في بقية الثمار (٢).
ومنه بيع الملامسة والمنابذة، والملامسة أن يقول: بعتك ثوبي هذا على إنك متى لمسته فهو عليك بكذا، أو يقول: أي ثوب لمسته فهو لك بكذا.
وبيع المنابذة: هو أن يقول أي ثوب نبذته إلي فهو علي بكذا، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ نهى عن المنابذة، وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه، ونهى عن الملامسة، والملامسة لمس الثوب لا ينظر إليه (٣).
تنبيه:
مما اشتهر عند أهل الجاهلية المعاصرة قولهم: القانون لا يحمي المغفلين، ويلزمون الشخص بالتقيد وإن كان مخدوعًا
стр. 3837
ومغرورًا به، وللأسف سرت هذه المقولة الباطلة إلى بعض المسلمين، وأحكام الدين الإسلامي الحنيف تبطل هذه المقولة، فهو يحمي المغفلين، ويدفع عنهم في الوقت الذي يعلن فيه أصحاب القوانين أنها لا تحميهم، روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄ قال: «كَانَ رَجُلٌ يُخْدَعُ فِي البَيْعِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ»، فَكَانَ يَقُولُهُ» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3838
الكلمة السبعون
البيوع: قواعد وحكم وفوائد (٢)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
فاستكمالاً للحديث السابق عن البيع وقواعده وحكمه وفوائده، فإنه ينبغي للمسلم أن يدعو الله دائمًا أن يبارك له في بيعه وشرائه وسائر أموره، وأن يحرص على الأسباب التي تستجلب بها البركة في البيع، ومنها:
١ - تقوى اللَّه: فما اتقى الله امرؤ في أي أمر من أموره إلا بارك الله له فيه، ورزقه من حيث لا يحتسب، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]
ومن علامات التقوى، ألا يقدم الإنسان على أي تعامل سواء كان بيعًا أو شراءً، أو غير ذلك إلا بعد معرفة حكم الشرع فيه، وسؤال أهل العلم عما يحل وما يحرم، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:
стр. 3839
«يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، لَا يُبَالِي المَرْءُ بِمَا أَخَذَ المَالَ، أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ» (١).
٢ - أخذ المال من طرق حلال: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «فَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِحَقٍّ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِغَيْرِ حَقٍّ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ» (٢).
٣ - أخذ المال بسخاوة نفس: أي من غير شره ولا إلحاح في المسألة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث حكيم بن حزام قال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: «يَا حَكِيمُ! إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ» (٣).
قوله: سخاوة نفس: أي بغير سؤال، ولا إشراف، ولا تطلع، ولا طمع، فبين النبي ﷺ أن قناعة المؤمن ورضاه بما قسم الله له من رزق وعدم سؤاله وتطلعه إلى ما عند الآخرين سبب عظيم من أسباب البركة ولو كان رزقه
стр. 3840
قليلاً، ويلحق بهذا إنفاق المال في وجوه البر، وإخراج الزكاة، وإعطاء التاجر من تحت يده من عمال حقوقهم.
٤ - الصدق في المعاملة عند البيع والشراء والشراكة: روى البخاري ومسلم من حديث حكيم بن حزام أن النبي ﷺ قال: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» (١).
٥ - التبكير في التجارات: روى الإمام أحمد في مسنده من حديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا» (٢).
أما موانع البركة فهي:
١ - المعاصي والذنوب: فكما تقدم أن التقوى من أعظم الأسباب التي تستجلب بها البركة في البيوع وغيره، فكذلك المعاصي لها أثر كبير في محق البركة وزوالها، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم:٤١].
стр. 3841
٢ - الحلف: روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الحَلِفُ منْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ» (١).
٣ - الكذب والغش: وتقدم الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث حكيم بن حزام، أن النبي ﷺ قال: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» (٢).
٤ - أكل المال الحرام بشتى صوره وأشكاله: وأعظم ذلك الربا، فإنه لا بركة فيه ولا خير، قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦].
وفي الحديث: « ... وَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِحَقِّهِ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِغَيْرِ حَقِّهِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ» (٣). قال ابن حجر ﵀ فيه: «أن اكتساب المال من غير حله لا يبارك له فيه لتشبيهه بالذي يأكل ولا يشبع، وكذا إمساكه عن إخراج الحق منه سبب لمحقه، فيصير غير مبارك كما قال الله تعالى ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾» (٤)، ويدخل في ذلك ما يبيعه التاجر مما يحتوي على مخالفات شرعية،
стр. 3842
أو عن طريق الحلف، أو الغش، أو الكذب، أو غيرها من طرق الحرام.
٥ - الحرص الشديد والرغبة في الدنيا: روى البخاري ومسلم من حديث حكيم بن حزام أن النبي ﷺ قال: «يَا حَكِيمُ! إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ» (١).
٦ - منع الزكاة: فإن الزكاة بركة للتاجر في بيعه وشرائه.
٧ - تطفيف المكيال والميزان: فإن هذا المال الذي يأتي من تطفيف الكيل والميزان مال حرام يمحق البركة، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين:١ - ٦].
٨ - عدم الرضى بالرزق: روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي العلاء بن الشخير قال: حدثني أحد بني سُليم -ولا أحسبه إلا قد رأى رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي عَبْدَهُ بِمَا أَعْطَاهُ، فَمَنْ رَضِيَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، بَارَكَ اللَّهُ لَهُ فِيهِ،
стр. 3843
وَوَسَّعَهُ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ لَمْ يُبَارِكْ لَهُ» (١).
من صور البيوع المنهي عنها:
١ - البيع والشراء بعد الأذان الثاني يوم الجمعة: لا يصح البيع ولا الشراء ممن تلزمه صلاة الجمعة بعد الأذان الثاني؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، فقد نهى الله تعالى عن البيع في هذا الوقت، والنهي يقتضي التحريم، وعدم صحة البيع.
٢ - بيع الأشياء لمن يستعين بها على معصية اللَّه: أو يستخدمها في المحرمات، فلا يصح بيع العصير لمن يتخذه خمرًا، ولا الأواني لمن يشرب بها الخمر، ولا بيع السلاح في وقت الفتنة بين المسلمين، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢].
٣ - بيع المسلم على بيع أخيه: مثاله أن يقول لمن اشترى شيئًا بعشرة: أنا أبيعك مثله بأرخص منه، أو أبيعك أحسن منه بنفس الثمن؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» (٢).
стр. 3844
٤ - الشراء على الشراء: مثاله أن يقول لمن باع شيئًا: افسخ البيع، وأنا أشتريه منك بأكثر، بعد أن اتفق البائع والمشتري على الثمن، وهذه الصورة داخلة في النهي الوارد في الحديث السابق.
٥ - بيع العِينة: وصورته أن يبيع شخص سلعة لآخر بثمن معلوم إلى أجل، ثم يشتريها منه البائع بثمن حاضر أقل، وفي نهاية الأجل يدفع المشتري الثمن الأول، كأن يبيع أرضًا بخمسين ألفًا يدفعها بعد سنة، ثم يشتريها البائع منه بأربعين ألفًا نقدًا، ويبقى في ذمته الخمسون ألفًا يدفعها المشتري على رأس السنة، وسُميت عِينة؛ لأن المشتري يأخذ مكان السلعة عينًا، أي: نقدًا حاضرًا. وحرم هذا البيع لأنه حيلة يتوصل بها إلى الربا، فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» (١).
٦ - بيع المبيع قبل قبضه: مثاله أن يشتري سلعة من شخص، ثم يبيعها قبل أن يقبضها ويحوزها، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال
стр. 3845
رسول الله ﷺ : «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ» (١)، وروى أبو داود في سننه من حديث زيد بن ثابت ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ، حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ» (٢)، فلا يجوز لمن اشترى شيئًا أن يبيعه حتى يقبضه قبضًا تامًّا.
٧ - تلقي الركبان: والمراد بهم القادمون لجلب سلعهم في البلد، فإذا تلقاهم، واشترى منهم، وتبين أنه قد غبنهم غبنًا فاحشًا، فلهم الخيار؛ لقول النبي ﷺ : «لَا تَلَقَّوْا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ» (٣)، فنهى ﷺ عن تلقي الجلب خارج السوق الذي تُباع فيه السلع، وأمر أنه إذا أتى البائع السوق الذي تُعرف فيه قيم السلع، وعرف ذلك؛ فهو بالخيار بين أن يُمضي البيع او يفسخ
قال ابن القيم ﵀: «نهى عن ذلك؛ لما فيه من تغرير البائع؛ فإنه لا يعرف السعر، فيشتري منه المشتري بدون القيمة، ولذلك أثبت له النبي ﷺ الخيار إذا دخل السوق» (٤).
стр. 3846
٨ - بيع النجش: فقد روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر قال: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النَّجْشِ» (١)، والناجش هو: الذي يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها، وإنما يريد رفع ثمنها على المشتري، لما في ذلك من تغرير المشتري وخديعته؛ فهو في معنى الغش.
ومن صور النجش المحرم: أن يقول صاحب السلعة: أُعطيت بها كذا وكذا، وهو كاذب، أو يقول: اشتريتها بكذا، وهو كاذب (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلي الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3847
الجزء الثاني عشر
стр. 3848
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب].
أما بعد: فهذا هو الجزء الثاني عشر من كتابي: «موسوعة الدرر المنتقاة»، وقد اشتمل على سبعين كلمة نهجت في إعدادها نفس المنهج الذي سلكته في هذه الموسوعة، وقد اشتمل هذا الجزء على موضوعات متنوعة آمل أن تكون مفيدة ونافعة.
أسأل الله تعالى أن يرزقنا السداد في أقوالنا، والصواب
стр. 3849
في أعمالنا، والإخلاص في نياتنا، وأن يردنا وإخواننا المسلمين إليه ردًّا جميلًا، وأن يعز دينه، ويعلي كلمته، وينصر عباده المجاهدين الصادقين، وأن يقينا وإياهم شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المؤلف
الرياض ٣/ ٦/ ١٤٤٢ هـ
стр. 3850
الكلمة الأولى
شرح حديث: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله .. وبعد.
روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ»، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: «إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ» (١).
«هذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا، وأن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطنًا ومسكنًا، فيطمئن فيها، ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر يهيئ جهازه للرحيل، وقد اتفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم، قال تعالى: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩]، وكان
стр. 3851
النبي ﷺ يقول: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رَاكِبٍ قَالَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» (١).
ودخل رجل على أبي ذر فجعل يقلب بصره في بيته، فقال: يا أبا ذر! أين متاعكم؟ قال: إن لنا بيتًا نوجه إليه، قال: إنه لابد لك من متاع ما دمت ها هنا، قال: إن صاحب البيت لا يدعنا فيه.
قال بعض الحكماء: عجبت ممن الدنيا مولية عنه والآخرة مقبلة إليه ينشغل بالمدبرة ويُعرض عن المقبلة، وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة ولا وطنًا، فينبغي أن يكون حاله فيها على أحد حالين: إما أن يكون كأنه غريب، مقيم في بلد غربة، أو يكون كأنه مسافر، غير مقيم البتة.
فلهذا أوصى النبي ﷺ ابن عمر أن يكون على أحد هذين الحالين، فأحدهما: أن يُنزِلَ المؤمنُ نفسه كأنه غريبٌ في الدنيا، يتخيل الإقامة لكن في بلد غربة! فهو غير متعلق القلب ببلد الغربة، بل قلبه متعلقٌ بوطنه الذي يرجع إليه، وإنما هو مقيمٌ في الدنيا ليقضي مرمة (٢) جهازه إلى الرجوع إلى وطنه.
стр. 3852
ومن كان كذلك فلا همَّ له إلا في التزود بما ينفعه عند عوده إلى وطنه، فلا ينافس أهل البلد الذي هو غريب بينهم في عزهم، ولا يجزع من الذل عندهم.
قال الحسن: المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها، ولا ينافس في عزها، له شأن وللناس شأن، لما خلق آدم أُسكن هو وزوجته الجنة، ثم أُهبطا منها، ووعد الرجوع إليها، وصالح ذريتهما، فالمؤمن أبدًا يحن إلى وطنه الأول، وكما قيل:
كَمْ مَنزِلٍ في الأرضِ يألفُهُ الفَتى ... وحَنينُهُ أبداً لأوَّلِ مَنزِلِ
قال ابن القيم ﵀:
فَحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنهَا ... مَنَازِلُكَ الأولَى وَفِيهَا المُخَيّمُ
وَلكِنَّنَا سَبْىُ العَدُوِّ، فَهَلْ تَرَى ... نَعُودُ إلَى أَوْطَانِنَا وَنُسَلَّمُ؟
وقد زعموا أن الغريبَ إذا نأى ... وشطَّتْ به أوطانُه لَيْسَ يَنْعَمُ
وأيُّ اغترابٍ فوق غربَتِنا التي ... لها أضحتِ الأعداءُ فينا تَحَكَّمُ
الحال الثاني: أن يُنزِلَ المؤمنُ نفسه في الدنيا كأنه مسافرٌ غير مقيم البتةَ، وإنما هو سائر في قطع منازل الطريق حتى ينتهي به السفرُ إلى آخره وهو الموت، ومن كانت هذه حاله في الدنيا فهمَّته تحصيل الزاد للسفر، وليس له همة في الاستكثار من متاع الدنيا، قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧].
стр. 3853
ولهذا أوصى النبي ﷺ جماعة من أصحابه أن يكون بلاغهم من الدنيا كزاد الراكب (١).
قال بعض الحكماء: من كانت الليالي والأيام مطاياه سارت به وإن لم يسر، وفي هذا قال بعضهم:
وَمَا هَذِهِ الْأَيَّامُ إِلَّا مَرَاحِلُ ... يَحُثُّ بِهَا دَاعٍ إِلَى الْمَوْتِ قَاصِدُ
وَأَعْجَبُ شَيْءٍ - لَوْ تَأَمَّلْتَ - أَنَّهَا ... مَنَازِلُ تُطْوَى وَالْمُسَافِرُ قَاعِدُ
وأما وصيةُ ابن عمر في هذا الحديث الذي رواه وهي متضمنة لنهاية قصر الأمل، وأن المؤمن ينبغي له إذا أمسى أن لا ينتظر الصباح، وإذا أصبح أن لا ينتظر المساء، بل يظن أن أجله يدركه قبل ذلك، وبهذا فسر غير واحد من العلماء الزهد في الدنيا.
قال المروذيُّ: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد -: أي شيء الزهد في الدنيا؟ قال: قصر الأمل؛ من إذا أصبح قال: لا أمسي، قال: وهكذا قال سفيان: قيل لأبي عبد الله: بأي شيء نستعين على قصر الأمل، قال: ما ندري إنما هو توفيق.
وقوله: خذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك.
يعني: اغتنم الأعمال الصالحة في الصحة قبل أن يحول
стр. 3854
بينك وبينها السقم، وفي الحياة قبل أن يحول بينك وبينها الموت.
روى الحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لرجل وهو يعظه: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ» (١).
فالواجب على المؤمن المبادرة بالأعمال الصالحة، قبل أن لا يقدر عليها، ويحال بينه وبينها، ومتى حيل بين الإنسان والعمل لم يبق له إلا الحسرة والأسف عليه، ويتمنى الرجوع إلى حالة يتمكن فيها من العمل فلا تنفعه الأمنية، قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ [الزمر:٥٤ - ٥٨].