النبي ﷺ يقول: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رَاكِبٍ قَالَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» (١).
ودخل رجل على أبي ذر فجعل يقلب بصره في بيته، فقال: يا أبا ذر! أين متاعكم؟ قال: إن لنا بيتًا نوجه إليه، قال: إنه لابد لك من متاع ما دمت ها هنا، قال: إن صاحب البيت لا يدعنا فيه.
قال بعض الحكماء: عجبت ممن الدنيا مولية عنه والآخرة مقبلة إليه ينشغل بالمدبرة ويُعرض عن المقبلة، وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة ولا وطنًا، فينبغي أن يكون حاله فيها على أحد حالين: إما أن يكون كأنه غريب، مقيم في بلد غربة، أو يكون كأنه مسافر، غير مقيم البتة.
فلهذا أوصى النبي ﷺ ابن عمر أن يكون على أحد هذين الحالين، فأحدهما: أن يُنزِلَ المؤمنُ نفسه كأنه غريبٌ في الدنيا، يتخيل الإقامة لكن في بلد غربة! فهو غير متعلق القلب ببلد الغربة، بل قلبه متعلقٌ بوطنه الذي يرجع إليه، وإنما هو مقيمٌ في الدنيا ليقضي مرمة (٢) جهازه إلى الرجوع إلى وطنه.
стр. 3852
ومن كان كذلك فلا همَّ له إلا في التزود بما ينفعه عند عوده إلى وطنه، فلا ينافس أهل البلد الذي هو غريب بينهم في عزهم، ولا يجزع من الذل عندهم.
قال الحسن: المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها، ولا ينافس في عزها، له شأن وللناس شأن، لما خلق آدم أُسكن هو وزوجته الجنة، ثم أُهبطا منها، ووعد الرجوع إليها، وصالح ذريتهما، فالمؤمن أبدًا يحن إلى وطنه الأول، وكما قيل:
كَمْ مَنزِلٍ في الأرضِ يألفُهُ الفَتى ... وحَنينُهُ أبداً لأوَّلِ مَنزِلِ
قال ابن القيم ﵀:
فَحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنهَا ... مَنَازِلُكَ الأولَى وَفِيهَا المُخَيّمُ
وَلكِنَّنَا سَبْىُ العَدُوِّ، فَهَلْ تَرَى ... نَعُودُ إلَى أَوْطَانِنَا وَنُسَلَّمُ؟
وقد زعموا أن الغريبَ إذا نأى ... وشطَّتْ به أوطانُه لَيْسَ يَنْعَمُ
وأيُّ اغترابٍ فوق غربَتِنا التي ... لها أضحتِ الأعداءُ فينا تَحَكَّمُ
الحال الثاني: أن يُنزِلَ المؤمنُ نفسه في الدنيا كأنه مسافرٌ غير مقيم البتةَ، وإنما هو سائر في قطع منازل الطريق حتى ينتهي به السفرُ إلى آخره وهو الموت، ومن كانت هذه حاله في الدنيا فهمَّته تحصيل الزاد للسفر، وليس له همة في الاستكثار من متاع الدنيا، قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧].
стр. 3853
ولهذا أوصى النبي ﷺ جماعة من أصحابه أن يكون بلاغهم من الدنيا كزاد الراكب (١).
قال بعض الحكماء: من كانت الليالي والأيام مطاياه سارت به وإن لم يسر، وفي هذا قال بعضهم:
وَمَا هَذِهِ الْأَيَّامُ إِلَّا مَرَاحِلُ ... يَحُثُّ بِهَا دَاعٍ إِلَى الْمَوْتِ قَاصِدُ
وَأَعْجَبُ شَيْءٍ - لَوْ تَأَمَّلْتَ - أَنَّهَا ... مَنَازِلُ تُطْوَى وَالْمُسَافِرُ قَاعِدُ
وأما وصيةُ ابن عمر في هذا الحديث الذي رواه وهي متضمنة لنهاية قصر الأمل، وأن المؤمن ينبغي له إذا أمسى أن لا ينتظر الصباح، وإذا أصبح أن لا ينتظر المساء، بل يظن أن أجله يدركه قبل ذلك، وبهذا فسر غير واحد من العلماء الزهد في الدنيا.
قال المروذيُّ: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد -: أي شيء الزهد في الدنيا؟ قال: قصر الأمل؛ من إذا أصبح قال: لا أمسي، قال: وهكذا قال سفيان: قيل لأبي عبد الله: بأي شيء نستعين على قصر الأمل، قال: ما ندري إنما هو توفيق.
وقوله: خذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك.
يعني: اغتنم الأعمال الصالحة في الصحة قبل أن يحول
стр. 3854
بينك وبينها السقم، وفي الحياة قبل أن يحول بينك وبينها الموت.
روى الحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لرجل وهو يعظه: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ» (١).
فالواجب على المؤمن المبادرة بالأعمال الصالحة، قبل أن لا يقدر عليها، ويحال بينه وبينها، ومتى حيل بين الإنسان والعمل لم يبق له إلا الحسرة والأسف عليه، ويتمنى الرجوع إلى حالة يتمكن فيها من العمل فلا تنفعه الأمنية، قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ [الزمر:٥٤ - ٥٨].
الكلمة الثانية
قصة نبي الله هود ﵇ -
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فمن قصص القرآن الكريم التي ذكرها الله في كتابه قصة نبي الله هود ﵇.
«وقوم هود ﵇ -كانوا عربًا يسكنون الأحقاف وهي جبال الرمل، وكانت باليمن من عُمان وحضرموت بأرض مطلة على البحر، يُقال لها الشحر واسم واديهم مغيث، وكانوا كثيرًا ما يسكنون الخيام ذوات الأعمدة الضخام، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)﴾ [الفجر:٦ - ٨].
ويقال: إن هودًا ﵇ أول من تكلم بالعربية، وقال غيره: أول من تكلم بها نوح، وقيل: آدم، وهو الأشبه، وقيل غير ذلك. والله أعلم.
ويقال للعرب الذين كانوا قبل إسماعيل ﵇ العرب
стр. 3857
العاربة، وهم قبائل كثيرة منهم: عاد، وثمود، وجرهم، وطسم، وجديس، وأميم، ومدين، وعملاق، وعبيل، وجاسم، وقحطان، وبنو يقطن .. وغيرهم، وأما العرب المستعربة فهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل، وكان إسماعيل بن إبراهيم ﵉ أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة، وكان قد أخذ كلام العرب من جرهم، الذين نزلوا عند أمه هاجر بالحرم، وقد أنطقه الله بها في غاية الفصاحة والبيان، وكذلك كان يتلفظ بها رسول الله ﷺ .
والمقصود أن عادًا وهم عاد الأولى كانوا أول من عبد الأصنام بعد الطوفان، وكانت أصنامهم ثلاثة: صد، وصمود، وهرا، فبعث الله فيهم أخاهم هودًا ﵇ فدعاهم إلى الله كما قال تعالى بعد ذكر قوم نوح وما كان من أمرهم في سورة الأعراف: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥)﴾ [الأعراف: ٦٥]
وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾ [الحاقة:٦ - ٨].
وقال تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ
стр. 3858
مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)﴾ [الأعراف: ٦٩]، أي جعلهم أشد أهل زمانهم في الخلقة والشدة والبطش.
والمقصود أن عادًا كانوا عربًا جُفاة كافرين، عُتاة متمردين في عبادة الأصنام، فأرسل الله فيهم رجلًا منهم يدعوهم إلى الله وإلى إفراده بالعبادة والإخلاص له، فكذبوه وخالفوه وتنقصوه، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، فلما أمرهم بعبادة الله ورغبهم في طاعته واستغفاره، ووعدهم على ذلك خير الدنيا والآخرة، وتوعدهم على مخالفة ذلك عقوبة الدنيا والآخرة: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ [الأعراف: ٦٦]. أي هذا الأمر الذي تدعونا إليه سفه بالنسبة إلى ما نحن عليه من عبادة هذه الأصنام التي يُرتجى منها النصر والرزق، ومع هذا نظن أنك تكذب في دعواك أن الله أرسلك. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧)﴾ [الأعراف: ٦٧]، أي ليس الأمر كما تظنون ولا ما تعتقدون ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف: ٦٨]. والبلاغ يستلزم عدم الكذب في أصل المُبلَّغ، وعدم الزيادة فيه والنقص منه، ويستلزم إبلاغه بعبارة فصيحة وجيزة، جامعة مانعة، لا لبس فيها ولا اختلاف ولا اضطراب، وهو مع هذا البلاغ على هذه الصفة في غاية النصح لقومه
стр. 3859
والشفقة عليهم والحرص على هدايتهم، لا يبتغي منهم أجرًا ولا يطلب منهم جُعلًا، بل هو مخلص لله في الدعوة إليه والنُصح لخلقه، لا يطلب أجره إلا من الذي أرسله، فإن خير الدنيا والآخرة كله في يديه، وأمره إليه؛ ولهذا قال: ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [هود: ٥١].
أي ما لكم عقل تميزون به وتفهمون أني أدعوكم إلى الحق المبين، الذي تشهد به فطَركُم التي خُلقتم عليها، وهو دين الحق الذي بعث الله به نوحًا، وأهلك من خالفه من الخلق، وها أنا أدعوكم إليه، ولا أسألكم أجرًا عليه، بل أبتغي ذلك عند الله، مالك الضر والنفع؛ ولهذا قال مؤمن «يس»: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾ [يس: ٢١ - ٢٢]، وقال قوم هود له فيما قالوا: ﴿يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٣ - ٥٤]. يقولون: ما جئتنا بخارق يشهد لك بصدق ما جئت به، وما نحن بالذين نترك عبادة أصنامنا عن مجرد قولك، بلا دليل أقمته، ولا برهان نصبته، وما نظن إلا أنك مجنون فيما تزعمه، وعندنا إنما أصابك هذا أن بعض آلهتنا غضب عليك، فأصابك في عقلك، فاعتراك جنون بسبب ذلك، وهو قولهم: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي
стр. 3860
جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥)﴾ [هود:٥٤ - ٥٥]. وهذا تحد منه لهم وتبرُّؤ من آلهتهم، وتنقص منه لها، وبيانٌ أنها لا تنفع شيئًا ولا تضر، وأنها جماد، حُكمها حكمه وفعلها فعله، فإن كانت كما تزعمون من أنها تنصر وتنفع وتضر، فها أنا بريء منها، لاعِنٌ لها ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥]. أنتم وهي جميعًا، بجميع ما يمكنكم أن تصلوا إليه، وتقدروا عليه، ولا تؤخروني ساعة واحدة ولا طرفة عين، فإني لا أبالي بكم، ولا أفكر فيكم، ولا أنظر إليكم ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود:٥٦]. أي أنا متوكل على الله، ومتأيد به، وواثق بجنابه الذي لا يضيعُ من لاذ به، واستند إليه، فلست أبالي مخلوقًا سواه، ولست أتوكل إلا عليه، ولا أعبد إلا إياه، وهذا وحده برهان قاطع على أن هودًا عبد الله ورسوله، وأنهم على جهلٍ وضلالٍ في عبادتهم غير الله؛ لأنهم لم يصلوا إليه بسوءٍ، ولا نالوا منه مكروهًا، فدل على صدقه فيما جاءهم به، وبُطلان ما هم عليه، وفساد ما ذهبوا إليه.
وقد ذكر الله تعالى خبر إهلاكهم في غير ما آية، كما تقدم مُجملًا ومفصلًا؛ كقوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:٧٢]. وكقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ
стр. 3861
وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)﴾ [هود:٥٨ - ٦٠]. وكقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١]. وقال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)﴾ [الشعراء:١٣٩ - ١٤٠].
وأما تفصيل إهلاكهم، فكما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف:٢٤]. كان هذا أول ما ابتدأهم العذاب؛ أنهم كانوا مُمحلين مُسنتين (١)، فطلبوا السُّقيا، فرأوا عارضًا في السماء وظنوه سُقيا رحمة، فإذا هو سُقيا عذاب؛ ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ [الأحقاف: ٢٤] أي من وُقوع العذاب، وهو قولهم: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢)﴾ [الأحقاف: ٢٢].
وقد ثبت في الصحيحين من حديث شُعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» (٢). وأما قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا
стр. 3862
تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف:٢١]. فالظاهر أن عادًا هذه هي عادٌ الأولى، فإن سياقها شبيه بسياق قوم هود، وهم الأولى، ويحتمل أن يكون المذكورون في هذه القصة هم عادٌ الثانية، ويدل عليه ما ذكرنا، وما سيأتي من الحديث عن عائشة ﵂، وأما قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]. فإن عادًا لما رأوا هذا العارض، وهو الناشئ في الجو كالسحاب، ظنوه سحاب مطر، فإذا هو سحاب عذاب، اعتقدوه رحمة فإذا هو نقمة، رجوا فيه الخير فنالوا منه غاية الشر، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٤]. أي من العذاب، ثم فسره بقوله: ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤].
يحتمل أن ذلك العذاب هو ما أصابهم من الريح الصرصر العاتية الباردة، الشديدة الهبوب، التي استمرت عليهم سبع ليال بأيامها الثمانية، فلم تُبق منهم أحدًا، بل تتبعتهم حتى كانت تدخل عليهم كهوف الجبال والغيران، فتلفهم وتُخرجهم وتُهلكهم، وتدمر عليهم البيوت المحكمة، والقصور المشيدة، فكما مُنُوا بقوتهم وشدتهم، وقالوا: من أشد منا قوة؟ سلط الله - الذي هو أشد منهم قوة - عليهم ما هو أشد منهم قوة وأقدر عليهم، وهو الريح العقيم، ويحتمل أن هذه الريح أثارت في آخر الأمر سحابة ظن من بَقى منهم أنها سحابة فيها رحمة بهم، وغِياثٌ لمن بَقِي منهم، فأرسلها الله عليهم شررًا ونارًا، كما ذكره غير
стр. 3863
واحد، ويكون هذا كما أصاب أصحاب الظلة من أهل مدين، وجمع لهم بين الريح الباردة وعذاب النار، وهو أشد ما يكون من العذاب بالأشياء المختلفة المتضادة.
وظاهر الآية أنهم رأوا عارضًا، والمفهوم منه لغةً السحاب، كما دل عليه حديث الحارث بن حسان البكري، إن جعلناه مفسرًا لهذه القصة، وأصرح منه في ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا عصفت الريح قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيْهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيْهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ». قالت: وإذا تخيَّلت السماء تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا أمطرت سُرِّي عنه، فعرفت ذلك عائشة، فسألته، فقال: «لَعَلَّهُ، يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]» (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعًا ضاحكًا قط حتى أرى منه لَهَواتِه، إنما كان يتبسم، وقالت: كان إذا رأى غيمًا أو ريحًا عُرف ذلك في وجهه، قالت: يا رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا؛ رجاء أن يكون فيه
стр. 3864
المطر، وأراك إذا رأيته عُرف في وجهك الكراهية؟ فقال: «يَا عَائِشَةُ! مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ، قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ العَذَابَ؛ فَقَالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]» (١).
فهذا الحديث كالصريح في تغاير القصتين كما أشرنا إليه أولًا، فعلى هذا تكون القصة المذكورة في سورة الأحقاف خبرًا عن قوم عادٍ الثانية، وتكون بقية السياقات في القرآن خبرًا عن عاد الأولى. والله أعلم (٢)».
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3865
الكلمة الثالثة
بعض الفوائد من قصة نبي الله هود ﵇ -
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١]، وقال تعالى في آخر قصص الأنبياء من سورة هود: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
ومن هذه العبر والمواعظ:
الأولى: أن الله يبعث لكل أمة رسولًا من أنفسهم يعرفون نسبه، ويدركون نشأته ليتمكنوا من الأخذ عنه والعلم بصدقه والفهم لما يبلغه لهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤].
стр. 3866
الثانية: ينبغي للداعي في أول دعوته لقومه أن يخاطبهم بألطف الأقوال وألينها، ولهذا قال هود لقومه: ياقوم.
الثالثة: أن أعظم ما أمر الله به خلقه وبعث به رسله هو عبادته وحده لا شريك له، قال هود: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ [هود: ٥٠]، وهذه الكلمة الحق التي دعا إليها جميع الرسل.
الرابعة: على الداعي أن يبين الدليل على صحة ما يدعو إليه، حتى وإن كان ما يدعو إليه حقًّا ظاهرًا لا خفاء فيه؛ كالدعوة إلى عبادة الله وحده، فإن هودًا ﵇ لما دعا قومه إلى عبادة الله ذكر لهم الدليل على أنه سبحانه المستحق أن يعبدوه وحده فقال: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. وهذه حقيقة يعرفها جميع الخلق وتستيقنها أنفسهم، وتشهد بها الآيات في أنفسهم وفيما حولهم، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣].
الخامسة: أن اللين في الدعوة إلى الله وإن كان مطلوبًا في أول الدعوة، فلا يلزم استمراره دائمًا، فإذا احتاج الداعي إلى الشدة وجب عليه استعمالها لاسيما على من ظهر عناده بعد قيام الحق عليه، وبذلك قال هود لقومه: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾.
стр. 3867
وقد أمر الله موسى ﵇ أن يقول لفرعون قولًا ليِّنًا فلما عاند وكابر قال له موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢)﴾ [الإسراء: ١٠٢]، وهذه طريقة جميع الأنبياء وأدلتها كثيرة في الكتاب والسنة. فليعلم الدعاة أن القول اللين، له مواضع لايصلح فيها الشدة، وأن الشدة لها مواضع لايصلح فيها اللين، فمن الحكمة وضع كل شيء في موضعه: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
السادسة: لاينجح الداعية في دعوته إلا بأن يكون مخلصًا فيها لايطلب ثوابها إلا من الله تعالى، قال هود: ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [هود: ٥١].
فمن كان مستقيمًا في نفسه ولايسأل الناس أجرًا على دعوته لهم فإنه واجب الاتباع، ولذلك قال مؤمن آل يس لقومه: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢١].
стр. 3868
السابعة: من قدم خيرًا وأخذ جزاءه فلا لوم عليه، ولكن لاعبرة في هذا، إنما العبرة فيمن يقدم خيرًا عظيمًا فيه النجاة والسعادة التامة ثم لايأخذ عليه جزاء، فإن هذا دليل على أنه مرسل من ربه الذي فطره وصوره وشق سمعه وبصره؛ فهو لايأخذ أجرًا إلا منه. كما يدل أيضًا على كمال نصيحته لمن نصح له وهؤلاء هم رسل الله، ومن اقتدى بهم وسار على طريقهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٩٠]. ولهذا قال هود لقومه: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
الثامنة: من أهم ما ينبغي للداعي إلى الله أن يدعو الناس إلى أن يستغفروا ربهم ويتوبوا إليه، فالاستغفار لما مضى، أما التوبة فلما يستقبل، فالعبد لايستقيم حاله حتى يستغفر ربه مما بدر منه ولاينسى ماقدمت يداه، وأن يحدث لكل ذنب توبة، قال هود لقومه: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢].
التاسعة: على الداعي أن يدل الناس على كل خير يعلمه لهم سواء في الدنيا أو في الآخرة، وقد بين هود ﵇ -لقومه أن الاستغفار والتوبة وسيلة إلى إدرار المطر وحفظ الصحة وزيادة القوة ودفع الأسقام،
стр. 3869
قال هود ﵇: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢].
والفوائد من هذه القصة كثيرة ولعلنا نعود إليها في كلمة أخرى.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3870
الكلمة الرابعة
قصة نبي الله صالح ﵇ -
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فمن قصص القرآن الكريم التي ذكرها الله في كتابه قصة قوم صالح ﵇، وهم قبيلة مشهورة يقال لهم ثمود باسم جدهم ثمود أخي جديس، وهما ابنا عابر بن أرم بن سام بن نوح، وكانوا عربًا من العاربة، يسكنون الحجر الذي بين الحجاز وتبوك، وكانوا بعد قوم عاد، وكانوا يعبدون الأصنام كأولئك، فبعث الله فيهم رجلًا منهم وهو عبد الله ورسوله صالح بن عبيد بن ماسخ بن عبيد بن حاجر بن ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يتركوا الأصنام والأنداد ولا يشركوا به شيئًا، فآمنت به طائفة منهم، وكفر جمهورهم، ونالوا منه بالمقال والفعال وهموا بقتله، وقتلوا الناقة التي جعلها الله حجة عليهم، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ
أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)﴾ [الشعراء: ١٤١ - ١٥٩].
والمقصود ذكر قصتهم وما كان من أمرهم، وكيف نجى الله نبيه صالحًا ﵁ ومن آمن به، وكيف قطع دابر القوم الذين ظلموا بكفرهم، وعُتوهم، ومخالفتهم رسولهم ﵇، وقد قدَّمنا أنهم كانوا عربًا، وكانوا بعد عادٍ، ولم يعتبروا بما كان من أمرهم؛ ولهذا قال لهم نبيهم ﵁: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)﴾ [الأعراف: ٧٣ - ٧٤].
أي إنما جعلكم خلفاء من بعدهم لتعتبروا بما كان من أمرهم، وتعملوا بخلاف عملهم، وأباح لكم هذه الأرض تبنون في سهولها القصور، وتنحتون من الجبال بيوتًا فارهين،
стр. 3873
أي حاذقين في صنعتها وإتقانها وإحكامها، فقابِلُوا نعمة الله بالشكر والعمل الصالح والعبادة له وحده لا شريك له، وإياكم ومخالفته، والعدول عن طاعته؛ فإن عاقبة ذلك وخيمة، ولهذا وعظهم بقوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨)﴾ [الشعراء:١٤٦ - ١٤٨] أي متراكم، كثير، حسن، بهي، ناضج ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢)﴾ [الشعراء:١٤٩ - ١٥٢]. وقال لهم أيضًا: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]. أي هو الذي خلقكم فأنشأكم من الأرض، وجعلكم عُمَّارها، أي أعطاكموها بما فيها من الزروع والثمار، فهو الخالق الرزاق، فهو الذي يستحق العبادة وحده لا سواه ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٦١].
أي أقلعوا عما أنتم فيه، وأقبلوا على عبادته، فإنه يقبل منكم ويتجاوز عنكم ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢)﴾ [هود: ٦١ - ٦٢]. أي قد كنا نرجو أن يكون عقلك كاملًا قبل هذه المقالة؛ وهي دعاؤك إيانا إلى إفراد العبادة للَّه وحده، وترك
стр. 3874
ما كنا نعبده من الأنداد، والعدول عن دين الآباء والأجداد، ولهذا قالوا: ﴿يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣)﴾ [هود: ٦٢ - ٦٣].
وهذا تلطف منه لهم في العبارة، ولين الجانب، وحُسن تأتٌ في الدعوة لهم إلى الخير، أي فما ظنكم إن كان الأمر كما أقول لكم وأدعوكم إليه؟ ماذا عذركم عند الله؟ وماذا يُخلصكم بين يديه، وأنتم تطلبون مني أن أترك دُعاءكم إلى طاعته؟ وأنا لا يمكنني هذا؛ لأنه واجب علي، ولو تركته لما قدر أحد منكم ولا من غيركم أن يُجيرني منه، ولا ينصرني، فأنا لا أزال أدعوكم إلى الله وحده لا شريك له حتى يحكم الله بيني وبينكم، وقالوا له أيضًا ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] أي من المسحورين، يعنون: مسحورًا لا تدري ما تقول في دعائك إيانا إلى إفراد العبادة للَّه وحده، وخلع ما سواه من الأنداد، وهذا القول عليه الجمهور؛ أن المراد بالمسحرين المسحورون، وقيل: من المُسَحَّرين أي ممن له سحر - وهي الرِّئَةُ - كأنهم يقولون: إنما أنت بشر له سحر. والأول أظهر؛ لقولهم بعد هذا: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾، وقولهم: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. سألوه أن يأتيهم بخارقٍ يدل على
стр. 3875
صدق ما جاءهم به: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦)﴾ [الشعراء: ١٥٥ - ١٥٦]، وقال: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣]، وقال: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ [الإسراء: ٥٩].
وقد ذكر المفسرون أن ثمود اجتمعوا يومًا في ناديهم، فجاءهم رسول الله صالح ﵇ فدعاهم إلى الله تعالى وذكَّرهم وحذَّرهم ووعظهم وأمرهم، فقالوا له: إن أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة - وأشاروا إلى صخرةٍ هناك - ناقة من صفتها كيت وكيت - وذكروا أوصافًا سموها ونعتوها وتعنَّتوا فيها - وأن تكون عُشراء طويلة، من صفتها كذا وكذا، فقال لهم النبي صالح ﵇: أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذي طلبتم، أتؤمنون بما جئتكم به وتصدقوني فيما أُرسلت به؟ قالوا: نعم، فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك، ثم قام إلى مُصلَّاه، فصلى لله ما قُدِّر له، ثم دعا ربه أن يُجيبهم إلى ما طلبوا، فأمر الله تلك الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة كوماء، عُشراء، على الوجه الذي طلبوا، وعلى الصفة التي نعتوا، فلما عاينوها كذلك، رأوا أمرًا عظيمًا، ومنظرًا هائلًا، وقدرة باهرة، ودليلًا قاطعًا وبُرهانًا ساطعًا، فآمن كثير
стр. 3876
منهم، واستمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم، ولهذا قال: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾، أي: جحدوا بها ولم يتبعوا الحق بسببها - أي: أكثرهم.
ولهذا قال لهم صالح ﵇: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ أضافها للَّه إضافة تشريف وتعظيم؛ كقوله: بيت الله، وعبد الله. ﴿لَكُمْ آيَةٌ﴾ أي: دليلًا على صدق ما جئتكم به ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فاتفق الحال على أن تبقى هذه الناقة بين أظهرهم ترعى حيث شاءت من أرضهم، وترد الماء يومًا بعد يوم، وكانت إذا وردت الماء تشرب ماء البئر يومها ذلك، فكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم لغدهم، ويقال: إنهم كانوا يشربون من لبنها كفايتهم، ولهذا قال: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ أي اختبارًا لهم، أيؤمنون بها، أم يكفرون؟ والله أعلم بما يفعلون: ﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾ أي: انتظر ما يكون من أمرهم ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ على أذاهم، فسيأتيك الخبر على جَلية ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٧ - ٢٨]. فلما طال عليهم الحال هذا، اجتمع ملؤهم، واتفق رأيهم على أن يعقروا هذه الناقة؛ ليستريحوا منها، ويتوفر عليهم ماؤهم، وزيَّن لهم الشيطان أعمالهم، قال الله تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ
стр. 3877
أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)﴾ [الأعراف: ٧٧]. وكان الذي تولى قتلها منهم رئيسهم قُدار ابن سالف بن جُندع، وكان أحمر أزرق قصيرًا، وكان فعله ذلك باتفاق جميعهم؛ فلهذا نُسب الفعل إلى جميعهم كلهم.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن زمعة ﵁ قال: خطب رسول الله ﷺ فذكر الناقة وذكر الذي عقرها فقال: «﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ إِذِ انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَارِمٌ عَزِيزٌ مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ» (١). أي رئيس منيع، أي مطاع في قومه.
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عمار بن ياسر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أَلَا أُحَدِّثُكُمَا بِأَشْقَى النَّاسِ رَجُلَيْنِ؟» فَقُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ، وَالَّذِي يَضْرِبُكَ يَا عَلِيُّ عَلَى هَذِهِ - يَعْنِي قَرْنَهُ - حَتَّى تُبَلَّ مِنْهُ هَذِهِ» يَعْنِي لِحْيَتَهُ (٢).
وقال تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)﴾ [الأعراف: ٧٧]. فجمعوا في كلامهم هذا بين كُفر بليغ من وجوهٍ؛ منها: أنهم
стр. 3878
خالفوا الله ورسوله في ارتكابهم النهي الأكيد في عقر الناقة التي جعلها الله لهم آية، ومنها: أنهم استعجلوا وقوع العذاب بهم، فاستحقوه من وجهين؛ أحدهما: الشرط عليهم في قوله: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وفي آية ﴿قَرِيبٌ﴾ والكل حق. والثاني: استعجالهم على ذلك. ومنها: أنهم كذَّبوا الرسول الذي قد قام الدليل القاطع على نبوته وصدقه، وهم يعلمون ذلك علمًا جازمًا، ولكن حملهم الكفر والضلال والعناد على استبعاد الحق، ووقوع العذاب بهم، قال الله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]. وذكروا أنهم لما عقروا الناقة، كان أول من شدَّ عليها قُدار بن سالف لعنه الله، فعرقبها، فسقطت إلى الأرض، ثم ابتدروها بأسيافهم يُقطعونها، فلما عاين ذلك سَقْبُها، وهو ولدها، شَرَد عنهم فَعَلا أعلى الجبل هناك، ورغا ثلاث مراتٍ؛ فلهذا قال لهم صالح: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ أي غير يومهم ذلك، فلم يصدقوه أيضًا في هذا الوعد الأكيد، بل لما أمسوا همُّوا بقتله، وأرادوا فيما يزعمون أن يُلحقوه بالناقة ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: لنكبسنه في داره مع أهله، فلنقتلنه، ثم نجحدن قتله، ونُنكرن ذلك إن طالبنا أولياؤه بدمه؛ ولهذا قالوا: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا
стр. 3879
وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)﴾ [النمل: ٥٠ - ٥٣].
وذلك أن الله تعالى أرسل إلى أولئك النفر الذين قصدوا قتل صالح حجارة رضختهم، سلفًا وتعجيلًا قبل قومهم، وأصبحت ثمود يوم الخميس، وهو اليوم الأول من أيام النظرة، ووجوهم مُصفرة كما أنذرهم صالح ﵇، فلما أمسوا نادوا بأجمعهم: ألا قد مضى يوم من الأجل، ثم أصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل، وهو يوم الجمعة، ووجوههم محمرة، فلما أمسوا نادوا: ألا قد مضى يومان من الأجل، ثم أصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع، وهو يوم السبت، ووجوههم مسودة، فلما أمسوا نادوا: ألا قد مضى الأجل، فلما كان صبيحة يوم الأحد، تحنطوا وتأهبوا وقعدوا ينتظرون ماذا يحل بهم من العذاب والنكال والنقمة، لا يدرون كيف يُفعل بهم، ولا من أي جهة يأتيهم العذاب، فلما أشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء من فوقهم، ورجفة شديدة من أسفل منهم، ففاضت الأرواح وزهقت النفوس، وسكنت الحركات، وخشعت الأصوات، وحُقت الحقائق ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ جُثثًا لا أرواح فيها ولا حراك بها، قالوا: ولم يبق منهم أحدٌ إلا جارية
стр. 3880
كانت مقعدة، واسمها: كلبة بنت السلق، ويقال لها: الزُّرَيْعَةُ، وكانت شديدة الكفر والعداوة لصالح ﵇، فلما رأت العذاب أُطلقت رجلاها، فقامت تسعى كأسرع شيء، فأتت حيًّا من العرب، فأخبرتهم بما رأت وما حل بقومها، واستسقتهم ماء، فلما شربت ماتت، قال الله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أي: لم يُقيموا فيها في سعة ورزق وغَناءٍ ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ أي: نادى عليهم لسان القدر بهذا.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث جابر ﵁ قال: لما مر رسول الله ﷺ بالحجر، قال: «لَا تَسْأَلُوا الْآيَاتِ، فَقَدْ سَأَلَهَا قَوْمُ صَالِحٍ فَكَانَتْ - يَعْنِي النَّاقَةَ - تَرِدُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ، وَتَصْدُرُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ، فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ، فَعَقَرُوهَا، وَكَانَتْ تَشْرَبُ مَاءَهُمْ يَوْمًا، وَيَشْرَبُونَ لَبَنَهَا يَوْمًا، فَعَقَرُوهَا، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، فَأَهْمَدَ اللَّهُ مَنْ تَحْتَ السَّمَاءِ مِنْهُمْ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا، كَانَ فِي حَرَمِ اللَّهِ» قِيلَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: «أَبُو رِغَالٍ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ أَصَابَهُ مَا أَصَابَ قَوْمَهُ» (١).
وقال تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)﴾. إخبار عن
стр. 3881
صالح ﵇ أنه خاطب قومه بعد هلاكهم، وقد أخذ في الذهاب عن محلتهم إلى غيرها، قائلًا لهم: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ أي: جَهَدت في هدايتكم بكل ما أمكنني، وحرصت على ذلك بقولي وفعلي ونيتي ﴿وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ أي: لم تكن سجاياكم تقبل الحق ولا تريده؛ فلهذا صرتم إلى ما أنتم فيه من العذاب الأليم المستمر بكم، المتصل إلى الأبد، وليس لي فيكم حيلة ولا لي بالدفع عنكم يدان، والذي وجب عليَّ من أداء الرسالة والنصح لكم قد فعلته وبذلته لكم، ولكن الله يفعل ما يريد، وهكذا خاطب النبي ﷺ أهل قَلِيب بدر بعد ثلاث ليالٍ، وقف عليهم، وقد ركب راحلته وأمر بالرحيل من آخر الليل، فقال: «يَا أَهْلَ الْقَلِيبِ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا» (١). فقال له عمر: يا رسول الله، تُخاطب أقوامًا قد جَيفوا؟ فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يُجِيبُون». ويقال: إن صالحًا ﵇ انتقل إلى حرم الله، فأقام به حتى مات (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3882
الكلمة الخامسة
فوائد من قصة نبي الله صالح ﵇ -
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فاستكمالًا للحديث عن نبي الله صالح ﵇، هذه بعض الفوائد من قصته:
الفائدة الأولى في قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢)﴾ [هود: ٦٢] ومعنى هذه الآية أن صالحًا ﵇ كان معزَّزًا في قومه قبل أن يدعوهم إلى عبادة الله والإيمان به، فلما جاءهم بالحق سقط من أعينهم واحتقروه، فلم يصده ذلك عن دينه ولم يترك دعوته للاحتفاظ بمكانته عندهم. فينبغي للداعية إلى الله أن يعرف هذا جيِّدًا ويعلم إذا حصل له مثل هذا أن له أسوة حسنة فيمن كان قبله من الأنبياء والصالحين. وقد كان رسول الله ﷺ يُدعى في مكة الصادق الأمين، فلما قام يدعو إلى الله تعالى قالوا: ساحر كذاب؛ لذلك قصَّ الله
стр. 3883
عليه ما جرى لمن كان قبله من الأنبياء ليثبت بها فؤاده، قال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾ [الأنعام: ٣٣ - ٣٤].
ومما يذكر هنا قصة إسلام عبد الله بن سلام ﵁ سيد قومه وماذا قالوا له بعد إسلامه، فأذكر الحديث بطوله لما فيه من الفوائد. روى البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁، قَالَ: بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ مَقْدَمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ، قَالَ: مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الجَنَّةِ؟ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَنْزِعُ الوَلَدُ إِلَى أَبِيهِ؟ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَنْزِعُ إِلَى أَخْوَالِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «خَبَّرَنِي بِهِنَّ آنِفًا جِبْرِيلُ». قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ذَاكَ عَدُوُّ اليَهُودِ مِنَ المَلَائِكَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إِلَى المَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، وَأَمَّا الشَّبَهُ فِي الوَلَدِ: فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَشِيَ المَرْأَةَ فَسَبَقَهَا مَاؤُهُ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ، وَإِذَا سَبَقَ مَاؤُهَا كَانَ الشَّبَهُ لَهَا». قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ اليَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ، إِنْ عَلِمُوا بِإِسْلَامِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ بَهَتُونِي عِنْدَكَ، فَجَاءَتِ اليَهُودُ - وفي رواية: - ودخل
стр. 3884
عبد الله البيت (١)
- فَقَالَ النبيُّ ﷺ : «أيُّ رَجُلٍ عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ فِيكُمْ؟» قالوا: خَيْرُنَا وابنُ خَيْرِنَا، وأَفْضَلُنَا وابنُ أفْضَلِنَا، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : «أرَأَيْتُمْ إنْ أسْلَمَ؟» قالوا: أعَاذَهُ اللَّهُ مِن ذلكَ، فأعَادَ عليهم فَقالوا مِثْلَ ذلكَ، فَخَرَجَ إليهِم عبدُ اللَّهِ فَقَالَ: أشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قالوا: شَرُّنَا وابنُ شَرِّنَا، وتَنَقَّصُوهُ، قَالَ: هذا كُنْتُ أخَافُ يا رَسولَ اللَّهِ (٢).
الفائدة الثانية:
في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)﴾ [القمر: ٢٣ - ٢٤].
ومعنى أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ، أي نسلِم أمرنا جميعًا لواحد منا؛ وهذا في نظرهم منكر ليس بمعقول. وترك الحق لقلة أهله وقلة ناصريه أو اتباع الباطل لكثرة أهله هو داء في الناس من قديم، إلا أنه فشا في هذا الزمان فشوًّا منكرًا، وذلك تصديق ما أخبر به النبي ﷺ في حديث أبي هريرة ﵇ عندما قال: «بَدَأَ الإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيباً، فَطُوبى لِلْغُرَبَاءِ» (٣)، قالوا: ومَنِ الغرباءُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: «أُنَاسٌ صَالِحُونَ فِي
стр. 3885
أُنَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ، مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ» (١).
وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦].
قال الفضيل بن عياض ﵀: «اتبع طريق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين» اللَّهم ثبتنا على الحق حتى نلقاك.
الفائدة الثالثة: في حكم الراضي كالفاعل في أحكام الآخرة وعند الله تعالى، أما أحكام الدنيا واستنباطها من قصة ثمود فقد ذكر الله في كتابه أن الذي عقر الناقة واحد فقال تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ وقال أيضًا: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ بصيغة الجمع، وقال النبي ﷺ : «﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارِمٌ، مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ، مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ» (٢).
وقال تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ فدلت الآيات المتقدمة والحديث أن الذي تولى عقر الناقة واحد
стр. 3886
ورضي الباقون بذلك، لذلك أضاف الفعل في بعض الآيات إليهم جميعًا فقال: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ فعمهم الله بعذاب ولم ينجو منهم إلا من لم يرض بذلك وهم المؤمنون؛ ففيه دليل على أن الراضي كالفاعل، كيف لا! والرضى عمل من أعظم أعمال القلوب بل هو مقدمها، فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يَا أَبَا سَعِيد! مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» (١) الحديث.
وقال الله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ فدلت الآية على أن الله يرضى الشكر من عباده ويحبه ويبغض الكفر منهم، وهو غني عنهم، فمن رضي ما رضيه الله ورسوله فذاك مؤمن، ومن لم يرض ما رضيه الله ورسوله، فليس من الله ورسوله في شيء. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾ [الأنعام:١١٢ - ١١٣] فدلت الآية على أن الرضا عمل من الأعمال، ولذلك ذمهم الله عليه. فليحذر المسلم من أن يرضى ما لم يرضه الله ورسوله من أعمال الكفار والفاسقين فيدخل مدخلهم ويصيبه ما يصيبهم
стр. 3887
ويحمل من الوزر مثل ما يحملون وإن لم يعمل مثل عملهم. روى أبو داود في سننه من حديث العرس بن عميرة الكندي ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الْأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا - وقال مرة: أنكرها - كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا وَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا» (١). قال ابن رجب: «من شهد الخطيئة فكرهها في قلبه كان كمن لم يشهدها إذا عجز عن إنكارها بلسانه ويده، ومن غاب عنها فرضيها، كان كمن شهدها وقدر على إنكارها ولم ينكرها، لأن الرضا بالخطايا من أقبح المحرمات ويفوت به إنكار الخطيئة بالقلب، وهو فرض على كل مسلم لا يسقط عن أحد في كل حال من الأحوال. ا. هـ (٢).
قلت: ولا يبعد أن يخرج المسلم من الدين إذا كان ما رضي به كفرًا، وإن كان دون ذلك فهو على حسبه. وهذا المعنى هو الذي أردنا الإشارة إليه والتحذير منه.
وفي معنى ما تقدم ما رواه ابن ماجه في سننه من حديث جرير ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي هُمْ أَعَزُّ مِنْهُمْ وَأَمْنَعُ لَا يُغَيِّرُونَ إِلا عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ» (٣).
стр. 3888
فهؤلاء قوم رضوا بالمعاصي أن تعمل بينهم وهم يستطيعون أن يغيروها فلم يغيروا فعمهم العذاب وإن كانوا لم يعملوها لرضاهم بها.
أما ما يتعلق بأحكام الدنيا فلا تجري إلا على من أظهر الفعل والقول، فيقام الحد على الزاني والقاذف والقاتل ولا يقام على من رضي بذلك، لأن الرضى من أعمال القلوب التي لا يعلم خفاياها إلا خالقها، والله تعالى أعلم. والمسألة تحتاج إلى بسط أكثر وإنما قصدت الإشارة، والله الموفق.
وفي رواية: «لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ... » وفيها: «ثُمَّ تَقَنَّعَ بِرِدَائِهِ وَهُوَ عَلَى الرَّحْلِ» (١).
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عمر قال: نزل رسول الله ﷺ بالناس عام تبوك، نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من الآبار التي كانت يشرب منها ثمود، فعجنوا منها ونصبوا لها القدور باللحم، فأمرهم النبي ﷺ فأهراقوا القدور، وعلفوا العجين الإبل، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا، وقال: «إِنِّي أَخْشَى أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ، فَلَا
стр. 3889
تَدْخُلُوا عَلَيْهِم» (١).
وبقي بعض الفوائد لعلي أستكملها في كلمة قادمة.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3890
الكلمة السادسة
قصة سحرة فرعون لعنه الله
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩)﴾ [طه: ٥٦ - ٥٩].
«يخبر تعالى عن شقاء فرعون وكثرة جهله، وقلة عقله في تكذيبه بآيات الله، واستكباره عن اتباعها، وقوله لموسى: إن هذا الذي جئت به سحر ونحن نعارضك بمثله، ثم طلب من موسى أن يواعده إلى وقت معلوم، ومكان معلوم، وكان هذا من أكبر مقاصد موسى ﵇، أن يظهر آيات الله وحججه وبراهينه جهرة بحضرة الناس، ولهذا قال: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ وكان يوم عيد من أعيادهم ومجتمع لهم ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ أي من أول النهار في وقت اشتداد ضياء الشمس فيكون الحق