ورضي الباقون بذلك، لذلك أضاف الفعل في بعض الآيات إليهم جميعًا فقال: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ فعمهم الله بعذاب ولم ينجو منهم إلا من لم يرض بذلك وهم المؤمنون؛ ففيه دليل على أن الراضي كالفاعل، كيف لا! والرضى عمل من أعظم أعمال القلوب بل هو مقدمها، فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يَا أَبَا سَعِيد! مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» (١) الحديث.
وقال الله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ فدلت الآية على أن الله يرضى الشكر من عباده ويحبه ويبغض الكفر منهم، وهو غني عنهم، فمن رضي ما رضيه الله ورسوله فذاك مؤمن، ومن لم يرض ما رضيه الله ورسوله، فليس من الله ورسوله في شيء. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾ [الأنعام:١١٢ - ١١٣] فدلت الآية على أن الرضا عمل من الأعمال، ولذلك ذمهم الله عليه. فليحذر المسلم من أن يرضى ما لم يرضه الله ورسوله من أعمال الكفار والفاسقين فيدخل مدخلهم ويصيبه ما يصيبهم
стр. 3887
ويحمل من الوزر مثل ما يحملون وإن لم يعمل مثل عملهم. روى أبو داود في سننه من حديث العرس بن عميرة الكندي ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الْأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا - وقال مرة: أنكرها - كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا وَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا» (١). قال ابن رجب: «من شهد الخطيئة فكرهها في قلبه كان كمن لم يشهدها إذا عجز عن إنكارها بلسانه ويده، ومن غاب عنها فرضيها، كان كمن شهدها وقدر على إنكارها ولم ينكرها، لأن الرضا بالخطايا من أقبح المحرمات ويفوت به إنكار الخطيئة بالقلب، وهو فرض على كل مسلم لا يسقط عن أحد في كل حال من الأحوال. ا. هـ (٢).
قلت: ولا يبعد أن يخرج المسلم من الدين إذا كان ما رضي به كفرًا، وإن كان دون ذلك فهو على حسبه. وهذا المعنى هو الذي أردنا الإشارة إليه والتحذير منه.
وفي معنى ما تقدم ما رواه ابن ماجه في سننه من حديث جرير ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي هُمْ أَعَزُّ مِنْهُمْ وَأَمْنَعُ لَا يُغَيِّرُونَ إِلا عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ» (٣).
стр. 3888
فهؤلاء قوم رضوا بالمعاصي أن تعمل بينهم وهم يستطيعون أن يغيروها فلم يغيروا فعمهم العذاب وإن كانوا لم يعملوها لرضاهم بها.
أما ما يتعلق بأحكام الدنيا فلا تجري إلا على من أظهر الفعل والقول، فيقام الحد على الزاني والقاذف والقاتل ولا يقام على من رضي بذلك، لأن الرضى من أعمال القلوب التي لا يعلم خفاياها إلا خالقها، والله تعالى أعلم. والمسألة تحتاج إلى بسط أكثر وإنما قصدت الإشارة، والله الموفق.
وفي رواية: «لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ... » وفيها: «ثُمَّ تَقَنَّعَ بِرِدَائِهِ وَهُوَ عَلَى الرَّحْلِ» (١).
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عمر قال: نزل رسول الله ﷺ بالناس عام تبوك، نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من الآبار التي كانت يشرب منها ثمود، فعجنوا منها ونصبوا لها القدور باللحم، فأمرهم النبي ﷺ فأهراقوا القدور، وعلفوا العجين الإبل، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا، وقال: «إِنِّي أَخْشَى أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ، فَلَا
стр. 3889
تَدْخُلُوا عَلَيْهِم» (١).
وبقي بعض الفوائد لعلي أستكملها في كلمة قادمة.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3890
الكلمة السادسة
قصة سحرة فرعون لعنه الله
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩)﴾ [طه: ٥٦ - ٥٩].
«يخبر تعالى عن شقاء فرعون وكثرة جهله، وقلة عقله في تكذيبه بآيات الله، واستكباره عن اتباعها، وقوله لموسى: إن هذا الذي جئت به سحر ونحن نعارضك بمثله، ثم طلب من موسى أن يواعده إلى وقت معلوم، ومكان معلوم، وكان هذا من أكبر مقاصد موسى ﵇، أن يظهر آيات الله وحججه وبراهينه جهرة بحضرة الناس، ولهذا قال: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ وكان يوم عيد من أعيادهم ومجتمع لهم ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ أي من أول النهار في وقت اشتداد ضياء الشمس فيكون الحق
стр. 3891
أظهر وأجلى، ولم يطلب أن يكون ذلك ليلًا في ظلام، كيما يروج عليهم محالًا وباطلًا، بل طلب أن يكون نهارًا جهرة؛ لأنه على بصيرة من ربه، ويقين أن الله سيظهر كلمته ودينه، وإن رغمت أنوف القِبْط.
قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤)﴾ [طه: ٦٠ - ٦٤].
يخبر تعالى عن فرعون أنه ذهب، فجمع من كان ببلاده من السحرة، وكانت بلاد مصر في ذلك الزمان مملوءة سحرة، محترفين، في فنهم غاية، فجُمعوا له من كل بلد، ومن كل مكان، فاجتمع منهم خلقٌ كثير وجمٌّ غفير، فقيل: كانوا ثمانين ألفًا، قاله محمد بن كعب، وقيل: سبعين ألفًا، قاله القاسم بن أبي بزة، وقال السُّدي: بضعة وثلاثين ألفًا، وعن أبي أمامة: تسعة عشر ألفًا. وقال محمد بن إسحاق: خمسة عشر ألفًا. وقال كعب الأحبار: كانوا اثني عشر ألفًا، وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: كانوا سبعين رجلًا.
وحضر فرعون وأمراؤه وأهل دولته وأهل مصر عن
стр. 3892
بكرة أبيهم؛ وذلك أن فرعون نادى فيهم أن يحضروا هذا الموقف العظيم، فخرجوا وهم يقولون: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء: ٤٠]. وتقدم موسى ﵇ إلى السحرة فوعظهم وزجرهم عن تعاطي السحر الباطل، الذي فيه معارضة لآيات الله وحُججه، فقال: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢)﴾ [سورة طه:٦١ - ٦٢] قيل: معناه أنهم اختلفوا فيما بينهم؛ فقائل يقول: هذا كلام نبي وليس بساحر، وقائل منهم يقول: بل هو ساحر، فالله أعلم. وأسروا التناجي بهذا وغيره: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾ يقولون: إن هذا وأخاه هارون ساحران عليمان، مُتقنان لهذه الصناعة، ومرادهما أن يجتمع الناس عليهما، ويصولان على الملك وحاشيته، ويستأصلاكم عن آخركم، ويستأمرا عليكم بهذه الصناعة: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ وإنما قالوا الكلام الأول ليتدبروا ويتواصوا، ويأتوا بجميع ما عندهم من المكيدة والمكر والخديعة والسحر والبُهتان، وهيهات، كذبت والله الظنون، وأخطأت الآراء، أنَّى يُعارض البهتان والسحر والهذيان خوارق العادات، التي أجراها الديَّان على يدي عبده الكليم ورسوله الكريم، المؤيد بالبرهان الذي يبهر الأبصار، وتحار
стр. 3893
فيه العقول والأذهان، وقولهم ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ أي جميع ما عندكم، ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه: ٦٠ - ٦٤] أي جملة واحدة، ثم حض بعضهم بعضًا على التقدم في هذا المقام؛ لأن فرعون كان قد وعدهم ومنّاهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا.
قال تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾ [طه: ٦٥ - ٦٩]. لما اصطف السحرة ووقف موسى وهارون ﵉ تُجاههم قالوا له: إما أن تُلقي قبلنا، وإما أن نُلقي قبلك. قال: بل ألقوا أنتم، وكانوا قد عمدوا إلى حبال وعصي، فأودعوها الزئبق وغيره من الآلات التي تضطرب بسببها تلك الحبال والعصي اضطرابًا يُخيل للرائي أنها تسعى باختيارها، وإنما تتحرك بسبب ذلك، فعند ذلك سحروا أعين الناس واسترهبوهم، وألقوا حبالهم وعصيهم وهم يقولون: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء:٤٤].
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، وقال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧)﴾ [سورة طه:٦٦ - ٦٧] أي خاف
стр. 3894
على الناس أن يفتتنوا بسحرهم ومحالهم قبل أن يُلقي ما في يده، فإنه لا يضع شيئًا قبل أن يؤمر، فأوحى الله إليه في الساعة الراهنة ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾ [طه:٦٨ - ٦٩] فعند ذلك ألقى موسى عصاه، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾ [يونس: ٨١ - ٨٢]، وقال تعالى: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: ٤٥]، ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف: ١١٨ - ١٢٢].
وذلك أن موسى ﵇ لما تقدم وألقاها، صارت حية عظيمة ذات قوائم - فيما ذكره غير واحد من علماء السلف - وعُنق عظيم، وشكل هائل مزعج، بحيث إن الناس انحازوا منها، وهربوا سراعًا، وتأخروا عن مكانها، وأقبلت هي على ما ألقوه من الحبال والعصي، فجعلت تلقفه واحدًا واحدًا في أسرع ما يكون من الحركة والناس ينظرون إليها، ويتعجبون منها، وأما السحرة فإنهم رأوا ما هالهم وحيرهم في أمرهم، واطلعوا على أمر لم يكن في خلدهم ولا بالهم، ولا يدخل تحت صناعاتهم
стр. 3895
وأشغالهم، فعند ذلك وهنالك تحققوا بما عندهم من العلم أن هذا ليس بسحر، ولا شعبذة، ولا محال ولا خيال، ولا زور ولا بهتان ولا ضلال، بل حقٌ لا يقدر عليه إلا الحق الذي ابتعث هذا المؤيد به بالحق، وكشف الله عن قلوبهم غشاوة الغفلة، وأنارها بما خلق فيها من الهُدى، وأزاح عنها القسوة، وأنابوا إلى ربهم، وخروا له ساجدين، وقالوا جهرة للحاضرين ولم يخشوا عقوبة ولا بلوى: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف:١٢١ - ١٢٢].
كما قال تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ [طه: ٧٠ - ٧٦].
قال سعيد بن جُبير، وعكرمة، والقاسم بن أبي بزة، والأوزاعي، وغيرهم: لما سجد السحرة، رأوا منازلهم وقصورهم في الجنة تُهيأ لهم، وتزخرف لقدومهم، ولهذا لم
стр. 3896
يلتفتوا إلى تهويل فرعون، وتهديده ووعيده، وذلك لأن فرعون لما رأى هؤلاء السحرة قد أسلموا، وأشهروا ذكر موسى وهارون في الناس على هذه الصفة الجميلة، أفزعه ذلك، ورأى أمرًا بهره، وأعمى بصيرته وبصره، وكان فيه كيد ومكر وخداع، وصنعةٌ بليغة في الصد عن سبيل الله، فقال مخاطبًا للسحرة بحضرة الناس: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أي هلا شاورتموني فيما صنعتم من الأمر الفظيع بحضرة رعيتي، ثم تهدد وتوعد، وأبرق وأرعد، وكذب فأبعد، قائلًا: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وقال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٣] وهذا الذي قاله من البهتان الذي يعلم كل فرد عاقل ما فيه من الكفر والكذب والهذيان، بل لا يروج مثله على الصبيان؛ فإن الناس كلهم من أهل دولته وغيرهم يعلمون أن موسى لم يره هؤلاء يومًا من الدهر، فكيف يكون كبيرهم الذي علمهم السحر؟! ثم هو لم يجمعهم ولا علم باجتماعهم حتى كان فرعون هو الذي استدعاهم واجتباهم من كل فج عميق ووادٍ سحيق، ومن حواضر بلاد مصر والأطراف، ومن المدن والأرياف.
والمقصود أن فرعون كذب وافترى، وكفر غاية الكفر في قوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وأتى ببهتان يعلمه الناس في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ
стр. 3897
تَعْلَمُونَ﴾، وقوله: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ يعني: يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى وعكسه، ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي على جذوع النخل؛ لأنها أعلى وأشهر ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ يعني في الدنيا ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ أي لن نطيعك ونترك ما وقر في قلوبنا من البينات، والدلائل القاطعات ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ قيل: معطوف، وقيل: قسم ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ أي: فافعل ما قدرت عليه، ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي: إنما حُكمك علينا في هذه الحياة الدنيا، فإذا انتقلنا منها إلى الدار الآخرة، صرنا إلى حكم الذي أسلمنا له واتبعنا رُسله ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أي: وثوابه خير مما وعدتنا به من التقريب والترغيب ﴿وَأَبْقَى﴾ أي: وأدوم من هذه الدار الفانية، وفي الآية الأخرى: ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾ [الشعراء: ٥٠ - ٥١] أي: ما اجترمناه من المآثم والمحارم ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من القبط، بموسى وهارون ﵉، وقالوا له أيضًا: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا
جَاءَتْنَا﴾ [الأعراف: ١٢٦] أي: ليس لنا عندك ذنب إلا إيمانُنا بما جاءنا به رسولنا، واتباعنا آيات ربنا لما جاءتنا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: ثبتنا على ما ابتلينا به من عقوبة هذا الجبار العنيد، والسلطان الشديد،
стр. 3898
بل الشيطان المريد: ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ وقالوا أيضًا يعظونه ويخوفونه بأس ربه العظيم: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ يقولون له: فإياك أن تكون منهم، فكان منهم: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ أي: المنازل العالية: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ فاحرص أن تكون منهم، فحالت بينه وبين ذلك الأقدار التي لا تُغالب، ولا تُمانع، وحكم العلي العظيم بأن فرعون - لعنه الله - من أهل الجحيم، ليُباشر العذاب الأليم، يُصب من فوق رأسه الحميم، ويقال له على وجه التقريع والتوبيخ، وهو المقبوح، الذميم اللئيم: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾.
والظاهر من هذه السياقات أن فرعون لعنه الله، صلبهم وعذبهم ﵃، قال عبد الله بن عباس ﵄، وعُبيد بن عُمير: كانوا من أول النهار سحرة، فصاروا من آخره شهداء بررة، ويؤيد هذا قولهم: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾». (١)
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3899
الكلمة السابعة
فوائد من قصة إسلام سحرة فرعون
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فاستكمالًا للحديث عن قصة إسلام سحرة فرعون هذه بعض الفوائد:
١ - أن الابتلاء سنة ماضية إلى يوم القيامة، فأشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فالسحرة ابتلوا ابتلاء عظيمًا، وهو القتل والصلب، ومع ذلك صبروا، قال تعالى عن فرعون: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾ [الأعراف: ١٢٤ - ١٢٦].
روى البخاري في صحيحه من حديث خباب بن الأرت ﵁ قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ،
стр. 3900
فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ .. » الحديث (١).
وروى الترمذي في سننه من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ البَلَاءُ بِالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» (٢).
٢ - أن عذاب الآخرة أعظم من عذاب الدنيا؛ ولذلك آثر السحرة ما يحصل لهم من عذاب فرعون في الدنيا على عذاب الآخرة، لقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤)﴾ [طه: ٧٢ - ٧٤]. وفي الحديث: «أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ» (٣).
стр. 3901
٣ - «أن دأب الطغاة والمجرمين دائمًا تلفيق الأكاذيب والتهم الباطلة ليروِّجوا على الناس باطلهم، فإن فرعون ادعى أن ما حصل كان بترتيب بين السحرة وموسى، مع أن موسى ﵇ أتى من مدين وحيدًا، وحين أتى لم يجتمع بأحد من السحرة ولا غيرهم، بل بادر إلى دعوة فرعون وقومه، وأراهم الآيات، فأراد فرعون أن يعارض ما جاء به موسى، فسعى ما أمكنه، وأرسل في مدائنه من يجمع له كل ساحر عليم، فجاؤوا إليه، ووعدهم الأجر والمنزلة عند الغلبة، وهم حرصوا غاية الحرص وكادوا أشد الكيد على غلبتهم لموسى، وكان منهم ما كان، فهل يمكن أن يتصور مع هذا أن يكونوا دبروا هم وموسى واتفقوا على ما صدر؟ هذا من أمحل المحال» (١).
٤ - أن الله تعالى ثبَّت هؤلاء السحرة وصبروا على هذا البلاء الذي حصل لهم مع قصر المدة التي آمنوا فيها، لم يمكثوا مع إبراهيم ﵇ أيامًا أو أشهر، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾.
٥ - من آداب مناظرة أهل الباطل أن تدعهم يُلقوا باطلهم وشبهاتهم ثم تُلقي عليها براهين الحق وألوانه فتمحقها وتحرقها حتى تكون رمادًا، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ
стр. 3902
تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ [طه: ٦٥ - ٦٦].
قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨].
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3903
الكلمة الثامنة
شروط الزكاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
سبق في كلمة الزكاة الكلمة المائة وخمسة (١) بيان حكم الزكاة وفضلها، وإكمالًا للفائدة أُبين في هذه الكلمة الشروط التي إذا توفرت وجبت بها الزكاة.
١ - «الإسلام: فلا تجب على الكافر، بحيث لا يطالب بأدائها لأنها قربة وطاعة، والكافر ليس من أهل القربة والطاعة حتى يدخل في الإسلام، قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤]. فإذا كانت النفقات ونفعها متعد لا تقبل منهم لكفرهم، فالعبادات الخاصة من باب أولى» (٢). ولمفهوم قول أبي بكر الصديق: هذه فريضة الصدقة التي فرضها
стр. 3904
رسول الله ﷺ على المسلمين.
وفي حديث معاذ عندما أرسله إلى اليمن قال: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» (١). فجعل الإسلام شرطًا لوجوب الزكاة. والدليل على أنهم يحاسبون ويعاقبون على منع الزكاة يوم القيامه قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٥]. فلولا أنهم عوقبوا على ترك الصلاة، وترك إطعام المسكين لما ذكروا سببًا في دخولهم النار، وإذا كان الكافر يعذب على ما يتمتع به من نعم الله من طعام وشراب ولباس، ففعل المحرمات وترك الواجبات من باب أولى.
٢ - الحرية: فيشترط لوجوب الزكاة أن يكون مالك المال حرًّا، فإن كان عبدًا وله مال فإنها لا تجب عليه الزكاة؛ وتجب على سيده لأن العبد وما ملك لسيده. قال ابن قدامة: «لا
стр. 3905
نعلم خلافًا بين أهل العلم في أنه لا زكاة على المكاتب، ولا على سيده في ماله إلا قول أبي ثور، ذكر ابن المنذر نحو هذا» (١).
٣ - ملك النصاب ملكًا تامًّا مستقرًّا، والنصاب هو القدر الذي إذا بلغه المال وجبت فيه الزكاة، لقول النبي ﷺ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ مِنَ الإِبِلِ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» (٢). فبين النبي ﷺ أن المال إذا لم يبلغ النصاب الشرعي ليس فيه زكاة.
ومن ملك النصاب الشرعي فهو غني شرعًا، لقول النبي ﷺ : «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» (٣). فكل من أخرج الزكاة بعد أن يبلغ ماله النصاب فهو غني شرعًا.
وقوله ملكًا تامًّا مستقرًّا، معنى استقرار الملك أي لا يتعلق به حق الغير، بحيث يتصرف فيه كما يشاء، ومن أمثلة عدم استقرار الملك: مال المكاتب فلا زكاة فيه؛ لأن المكاتب قد ينصرف عن المكاتبة.
стр. 3906
٤ - مضي الحول على المال: لحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» (١).
وعلى هذا أجمع أهل العلم فيما سوى الخارج من الأرض كالنقود والماشية وعروض التجارة، فأما الخارج من الأرض كالحبوب والثمار والمعادن فوجوبها فيها عند وجودها، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)﴾ [الأنعام:١٤١].
٥ - ونتاج البهائم التي تجب فيها الزكاة، وربح التجارة حولهما حول أصلهما، فلا يشترط أن يأتي عليهما حول مستقل إذا كان أصلهما قد بلغ النصاب، فإن لم يكن كذلك ابتدئ الحول من تمامهما النصاب، وكان النبي ﷺ يبعث السعاة إلى أهل المواشي وفيها الصغار والكبار، ولا يستفصل متى ولدت؟ بل يحسبونها ويخرجونها حسب رؤوسها، فمثلًا رجل عنده أربعون شاة تجب فيها الزكاة، فولدت كل واحدة ثلاثة، إلا واحدة ولدت أربعة، فأصبحت مائة وواحدًا وعشرين، ففيها شاتان مع أن النماء لم يحل عليه الحول، ولكنه يتبع الأصل ... وهكذا.
стр. 3907
أما ربح التجارة فلا يشترط له تمام الحول؛ لأن المسلمين يخرجون زكاتها دون أن يحذفوا ربح التجارة؛ ولأن الربح فرع، والفرع يتبع الأصل، مثاله: لو قدرنا شخصًا اشترى أرضًا بمائة ألف، وقبل تمام السنة صارت تساوي مائتين، فيزكي عن مائتين، مع أن الربح لم يحل عليه الحول ولكنه يتبع الأصل» (١).
«ومن له دين على معسر، فإنه يخرج زكاته إذا قبضه لعام واحد على الصحيح، وإن كان له دين على مليء باذل فإنه يزكيه كل عام.
وما أُعد من الأموال للقُنية والاستعمال فلا زكاة فيه، كدور السكنى، وثياب البذلة، وأثاث المنزل، والسيارات والدواب المعدة للركوب والاستعمال.
وما أُعد للكراء كالسيارات والدكاكين والبيوت، فلا زكاة في أصله، وإنما تجب الزكاة في أجرته إذا بلغت النصاب بنفسها أو بضمها إلى غيرها وحال عليها الحول.
ومن وجبت عليه الزكاة ثم مات قبل إخراجها، وجب إخراجها من تركته، فلا تسقط بالموت لقوله ﷺ : «فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» (٢). فيخرجها الوارث أو غيره من تركة الميت؛
стр. 3908
لأنها حق واجب فلا تسقط بالموت، وهو دين في ذمة الميت يجب إبراؤه منه» (١).
تنبيه:
الأموال التي تجب فيها الزكاة خمسة أصناف:
١ - الذهب والفضة وبهيمة الأنعام وهي: الإبل والبقر والغنم، والخارج من الأرض كالحبوب والثمار، والركاز والعسل، وفي بعضها خلاف، كعروض التجارة والمعادن والركاز.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3909
الكلمة التاسعة
زكاة عروض التجارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
العروض: جمع عرض، وهو ما أعده المسلم للتجارة من أي صنف كان، وهو أعم أموال الزكاة وأشملها، وسمي بذلك لأنه لا يستقر، بل يعرض ثم يزول، فإن التاجر لا يريد هذه السلعة بعينها، وإنما يريد ربحها من النقدين (١).
والدليل على وجوب الزكاة في عروض التجارة قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾ [المعارج: ٢٤ - ٢٥].
وعروض التجارة هي أغلب الأموال، فكانت أولى بدخولها في عموم الآيات، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ
стр. 3910
طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، والكسب هنا بتفسير عدد من السلف هو التجارة.
واستدل الجمهور كذلك على وجوب زكاة عروض التجارة بما رواه البخاري في صحيحه: أن عمر ﵁ بعثه رسول الله ﷺ مصدقًا، فقال: منع العباس وخالد وابن جميل، فقال رسول الله ﷺ : « ... وَأَمَّا خَالِدٌ: فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... » الحديث (١). فدل ذلك على أن الزكاة طلبت منه في دروعه وأعتاده وهي لا زكاة فيها، إلا أن تكون عروضًا جعلت للتجارة، وإنما احتبسها في سبيل الله.
وأما الحديث الذي رواه أبو داود في سننه أن سمرة بن جندب ﵁ قال: كان النبي ﷺ يأمرنا أن نُخرج الزكاة مما نعده للبيع، فهو حديث ضعيف، ولو صح لكان فيصلًا في الموضوع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الأئمة الأربعة وسائر الأمة - إلا من شذَّ - متفقون على وجوبها في عروض التجارة، سواء كان التاجر مقيمًا أو مسافرًا، وسواء كان متربصًا - وهو الذي يشتري التجارة وقت رخصها ويدخرها إلى وقت ارتفاع السعر - أو مديرًا كالتجار الذين في الحوانيت، سواء كانت التجارة بزًا من جديد أو لبيس أو طعامًا من قوت أو فاكهة، أو
стр. 3911
أدم .. أو غير ذلك، أو كانت آنية كالفخار ونحوه، أو حيوانًا من رقيق أو خيل أو بغال أو حمير أو غنم معلوفة .. أو غير ذلك، فالتجارات هي أغلب أموال أهل الأمصار الباطنة، كما أن الحيوانات الماشية هي أغلب الأموال الظاهرة» (١).
«وتجب زكاة عروض التجارة بشروط:
١ - أن يملكها بفعله كالشراء، وقبول الهدية، والوصية، والإجارة، وغيرها من وجوه المكاسب، فلا يدخل في ذلك الإرث ونحوه مما يدخل قهرًا.
فلو مات مورثه وخلف عقارات، أو بضائع من أقمشة أو سيارات، ونواها هذا الوارث للتجارة فأبقاها للكسب، فإنها لا تكون للتجارة؛ لأنه ملكها بغير فعله، إذ أن الملك بالإرث قهري يدخل ملك الإنسان قهرًا عليه، فإذا ملك إنسان عروض تجارة بإرث، ونواها حين ملكه للتجارة فإنها لا تكون للتجارة.
مثال: وهبه شخص سيارة فقبلها، ونوى بها التجارة فتكون للتجارة لأنه ملكها بفعله واختياره.
٢ - أن يملكها بنية التجارة بأن يقصد التكسب بها؛ لأن الأعمال
стр. 3912
بالنيات، والتجارة عمل، فوجب اقتران النية به كسائر الأعمال.
مثاله: اشترى رجل سيارة يتكسب فيها، فهذه عروض تجارة إذا بلغت قيمتها نصابًا ونواها حين الشراء، فإن اشترى سيارة للاستعمال، ثم بدا له أن يبيعها فليس عليه زكاة؛ لأنه حين ملكه إياها لم يقصد التجارة، فلابد أن يكون ناويًا للتجارة من حين ملكه.
ولو اشترى شيئًا للتجارة، ولكن لا يبلغ النصاب وليس عنده ما يضمه إليه فليس عليه زكاة؛ لأنه من شرط وجوب الزكاة بلوغ النصاب.
مسألة: لو ملكها بفعله بغير نية التجارة ثم نواها فهل تصير للتجارة؟
مثاله: لو اشترى سيارة يستعملها في الركوب ثم بدا له أن يجعلها رأس مال يتجر به، فهذا تلزمه الزكاة إذا تم الحول من نيته.
فإن كان عنده سيارة يستعملها ثم بدا له أن يبيعها فلا تكون للتجارة؛ لأن بيعه هنا ليس للتجارة، ولكن لرغبته عنها، ومثله لو كان عنده أرض اشتراها للبناء عليها، ثم بدا له أن يبيعها ويشتري سواها، وعرضها للبيع فإنها
стр. 3913
لا تكون للتجارة؛ لأن نية البيع هنا ليست للتكسب، بل لرغبته عنها.
فهناك فرق بين شخص يجعلها رأس مال يتجر بها، وشخص عدل عن هذا الشيء ورغب عنه، وأراد أن يبيعه، فالصورة الأولى فيها الزكاة على القول الراجح، والثانية لا زكاة فيها.
٣ - أن تبلغ قيمتها نصابًا: أي لا عينها، فلو كان عند إنسان عشر شياه سائمة قد أعدها للتجارة، قيمتها ألف درهم، فإن الزكاة تجب فيها، مع أنها لم تبلغ نصاب السائمة؛ لأن المعتبر القيمة، وقد بلغت نصابًا.
مثاله: إنسان عنده أربعون شاة سائمة، أعدها للتجارة قيمتها مائة درهم، فلا زكاة فيها؛ لأن القيمة لم تبلغ نصابًا.
وقوله قيمتها، أي لا عينها، فلا يجوز إخراج الزكاة من عين ما أُعد للتجارة؛ لأن العين في عروض التجارة غير ثابتة، فالمعتبر المخرج منه هو القيمة؛ لأن القيمة أحب لأهل الزكاة غالبًا.
فالشروط إذن ثلاثة بالإضافة إلى الشروط الخمسة
стр. 3914
السابقة التي تقدمت (١)، فالثلاثة شروط خاصة، وما تقدم شروط عامة» (٢).
«وأما كيفية إخراج زكاة العروض، فإنها تقوَّم عند تمام الحول بأحد النقدين الذهب أو الفضة، ويراعى في ذلك الأحظ للفقراء (٣)، فإذا قومت وبلغت قيمتها نصابًا بأحد النقدين، أخرج ربع العشر من قيمتها، ولا يعتبر ما اشتريت به، بل يعتبر ما تساوي عند تمام الحول؛ لأنه هو عين العدل بالنسبة للتاجر وبالنسبة لأهل الزكاة.
ويجب على المسلم الاستقصاء والتدقيق ومحاسبة نفسه في إخراج زكاة العروض، كمحاسبة الشريك الشحيح لشريكه، بأن يحصي جميع ما عنده من عُروض التجارة بأنواعها، ويقومها تقويمًا عادلًا، فصاحب البقالة مثلًا يحصي جميع ما في دكانه من أنواع المعروضات للبيع من المعلبات وأصناف البضائع، وصاحب الآليات وقطع الغيار والمكائن والسيارات المعروضة للبيع يحصيها ويقومها، وصاحب الأراضي
стр. 3915
والعمارات المعروضة للبيع يقومها بما تساوي.
أما العمارات والبيوت والسيارات المعدة للإيجار، فلا زكاة في ذواتها، وإنما تجب الزكاة فيما تحصل عليه صاحبها من إجارتها إذا حال عليه الحول.
والبيوت المعدة للسكنى والسيارات المعدة للركوب والحاجة لا زكاة فيها، وكذلك أثاث المنزل وأثاث الدكان وآلات التاجر: كالأذرع والمكاييل والموازين وقوارير العطار، كل هذه الأشياء لا زكاة فيها؛ لأنها لا تباع للتجارة» (١).
«ذكر بعض المسائل المتعلقة بالموضوع:
المسألة الأولى: هل التقويم عند الحول يكون باعتبار الجملة أو باعتبار التفريق؛ لأن الثمن يختلف باعتبار الجملة عن التفريق؟
الجواب: إن كان ممن يبيع بالجملة فباعتبار الجملة، وإن كان يبيع بالتفريق فباعتبار التفريق، وإن كان يبيع بهما فيعتبر الأكثر بيعًا.
المسألة الثانية: إن اشترى عرضًا بنصاب من أثمان أو عروض بنى على حوله، والأثمان جمع ثمن، وسميت بذلك
стр. 3916
لأنها ثمن الأشياء وهي الذهب والفضة.
مثاله: رجل عنده ألف ريال ملكها في رمضان، وفي شعبان من السنة الثانية اشترى عرضًا، فجاء رمضان، فيزكي العروض؛ لأن العروض بنيت على زكاة الأثمان في الحول.
وكذلك أيضًا لو اشترى عرضًا بنصاب من عروض، أي عرضًا بدل عرض.
مثاله: رجل عنده سيارة (١)، وفي أثناء الحول أبدلها بسيارة أخرى للتجارة، فيبني على حول الأولى؛ لأن المقصود القيمة واختلاف العينين ليس مقصودًا، ولم يشتر السيارة الثانية ليستعملها، ولكن يريدها للتجارة.
المسألة الثالثة: هل إذا اشترى عرضًا سائمة مثل الإبل أو البقر أو الغنم يبني على الحول؟
مثاله: رجل عنده أربعون شاة سائمة ملكها في رمضان، وفي محرم اشترى بها عروضًا كسيارة أرادها للتجارة، فيبتدئ الحول من محرم لاختلافهما قصدًا ونصابًا وواجبًا، فلا يبني أحد النصابين على الآخر من أجل هذا الاختلاف،
стр. 3917
والعكس كذلك، كما لو كان عنده عروض ملكها في رمضان ثم اشترى بها سائمة في محرم، فلا يبني على حول العروض، لما ذكرنا في المسألة الأولى.
مثال: عنده دراهم ملكها في رمضان، وفي محرم اشترى بها سائمة، فلا يبني على حول الدراهم، فإذا جاء المحرم من السنة الثانية وجبت عليه الزكاة، وذلك للاختلاف.
المسألة الرابعة: إخراج القيمة من الزكاة.
يرى أكثر العلماء أنه لا يجوز إخراج القيمة إلا فيما نص عليه الشرع وهو الحيوان في زكاة الإبل، شاتان أو عشرون درهمًا، والصحيح أنه يجوز إذا كان لمصلحة أو حاجة، سواء في بهيمة الأنعام، أو في الخارج من الأرض» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3918
الكلمة العاشرة
شرح حديث: «اجتنبوا السبع الموبقات»
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قالوا: يا رسول الله وما هن، قال: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ» (١).
قوله: الموبقات: أي المهلكات، قال المهلب: سُميت بذلك لأنها سبب لإهلاك مرتكبها، وقال ابن حجر: الموبقة هي الكبيرة كما جاء تفسيرها في أحاديث أُخر، وقال أيضًا: والكبيرة كل ما توعد عليه باللعن أو العذاب، أو شرع فيه حدٌّ فهو كبيرة؛ وهو المعتمد (٢).
стр. 3919
وقال القرطبي ﵀: كل ذنب أطلق عليه بنص كتاب أو سنة أو إجماع أنه كبيرة، أو عظيم، أو أخبر فيه بشدة العقاب، أو علق عليه الحد، أو شدد النكير عليه؛ فهو كبيرة (١).
قوله: الشرك بالله:
الشرك ينقسم إلى قسمين، شرك أكبر، وشرك أصغر، فأما الشرك الأكبر فهو الذي يخرج صاحبه من دائرة الإسلام، ويوجب له الخلود في النار، ويحرم عليه الجنة إذا لم يتب منه ومات عليه، ومن الشرك الأكبر صرف عبادة من العبادات لغير الله، مثل الدعاء، أو النذر، أو الخوف، أو الذبح، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦].
أما الشرك الأصغر: فهو الذي لا يخرج صاحبه من الملة، ولكنه ينقص من توحيده، وهو وسيلة إلى الشرك الأكبر، وينقسم إلى قسمين: شرك ظاهر، وشرك خفي.
أما الظاهر: فهو يختص بالأعمال والأقوال الظاهرة، أما الألفاظ الظاهرة مثل الحلف بغير الله، وقول ما شاء الله وشئت، أما الأفعال فهي كثيرة جدًّا، مثل تعليق التمائم خوفًا من العين،
стр. 3920
أو لبس الحلقة أو الخيط لرفع البلاء أو دفعه، هذا مع اعتقاده أنها سبب لرفع البلاء أو دفعه، فإن اعتقد أنها تدفع أو ترفع البلاء بنفسها فهذا شرك أكبر.
الثاني: شرك خفي: روى ابن خزيمة في صحيحه من حديث محمود بن لبيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَشِرْكَ السَّرَائِرِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا شِرْكُ السَّرَائِرِ؟ قَالَ: «يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ جَاهِدًا لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَذَلِكَ شِرْكُ السَّرَائِرِ» (١).
وإنما سُمي الرياء شركًا خفيًّا لأن صاحبه يظهر أن عمله للَّه، وقد قصد به غيره أو شركه فيه، وزين صلاته لأجله.
«قوله: السحر: السحر نوعان:
النوع الأول: نوع يكون بمساعدة الشياطين ومعاونتهم، وهو أعظمه، وهو الذي يكون بالنفث في العقد ونحوها، وهذا كفر، أي أن فاعله يكفر ويجب قتله دفعًا لأذيته ومن أجل ردته، حتى لو فُرض أنه تاب فإننا نقتله، لأنه كما جاء في الحديث: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» (٢).
стр. 3921
ولما ثبت في مسند الإمام أحمد عن بجالة بن عبدة عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه كتب إلى أمراء الأجناد أن يقتلوا كل من وجدوا من السحرة، حتى يُتقى شرهم، قال بجالة: فقتلنا ثلاث سواحر (١).
اللَّهم إلا أن تقوم القرائن القوية على أن الرجل نزع عن هذا وتاب توبة نصوحًا، فهنا تُقبل توبته، أما مجرد أن يقول تبت ولم تظهر قرائن، فإنه لا تُقبل توبته.
النوع الثاني: سحر يكون بالأدوية المركبة، وهذا أهون من الأول، ولهذا قال كثير من العلماء أنه لا يكفر لأن هذا مثل الذي يعتدي على الغير بأي عدوان كان، وكلا النوعين من كبائر الذنوب، الأول كبيرة وكفر، والثاني كبيرة دون الكفر.
قوله: وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، هذا الثالث:
وهي التي يعبر العلماء ﵏ عنها بالنفس المعصومة،
стр. 3922
وهم أربعة أجناس: المسلم، والذمي، والمعاهد، والمستأمن. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]، ويلتحق بذلك قتل المعاهد كما صح الحديث: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَد مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا». (١) هذه هي النفوس التي حرم الله تعالى قتلها إلا بالحق، يعني إلا بالسبب، فالمسلم يجوز قتله بسبب، مثل أن يقتل غيره، أو يكون ثيبًا زانيًا، أو ما أشبه ذلك.
روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» (٢).
قوله: أكل مال اليتيم:
اليتيم هو الذي مات أبوه قبل بلوغه، وإنما كان أكل ماله أشد من غيره لأنه يتيم، فهو محل الرحمة والعطف والحنان. وسبب تعظيم أكل مال اليتيم من وجهين:
стр. 3923
الوجه الأول: أنه إذا تجرأ أحد على أكل ماله، صار هذا أعظم مما لو تجرأ على أكل مال من ليس مستحقًا للرحمة كرحمة اليتيم.
الوجه الثاني: أن اليتيم ليس له من يدافع عنه فيتغافله الناس وربما حملهم الطمع على أكل ماله.
وقوله: أكل مال اليتيم، المراد إتلاف مال اليتيم بأكل، أو إحراق، أو إفساد أو غير ذلك، لكنه ﷺ عبر بالأكل لأنه أغلب وجوه الانتفاع، أو يقال: إذا كان أكل ماله من كبائر الذنوب، فإتلافه الذي لا منفعة فيه من باب أولى.
وقوله: وأكل الربا:
والربا في اللغة الزيادة، وفي الشرع تفاضل أو زيادة في أشياء منع الشرع من زيادتها، وهذه الأشياء هي الأموال الربوية، روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ، فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى» (١). والربا كما يقول العلماء قسمان: ربا فضل، وربا نسيئة، فإذا
стр. 3924
حصل التقابض مع الزيادة فهو ربا فضل، وإذا حصل التساوي مع تأخير قبض ما يجب قبضه في محل العقد فهو ربا نسيئة. قال ابن دقيق العيد: وهو مجرب لسوء الخاتمة. نعوذ بالله من ذلك.
قوله: والتولي يوم الزحف:
هو من كبائر الذنوب لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦]. وعلى هذا فيكون القرآن الكريم قد خصص عموم الحديث بقوله: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦]، فيستثنى من قوله ﷺ «وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ» ما كان تحرفًا لقتال، أو تحيزًا إلى فئة.
قوله: وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، هذا السابع:
والقذف يعني الرمي بالزنا، والمحصنات هن العفيفات، والغافلات البعيدات عما رمين به، المؤمنات ضد الكافرات، وقيل المحصنات الحرائر، والغافلات العفائف، ولايختص بالمتزوجات بل حكم البكر كذلك بالإجماع، كما ذكره الحافظ
стр. 3925
في الفتح، والمراد رميهن بزنا أو لواط (١).
وهل مثل ذلك قذف الرجل المحصن الغافل المؤمن؟ الجواب: نعم مثله، لكن ذكر النساء لأن قذفهن كثير بخلاف الرجال» (٢)(٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.