ولما ثبت في مسند الإمام أحمد عن بجالة بن عبدة عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه كتب إلى أمراء الأجناد أن يقتلوا كل من وجدوا من السحرة، حتى يُتقى شرهم، قال بجالة: فقتلنا ثلاث سواحر (١).
اللَّهم إلا أن تقوم القرائن القوية على أن الرجل نزع عن هذا وتاب توبة نصوحًا، فهنا تُقبل توبته، أما مجرد أن يقول تبت ولم تظهر قرائن، فإنه لا تُقبل توبته.
النوع الثاني: سحر يكون بالأدوية المركبة، وهذا أهون من الأول، ولهذا قال كثير من العلماء أنه لا يكفر لأن هذا مثل الذي يعتدي على الغير بأي عدوان كان، وكلا النوعين من كبائر الذنوب، الأول كبيرة وكفر، والثاني كبيرة دون الكفر.
قوله: وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، هذا الثالث:
وهي التي يعبر العلماء ﵏ عنها بالنفس المعصومة،
стр. 3922
وهم أربعة أجناس: المسلم، والذمي، والمعاهد، والمستأمن. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]، ويلتحق بذلك قتل المعاهد كما صح الحديث: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَد مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا». (١) هذه هي النفوس التي حرم الله تعالى قتلها إلا بالحق، يعني إلا بالسبب، فالمسلم يجوز قتله بسبب، مثل أن يقتل غيره، أو يكون ثيبًا زانيًا، أو ما أشبه ذلك.
روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» (٢).
قوله: أكل مال اليتيم:
اليتيم هو الذي مات أبوه قبل بلوغه، وإنما كان أكل ماله أشد من غيره لأنه يتيم، فهو محل الرحمة والعطف والحنان. وسبب تعظيم أكل مال اليتيم من وجهين:
стр. 3923
الوجه الأول: أنه إذا تجرأ أحد على أكل ماله، صار هذا أعظم مما لو تجرأ على أكل مال من ليس مستحقًا للرحمة كرحمة اليتيم.
الوجه الثاني: أن اليتيم ليس له من يدافع عنه فيتغافله الناس وربما حملهم الطمع على أكل ماله.
وقوله: أكل مال اليتيم، المراد إتلاف مال اليتيم بأكل، أو إحراق، أو إفساد أو غير ذلك، لكنه ﷺ عبر بالأكل لأنه أغلب وجوه الانتفاع، أو يقال: إذا كان أكل ماله من كبائر الذنوب، فإتلافه الذي لا منفعة فيه من باب أولى.
وقوله: وأكل الربا:
والربا في اللغة الزيادة، وفي الشرع تفاضل أو زيادة في أشياء منع الشرع من زيادتها، وهذه الأشياء هي الأموال الربوية، روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ، فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى» (١). والربا كما يقول العلماء قسمان: ربا فضل، وربا نسيئة، فإذا
стр. 3924
حصل التقابض مع الزيادة فهو ربا فضل، وإذا حصل التساوي مع تأخير قبض ما يجب قبضه في محل العقد فهو ربا نسيئة. قال ابن دقيق العيد: وهو مجرب لسوء الخاتمة. نعوذ بالله من ذلك.
قوله: والتولي يوم الزحف:
هو من كبائر الذنوب لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦]. وعلى هذا فيكون القرآن الكريم قد خصص عموم الحديث بقوله: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦]، فيستثنى من قوله ﷺ «وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ» ما كان تحرفًا لقتال، أو تحيزًا إلى فئة.
قوله: وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، هذا السابع:
والقذف يعني الرمي بالزنا، والمحصنات هن العفيفات، والغافلات البعيدات عما رمين به، المؤمنات ضد الكافرات، وقيل المحصنات الحرائر، والغافلات العفائف، ولايختص بالمتزوجات بل حكم البكر كذلك بالإجماع، كما ذكره الحافظ
стр. 3925
في الفتح، والمراد رميهن بزنا أو لواط (١).
وهل مثل ذلك قذف الرجل المحصن الغافل المؤمن؟ الجواب: نعم مثله، لكن ذكر النساء لأن قذفهن كثير بخلاف الرجال» (٢)(٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3926
الكلمة الحادية عشرة
المساحة في أخلاق الناس
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فإن من أفضل الأعمال التي دعا إليها الشرع ورغب فيها حسن الخلق، فهو من أعظم مواهب الله لعباده، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣].
والمقصود بأخلاق الناس، الأخلاق الفاضلة، مثل المروءة، والحياء، والصدق، والوفاء، والكرم، والشجاعة .. وغيرها من الأخلاق الكريمة التي دعا إليها الإسلام ورغب فيها.
فمن المعلوم أن الناس يتفاوتون في هذه الأخلاق، فمنهم من أنعم الله عليه بأن جعله في المرتبة العليا منها، ومنهم من قصر عن ذلك إلى أدنى المراتب، وما بين ذلك درجات متفاوتة، وهذا التفاوت في الدرجات هو المراد، وهو معنى المساحة المقصود في عنوان هذه الكلمة، ولي هنا وقفات:
стр. 3927
الوقفة الأولى:
من المتفق عليه الذي لا خلاف فيه من أحد أنه كلما نال المرء الدرجة العليا من هذه الأخلاق كان أفضل ممن دونه بلا شك، وعليه فإن السعي في تحصيلها وبذل الجهد في الحصول إلى المراتب العليا منها أمر مطلوب شرعًا وعقلًا.
قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]، وقال ﵄: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١]، وقال تعالى: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥].
وقال ﷺ لأصحابه كما روى الطبراني في الكبير من حديث الحسن بن علي ﵄: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ وأَشْرَافَهَا، وَيَكْرَهُ سَفَاسِفَهَا» أي: الحقير الردي منها (١).
الوقفة الثانية: هل يمكن الوصول إلى أعلى المراتب
الجواب: نعم، ينال ذلك بالمجاهدة وشحذ الهمة من بعد طلب التوفيق من الله، والاستعانة به سبحانه، قال ﷺ : «وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ» (٢)، وقال ﷺ : «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا
стр. 3928
الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَوَقَّ الشَّرَّ يُوقَهُ ... » الحديث (١).
وقد اختار الله من أنبيائه ورسله جماعة منهم سماهم أولي العزم، وذلك لبلوغهم أعلى المراتب، وأمر نبيه محمد ﷺ أن يجتهد في بلوغ مراتبهم ليكون منهم، فقال : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وقد فعل ﷺ ما أمره به ربه حتى صار ﷺ أفضلهم وسيدهم وأكرمهم على الله.
روى البخاري في تاريخه الكبير أن قريشًا أتت إلى أبي طالب عم النبي ﷺ فقالت: يا أبا طالب، أرأيت محمد يؤذينا في نادينا، وفي مسجدنا، فانهه عن أذانا، فقال: يا عقيل ائتني بمحمد، فذهبت فأتيته به، فقال: يا ابن أخي! إن بني عمك زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم، وفي مسجدهم، فانته عن ذلك، قال: فلحظ رسول الله ﷺ ببصره - وفي رواية: فحلق رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء - فقال: «مَا أَنَا بِأَقْدَرَ عَلَى أَنْ أَرُدَّ ذَلِكَ مِنكُم عَلَى أَن تُشعِلُوا مِنهَا شُعلَةً -يعني الشمس-» قال: فقال أبو طالب: والله
стр. 3929
ما كذبنا ابن أخي قط فارجعوا (١).
وروى البخاري في صحيحه وأحمد في مسنده من حديث المسور بن مخرمة ﵁ ومروان بن الحكم أن النبي ﷺ قال في صلح الحديبية: «يَا وَيْحَ قُرَيْشٍ لَقَدْ أَكَلَتْهُمْ الْحَرْبُ، مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَ سَائِرِ النَّاسِ؟ فَإِنْ أَصَابُونِي كَانَ الَّذِي أَرَادُوا، وَإِنْ أَظْهَرَنِي اللَّهُ عَلَيْهِمْ دَخَلُوا فِي الإسلام وَهُمْ وَافِرُونَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا (٢)
قَاتَلُوا وَبِهِمْ قُوَّةٌ فَمَاذَا تَظُنُّ قُرَيْشٌ وَاللَّهِ إِنِّي لا أَزَالُ أُجَاهِدُهُمْ عَلَى الَّذِي بَعَثَنِي اللَّهُ لَهُ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ لَهُ أَوْ تَنْفَرِدَ هَذِهِ السَّالِفَةُ» (٣)(٤).
الوقفة الثالثة: بعض الفوائد المراد الحصول عليها من هذه الكلمة:
١ - شحذ الهمم للوصول إلى أعلى المراتب والدرجات في الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠].
стр. 3930
قال المتنبي:
وَلم أرَ في عُيُوبِ النّاسِ شَيْئًا .. كَنَقصِ القادِرِينَ على التّمَامِ
وقال أيضًا:
إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومِ ... فَلا تَقنَعْ بما دونَ النّجومِ
فطَعْمُ المَوْتِ في أمْرٍ حَقِيرٍ ... كطَعْمِ المَوْتِ في أمْرٍ عَظيمِ
٢ - أن الوصول إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات من الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة يحتاج إلى صبر ومجاهدة وتضحية وبذل، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» (١).
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ﵁ قال: «غاب عمي أنس بن النضر ﵁ عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله ﷺ غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون، قال: اللَّهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ ﵁
стр. 3931
فقال: يا سعد ابن معاذ! الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]» (١).
٣ - معرفة الإنسان مدى مساحته من هذه الأخلاق يعرِّفه قدر نفسه، ومن عرف قدر نفسه استطاع أن يضعها في المكان اللائق بها.
٤ - بمعرفة المساحة في أخلاق الناس يستطيع المرء أن يختار من يصاحب ومن يجالس ومن يشارك، سواء كان ذلك مع نفسه أو في حال ربط الآخرين بعضهم ببعض، كالزواج ونحوه، ويكون ما قدره في هذه الأمور أقرب إلى الصواب وأنجح للحاجة وأسلم للعافية.
الوقفة الرابعة:
معرفة المساحة في أخلاق الناس تشتد الحاجة إليها ويعظم الانتفاع بها في أحوال كثيرة، منها:
стр. 3932
١ - الزواج، فمن الأمور التي يتوقع بمعرفتها تآلف الزوجين معرفة المساحة في أخلاق كل منهما، فإذا كانت المساحة في أخلاق كل منهما متقاربة فذلك أحرى أن يؤدم بينهما، بخلاف ما إذا كان التفاوت بينهما كبيرًا، ولهذا أجاز الفقهاء شروطًا تتعلق بهذه المسألة. فعلى سبيل المثال يجوز للمرأة التي تعيش في بلاد حارة أن تشترط على زوجها أن لاينقلها إلى بلاد باردة، ومن تعيش في الحاضرة أن لا ينقلها إلى البادية وكذلك العكس.
وينصح الناصحون بتحري التآلف بين الزوجين، وذلك أن يكون في طبيعة كل منهما وما نشأ عليه من عادات تقارب شديد، فذلك أدعى إلى تقليل خصال التنافر أو عدمها.
٢ - الأمير والوزير وكل من كلف بإدارة أشخاص قلوا أو كثروا فإن معرفته بقدر المساحات في أخلاقهم يجعله أقدر على حسم الإدارة، وبالتالي حصول النتائج الجيدة؛ فإنه لمعرفته ذلك يضم الشبيه إلى الشبيه ويختار لكل مهمة من تتحدد فيها وجهتهم وتتكامل فيها قدراتهم. فإذا كانت المهنة تحتاج إلى الشجاعة فإنه لايختار إلى المجموعة المكلفة بها قائدًا جبانًا، وإن كان جميع أفرادها من الشجعان، وإن كانت تحتاج إلى التأني والتروي فإنه لايحتاج لقيادتها رجلًا متهورًا وإن كان شجاعًا، وقس على ذلك.
стр. 3933
٣ - الرفقة والصحبة والمجالسة، فإنه لايؤذن فيها بوجود من كانت له أخلاق ضيقة أو سيئة، وهو في نفسه قوي التأثير، فإنه ينتج عن ذلك فساد وضرر كبير.
٤ - التعامل مع الآخرين: ولكن على المسلم أن يتقي الله فلا يعمل إلا ما يرضيه، وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فإن الشخص إذا عرف مقدار المساحات في أخلاق شخص ما فإنه بكلمة أو تصرف يسير يحصل منه على ما يريد، وفي صلح الحديبية لما أرسلت قريش رجلًا من كنانة قال: دعوني آتيه فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال رسول الله ﷺ : «هَذَا فُلَانٌ، وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ البُدْنَ، فَابْعَثُوهَا لَهُ»، فَبُعِثَتْ لَهُ، وَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ يُلَبُّونَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ أَنْ يُصَدُّوا عَنْ الْبَيْتِ. فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ قال: رَأَيْتُ الْبُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ وَأُشْعِرَتْ فَمَا أَرَى أَنْ يُصَدُّوا عَنْ الْبَيْتِ (١).
قال بعضهم: ما مال أحد بهواه إلى شيء فكاده عدوه من قبل ذلك الشيء إلا تمكن منه.
٥ - في حدود الشخص نفسه يحصل له النجاح فتقل لديه الأخطاء
стр. 3934
التي يأسف عليها لاسيما فيما يتعلق منها بالآخرين، فعلى سبيل المثال: لو أراد شخص أن يصطحب معه آخر إلى بلاد شديدة البرودة فإنه لاينتفع بهذا الصاحب إلا حيث تكون المساحات لديه في تحمل البرد الشديد واسعة، ولو احتاج أن يشاركه آخر في عمل شاق فإنه لن ينتفع بهذا الشريك إلا بحيث يكون مساحات الصبر وطول النفس واسعة غير ضيقة ومحدودة.
٦ - بل أن الشخص نفسه يجب عليه أن يعرف مقدار المساحات التي يملكها في أخلاقه، حتى يضع نفسه في المكان اللائق به، فإنه إن جهل ذلك أوقع نفسه في مضائق قد يصعب خروجه منها. واسمع إلى توجيه الحكيم ﷺ وهو يقول لأبي ذر: «إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، ولا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3935
الكلمة الثانية عشرة
بعض وصايا النبي ﷺ لأصحابه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فهذه بعض وصايا النبي ﷺ لأصحابه، وهي وصايا عظيمة ونافعة:
قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. واختلاف وصايا النبي ﷺ لأصحابه مبني على علمه ﷺ بأحوال أصحابه، وما يناسب كل واحد منهم.
ومن وصايا النبي ﷺ الكريم للصحابيين الجليلين أبي ذر ومعاذ بن جبل ﵄ أنه قال: «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» (١).
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي ذر ﵁ قال:
стр. 3936
أمرني خليلي ﷺ بسبع: أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ، وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي، وَلَا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي، وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَخَافَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ (١).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي ذر ﵁ قال: أوصاني رسول الله ﷺ إِذَا طَبَخْتُ قِدْرًا أَنْ أُكْثِرَ مَرَقَتَهَا، فَإِنَّهُ أَوْسَعُ لِلْجِيرَانِ (٢).
وروى أبو داود في سننه من حديث معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ أخذ بيده وقال: «يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (٣).
وروى الإمام أحمد في كتابه الزهد والطبراني في المعجم الكبير من حديث معاذ بن جبل ﵁: أن النبي ﷺ لما بعثه إلى اليمن قال: أوصني، قال ﷺ : «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ مَا اسْتَطَعْتَ،
стр. 3937
وَاذْكُر اللَّهَ عِنْدَ كُلِّ شَجَرٍ وَحَجَرٍ، وإذا عَمِلتَ سَيِّئة فَأَحْدِثْ عَنْدَهَا تَوْبَةً؛ السِّرِّ بِالسِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ بِالْعَلَانِيَةِ» (١).
ومن وصايا النبي ﷺ ما رواه أحمد في مسنده من حديث الحسن قال: لما احتضر سلمان ﵁ بكى، وقال: إن رسول الله ﷺ عهد إلينا عهدًا فتركنا ما عهد إلينا أن يكون بلغة أحدنا من الدنيا كزاد الراكب، قال: ثم نظرنا فيما ترك فإذا قيمة ما ترك بضعة وعشرون درهمًا، أو بضعة وثلاثون درهمًا» (٢).
وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام» (٣).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ يريد سفرًا فقال: يا رسول الله أوصني، قال: «أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ»، فلما ولى الرجل قال النبي ﷺ : «اللّهُمّ ازْوِ لَهُ الْأَرْضَ وَهَوّنْ
стр. 3938
عَلَيْهِ السّفَرَ» (١).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي تميمة عن رجل من قومه: أنه أتى رسول الله ﷺ أو قال: شهدت رسول الله ﷺ وأتاه رجل فقال: أنت رسول الله ﷺ ؟ أنت محمد؟ فقال: «نَعَمْ»، قال: فإلام تدعو؟ قال: «أَدْعُو إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ، مَنْ إِذَا كَانَ بِكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَهُ عَنْكَ، وَمَنْ إِذَا أَصَابَكَ عَامُ سَنَةٍ فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَ لَكَ، وَمَنْ إِذَا كُنْتَ فِي أَرْضٍ قَفْرٍ، فَأَضْلَلْتَ فَدَعَوْتَهُ رَدَّ عَلَيْكَ»، قال: فأسلم الرجل، ثم قال: أوصني يا رسول الله، قال له: «لَا تَسُبَّنَّ شَيْئاً» - أو قال: «أَحَداً» شك الحكم - قال: فما سببت بعيرًا ولا شاة منذ أوصاني رسول الله ﷺ «وَلَا تَزْهَدْ فِي الْمَعْرُوفِ وَلَوْ بِبَسْطِ وَجْهِكَ إِلَى أَخِيكَ وَأَنْتَ تُكَلِّمُهُ، وَأَفْرِغْ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَسْقِي وَاتَّزِرْ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الإِزَارِ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ» (٢).
وروى الإمام أحمد في كتابه الزهد والبيهقي في شعب الإيمان من حديث سعيد بن زيد ﵁ أن رجلًا قال: يا رسول الله أوصني، قال: «أُوْصِيكَ أَنْ تَسْتَحيِيَ مَنَ اللَّهِ، كَمَا تَسْتَحيِيَ مِنْ الرَّجلِ الصَّالِحِ مِنْ قوْمِكَ» (٣).
стр. 3939
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث رجل: أنه سمع جرموزًا الهجيمي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أوصني، قال: «أُوْصِيكَ أَنْ لَا تَكُونَ لَعَّانًا» (١).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: أوصى النبي ﷺ رجلًا إذا أخذ مضجعه يقول: «اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إلَيْكَ، لا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إلَّا إلَيْكَ، آمَنْتُ بكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فإنْ مَاتَ مَاتَ علَى الفِطْرَةِ» (٢).
وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلًا قال للنبي ﷺ : أوصني، قال: «لَا تَغْضَبْ»، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: «لَا تَغْضَبْ» (٣).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث طلحة قال: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ أبي أوفى ﵁: آوصى النبيُّ ﷺ ؟ فقال: لا، فقلتُ: كيف كُتب على الناسِ الوصيةُ، أُمروا بها ولم
стр. 3940
يوصِ؟ قال: أوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ (١).
ووصى النبي ﷺ أصحابه جميعًا فقال: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3941
الكلمة الثالثة عشرة
البسملة ومواضعها (رقم (١))
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يذكر الله في كل أحيانه، وكان يفتتح بالبسملة كل أموره، قال ابن القيم ﵀: «وشرع ذكر اسمه تعالى عند الأكل، والشرب، واللبس، والركوب، والجماع؛ لما في مقارنة اسم الله من البركة، وذكر اسمه يطرد الشيطان، فتحصل البركة ولا معارض لها» (١).
وهذه بعض المواضع:
١ - قبل البدء بالطعام أو الشراب: لما رواه البخاري ومسلم من حديث عمرو بن سلمة ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «يَا غُلَامُ! سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» (٢)،
ولحديث: «إذَا أكَلَ أحَدُكُمْ طَعَامًا؛ فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإِنْ نَسِيَ فِي أوَّلِهِ
стр. 3942
فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ فِي أوَّلِهِ وآخِرِهِ» (١).
٢ - عند الدخول إلى المنزل: لما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قالَ الشَّيْطَانُ: لا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ، وإذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، قالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ المَبِيتَ والعَشَاءَ» (٢).
وفي رواية أخرى قال جابر ﵁: «وإنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ طَعَامِهِ، وإنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عِنْدَ دُخُولِهِ» (٣).
وروى الترمذي في سننه من حديث أبي مالك الأشعري ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا وَلَجَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ الْمَوْلَجِ، وَخَيْرَ الْمَخْرَجِ، بِسْمِ اللَّهِ وَلَجْنَا، وَبِسْمِ اللَّهِ خَرَجْنَا، وَعَلَى اللَّهِ رَبِّنَا تَوَكَّلْنَا، ثُمَّ لِيُسَلِّمْ عَلَى أَهْلِهِ» (٤).
٣ - عند الخروج من المنزل: لما رواه أبو داود في سننه من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا خَرَجَ
стр. 3943
الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَاّ بِاللَّهِ، فيَقَالَ لَهُ: حَسْبُكَ، قَدْ كُفِيتَ، وَهُدِيتَ، ووُقِيتَ. فيَلْقى الشَّيْطَانُ شَيْطَانًا آخَرَ فيقولُ له: كَيْفَ لكَ بِرَجُلٍ قَدْ كُفِيَ وهُدِيَ ووُقِيَ» (١).
٤ - عند الدخول إلى المسجد: لما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث فاطمة ? بنت رسول الله ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد قال: «بِسْمِ اللَّهِ، وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ» (٢).
٥ - عند ركوب الدابة: قال تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾ [هود:٤١]. روى الترمذي في سننه من حديث علي بن ربيعة قال: شهدت عليًّا ﵁ أُتي بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله - ثلاثًا-، فلما استوى على ظهرها، قال: الحمد لله، ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ [الزخرف: (١٣) - (١٤)]،
стр. 3944
ثم قال: الحمد لله - ثلاثًا - والله أكبر - ثلاثًا - سبحانك إني قد ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، قلت: من أي شيء ضحكت يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ صنع كما صنعت ثم ضحك، فقلت: من أي شيء ضحكت يا رسول الله؟ قال: «إِنَّ رَبَّكَ لَيَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرُكَ» (١).
٦ - التسمية عند غلق الأبواب، وتغطية الآنية: لما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا اسْتَجْنَحَ اللَّيْلُ، أوْ جُنْحُ اللَّيْلِ، فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فإنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ العِشَاءِ فَخَلُّوهُمْ، وأَغْلِقْ بَابَكَ واذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وأَطْفِئْ مِصْبَاحَكَ واذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وأَوْكِ سِقَاءَكَ واذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وخَمِّرْ إنَاءَكَ واذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، ولو تَعْرُضُ عَلَيْهِ شَيْئًا» (٢).
٧ - عند الذبح: لما رواه البخاري ومسلم من حديث أنس ﵁: ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، قَالَ: وَرَأَيْتُهُ يَذْبَحُهُمَا بِيَدِهِ، وَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا، قَالَ:
стр. 3945
وَسَمَّى وَكَبَّرَ (١).
وفي الصحيحين من حديث رافع بن خديج ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ، فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ» (٢).
٨ - عند الوضوء: لما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ، وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ» (٣).
٩ - عند الجماع: لحديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: «لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ، قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا» (٤).
١٠ - عند النوم: روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى
стр. 3946
فِرَاشِهِ، فَلْيَأْخُذْ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ، فَلْيَنْفُضْ بِهَا فِرَاشَهُ، وَلِيُسَمِّ اللَّهَ، فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَاَ خَلَفَهُ بَعْدَهُ عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَضْطَجِعَ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ وَلْيَقُلْ: سُبْحَانَكَ رَبِّي، بكَ وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا، وإنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ» (١).
١١ - عند الرقية وطلب الشفاء: كما في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقول للمريض: «بِسْمِ اللَّهِ؛ تربَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، يُشْفَى سَقِيمُنَا، بإِذْنِ رَبِّنَا» (٢).
وروى مسلم في صحيحه من حديث عثمان بن أبي العاص الثقفي ﵁: أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله ﷺ : «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي يَأْلَمَ مَنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ - ثَلَاثًا - وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ» (٣).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ:
стр. 3947
أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇، أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللَّهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3948
الكلمة الرابعة عشرة
البسملة ومواضعها (رقم (٢))
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فلا زال الكلام على المواضع التي كان النبي ﷺ يذكر فيها اسم الله تعالى، فمن ذلك:
أولًا: التسمية عند وضع الميت في قبره: لما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ كان إذا وضع الميت في القبر قال - (وفي لفظ أن النبي ﷺ قال: «إذَا وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ فِي الْقُبُورِ) فَقُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» (١). وفي رواية: «مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» (٢).
ثانيًا: التسمية عند الصيد: لما رواه البخاري ومسلم في
стр. 3949
صحيحيهما من حديث عدي بن حاتم ﵁ قال: سألت النبي ﷺ عن صيد المعراض، قال: «مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْهُ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ»، وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَيْدِ الكَلْبِ، فَقَالَ: «مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْ، فَإِنَّ أَخْذَ الكَلْبِ ذَكَاةٌ، وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ أَوْ كِلَابِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ، فَخَشِيتَ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مَعَهُ، وَقَدْ قَتَلَهُ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى غَيْرِهِ» (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ مُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ» (٢).
ثالثًا: التسمية عند ركوب الإبل: لما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث حمزة بن عمرو ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عَلَى ظَهْرِ كُلِّ بَعِيرٍ شَيْطَانٌ،
стр. 3950
فَإِذَا رَكِبْتُمُوهَا فَسَمُّوا اللَّهَ ، ثُمَّ لَا تُقَصِّرُوا عَنْ حَاجَاتِكُمْ» (١).
رابعًا: التسمية عند الغزو: لما رواه مسلم في صحيحه من حديث بريدة بن الحصيب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: «اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ .. » الحديث (٢).
خامسًا: التسمية عند الإصابة في المعركة: لما رواه النسائي من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَوَلَّى النَّاسُ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَاحِيَةٍ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَفِيهِمْ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁، فَأَدْرَكَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «مَنْ لِلْقَوْمِ؟» فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَمَا أَنْتَ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «أَنْتَ»، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ: «مَنْ لِلْقَوْمِ؟» فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا، قَالَ: «كَمَا أَنْتَ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا، فَقَالَ: «أَنْتَ»، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ، وَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ
стр. 3951
رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَيُقَاتِلُ قِتَالَ مَنْ قَبْلَهُ حَتَّى يُقْتَلَ، حَتَّى بَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ لِلْقَوْمِ؟» فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا، فَقَاتَلَ طَلْحَةُ قِتَالَ الْأَحَدَ عَشَرَ، حَتَّى ضُرِبَتْ يَدُهُ، فَقُطِعَتْ أَصَابِعُهُ، فَقَالَ: حَسِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ قُلْتَ: بِسْمِ اللَّهِ لَرَفَعَتْكَ الْمَلَائِكَةُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ»، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ (١).
سادسًا: التسمية عند كتابة الكتب: لما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄ عن أبي سفيان ﵁ في خبره عن ملك الروم قال: ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَهُ، فَإِذَا فِيهِ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى .. أما بعد» (٢).
سابعًا: التسمية عند مواجهة الأمور الصعبة: روى الإمام أحمد في مسنده من حديث جابر ﵁ قال: مَكَثَ
стр. 3952
النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وَهُمْ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ ثَلَاثًا لَمْ يَذُوقُوا طَعَامًا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَاهُنَا كُدْيَةً (١) مِنَ الْجَبَلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رُشُّوهَا بِالْمَاءِ»، فَرَشُّوهَا، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ (٢) - أَوِ الْمِسْحَاةَ (٣) - ثُمَّ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ»، فَضَرَبَ ثَلَاثًا، فَصَارَتْ كَثِيبًا (٤) يُهَالُ (٥)، قَالَ جَابِرٌ: فَحَانَتْ مِنِّي الْتِفَاتَةٌ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ شَدَّ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا.
ثامنًا: عند التعثر: لما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي تميمة الهجيمي عمن كان رديف النبي ﷺ قال: كنت رديفه على حمار فعثر الحمار، فقلت: تعس الشيطان، فقال لي النبي ﷺ : «لَا تَقُلْ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ، فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ، تَعَاظَمَ الشَّيْطَانُ فِي نَفْسِهِ، وَقَالَ: صَرَعْتُهُ بِقُوَّتِي، فَإِذَا قُلْتَ: بِسْمِ اللَّهِ، تَصَاغَرَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ حَتَّى يَكُونَ أَصْغَرَ مِنْ ذُبَابٍ» (٦).
стр. 3953
تاسعًا: عند أذكار الصباح والمساء لحفظ الإنسان مما يضره: لما رواه الترمذي في سننه من حديث أبان بن عثمان قال: سمعت عثمان بن عفان ﵁ يقول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَيَضُرُّهُ شَيْءٌ» الحديث (١)(٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3954
الكلمة الخامسة عشرة
التولة والتمائم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فإن أعظم الذنوب عند الله تعالى الشرك به سبحانه، قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣].
والشرك ينقسم إلى قسمين: شرك أكبر، وشرك أصغر، فأما الشرك الأكبر فهو الذي يخرج صاحبه من دائرة الإسلام ويوجب له الخلود في النار ويحرم عليه الجنة إذا لم يتب ومات عليه، ومن الشرك الأكبر صرف عبادة من العبادات لغير الله تعالى، مثل الدعاء، أو النذر، أو الخوف، أو الذبح، قال -سُبْحَانَهُ-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦].
وأما الشرك الأصغر فهو الذي لا يخرج صاحبه من الملة، ولكنه ينقص من توحيده، وهو وسيلة إلى الشرك الأكبر، فهو يختص بالأعمال والأقوال الظاهرة، أما الألفاظ الظاهرة فمثل
стр. 3955
الحلف بغير الله، وقول: «ما شاءَ اللَّهُ وشِئْتَ»، وقول: «لَوْلَا اللَّهُ وَفُلَانٌ»، و «وَلَوْلَا اللَّهُ ثُمَّ فُلَانٌ» .. وهكذا.
أما الأفعال فهي كثيرة جدًّا مثل: تعليق التمائم خوفًا من العين، أو لبس الحلقة، أو الخيط لرفع البلاء أو دفعه، هذا مع اعتقاده أنها سبب لرفع البلاء أو دفعه، فإن اعتقد أنها تدفع أو ترفع البلاء بنفسها، فهذا شرك أكبر.
«والتمائم: شيء يعلق على الأولاد من العين أو الجن، وقد تعلق على المرضى والكبار، وقد تعلق على الإبل ... ونحو ذلك، ويسمى ما يعلق على الدواب الأوتار، وهي من الشرك الأصغر، وحكمها حكم التمائم» (١).
قال الشيخ الألباني ﵀: «ولا تزال هذه الضلالة - أي التمائم - فاشية بين البدو والفلاحين وبعض المدنيين، ومثلها الخرزات التي يضعها بعض السائقين أمامهم في السيارة يعلقونها على المرآة، وبعضهم يعلق نعلًا في مقدمة السيارة أو في مؤخرتها، وغيرهم يعلقون نعل فرس في واجهة الدار والدكان، كل ذلك لدفع العين - كما زعموا - أو غير ذلك مما عم وطم بسبب الجهل بالتوحيد وما ينافيه من الشركيات
стр. 3956
والوثنيات» (١).
«وأما التِّولة فهي نوع من السحر يسمونه الصرف والعطف، وهو شيء يعلقونه على الزوج يزعمون أنه يحبب الزوجة إلى زوجها، والزوج إلى امرأته، وهذا شرك لأنه ليس بسبب شرعي ولا قدري للمحبة.
ومثل ذلك الدبلة، والدبلة خاتم يُشترى عند الزواج يوضع في يد الزوج، وإذا ألقاه الزوج قالت المرأة إنه لا يحبها، فهم يعتقدون فيه النفع والضر، ويقولون إنه ما دام في يد الزوج فإنه يعني أن العلاقة بينهما ثابتة، والعكس بالعكس، فإذا وجدت هذه النية فإنه من الشرك الأصغر، وإن لم توجد هذه النية وهي بعيدة ألَّا تصحبها ففيه شبه بالنصارى فإنها مأخوذة منهم» (٢).
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً، فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً، فَلَا وَدَعَ اللَّهُ لَهُ» (٣).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عقبة بن عامر
стр. 3957
الجهني ﵁: أن رسول الله ﷺ أقبل إليه رهط فبايع تسعة، وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله بايعت تسعة وتركت هذا؟ قال: «إِنَّ عَلَيْهِ تَمِيمَةً»، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَقَطَعَهَا، فَبَايَعَهُ، وَقَالَ: «مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ» (١).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ» (٢).
وجاء في عقوبة من تعلق بشيء من ذلك أن الله تعالى ينزع منه عونه ومدده ونصرته، قال ﷺ : «مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ - أَوْ عَلَيْهِ» (٣).
قال الشيخ عبدالعزيز بن باز ﵀: «التمائم إذا كانت من أسماء الشياطين أو العظام أو الخرز أو المسامير أو الطلاسم - وهي الحروف المقطعة - وأشباه ذلك من الشرك الأصغر، وقد تكون شركًا أكبر إذا اعتقد معلق التميمة أنها تحفظه أو تكشف عنه المرض أو تدفع عنه الضرر دون إذن الله تعالى ومشيئته» (٤).
стр. 3958
سُئلت اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية عن القرطاس الذي يعلقونه في العنق للحفظ، هل يجوز أم لا؟
فكان الجواب: تعليق شيء بالعنق أو ربطه بأي عضو من أعضاء الشخص، فإن كان من غير القرآن فهو محرم، بل شرك؛ لما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث عمران بن حصين ﵁: أن النبي ﷺ رأى رجلًا في يده حلقة من صفر، فقال: «مَاَ هَذَاَ؟» قال: مِنَ الْوَاهِنَةِ، فقال: «انْزِعْهَا فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا، فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا» (١).
وما رواه عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً، فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً، فَلَا وَدَعَ اللَّهُ لَهُ» (٢)، وفي رواية لأحمد: «مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ» (٣). وما رواه أحمد وأبو داود عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ» (٤).
وإن كان ما علقه من آيات القرآن، فالصحيح أنه ممنوع
стр. 3959
أيضًا لثلاثة أمور:
الأول: عموم أحاديث النهي عن تعليق التمائم ولا مخصص لها.
الثاني: سد الذريعة، فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك.
الثالث: أن ما علق من ذلك يكون عرضة للامتهان بحمله معه في حال قضاء الحاجة، والاستنجاء، والجماع .. ونحو ذلك (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3960
الكلمة السادسة عشرة
الرقى
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فمن الأدوية الإلهية التي جاء الشرع بها الرقى، والمقصود بالرقى القراءة على المريض ويسميها العوام العزيمة، روى مسلم في صحيحه من حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁. قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله! كيف ترى في ذلك؟ فقال: «اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» (١).
والرقية نوعان: مشروع وممنوع.
أما المشروع: فما كان بالقرآن، وأسماء الله وصفاته، ودعائه، والاستعاذة به وحده لا شريك له، ففي صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: رخص رسول الله ﷺ في